عِنْدَ مَالِكٍ لِلْمَالِ (١)، فَلَا يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهِ. وَهُوَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُعْتَبَرُ مَعَ الْمَالِ (٢). وَأَظُنُّ أَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ لَا يُجِيزُ الشَّرِكَةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَالَاهُمَا مُتَسَاوِبَيْنِ الْتِفَاتًا إِلَى الْعَمَلِ).
جمهور العلماء -وفيهم الأئمة الأربعة- لا يشترطون أن يكون مال الشريكين متساويًا، وخالفهم بعض الشافعية -وهم مَن قصدهم بقوله: وأظن أن من العلماء- فقالوا باشتراط ذلك؛ التفاتًا إلى العمل.
* قولُهُ: (فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْعَمَلَ فِي الْغَالِبِ مُسْتَوٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَالُ بَيْنَهُمَا عَلَى التَّسَاوِي كَانَ هُنَالِك غبن على أحدهما في العمل).
يوضح بذلك علة بعض الشافعية في اشترط تساوي المالين في الشركة، ومخالفتهم لإمامهم الشافعي الذي وافق الجمهور في عدم اشتراط ذلك.
* قولُهُ: (وَلهَذَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الشَّرِكةِ الَّتِي يُخْرِجُ فِيهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ مَالًا مِثْلَ مَالِ صَاحِبِهِ مِنْ نَوْعِهِ (أَعْنِي: دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ)، ثُمَّ يَخْلِطَانِهِمَا حَتَّى يَصِيرَا مَالًا وَاحِدًا لَا يَتَمَيَّزُ) (٣).
فعند تساوي المالين لا خلاف في جواز الشركة.
стр. 7982
* قولُهُ: (عَلَى أَنْ يَبِيعَا وَيَشْتَرِيَا مَا رَأَيَا مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ، وَعَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْ فَضْلٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا بِنِصْفَيْن، وَمَا كَان مِنْ خَسَارَةٍ فَهُوَ كذَلِكَ).
فما كان من فضل ربح، أو خسارة؛ فهو بينهما بنصفين.
* قولُهُ: (وذَلِكَ إِذَا بَاعَ كلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ، وَاشْتِرَاطُهُ هَذَا الشَّرْطَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهِ خِلَافًا).
يبين بهذا الشرط الخلافَ عند الشافعية -ممن قال باشتراط تساوي المالين- عند عدم تساوي المالين. وهو خلاف يسير داخل المذهب (١)؛ ولكن الصحيح هو قول جمهور العلماء من عدم منع التساوي في الربح مع اختلاف رأس المال من حيث القدر.
* قولُهُ: (وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَبِيعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ) (٢).
أصل الشركة قائم على الأمانة في المال الذي قامت عليه الشركة، فكل من الشريكين كأنه وكيل عن الآخر في التصرف في المال؛ لأن الإنسان لا يشارك خائنًا أو معروفًا بالتفريط أو الغش؛ وذلك ما جعل الجمهور لا يشترطون أن يبيع كل واحد منهما بحضرة صاحبه؛ لما فيه من تضييق.
стр. 7983
وإذا ما اشترط أحدهما حدًّا في التصرف، كأن يبيع نوعًا معينًا من البضائع في بلدٍ معين، فعلى الآخر أن يلتزم به. وإذا أذن له في التصرف مطلقًا، جاز له ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الْقَوْلُ فِي شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ) (١)
المفاوضة: أن يفوض كل واحد من الشريكين صاحبه في التصرف، وهذه تدخل فيها أنواع الشركات: شركة المفاوضة، وشركة الأبدان، وشركة الوجوه.
стр. 7984
* قولُهُ: (وَاخْتَلَفا فِي شَرِكةِ الْمُفَاوَضَةِ: فَاتَّفَقَ مَالِكٌ (١) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢) بِالْجُمْلَةِ عَلَى جَوَازِهَا؛ وَإِنْ كَانَ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ شُرُوطِهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ (٣)).
اختلفت أقوال العلماء في جواز شركة المفاوضة:
- أبو حنيفة وأحمد (٤) يجيزان أنواع الشركات الخمس.
- مالك يجيز شركة المفاوضة على اعتبار كونها بيعًا، ولا يشترط تساوي المالين.
- الشافعي لا يجيز شركة المفاوضة، ولا شركة الأبدان، ولا شركة الوجوه؛ وإنما يجيز من الشركات شركتين فقط: شركة المضاربة، وشركة العنان.
* قولُهُ: (وَمَعْنَى شَرِكةِ الْمُفَاوَضَةِ: أَنْ يُفَوِّضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ إِلَى صَاحِبِهِ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ مَعَ غَيْبَتِهِ وَحُضُورِهِ، وَذَلِكَ وَاقِعٌ عِنْدَهُمْ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمُمْتَلَكَاتِ).
стр. 7985
"شركة المفاوضة": أن يفوض كل واحد من الشريكين صاحبه في التصرف في ماله مع غيبتة وحضوره، وهو عندهم في جميع أنواع الممتلكات من عقار وغيره.
* قولُهُ: (وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيُّ: أَنَّ اسْمَ الشَّرِكَةِ إِنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى اخْتِلَاطِ الْأَمْوَالِ (١)، فَإِنَّ الْأَرْبَاحَ فُرُوعٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْفُرُوعُ مُشْتَرَكَةً إِلَّا بِاشْتِرَاكِ أُصُولِهَا).
يحتج الشافعي في قولُهُ بعدم جواز شركة المفاوضة إلى اشتراط تحقق اختلاط المالين بحيث يصيرًا مالًا واحدًا، ثم يستدل بأن الأرباح فروع عن هذه الشركة؛ ولا بد من اشتراك أصول الشركة؛ حتى يجوز أن تكون الفروع مشتركة.
مالكٌ يرى أن يوضع المالان في صندوق واحد في حانوت واحد بيد وكيل (٢)؛ فمذهبه قريب جدًّا من مذهب الحنفية والحنابلة.
* قولُهُ: (وَأَمَّا إِذَا اشْتَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رِبْحًا لِصَاحِبِهِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ فَذَلِكَ مِنَ الْغَرَرِ وَمِمَّا لَا يَجُوزُ).
فلم تصح شركة المفاوضة عند الشافعية؛ لعدم تحقق الخلط بين المالين.
* قولُهُ: (وَهَذِهِ صِفَةُ شَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ. وَأَمَّا مَالِكٌ: فَيَرَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ بَاعَ جُزْءًا مِنْ مَالِهِ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِ شَرِيكِهِ، ثُمَّ وَكَّلَ وَاحِدٌ
стр. 7986
مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَلَى النَّظَرِ فِي الْجُزْءِ الَّذِي بَقِيَ فِي يَدِهِ (١)).
وأمَّا مالكٌ فيحتج لشركة المفاوضة بأن كل واحد منهما قد باع جزءًا من ماله بجزء من مال شريكه، وعلى هذا الأساس؛ صار كل منهما وكيلًا عن الآخر.
* قولُهُ: (وَالشَّافِعِيُّ يَرَى أَنَّ الشَّرِكَةَ لَيْسَتْ هِيَ بَيْعًا، وَوَكَالَةً (٢). وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ: فَهُوَ هَاهُنَا عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّهُ لَا يُرَاعِي فِي شَرِكَةِ الْعِنَانِ إِلَّا النَّقْدَ فَقَطْ (٣). وَأَمَّا مَا يَخْتَلِفُ فِيهِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ مِنْ شُرُوطِ هَذِهِ الشَّرِكَةِ: فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَرَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُفَاوَضَةِ التَّسَاوِيَ فِي رُؤُوسِ الْأَمْوَالِ (٤)، وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا) (٥).
فالشافعي يخالف ما قال به الإمام مالك من كون الشركة بيعًا ووكالة، فلا يرى ذلك الشافعي.
стр. 7987
وأما الإمام أبو حنيفة، فهو على أصله في شركة العنان إنما يعتبر في الشركة النقد فقط.
ووجه الاختلاف بين أبي حثيفة ومالك؛ في اشتراط أبي حنيفة تساوي رؤوس الأموال في شركة المفاوضة، وهو ما لا يشترطه مالكٌ وأحمد.
* قولُهُ: (ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِشَرِكَةِ الْعِنَانِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي الشَّرِكَةِ. وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّ اسْمَ الْمُفَاوَضَةِ يَقْتَضِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ -أَعْنِي: تَسَاوِيَ الْمَالَيْنِ وَتَعْمِيمَ مِلْكِهِمَا-).
يعني: تعميم المفاوضة كأنَّ كل واحد منهما فوض صاحبه؛ فكل ما تحت يده من المال يدخل في ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الْقَوْلُ فِي شَرِكةِ الْأَبْدَانِ) (١)
شركة الأبدان: أن يشترك اثنان فأكثر فيما يعملان ببدنيهما ولا مال معهما، وما يكون من ربح فهو مشترك بينهما؛ مثل الخياطين، والذين
стр. 7988
يشغلون في جمع الحطب، أو الصيد، وغير ذلك من الأعمال.
* قولُهُ: (وَشَرِكَةُ الْأَبْدَان بِالْجُمْلَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (١)، وَالْمَالِكِيَّةِ (٢) جَائِزَةٌ).
وكذلك شركة الأبدان جائزة عند أحمد (٣).
* قولُهُ: (وَمَنَعَ مِنْهَا الشَّافِعِيُّ) (٤).
وذلك لما يرى فيه من الغرر كما مر.
* قوله: (وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الشَّرِكَةَ إِنَّمَا تَخْتَصُّ بِالْأَمْوَالِ لَا بِالْأَعْمَالِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَا يَنْضَبِطُ فَهُوَ غَرَز عِنْدَهُمْ؛ إِذْ كَانَ عَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجْهُولًا عِنْدَ صَاحِبِهِ).
الشافعية يقولون بعدم جواز شركة الأبدان؛ لأنها لا تقوم على مال يضبط حق الشريكين؛ وإنما تقوم على العمل، والعمل يختلف بين الشريكين.
أمَّا الجمهور فيرون ذلك جائزًا؛ لأن الاشتراك في العمل مما أباحه الله؛ فهو جائز أن تقوم الشركة على أساسه؛ كما في قصة سعد
стр. 7989
وعمَّار وعبد الله بن مسعود ﵃ يوم بدر، فإنهم اتفقوا على أن ما يحصل عليه أحدهم فهو شركة بينهم، فجاء سعد بأسيرين، ولم يأت الآخران بشيءٍ، فاشتركوا في ذلك.
* قولُهُ: (وَعُمْدَةُ الْمَالِكِيَّةِ: اشْتِرَاكُ الْغَانِمِينَ فِي الْغَنِيمَةِ).
دليل المالكية على جواز شركة الأبدان: اشتراك الغانمين في الغنيمة.
وقد رد العلماء على من استدل بأمر الاشتراك في الغنيمة؛ بأنه أمر لم يقره الرسول ﷺ ، أو أن الأصل ألا يشترك أحد في المغانم؛ لأنها عامة لا ينفرد بها أحد ونردُّ عليهم بأن اشتراك الغانمين في الغنيمة أمر مشهور، بل لم يُنقل عن الرسول ﷺ إنكاره، وأن الأصل في المعاملات الإباحةُ، وقد جاء الأثر أنَّ الرسول ﷺ قد رخص لمن وجد شيئًا أن يأخذه في غزوة بَدْر.
* قولُهُ: (وَهُمْ إِنَّمَا اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ بِالْعَمَلِ. "وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ شَارَكَ سَعْدًا يَوْمَ بَدْرٍ).
كانوا يقاتلون في وقعة بدر، واشترك ابن مسعود وسعد وعمار؛ فأصاب سعد أسيرين فاشتركوا فيهما؛ وما كان بينهم إلا هذا العمل.
* قولُهُ: (فَأَصَابَ سَعْدٌ فَرَسَيْنِ).
الصحيح: أصاب (أسيرين) لا (فرسين)؛ والحديث رواه أحمد (١) وأبو داود (٢) والنسائي (٣) وابن ماجه (٤) وجمعٌ من العلماء، ولم يرد فيه ذكر (فرسين)، ولعلها تصحيف من (فارسين).
стр. 7990
" قوله: (وَلَمْ يُصِبِ ابْنَ مَسْعُودٍ شَيْئًا، فَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمَا ").
واعتمد مجيزو هذه الشركة في الاحتجاج بهذا الأثر:
- أنَّه لا يخفى ذلك على الرسول؛ فقد اشتهرت هذه الحادثة ولم يُنقل عن رسول الله ﷺ أنه أنكرها؛ فدل على جوازها.
- أنه لا يمكن أن يتصرف الصحابة ﵃ في ذلك دون أن يسألوا رسول الله ﷺ ، وهم أتقى الناس وأشدهم حرصًا على الحلال والورع والزهد في الدنيا، ومن أمثلة ورع وزهد الصحابة؛ ما كان من تورعهم في اقتسام أجر الرقية حتى أتوا رسول الله ﷺ وسألوه؛ فقال: "أَصَبْتُمُ، اقْتَسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ" (١).
- أن ابن مسعود وسعدًا وعمارًا من أكابر الصحابة وفقهائهم، فلا يمكن أن يُقْدِموا على عمل يشكون أحلال هو أو حرام.
* قولُهُ: (وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُضَارَبَةَ إِنَّمَا تَنْعَقِدُ عَلَى الْعَمَلِ، فَجَازَ أَنْ تَنْعَقِدَ عَلَيْهِ الشَّرِكَةُ).
стр. 7991
هذا من الاحتجاج على الشافعية؛ فإنه لما جازت الشركة بالمضاربة المنعقدة على العمل، جاز قياسًا شركة الأبدان المنعقدة على العمل.
* قولُهُ: (وَلِلشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُفَاوَضَةَ خَارِجَةٌ عَنِ الْأُصُولِ).
هذا ينطبق على شركة المضاربة لا المفاوضة؛ وقد استثنيت شركة المضاربة وجاء على خلاف الأصول؛ لأن فيها جهالة، وهذه الجهالة استثنيت. فالصحيح أن تكون المضاربة لا المفاوضة؛ لأنَّ الشافعية لا يرون جواز المفاوضة.
* قولُهُ: (فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا) (١).
هذا أمر واضح جدًّا لا شك فيه؛ فلا يقاس عليها، لكن عندما تقول: المفاوضة خارجة عن الأصول لا يقاس عليها؛ لو قيل المضاربة تقاس عليها؛ ربما يقال: إن نفس المضاربة خارجة عن الأصول.
* قولُهُ: (وَكَذَلِكَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ خَارِجًا عَنِ الشَّرِكَةِ).
ليس خروج حكم الغنيمة عن الشركة شرطًا؛ لأنها تنتهي إلى أن تقسم، ويأخذ كل واحد منهم نصيبه. وقد جاء النهي بعد ثبوت تقسيمها عن الغل؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ والصحابة ﵃ عندما أخذوا بإذن رسول الله، ثم منع الأخذ من الغنيمة حتى يتم القسم.
* قوله: (وَمِنْ شَرْطِهَا عِنْدَ مَالِكٍ اتِّفَاقُ الصَّنْعَتَيْنِ وَالْمَكَانِ) (٢).
стр. 7992
اشترط مالك وأحمد (١) اتفاقَ الصنعتين؛ فتكون بين نجار ونجار، خياط وخياط، وهكذا، فلا يجوز اختلاف الصنعتين كخياط مع نجار، أو صائد سمك مع بنَّاء؛ لوجود الغرر في ذلك. فلذلك اشترط مالك وأحمد اتحاد الصنعتين.
* قولُهُ: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجُوزُ مَعَ اخْتِلَافِ الصَّنْعَتَيْنِ (٢)، فَيَشْتَرِكُ عِنْدَهُ الدِّبَاغُ وَالْقِصَارُ، وَلَا يَشْتَرِكَانِ عِنْدَ مَالِكٍ).
القصد بالقصار قصار الثياب، والدباغ الذي يدبغ الجلود.
* قولُهُ: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ: زِيَادَةُ الْغَرَرِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الصَّنْعَتَيْنِ أَوِ اخْتِلَافِ الْمَكَافي. وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ: جَوَازُ الشَّرِكَةِ عَلَى الْعَمَلِ).
يتفق مالك وأحمد في هذه المسألة.
فعمدة مالك وأحمد -كما مر- لتضييق رقعة الغرر الحاصل باختلاف الصنعتين.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الْقَوْلُ فِي شَرِكَةِ الْوُجُوهِ) (٣)
" الوجوه": جمع وجه؛ كأنه نسبها إلى الوجه؛ والمراد أن شركة
стр. 7993
الوجوه من الوجاهة، يقال: فلانٌ وجيهٌ، أي: له وجاهة عند قومه. ويقال: "وجهاء القوم" أي: أعالي القوم. ووصف الله موسى ﵇: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.
فشركة الوجوه كأن الإنسان أخذ فيها بجاهه، وهي شركة لا تقوم على المال، لكن لمعرفة الناس بهذين الرجلين وثقتهم بهما، واتصافهما بالأخلاق الكريمة والسجايا الحسنة كالصدق والأمانة؛ فإن التجار يثقون بهما، فإذا أعطوا الشريكين أو أحدهما بضاعة فلأنهم يرون أنها تساوي من يدفع قيمه وأكثر. وهذا موجود -بحمد الله- عند كثيرٍ من الناس ممن يهبه الله الأمانة والصدق في القول، وإخلاص العمل، والبر والتقوى في كل تصرفاته؛ فمثله يريد له الجار الخير، وهذا من تيسير الله للإنسان عندما يتصف بالخير؛ كما في حديث: "إن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل: إني أحب فلانًا فأحبه؛ فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء، وبوضعِ له القبول في الأرض. وإنَّ الله إذا أبغض عبدًا نادى جبريل: إني أبغض فلانًا فأبغضه … " الحديث (١).
فالناس إذا عرفوا فلانًا يبيع بالصدق ويتعامل به؛ فإنه يكثر زبائنه، ويتردد الناس عليه. أمَّا إذا عرفوا أنه يمكر بالناس ويخادعهم ويحتال عليهم؛ فإن الناس يبتعدون عنه.
стр. 7994
وهذا معنى شركة الوجوه أن كلا الشريكين يأخذان بجاههما، أي: بمعرفة التجار لثقتهما؛ فيعطيهم التجار بضاعة لبيع، فيبيعانها وما يكون من الربح فهو بينهما.
* قولُهُ: (وَشَرِكَةُ الْوُجُوهِ عِنْدَ مَالِكٍ (١) وَالشَّافِعِيِّ (٢) بَاطِلَةٌ).
فمالك والشافعي لا يجيزان شركة الوجوه؛ لأنها عندهما لا تقوم على أساس، لكنها عند أبي حنيفة (٣) وأحمد (٤) جائزة.
فينبغي أن ندقق في الأحكام الفقهية، ونعلم أن الشريعة جاءت لتوسع على الناس، ولترفع عنهم الحرج والمشقة، لا لتضيق عليهم، فالله يبين لنا في القرآن الكريم أنه يريد بنا اليسر، ويريد أن يخفف عنا، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، والنبي ﵌ كان يدعو الناس ويأمرهم بذلك: "بَشِّروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا" (٥).
فشركة الوجوه بمفهومها القائم على اعتبار الوجاهة من الصدق والأمانة تيسر على الناس، وتتفق بذلك مع روح الشريعة التي تنظر إلى مصالح الناس.
* قولُهُ: (وَهَذِهِ الشَّرِكَةُ هِيَ الشَّرِكَةُ عَلَى الذِّمَمِ مِنْ غَيْرِ صَنْعَةٍ وَلَا مَالٍ).
стр. 7995
شركة الوجوه قائمة على الذمم؛ فلا مال فيها، بل يعطيه التاجر على أساس ذمته.
* قولُهُ: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ: أَنَّ الشَّرِكَةَ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ عَلَى الْمَالِ، أَوْ عَلَى الْعَمَلِ، وَكِلَاهُمَا مَعْدُومَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْغَرَرِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَاوَضَ صَاحِبَهُ بِكَسْبٍ غَيْرِ مَحْدُودٍ بِصِنَاعَةٍ وَلَا عَمَلٍ مَخْصُوصٍ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَمِدُ أَنَّهُ عَمَلٌ مِنَ الأعْمَالِ، فَجَازَ أَنْ تَنْعَقِدَ عَلَيْهِ الشَّرِكةُ).
عمدة مالك والشافعي -رحمهما الله- في عدم القول بجواز شركة الوجوه أن الشركة إنما تقوم على المال والعمل، وهما معدومان في هذه الشركة.
والحقيقة أن هذه الشركة تنتهي إلى العمل؛ بأخذ المال والعمل فيه، وإلا لو أخذ المال دون العمل فيه لأدى إلى ضياع حقوق الآخرين.
أمَّا أبو حنيفة وأحمد فيريان شركة الوجوه عملًا من الأعمال -كما مر- والله أباح العمل، وحثنا رسوله ﷺ -عليه، ورغب فيه، وأنكر على السائل سؤاله، وأمره بأن يعمل؛ بأن يأخذ حبلًا وفأسًا ويحتطب.
وشركة الوجوه تقوم على عمل مؤسس على وجاهة الشريكين، فما الماح منه؟!
فالمؤلف ألمح لشركة الوجوه، والحقيقة -كما مر- أنها قائمة على الصدق والمعاملة الحسنة، والناس لا يعطون أموالهم إلا لمن يثقون فيه؛ لذلك سُميت "شركة الوجوه".
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الشَّرِكَةِ الصَّحِيحَةِ
وَهِيَ مِنَ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ لَا مِنَ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ) (١).
стр. 7996
لا شك أن الشركة من العقود الجائزة وليست عقدًا لازمًا، فلكل واحد من الشريكين أن يفسخها. وأدلة هذه الشركة كما جاء في القرآن الكريم؛ في قولُهُ تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ إلى آخر الآية.
стр. 7997
وقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾.
وكذلك ما جاء في قصة البراء بن عازب وزيد بن أرقم عندما كانا شريكين فاشتريا فضة بنقد ونسيئة؛ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : "أمَّا النقد فنعم"؛ فأمرهم "أن ما كان بنقد فأجيزوه، وما كان بنسيئة فردو" (١).
إذن الشركة من العقود الجائزة، وليست لازمة، فلكل واحد من الشريكين أن يفسخ لكن بشرط ألا يترتب عليه ضرر كما علمنا عند الحديث عن شركة المضاربة.
* قولُهُ: (أَيْ: لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَنْفَصِلَ مِنَ الشَّرِكَةِ مَتَى شَاءَ، وَهِيَ عَقْدٌ غَيْرُ مَوْرُوثٍ).
ما دامت عقدًا جائزًا؛ فهو غير موروث.
* قولُهُ: (وَنَفَقَتُهُمَا وَكسْوَتُهُمَا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ إِذَا تَقَارَبَا فِي الْعِيَالِ، وَلَمْ يَخْرُجَا عَنْ نَفَقَةِ مِثْلِهِمَا).
يعني نفقتهما المعتادة التي لا يكون فيها إسراف من أحدهما بأن يجاوز الحد في الإغداق على نفسه، ولا تقتير من الآخر بأن يدخر.
* قولُهُ: (وَبَجُوزُ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُبْضِعَ، وَأَنْ يُقَارِضَ، وَأَنْ يُودِعَ).
يبضع بمعنى: أن يعطي غيره بضاعة.
стр. 7998
* قولُهُ: (وَأَنْ يُقَارِضَ).
يقارض بمعنى: أن يدفع مال الشركة قراضًا يعني مضاربة.
* قولُهُ: (وَأَنْ يُودِعَ).
يوح بمعنى: أن يأخذ جزءًا من المال فيضعه وديعة وأمانة؛ فهي إشارة إلى التصرف.
* قولُهُ: (وَأَنْ يُودِعَ إِذَا دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَهَبَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ).
لا تجوز الهبة من مال الشركة؛ لأن الهبة إنما هي إذهاب للشيء، وهذا لا يكون إلا للإنسان الذي له التصرف الكامل في ماله المستقل. أما الهبة من مال الشركة دون موافقة شريكه فلا تجوز؛ لأن هذا المال سيخرج بلا عوض.
* قولُهُ: (وَلَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ إِلَّا تَصَرُّفًا يَرَى أَنَّهُ نَظَرٌ لَهُمَا).
فما كان ظاهره أنه يؤدي لضياع مال الشركة لا يجوز تصرفه؛ فينبغي أن يكون تصرفه في موضع إمعان النظر والحكمة، هذا بخلاف تصرفه في غير ما خطئ ثم ترتب عليه خسارة؛ فلا يؤاخذ به.
* قولُهُ: (فَأَمَّا مَنْ قَصَّرَ فِي شَيْءٍ أَوْ تَعَدَّى فَهُوَ ضَامِنٌ).
الشريك إذا أهمل أو قصر مجاوزًا الحد؛ فإنه يتحمل أمر إهماله وتعديه.
* قولُهُ: (مِثْلَ أَنْ يَدْفَعَ مَالًا مِنَ التِّجَارَةِ فَلَا يَشْهَدُ، وَيُنْكِرُهُ الْقَابِضُ؛ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ قَصَّرَ إِذْ لَمْ يُشْهِد).
فإن الله أمرنا بالكتابة والإشهاد؛ وتركُهما يعد إهمالًا من الشريك؛ فيضمن عند ذلك.
стр. 7999
* قولُهُ: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾.
فهو أمر من الله؛ فلا ينبغي أن يستحيي الناس من كتابة الحقوق، وعدم التفريط في ذلك؛ لأن هذا هو توجيه الله ، ولا يقدح في الثقة بين الناس.
* قولُهُ: (وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ الشَّيءَ الْمَعِيبَ فِي الشِّرَاءِ).
إذا رأى المصلحة في ذلك؛ كأن يشتري سلعة فيها نوع من العيب، ثم تباع بعد ذلك بثمن أكثر، أو يكون العيب في جزء واحد في السلعة أو في بعضها وليس فيها كلها؛ فإذا ما أخرج ما فيه عيب؛ حصل الربح في الباقي غير المعيب.
* قولُهُ: (وَإِقْرَارُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي مَالٍ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ، وَتَجُوزُ إِقَالَتُهُ (١)، وَتَوْلِيَتُهُ (٢)، وَلَا يَضْمَنُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مَا ذَهَبَ مِنْ مَالِ
стр. 8000
التِّجَارَةِ بِاتِّفَاقٍ، وَلَا يَجُوزُ لِلشَّرِيكِ الْمُفَاوِضِ أَنْ يُقَارِضَ غَيْرَهُ إِلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ) (١).
نعم؛ لأن هذه من الأمور الهامة، إلا إذا أعطاه تفويضًا مطلمًا.
* قولُهُ: (وَيَتَنَزَّلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْزِلَةَ صَاحِبِهِ).
يعني: كل واحد منهما يحل محل الآخر في التصرف في المال؛ فكل منهما وكيل عن صاحبه.
* قولُهُ: (فِيمَا لَهُ وَفِيمَا عَلَيْهِ فِي مَالِ التِّجَارَةِ. وَفُرُوعُ هَذَا الْبَابِ كثِيرَةٌ).
حقيقة ما ذكر في الشركات هو أصول المسائل وأهمها، وقد اتسعت الشركات وأصبح هناك ما يعرف بالأسهم، وقد اتسعت هي الأخرى؛ وإذا تم معرفة الأصول؛ فكل ما يجِدُّ يُعرض على هذه الأصول؛ فما وافقها أُخذ به، وما خالفها يُردُّ، ولا ينظر إليه.
* * *
стр. 8001
[كِتَابُ الشُّفْعَةِ] (١)
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي وُجُوبِ الْحُكْمِ بِالشُّفْعَةِ]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَالنَّظَرُ فِي الشُّفْعَةِ أَوَّلًا في قِسْمَيْنِ).
كتاب الشفعة أو باب الشفعة يعني الكتاب الذي تذكر فيه أحكام الشفعة.
* قولُهُ: (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِي تَصْحِيحِ هَذَا الْحُكْمِ، وَفِي أَرْكانِهِ.
стр. 8002
الْقِسْمُ الثَّانِي: فِي أَحْكَامِهِ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ. فَأَمَّا وُجُوبُ الْحُكمِ بِالشُّفْعَةِ: فَالْمُسْلِمُونَ مُتَّفِقُونَ عَلَيْهِ) (١).
حكى ابن المنذر إجماع العلماء على قيام الشفعة في الأرضين والدور، وفي كل مبيع من دار أو حائط أو أرض (٢).
" قول: (لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ، إِلَّا مَا يُتَأَمَّلُ عَلَى مَنْ لَا يَرَى بَيْعَ الشِّقْصِ الْمُشَاعِ).
خالف الأصم في ذلك، ولا يعتد بهذا الخلاف؛ لأن وجهته معارضة بأدلة وعلة أقوى مما استند عليه.
بيان وجهة نظر الأصم: يرى أنَّ الشفعة إنما تنتزع من الشريك بغير إرادته (٣).
ومعلومِ أن ذلك مخالف لهدي القرآن في شأن البيع: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾، وفي السُّنَّة: "إنَّما البيعُ عن تَرَاض" (٤)، فلا يكره الإنسان على بيع حقه. وإن الضرر الذي يلحق الشريك الذي له حق الشفعة أضر مما يلحق الشريك الذي ينتزع حقه ويباع بسعره؛ لأن من له حق الشفعة ومنع منه قد يدخل عليه شريك آخر يضر به ولا يرعى حقه.
وقد ثبتت صحة الشفعة بالأدلة.
стр. 8003
* قولُهُ: (وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ: الشَّافِعُ، وَالْمَشْفُوعُ عَلَيْهِ، وَالْمَشْفُوعُ فِيهِ، وَصِفَةُ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ).
وضع الشافعية والحنابلة شروطًا أربعة (١) تجوز بها الشفعة:
١ - أن يكون نصيب الشريك -أي: الشقص (٢) - مشاعًا غير مقسوم، وذلك في الأرضين. وهو مذهب جماهير العلماء، ولم يخالف فيه إلا بعض العلماء كأبي حنيفة وابن أبي ليلى والثوري.
٢ - أن يكون في الأرضين؛ لأن الأرض هي التي تبقى وتدوم، ولذلك إذا حدث ضرر يكون مستمرًّا. أمَّا ما عدا ذلك مما له علاقة بالأرض، فقسموه إلى قسمين:
القسم الأول: ما تثبت فيه الشفعة تبعًا؛ كالبناء، والغراس. فإذا اشتريت حائطًا مشتركًا بين اثنين، فما فيه من أشجار وبناء تثبت فيه الشفعة بلا خلاف بين الأئمة الأربعة.
القسم الثاني: ما لا تثبت فيه الشفعة تبعًا ولا منفردًا؛ مثل الثمار.
وهذا القسم هو موضع الخلاف بين العلماء؛ فالشافعية (٣) والحنابلة (٤) يرون أن الثمار لا تثبت فيها الشفعة؛ فلو بيع البستان فإن الثمار لا تتبعه في الشفعة؛ لأنهم قالوا: إنها لا تتبع الأصل، والشفعة بيع لكن على غير المعتاد؛ إذ يؤخذ قهرًا لمصلحة وضرورة.
стр. 8004
وعند الحنفية (١) والمالكية (٢) قالوا: تثبت فيها الشفعة؛ لأنهم يعتبرونها تبعًا للأصل.
٣ - أن يكون الشقص قابلًا للقسمة.
٤ - أن يكون الشقص الذي انتقل من الشريك بعِوض؛ فينتقل عن طريق البيع أو الصلح، ولا يثبت فيما لا عوض فيه كالهبة والهدية والإرث.
* قولُهُ: (الرُّكنُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ الشَّافِعُ)
الشافع: هو طالب الشفعة.
* قولُهُ: (الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ الشَّافِعُ، ذَهَبَ مَالِكٌ (٣) وَالشَّافِعِيُّ (٤) وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ (٥) إِلَى أَنْ لَا شُفْعَةَ إِلَّا لِلشَّرِيكِ مَا لَمْ يُقَاسِمْ).
وكذلك الإمام أحمد (٦).
стр. 8005
والشفعة تثبت للشريك عند جماهير العلماء إلا أن يقاسم؛ فإذا قسم المال بينهما وعرف كل واحد منهما نصيبه، واستقل به، ورسمت الحدود، فلا شفعة (١)؛ كما في الحديث: "أنَّ رسول الله ﷺ قال بالشفعة فيما لم يقسم"، وفي بعض الروايات: "في كل ما لم يقسم".
* قولُهُ: (وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ (٢): الشُّفْعَةُ مُرَتَّبَة، فَأَوْلَى النَّاسِ بِالشُّفْعَةِ).
أهل العراق منهم: ابن أبي ليلي من التابعين، وابن شبرمة والثوري من الفقهاء، وأبو حنيفة.
* قولُهُ: (الشَّرِيكُ الَّذِي لَمْ يُقَاسِمْ).
سبق أن جماهير العلماء والأئمة -مالكًا والشافعى وأحمد- يرون الشفعة للشريك الذي لم يقاسم. أمَّا فقهاء العراق، فيرون الشفعة أوسع من ذلك، وكما تثبت للشريك تثبت للجار؛ فهم يقدمون الشريك أولًا، ثم الشريك غير المقاسم، ثم الشريك المقاسم، ثم الجار إذا كان شريكًا في بعض الطريق، ثم الجار الأقرب فالأقرب.
* قولُهُ: (فَأَوْلَى النَّاسِ بِالشُّفْعَةِ الشَّرِيكُ الَّذِي لَمْ يُقَاسِمْ).
أهل العراق لما وسعوا الشفعة قالوا: إن الشريك المقاسم هو أولى الناس بالشفعة ممن تجوز لهم، وجمهور العلماء كما مر قالوا: إنها لا تثبت إلا للشريك الذي لم يقاسم.
* قولُهُ: (خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ (١) وَالتِّرْمِذِيُّ (٢) وَأَبُو دَاوُدَ (٣)).
الحديث بهذا اللفظ متفق عليه (٤): "قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة". وأخرجه -أيضًا- أكثر أصحاب السنن (٥) وأحمد (٦).
* قولُهُ: (وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ: حَدِيثُ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي الشُّفْعَةِ) (٧)).
يقصد الحديث الذي أورده المؤلف مرسلًا في موطأ مالك (٨).
* قولُهُ: (وَكَانَ ابْنُ مَعِينٍ يَقُولُ: مُرْسَلُ مَالِكٍ أَحَبُّ إِلَيَّ، إِذْ كَانَ مَالِكٌ إِنَّمَا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مَوْقُوفًا) (٩)).
يتكرر ذكر ابن شهاب، وقد مر التعريف به.
* قولُهُ: (وَقَدْ جَعَلَ قَوْمٌ هَذَا الِاخْتِلَافَ عَلَى ابْنِ شِهَابٍ فِي
стр. 8008
إِسْنَادهِ تَوْهِينًا لَهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي غَيْرِ الْموطأ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (١).
يريد المؤلف أن يرفع هذا الوهن في المرسل، ويغني عن ذلك حديث جابر المتفق عليه.
* قولُهُ: (وَوَجْهُ اسْتِدْلَالِهِمْ مِنْ هَذَا الْأَثَرِ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ "أَنَّهُ إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ"، وَذَلِكَ أَنَّهُ لما كَانَتِ الشُّفْعَةُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ لِلشَّرِيكِ الْمُقَاسِمِ، فَهِيَ أَحْرَى أَنْ لَا يمُونَ وَاجِبَةً لِلْجَارِ).
هذا توضيح من المؤلف؛ لما قال به أهل المدينة من عدم جواز الشفعة للجار، فإن الشفعة لما لم تجز للشريك المقاسم؛ فمن باب أولى لا تجوز للجار.
* قولُهُ: (وَأَيْضًا فَإِنَّ الشَّرِيكَ الْمُقَاسِمَ هُوَ جَارٌ إِذَا قَاسَمَ).
هذا دليل آخر؛ فإن الشريك المقاسم بعد أن قسم الأرض صار جارًا لمن كان له شريكًا.
* قولُهُ: (وَعُمْدَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ: حَدِيثُ أبي رَفِاعٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقْبِهِ" وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٢).
" أحق بصقبه "، الصقب يأتي بالصاد والسين (بصقبه) و (بسقبه)، والمعنى واحد، والمراد بالصقب: القُرب (٣).
تأول العلماء هذا الحديث وقالوا: أولًا: هذا الحديث ليس فيه دلالة صريحة على الشفعة، والذي يشتمل عليه الحديث بيان الرسول ﷺ لحق
стр. 8009
الجار من الاهتمام والتعاون معه على الخير، ولذلك اعتبر خيانة الجار من أشد الخيانات؛ قال ﷺ : "واللهِ لا يؤمن" -ثلاثًا- قالوا: مَن هو يا رسول الله؟ قال: "الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَار بَوَائِقَهُ " (١)؛ فالجار أحق بصقب جاره؛ أي: ببره وإحسانه.
فقال العلماء: ليس الحديث صريحًا في الدلالة على الشفعة؛ كالأحاديث التي استدلوا بها على الشفعة.
* قولُهُ: ("الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقْبِهِ" وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
الحديث غير متفق عليه؛ وإنما أخرجه البخاري ولم يخرجه مسلم؛ وهذا مما وقع فيه المؤلف فقد يذكر أن الحديث متفق عليه، ويتبين أنه ليس كذلك، وقد يذكر أنه في البخاري، ويتبين أنه متفق عليه.
* قولُهُ: (وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ (٢) وَأَبُو دَاوُدَ (٣) عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِدَارِ الْجَارِ"، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٤)).
ففسروا الحديث على أنَّ المراد به: شفعة الدار.
* قولُهُ: (وَمِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى لَهُمْ أَيْضًا: أَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الشُّفْعَةُ إِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا دَفْعُ الضَّرَرِ الدَّاخِلِ مِنَ الشَّرِكةِ، وَكَانَ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودًا فِي الْجَارِ وَجَبَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ) (٥).
стр. 8010
يقولون: إنَّ علة الضرر الذي لأجله تثبت الشفعة للشريك، موجودة أيضًا في الجار، فوجب أن يلحق به.
وقد رأينا أنه بثبوت الشفعة ربما يحصل ضرر للشريك الذي ينتزع من ملكه؛ ولكنه لا يقابل الضرر الآخر الذي يحصل للشريك الذي باع شريكه، فالجار أيضًا لا يكون ضرره كالضرر الذي يحصل للشريك المشارك لنفس الملك.
* قولُهُ: (وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنْ يَقُولُوا: وُجُودُ الضَّرَرِ فِي الشَّرِكَةِ أَعْظَمُ مِنْهُ فِي الْحِوَارِ).
عقب أهل المدينة على الحديث الآخر وقالوا: إنه من رواية الحسن عن سمرة بن جندب، والحسن لم يسمع منه إلا حديث العقيقة (١).
* قولُهُ: (وَبِالْجُمْلَةِ: فَعُمْدَةُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْأُصُولَ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَخْرُجَ مِلْكُ أَحَدٍ مِنْ يَدِهِ إِلَّا بِرِضَاهُ).
اعتبار الرِّضا هو الأصل؛ والأصول ثابتة كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ فإنه لا يحق لإنسان أن يكره آخر على البيع مثلًا، فلا يكره إلا في حالة ضرورة، كأن يكن الإنسان في فلاة، واحتاج الماء أو الشراب، فإذا رآه مع غيره فإنه يكرهه على أخذه شريطة أن يكون زائدًا عن حاجته، فإن أَبَى فإنه يؤخذ منه قهرًا، لحفظ النفس من الهلاك، ولا شك أن الإسلام عني بحفظ النفس، وقدم حفظها على ما يتعلق بعظم الكعبة عند الله ، لكنه بعد ذلك يعطيه حق ذلك الطعام أو الشراب.
وفي البيع أمور مستثناة أيضًا، وذلك مثل (التعسف (٢) في استعمال
стр. 8011
الحق) بأن يكون للإنسان حق، لكنه يستعمله على خلاف روح الشريعة الإسلامية، فحينئذ يؤخذ على يده، ويجبر على تركه.
أمَّا إذا لم تكن ضرورة كما سبق، ولم تكن مخالفة بالتعسف في استعمال الحق، فإنه لا يؤخذ حق الإنسان إلا برضاه، كما قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، وقوله ﷺ : "إنما البيع عن تراضٍ " (١).
* قولُهُ: (وَأَنَّ مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا فَلَا يَخْرُجُ مِنْ يَدِهِ إِلَّا بِرِضَاهُ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى التَّخْصِيصِ).
وقد دل الدليل بالنسبة للشفعة، وهي بيع استثني.
* قولُهُ: (وَقَدْ تَعَارَضَتِ الْآثَارُ فِي هَذَا الْبَابِ، فَوَجَبَ أَنْ يُرَجَّحَ مَا شَهِدَتْ لَهُ الْأُصُولُ).
فللترجيح عن التعارض ينظر إلى درجة الأحاديث. ولا شك أن أدلة الجمهور أحاديث صحيحة، صريحة الدلالة، ليس فيها مطعن، فترجح في هذا المقام.
* قولُهُ: (وَلكِلَا الْقَوْلَيْنِ سَلَفٌ مُتَقَدِّمٌ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ مِنَ التَّابِعِينَ).
أهل العراق من التابعين كابن أبي ليلى.
* قولُهُ: (ولأَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ).
أهل المدينة من الصحابة كعمر وعثمان ﵄ (٢).
وقول الصحابة أيضًا يقدَّم، فنجد أن من أخذ برأي الجمهور كثرٌ من الصحابة، والتابعين كسعيد بن المسيب والزهري وعمر بن عبد العزيز
стр. 8012
الخليفة الأموي؛ فجمهور العلماء ليس فقط الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد، وإنما من الصحابة والتابعين والمحدثين، كلهم يقولون: إن الشفعة لا تثبت إلا للشريك (١).
* قول: (الرُّكْنُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْفُوعُ فِيهِ)
إذًا انتهينا الآن من الركن الأول وهو الشافع، وأنا أعطيتكم الشروط الأربعة، وأود أن تستقر في أذهانكم لأننا سنمر بمسائل لها علاقة بها.
* قولُهُ: (الرُّكْنُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْفُوعُ فِيهِ).
المشفوع فيه النصيب، أو الشقص.
* قولُهُ: (اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ وَاجِبَةٌ فِي الدُّورِ، وَالْعَقَارِ، وَالْأَرَضِينَ كُلِّهَا) (٢).
لا خلاف في أن الدور والمنازل والبساتين والأراضي المشتركة تثبت فيها الشفعة، وسبق ذكر شروط الشافعية والحنابلة.
قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ) (٣).
المؤلف خرج عن القاعدة التي مضت لمعرفته برأي مالك.
стр. 8013
* قوله: (فَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهَا فِي ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ).
وسنعرض موافقة العلماء أو مخالفتهم لها.
* قولُهُ: (أَحَدُهَا: مَقْصُودٌ، وَهُوَ الْعَقَارُ مِنَ الدُّورِ، وَالْحَوَانِيتِ، وَالْبَسَاتِينِ).
هذا متفق عليه بين الأئمة الأربعة وغيرهم، ولا خلاف بينهم في هذه الجزئية.
* قولُهُ: (وَالثَّانِي: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَقَارِ مِمَّا هُوَ ثَابِتٌ لَا يُنْقَلُ، وَلَا يُحَوَّلُ).
والجمهور أيضًا متفق مع الإمام مالك في ذلك؛ فالأشجار أو الغراس الموجودة في المزرعة مثلًا، وكذلك المباني والآبار التي تحفر؛ فهي أمور مستقرة تثبت فيها الشفعة.
* قولُهُ: (وذَلِكَ كَالْبِئْرِ، وَمَحَالِّ النَّخْلِ، مَا دَامَ الْأَصْلُ فِيهَا عَلَى صِفَةٍ تَجِبُ فِيهَا الشُّفْعَةُ عَنْهُ).
وكذلك عند الأئمة كما مر.
* قولُهُ: (وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الأَصْلُ هُوَ الْأَرْضُ مُشَاعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ غَيْرَ مَقْسُومٍ).
أمَّا لو كان مقسومًا فيخرج من هذه المسألة.
* قولُهُ: (وَالثَّالِثُ: مَا تَعَلَّقَ بِهَذِهِ كَالثِّمَارِ، وَفِيهَا عَنْهُ خِلَافٌ وَكَذَلِكَ كرَاءُ الْأَرْضِ لِلزَّرْعِ (١)، وَكتَابَةُ الْمُكَاتَبِ).
стр. 8014
وهذه الأمور التي فيها الخلاف؛ كالثمار والزروع:
فمالك ومعه أبو حنيفة يرون ثبوت الشفعة فيها؛ لأنها تابعة للأصل -أي: الأرض، أو البساتين.
والشافعي وأحمد لا يريان ثبوت الشفعة فيها؛ لأنهم يرون أنها منفصلة وليست تابعة للأصل، وحجتهم قياسها على البيع. فإذا اشترط المشتري الثمرة تثبت الشفعة، أمَّا إذا أطلق قالوا: لا تثبت.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ عَنْهُ فِي الشُّفْعَةِ فِي الْحَمَّامِ (١) وَالرَّحَا (٢)) (٣)
" الحمَّام ": هو موضع قضاء الحاجة. والرحى: حجارة الطاحونة.
اختلف عن مالك وغيره في الشفعة فيها. والإمام أحمد كذلك يفرق
стр. 8015
بين الحمام الكبير والصغير (١)، فإذا كان الحمام كبيرًا يصلح لقسمته والاستفادة منه، وتوجد أرض تدخل إليه ويخرج منه، فإنه حينئذٍ يقسم.
وكذلك الرحى -عند الإمام أحمد- إذا كانت تتعطل إذا قسمت؛ فلا يجوز. أمَّا إذا كان لها أطراف واسعة؛ بحيث إذا قسمت بقيت مصلحتها؛ فذلك جائز.
وكذلك العرصة (٢)، وهي فناء الدار؛ إذا كانت كبيرة جازت الشفعة فيها عند بعض العلماء، وإن كانت صغيرة فلا.
* قولُهُ: (وَأَمَّا مَا عَدَا هَذَا مِنَ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَان فَلَا شُفْعَة فِيهَا عِنْدَهُ (٣)، وَكَذَلِكَ لَا شُفْعَةَ عِنْدَهُ فِي الطَّرِيقِ، وَلَا فِي عَرْصَةِ الدَّارِ) (٤).
ورد عن الإمام مالك رواية أخرى في جواز الشفعة في كل شيء إلا المكيل والموزون (٥).
стр. 8016
* قولُهُ: (وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي أَكرِيَةِ الدُّورِ، وَفي الْمُسَاقَاةِ، وَفِي الدَّيْنِ).
ذكر المؤلف الاختلاف في أكرية الدور وفي المساقاة في الدين.
* قولُهُ: (هَلْ يَكُونُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَحَقَّ بِهِ؟ وَكذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ الْكِتَابَةُ (١)، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) (٢).
المقصود بالكتابة: مكاتبة العبد سيده على أقساط في أوقات معينة؛ فإذا ما وفاها يكِون حرًّا، والله حض على ذلك فقال تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
* قولُهُ: (وَرَوَى: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِي الدَّيْنِ" (٣)، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ (٤) مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ).
لم يتعرض المؤلف لهذا الحديث، وقد أخرجه ابن حزم في "المحلى"، وأشار إلى بطلانه، وقال بأنه رواه عن عمر بن عبد العزيز رجلٌ لم يسمَّ.
стр. 8017
وهو أيضًا منقطع بعد عمر بن عبد العزيز. ونقل أن هذا رأي لعمر بن عبد العزيز (١).
* قولُهُ: (وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا شُفْعَةَ فِي الدَّيْنِ (٢). وَلَمْ يَخْتَلِفَا فِي إِيجَابِهَا فِي الْكِتَابَةِ لِحُرْمَةِ الْعِتْقِ، وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنْ لَا شُفْعَةَ إِلَّا فِي الْعَقَارِ (٣) فَقَطْ).
يذكر المؤلف -مرة أخرى- أنَّ جمهور العلماء يحصرون الشفعة في العقار؛ هذا من حيث الجملة، لكن هناك من يتوسع كالرواية عن الإمام مالك.
* قولُهُ: (وَحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ الشُّفْعَةَ فِي البئر وفي كُلِّ شَيْءٍ مَا عَدَا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ).
حكي هذا القول عن الإمام مالك وعطاء من التابعين، ونقل أيضًا عن جماعة من التابعين كقتادة وربيعة والثوري والأوزاعي، أنهم قالوا: تجوز الشفعة في كل شيء إلا المنقولات؛ فلا تجوز فيها الشفعة (٤).
стр. 8018
* قولُهُ: (وَلَمْ يُجِزْ أَبُو حَنِيفَةُ الشُّفْعَةَ فِي الْبِئْرِ وَالْفَحْلِ، وَأَجَازَهَا فِي الْعَرْصَةِ وَالطَّرِيقِ) (١).
للإمام أحمد تفصيل في البئر (٢)؛ فإذا كانت واسعة تطل على موضعين من الأرض -كما كان في بعض الآبار- فإذا قسمت الأرض، جازت الشفعة فيها كما جازت في العرصة والحمام الكبير والرحى إذا أمكن قسمتها.
فمثلا: يشترك في حفر البئر الجاران في الأرض، ويجعل جدار يفصل بينهما إلى أن ينزل في البئر، ثم تبقى مفتوحة؛ فكل واحد منهما يضع البكر والحبل ويستخرج الماء.
أما إذا كانت البئر غير واسعة، فلا تجوز فيها الشفعة.
* قولُهُ: (وَوَافَقَ الشَّافِعِيُّ مَالِكًا فِي الْعَرْصَةِ وَفِي الطَّرِيقِ وَفِي الْبِئْرِ (٣)، وَخَالَفَاهُ جَمِيعًا فِي الثِّمَارِ) (٤).
стр. 8019
وافق الشافعي وأحمد أيضًا على التفصيل الذي ورد عن أحمد في البئر واسعة أو ضيقة، والرحى، والعرصة. وله رواية أخرى أنه إذا أمكن قسمتها دون ضرر مع وجود الفائدة؛ فذلك جائز.
وقوله: (وخالفاه). الصواب أن الضمير يعود على الإمامين الشافعي وأحمد، لا أبي حنيفة؛ لأنَّ أبا حنيفة يوافقه في ذلك، إلا أن يكون للحنفية رواية أخرى. والله أعلم.
* قولُهُ: (وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ فِي قَصْرِ الشُّفْعَةِ عَلَى الْعَقَارِ: مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقَسَّمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ" (١)).
يشير المؤلف إلى الحديث المتقدم: "قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم … " الحديث.
* قولُهُ: (فَكَأَنَّهُ قَالَ: الشُّفْعَةُ فِيمَا تُمْكِنُ فِيهِ الْقِسْمَةُ مَا دَامَ لَمْ يُقَسَّمْ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَال بِدَلِيلِ الْخِطَابِ).
دليل الخطاب أو مفهوم المخالفة (٢) حجة عند الأئمة مالك والشافعي وأحمد؛ أمَّا الحنفية فيعارضون فيه (٣).
стр. 8020
* قولُهُ: (وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ).
أدلة الحنفية في جواز الشفعة ما مر أن الرسول ﷺ قال: "الجار أحق بصقب جاره" (١)، "جار الدار أحق بشفعة داره" (٢)، وغير ذلك من الآثار.
والحنفية لا يقولون بمفهوم المخالفة فلا يحتج به عليهم.
* قولُهُ: (وَأَمَّا عُمْدَةُ مَنْ أَجَازَهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ: فَمَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الشَّرِيكُ شَفِيعٌ فِي كلَ شَيْءٍ").
أدخل المؤلف حديثًا في آخر؛ حديث: "الشريك شفيع في كل شيء"، وحديث: "الشفعة في كل شيء" (٣).
والحديث كما قال: أخرجه الترمذي (٤) وغيره (٥). وذكر العلماء كلامًا فيه، ثم قالوا: على فرض صحته فهو مقيد بأحاديث الجمهور الصحيحة.
* قولُهُ: (وَلِأَنَّ مَعْنَى ضَرَرِ الشَّرِكَةِ وَالْجِوَارِ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ فِي الْعَقَارِ أَظْهَرَ. وَلَمَّا لَحِظَ هَذَا مَالِكٌ أَجْرَى مَا يَتْبَعُ الْعَقَارَ مَجْرَى الْعَقَارِ).
لكن اختلفوا في التبعية:
اتفق العلماء كلهم على أنَّ ما يتبع العقار من البناء والأشجار فهو تابع له؛ أمَّا الثمار والزروع ففيها الخلاف -كما مر من قبل.