* قولُهُ: (وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي أَكرِيَةِ الدُّورِ، وَفي الْمُسَاقَاةِ، وَفِي الدَّيْنِ).
ذكر المؤلف الاختلاف في أكرية الدور وفي المساقاة في الدين.
* قولُهُ: (هَلْ يَكُونُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَحَقَّ بِهِ؟ وَكذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ الْكِتَابَةُ (١)، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) (٢).
المقصود بالكتابة: مكاتبة العبد سيده على أقساط في أوقات معينة؛ فإذا ما وفاها يكِون حرًّا، والله حض على ذلك فقال تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
* قولُهُ: (وَرَوَى: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِي الدَّيْنِ" (٣)، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ (٤) مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ).
لم يتعرض المؤلف لهذا الحديث، وقد أخرجه ابن حزم في "المحلى"، وأشار إلى بطلانه، وقال بأنه رواه عن عمر بن عبد العزيز رجلٌ لم يسمَّ.
стр. 8017
وهو أيضًا منقطع بعد عمر بن عبد العزيز. ونقل أن هذا رأي لعمر بن عبد العزيز (١).
* قولُهُ: (وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا شُفْعَةَ فِي الدَّيْنِ (٢). وَلَمْ يَخْتَلِفَا فِي إِيجَابِهَا فِي الْكِتَابَةِ لِحُرْمَةِ الْعِتْقِ، وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنْ لَا شُفْعَةَ إِلَّا فِي الْعَقَارِ (٣) فَقَطْ).
يذكر المؤلف -مرة أخرى- أنَّ جمهور العلماء يحصرون الشفعة في العقار؛ هذا من حيث الجملة، لكن هناك من يتوسع كالرواية عن الإمام مالك.
* قولُهُ: (وَحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ الشُّفْعَةَ فِي البئر وفي كُلِّ شَيْءٍ مَا عَدَا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ).
حكي هذا القول عن الإمام مالك وعطاء من التابعين، ونقل أيضًا عن جماعة من التابعين كقتادة وربيعة والثوري والأوزاعي، أنهم قالوا: تجوز الشفعة في كل شيء إلا المنقولات؛ فلا تجوز فيها الشفعة (٤).
стр. 8018
* قولُهُ: (وَلَمْ يُجِزْ أَبُو حَنِيفَةُ الشُّفْعَةَ فِي الْبِئْرِ وَالْفَحْلِ، وَأَجَازَهَا فِي الْعَرْصَةِ وَالطَّرِيقِ) (١).
للإمام أحمد تفصيل في البئر (٢)؛ فإذا كانت واسعة تطل على موضعين من الأرض -كما كان في بعض الآبار- فإذا قسمت الأرض، جازت الشفعة فيها كما جازت في العرصة والحمام الكبير والرحى إذا أمكن قسمتها.
فمثلا: يشترك في حفر البئر الجاران في الأرض، ويجعل جدار يفصل بينهما إلى أن ينزل في البئر، ثم تبقى مفتوحة؛ فكل واحد منهما يضع البكر والحبل ويستخرج الماء.
أما إذا كانت البئر غير واسعة، فلا تجوز فيها الشفعة.
* قولُهُ: (وَوَافَقَ الشَّافِعِيُّ مَالِكًا فِي الْعَرْصَةِ وَفِي الطَّرِيقِ وَفِي الْبِئْرِ (٣)، وَخَالَفَاهُ جَمِيعًا فِي الثِّمَارِ) (٤).
стр. 8019
وافق الشافعي وأحمد أيضًا على التفصيل الذي ورد عن أحمد في البئر واسعة أو ضيقة، والرحى، والعرصة. وله رواية أخرى أنه إذا أمكن قسمتها دون ضرر مع وجود الفائدة؛ فذلك جائز.
وقوله: (وخالفاه). الصواب أن الضمير يعود على الإمامين الشافعي وأحمد، لا أبي حنيفة؛ لأنَّ أبا حنيفة يوافقه في ذلك، إلا أن يكون للحنفية رواية أخرى. والله أعلم.
* قولُهُ: (وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ فِي قَصْرِ الشُّفْعَةِ عَلَى الْعَقَارِ: مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقَسَّمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ" (١)).
يشير المؤلف إلى الحديث المتقدم: "قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم … " الحديث.
* قولُهُ: (فَكَأَنَّهُ قَالَ: الشُّفْعَةُ فِيمَا تُمْكِنُ فِيهِ الْقِسْمَةُ مَا دَامَ لَمْ يُقَسَّمْ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَال بِدَلِيلِ الْخِطَابِ).
دليل الخطاب أو مفهوم المخالفة (٢) حجة عند الأئمة مالك والشافعي وأحمد؛ أمَّا الحنفية فيعارضون فيه (٣).
стр. 8020
* قولُهُ: (وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ).
أدلة الحنفية في جواز الشفعة ما مر أن الرسول ﷺ قال: "الجار أحق بصقب جاره" (١)، "جار الدار أحق بشفعة داره" (٢)، وغير ذلك من الآثار.
والحنفية لا يقولون بمفهوم المخالفة فلا يحتج به عليهم.
* قولُهُ: (وَأَمَّا عُمْدَةُ مَنْ أَجَازَهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ: فَمَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الشَّرِيكُ شَفِيعٌ فِي كلَ شَيْءٍ").
أدخل المؤلف حديثًا في آخر؛ حديث: "الشريك شفيع في كل شيء"، وحديث: "الشفعة في كل شيء" (٣).
والحديث كما قال: أخرجه الترمذي (٤) وغيره (٥). وذكر العلماء كلامًا فيه، ثم قالوا: على فرض صحته فهو مقيد بأحاديث الجمهور الصحيحة.
* قولُهُ: (وَلِأَنَّ مَعْنَى ضَرَرِ الشَّرِكَةِ وَالْجِوَارِ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ فِي الْعَقَارِ أَظْهَرَ. وَلَمَّا لَحِظَ هَذَا مَالِكٌ أَجْرَى مَا يَتْبَعُ الْعَقَارَ مَجْرَى الْعَقَارِ).
لكن اختلفوا في التبعية:
اتفق العلماء كلهم على أنَّ ما يتبع العقار من البناء والأشجار فهو تابع له؛ أمَّا الثمار والزروع ففيها الخلاف -كما مر من قبل.
стр. 8021
* قولُهُ: (وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى مَنْعِ الشُّفْعَةِ فِي الْبِئْرِ بِمَا رُوِيَ: "لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ" (١)).
هذا الأثر روي عن عثمان ﵁ أنه قال: "لا شفعة في بئر ولا فحل ". وقد مرت شروط الشافعية والحنابلة، ومنها: أن تكون الشفعة في أرضٍ؛ لأنها التي تدوم، وما يدوم يبقى ضرره كذلك.
ومالك حمل هذا الأثر على آبار الصحاري التي تعمل في الأرض الموات، فليس الحديث على إطلاقه عند الإمام مالك.
* قولُهُ: (وَمَالِكٌ حَمَلَ هَذَا الْأَثَرَ عَلَى آبَارِ الصَّحَارِي (٢) الَّتِي تَعْمَلُ فِي الْأَرْضِ الْمَوَاتِ؛ لَا الَّتِي يمُونُ فِي أَرْضٍ مُتَمَلَّكَةٍ).
وقد مر بيان أن من العلماء كالإمام أحمد فصَّل في أمر البئر؛ فإن كانت واسعة لا يحدث ضرر بقسمتها؛ فتجوز فيها الشفعة.
* قول: (الرُّكْنُ الثَّالِثُ: وَأَمَّا الْمَشْفُوعُ عَلَيْهِ)
المشفوع عليه هو مَن اشترى الشقص أو النصيب، وقد كان مشتركًا بين اثنين فباعه أحدهما، فاشتراه المشفوع عليه.
* قولُهُ: (فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مَنِ انْتَقَلَ إِلَيْهِ الْمِلْكُ بِشِرَاءٍ مِنْ شَرِيكٍ غَيْرِ مُقَاسِمٍ، أَوْ مِنْ جَارٍ عِنْدَ مَنْ يَرَى الشُّفْعَةَ لِلْجَارِ) (٣)).
стр. 8022
قولُهُ: (بشراء من شريك) ليخرج ما ينتقل بغير عوض كالهبة والوصية والإرث، ويستثني العلماء هبة الثواب؛ يعني التي لا تكون خالصة؛ بل يرجو الواهب مقابلها؛ كما في قصة الثقفي الذي أهدى إلى رسول الله ﷺ وظل يطلب كما أعطاه الرسول ﷺ شيئًا- يطلب الزيادة (١).
* قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنِ انْتَقَلَ إِلَيْهِ الْمِلْكُ بِغَيْرِ شِرَاءٍ، فَالْمَشْهُورُ عِنْدَ مَالِكٍ).
يعني بغير عوض -كما مر- كالوصية أو الإرث والهبة دون هبة الثواب.
* قولُهُ: (أَنَّ الشُّفْعَةَ إِنَّمَا تَجِبُ إِذَا كَانَ انْتِقَالُ الْمِلْكِ بِعِوَضٍ كَالْبَيْعِ، وَالصُّلْحِ، وَالْمَهْرِ، وَأَرْشِ الْجِنَايَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ) (٢).
المشهور عن مالك ما كان في مقابل العوض؛ كالبيع، أو دية قتل محمد، أو غير ذلك مما يكون بعوض؛ كالمهر، أو الخلع.
* قولُهُ: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ) (٣)، وأحمد (٤).
стр. 8023
* قولُهُ: (وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ).
يعني رواية ثانية عن مالك؛ فمالك له رواية أخرى: أن الشفعة في كل شيءٍ إلا الإرث؛ للإجماع على أنه لا شفعة في الإرث (١)؛ لأنَّ الملك انتقل من الميت إلى الورثة. وبعض العلماء قال (٢): تثبت إن كانت هناك مطالبة سابقة، وإلا فلا شفعة في الإرث.
стр. 8024
* قولُهُ: (أَنَّهَا تجِبُ بِكُلِّ مِلْكٍ انْتَقَلَ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، كَالْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ، وَالصَّدَقَةِ (١)، مَا عَدَا الْمِيرَاثَ فَإِنَّهُ لَا شُفْعَةَ عِنْدَ الْجَمِيعِ فِيهِ بِاتِّفَاقٍ).
جماهير العلماء يقولون: إنه لا شفعة فيما كان حقًّا لإنسان؛ فصَرفَه في أوجه البر، كالهبة لغير ثواب والصدقة.
* قوله: (وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَالشُّفْعَةُ عِنْدَهُمْ فِي الْمَبِيعِ فَقَطْ (٢). وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ: ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَفْهُومَهَا يَقْتَضِي أَنَّهَا فِي الْمَبِيعَاتِ).
يقصر الحنفية الشفعة في المبيع فقط، ولا يتعدون ذلك إلى ما كان صلحًا في جناية، أو مهرًا، أو عوضًا في خلع.
فضيق الحنفية الشفعة هنا بقصرها على البيع، ووسعوا فيمن له حق الشفعة؛ فأجازوها للجار.
стр. 8025
* قولُهُ: (بَلْ ذَلِكَ نَصٌّ فِيهَا لَا فِي بَعْضِهَا، فَلَا يَبعْ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ شَرِيكَهُ. وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَرَأَتْ أَنَّ كلَّ مَا انْتَقَلَ بِعِوَضٍ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ، وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّهَا اعْتَبَرَتِ الضَّرَرَ فَقَطْ).
ما ذكره المؤلف عن تعليل المالكية -وهو كذلك للشافعية والحنابلة- مقبول؛ لأنها في الحقيقة انتقلت بعوض؛ فهي بمثابة البيع.
* قولُهُ: (وَأَمَّا الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ (١): فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (٢)، وَلَا الشَّافِعِيِّ (٣)).
стр. 8026
هبة الثواب لا شفعة فيها عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد أيضًا. ومعلوم أن الهبة نوعان:
- هبة يهبها الإنسان لأخيه لا يريد جزاءً في مقابلها؛ وإنما يقصد بها ثواب الله .
- هبة يقصد الإنسان مقابلًا لها، كما حصل ذلك مع رسول الله ﷺ .
* قولُهُ: (أَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ عِنْدَهُ فِي الْمَبِيعِ).
ولأحمد رواية أخرى فيها الشفعة.
* قولُهُ: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلِأَنَّ هِبَةَ الثَّوَابِ عِنْدَهُ بَاطِلَةٌ (١)، وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَا خِلَافَ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ فِي أَنَّ الشُّفْعَةَ فِيهَا وَاجِبَةٌ).
يرى الإمام الشافعي بطلان هبة الثواب، أما الإمام مالك وأصحابه -وكذلك الإمام أحمد- يرون وجوب الشفعة في هبة الثواب إذا طلبها صاحبها.
وهذه المسائل تبين دقة الفقهاء، وبذلك كل منهم غاية جهده في البحث والتنقيب، وفي فهم كتاب الله ، وسنة رسول الله ﷺ والتخريج عليها، والإلحاق، والبحث عن العلل، والربط بين المسائل؛ فهم بلا شك مجتهدون، يرجى لمن أصاب منهم أن له أجرين، ومن أخطأ له أجر واحد.
وأبو حنيفة يقصر الشفعة في المبيع؛ أما الأئمة الآخرون فيدخلون في الشفعة ما ينتقل بعوض.
стр. 8027
وعرفنا أن مالكًا وردت عنه رواية تجعل الشفعة في كل شيء إلا الإرث.
* قولُهُ: (وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ (١) عَلَى أَنَّ الْمَبِيعَ الَّذِي بِالْخِيَارِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْخِيَارُ فِيهِ لِلْبَائِعِ أَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَجِبُ حَتَّى يَجِبَ الْبَيْعُ) (٢).
الخيار في البيع جائز، وهو أنواع، منها: خيار المجلس (٣)، وخيار الشرط (٤)، وخيار الغبن (٥).
وقد يطلب الخيار من الجانبين من البائع والمشتري، والمقصود من الخيار أن يحصل الإنسان على فرصة يفكر حتى لا يندم، فقد يرى البائع أو المشتري أنه غبن في السلعة، فباعها بأقل من قيمتها، أو اشتراها بما يزيد على قيمتها. فأعطت الشريعة كل واحد منهما حق الخيار.
وقد يكون الخيار من جانب واحد؛ البائع أو المشتري.
والعلماء يفصلون في أمر الشفعة؛ إذا كانت في بيعٍ الخيارُ فيه للبائع:
فالحنابلة (٦) يرون أن الشفعة لا تثبت في الخيار مطلقًا؛ سواء كان للبائع والمشتري معًا، أو كان لأحدهما.
стр. 8028
وبعض العلماء يرى أنَّ الشفعة إنما تثبت إذا اشترطها البائع.
* قولُهُ: (وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَبِيعَ الَّذِي بِالْخِيَارِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْخِيَارُ فِيهِ لِلْبَائِعِ … ).
لأنَّ البائع إذا طلب الخيار فهو لم يعطِ القطع بشأن البيع، أمَّا إذا كان الخيار من قبل المشتري، فيكون كأن البائع باع، ولكنه ينتظر موافقة المشتري.
* قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١) وَالْكُوفِيُّونَ (٢): الشُّفْعَةُ وَاجِبَة عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ صَرَمَ الشِّقْصَ عَنْ مِلْكِهِ، وَأَبَانَهُ مِنْهُ).
معنى صرم: أي قطع، كما تصرم النخل؛ أي: تقطعه (٣)، فعندما يخرج البائع الشقص عن ملكه كأنه أخرجه منه وقطعه.
* قولُهُ: (وَقِيلَ: إِنَّ الشُّفْعَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ؛ لأنَّهُ غَيْرُ ضَامِنٍ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ) (٤).
ووافق الإمام أحمد قول المالكية؛ فيرون أنَّ الشفعة لا تثبت في زمن الخيار؛ لأن الخيار لا يسمى بيعًا؛ فلذلك لا تثبت الشفعة إلا عند تحقق البيع.
стр. 8029
* قولُهُ: (وَاخْتُلِفَ فِي الشُّفْعَةِ فِي الْمُسَاقَاةِ (١)؛ وَهِيَ تَبْدِيلُ أَرْضٍ بِأَرْضٍ).
المساقاة مصطلح عند المالكية.
* قولُهُ: (فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: الْجَوَازُ، وَالْمَنْعُ، وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْمُنَاقَلَةُ بَيْنَ الْأَشْرَاكِ، أو الْأَجَانِبِ، فَلَمْ يَرَهَا فِي الْأَشْرَاكِ، وَرَآهَا فِي الْأَجَانِبِ) (٢).
* قول: (الرُّكْنُ الرَّابِعُ: فِي الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ)
فطريقة المؤلف أنه يقسم هذا الكتاب إلى أركان.
* قولُهُ: (وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الرُّكْنِ بِمَاذَا يَأْخُذُ الشَّفِيعُ؟ وَكَمْ يَأْخُذُ؟ وَمَتَى يَأْخُذُ؟).
فهذا مجال الدراسة في هذا الركن: بماذا يأخذ الشفيع؟ وكم يأخذ؟ ومتى يأخذ؟
* قولُهُ: (فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَأْخُذُ فِي الْبَيْعِ بِالثَّمَنِ إِن كَانَ حَالًّا. وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ الْبَيْعُ إِلَى أَجَلٍ هَلْ يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِالثَّمَنِ إِلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ؟).
المراد: إذا باع أحد الشريكين نصيبه، ثم اشتراه آخر، فجاء
стр. 8030
الشريك الآخر يطالب بحقه في الشفعة؛ فالمعروف أنه يطلب ذلك من المشتري.
وقد يبيع الشريك نصيبه بمبلغ حالٍّ نقدًا؛ وهذا ليس فيه إشكال، أمَّا إذا باع الشريك نصيبه بمبلغ مؤجل فهنا الإشكال.
فالمالكية والحنابلة (١) يرون أنه إذا باعه حالًّا أخذه حالًّا، وإن كان إلى أجلٍ أخذه إلى أجل، وخالفهم الآخرون.
* قولُهُ: (أَوْ يَأْخُذُ الْمَبِيعَ بِالثَّمَنِ حَالًّا، وَهُوَ مُخَيَّرٌ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُهُ بِذَلِكَ الْأَجَلِ إِذَا كَانَ مَلِيًّا، أَوْ يَأْتِي بِضَامِنٍ مَلِيءٍ) (٢).
معنى مليء: الإنسان الذي عنده مال، وموثوق به؛ فليس مماطلًا، لأن الرسول ﷺ قال: "مطل الغني ظلم؛ يحل عرضه وعقوبته" (٣).
فالإمام مالك وكذلك الإمام أحمد يريان أنه إذا اشتراه مؤجلًا فإنه يدفع الثمن مؤجلًا، والذي ذكره المؤلف هو ما يسمى بتوثيق المبيع، فإنه يحتاج إلى ضمين لحفظ حقه إذا باعه مؤجلًا.
* قولُهُ: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الشَّفِيعُ مُخَيَّرٌ، فَإِنْ عَجَّلَ تَعَجَّلَتِ
* قولُهُ: (وِإنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَحْدُودَ الْقَدْرِ بِالشَّرْعِ أَخَذَ ذَلِكَ الْقَدْرِ، مِثْلُ أَنْ يَدْفَعَ الشِّقْصَ فِي مُوضِّحَةٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ).
الموضحة: هي من الشجاج، وهي التي توضح العظم (١)؛ فسبب هذه الشجة يعد جناية، كان يضرب إنسان آخر فيشجه، أي: يؤذيه حتى يصل الجرح أن يظهر العظم. والموضحة لها تقدير معلوم في الدية.
* قولُهُ: (أَوْ مُنَقِّلَةٍ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِدِيَةِ الْمُوضِّحَةِ أَوِ الْمُنَقّلَةِ، وَأَمَّا كَمْ يَأْخُذُ؟).
المنقلة: من الشجاج، هي التي كسرت العظم ونقلته (٢)، فهي أشد من الموضحة، وتدخل عند الجمهور ضمن العوض.
* قولُهُ: (فَإِنَّ الشَّفِيعَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ).
الشفيع قد يكون واحدًا، وهذا أمره سهل، وقد يكون الشفيع أكثر من واحد، اثنان أو أكثر.
* قولُهُ: (وَالْمَشْفُوعُ عَلَيْهِ أَيْضًا لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ).
فإن الشركة قد تكون مقسمة؛ هذا الجانب فيه مجموعة، وهذا فيه مجموعة. وهذه المسائل تحتاج إلى إصغاء.
* قولُهُ: (فَأَمَّا أَنَّ الشَّفِيعَ وَاحِدٌ وَالْمَشْفُوعَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ الْكُلَّ أَوْ يَدَعَ) (٣).
стр. 8033
ففي هذه الحالة؛ لا يقول الشفيع: أريد البعض وأترك البعض؛ فينتقي. فالواجب أن يأخذ النصيب جميعًا أو يدعه جميعًا.
* قولُهُ: (وأمَّا إذا كان المشفوع عليه واحدًا والشفعاء أكثر من واحد فإنهم اختلفوا من ذلك).
المشفوع عليه: أي الذي باع نصيبه لواحدٍ، لكن الذين جاؤوا يطالبون أكثر من واحد، وهم شركاؤه.
* قولُهُ: (فِي مَوْضِعَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: فِي كَيْفِيَّةِ قِسْمَةِ الْمَشْفُوعِ فِيهِ بَيْنَهُمْ. وَالثَّانِي: إِذَا اخْتَلَفَتْ أَسْبَابُ شَرِكتِهِمْ؛ هَلْ يَحْجُبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَنِ الشُّفْعَةِ أَمْ لَا؟ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ شُرَكَاءَ فِي الْمَالِ الَّذِي وَرِثُوهُ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ سَهْمٍ وَاحِدٍ، وَبَعْضُهُمْ لِأَنَّهُمْ عُصْبَةٌ).
هذا واقع يحصل.
* قولُهُ: (فأما المسألة الأولى: وهي كيفية توزيع الْمَشْفُوعِ فِيهِ) (١).
كيفية توزيع المشفوع فيه: إذا كان المتقدم للشفعة واحدًا فأمره معروف، إمَّا أن يأخذ الجميع أو يدع الجميع، وليس له أن يختار.
أمَّا إذا كان المتقدم للشفعة أكثر من واحد؛ ففيه خلاف بين العلماء:
- هناك من يرى أنها تقسم على الأنصبة، يعني الأملاك.
- وهناك من يرى أنها على رؤوسهم بالتساوي، دون تمييز لأحد على أحد.
- وهناك من يرى أنها على حسب حصصهم، أي: أملاكهم؛ فمن يملك عشرون بالمائة مثلًا يأخذ ما يقابلها، ومن ملكه خمسة عشر مثلًا يأخذ ما يقابلها.
стр. 8034
* قولُهُ: (فَإِنَّ مَالِكًا (١) وَالشَّافِعِيَّ (٢)).
وأحمد كذلك في رواية (٣).
* قولُهُ: (وَجُمْهُورَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (٤) يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَشْفُوعَ فِيهِ يَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ، فَمَنْ كَانَ نَصِيبُهُ مِنْ أَصْلِ الْمَالِ الثُّلُثَ مَثَلًا أُخِذَ مِنَ الشِّقْصِ بِثُلُثِ الثَّمَنِ، وَمَنْ كَانَ نَصِييُهُ الرُّبْعَ أُخِذَ الرُبْعُ).
ووجهة نظر من قال: يقتسمون المشفوع فيه على قدر حصصهم: أنهم إنما استحقوا ذلك بسبب الملك، فينبغي أيضًا أن يكون التوزيع على قدر أملاكهم لا يزيد ولا ينقص.
* قولُهُ: (وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ) (٥).
وهم أبو حنيفة ومن معه، كابن أبي ليلى والثوري، وهي أيضًا روايه
стр. 8035
أخرى للإمام أحمد (١).
* قولُهُ: (هِيَ عَلَى عَدَدِ الرُّؤُوسِ عَلَى السَّوَاءِ).
يعني لا تفاضل بينهم على حسب حصصهم؛ بل يتساوون؛ وحجتهم أنه لو انفرد كل واحد منهم بالشفعة لاستحقها وحده.
* قولُهُ: (وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الشَّرِيكُ ذُو الْحَظِّ الْأَكْبَرِ، وَذُو الْحَظِّ الْأَصْغَرِ).
يعني صاحب الملك الأكبر، وصاحب الملك الأصغر.
* قولُهُ: (وَعُمْدَةُ الْمَدَنِيِّينَ). ويدخل مع المدنيين الشافعية والحنابلة.
* قولُهُ: (أَنَّ الشُّفْعَةَ حَقٌّ يُسْتَفَادُ وُجُوبُهُ بِالْمِلْكِ الْمُتَقَدِّمِ).
والملك المتقدم هو أنهما اشتركا في ملك هذا الشقص أو هذا النصيب في الأصل، ثم جاء أحدهما فباع نصيبه، فهذا يدلي عليه؛ لأنه شريك له في الملك.
* قولُهُ: (فَوَجَبَ أَنْ يَتَوَزَّعَ عَلَى مِقْدَارِ الْأَصْلِ).
كما مر بيانه: السبب في التوزيع على مقدار الأصل؛ أن الملك هو سبب الشفعة؛ فينبغي أن يأخذوا على قدر أملاكهم وحصصهم.
* قولُهُ: (أَصْلُهُ الْأَكْرِيَةُ فِي الْمُسْتَأْجَرَاتِ الْمُشْتَرَكَةِ).
فالمؤلف قاسه على الأكرية، كما قسناه على الغلة؛ فإنهم لا يتساوون فيها، وإنما يأخذون على قدر أملاكهم، فإنه مع اختلاف أموال الناس لا يقال بتساويهم، وإنما تكون القسمة على قدر حصصهم، وكذلك
стр. 8036
الأكرية، إذا وجد بيت بين عدد من الأشخاص وما دفعه كل واحد منهم يختلف؛ فإنهم يأخذون الأجرة على قدر أنصبتهم، لا يتساوون في ذلك، وإلا يكون ذلك ظلمًا.
* قولُهُ: (وَالرِّبْحُ فِي شَرِكَةِ الْأَمْوَالِ).
شركة الأموال يأخذ أصحابها على قدر أموالهم.
* قولُهُ: (وَأَيْضًا فَإِنَّ الشُّفْعَةَ إِنَّمَا هِيَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ، وَالضَّرَرُ دَاخِلٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى غَيْرِ اسْتِوَاءٍ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَى كلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحَسَبِ حِصَّتِهِ).
يذكر المؤلف أن المقصود من الشفعة هو رفع الضرر؛ لأن هذا الذي سيدخل عليهم بأخذه للشقص قد يضر بهم؛ والرسول ﷺ يقول: "لا ضرر ولا ضرار، ومن ضار ضره الله" (١). إذن ما دام الضرر يحصل فالذي يكون نصيبه أكثر يلحقة ضرر أكبر.
* قولُهُ: (فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اسْتِحْقَاقُهُمْ لِدَفْعِهِ عَلَى تِلْكَ النِّسْبَةِ.
وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ وُجُوبَ الشُّفْعَةِ إِنَّمَا يَلْزَمُ بِنَفْسِ الْمِلْكِ فَيَسْتَوْفِي ذَلِكَ أَهْلُ الْحُظُوظِ الْمُخْتَلِفَةِ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي نَفْسِ الْمِلْكِ، وَرُبَّمَا شَبَّهُوا ذَلِكَ بِالشُّرَكَاءِ فِي الْعَبْدِ).
قولُهُ: (شبهوا ذلك بالشركاء في العبد) يعني في السرايا، وهذا مثال آخر كما ذكرنا كالميراث.
* قولُهُ: (يُعْتِقُ بَعْضُهُمْ نَصِيبَهُ أَن يَقُوم عَلَى الْمُعْتَقِينَ عَلَى السَّوِيَّةِ؛ أَعْنِي: حَظَّ مَنْ لَمْ يُعْتِقْ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي
стр. 8037
دُخُولِ الْأَشْرَاكِ الَّذِينَ هُمْ عُصْبَةٌ فِي الشُّفْعَةِ مَعَ الْأَشْرَاكِ الَّذِينَ شَرِكَتُهُمْ مِنْ قِبَلِ السَّهْمِ الْوَاحِدِ) (١).
وهذه المسألة تحتاج أن يتنبه لها؛ فإن فيها ثلاثة أقوال:
* قولُهُ: (فَقَالَ مَالِكٌ).
القول الأول: هو قول مالك، ووافقه الشافعى في مذهبه القديم.
* قولُهُ: (أَهْلُ السَّهْمِ الْوَاحِدِ أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ إِذَا بَاعَ أَحَدُهُمْ مِنَ الْأَشْرَاكِ مَعَهُمْ فِي الْمَالِ مِنْ قِبَلِ التَّعْصِيبِ، وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ ذُو الْعُصْبَةِ فِي الشُّفْعَةِ عَلَى أَهْلِ السِّهَامِ الْمُقَدَّرَةِ، وَيَدْخُلُ ذَوُو السِّهَامِ عَلَى ذَوِي التَّعْصِيبِ (٢)، مِثْلُ أَنْ يَمُوتَ مَيِّتٌ فَيَتْرُكَ عَقَارًا تَرِثُهُ عَنْهُ بِنْتَانِ، وَابْنَا عَمٍّ).
فإذا مات رجل وترك دارًا؛ وورثته: بنتان، وأخوان؛ فإن البنتين ستأخذان الثلثين، والباقي للعمَّيْن تعصيبًا. وربما تأتي بنت من البنتين فتبيع نصيبها؛ فهنا حينئذٍ تأتي الشفعة.
* قولُهُ: (ثُمَّ تَبِيعُ الْبِنْتُ الْوَاحِدَةُ حَظَّهَا).
فكلهم اشتركوا في الميراث؛ فالبنتان من أهل الفروض، والعمان من أهل التعصيب؛ فإذا باعت إحدى البنتين نصيبها؛ فتحدث الشفعة.
أَصْحَابِ مَالِكٍ (١)).
وهو قول أحمد أيضًا، والمثال على ذلك: إذا مات إنسانٌ عن أخوين؛ ثم مات أحد هذين الأخوين وترك ابنين؛ فقام أحدهما ببيع نصيبه، فتكون الشفعة مشتركة بين الابن وعمه، وذلك بالنظر إلى الأصل، لأنَّ العم كان شريكًا في أصل المال؛ فينبغي كذلك أن يكون شريكًا في الشفعة.
وعند الإمام مالك: لا يكون العم شريكًا ولا يشترط ذلك؛ لأن هذا ميراث.
* قولُهُ: (وَعُمْدَةُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيُّ: عُمُومُ قَضَائِهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ، وَلَمْ يَفْصِلْ ذَوِي السَّهْم مِنْ عُصْبَةٍ. وَمَنْ خَصَّصَ).
عمدة مذهب الشافعي ومن معه عمومًا هو قضاء النبي ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم، فحجة هؤلاء أنه ينبغي أن يشترك الأصل أو الأعلى درجة مع الأدنى درجة.
وإن كان الابن الذي رأى المالكية أنه ينفرد؛ لأنه يدلي بسبب الملك، وذاك يدلي بسبب الأصل.
فمن قال: الابن الذي هو أخ لمن باع نصيبه ينفرد بالشفعة؛ لأنه يدلي بسبب الملك فهو أقرب.
والشافعية والحنابلة قالوا: العم أيضًا شريك في الأصل؛ لأنه يدلي بالأصل.
* قولُهُ: (ذَوِي السِّهَامِ مِنَ الْعَصَبَاتِ فَلِأَنَّهُ رَأَى الشَّرِكَةَ مُخْتَلِفَةُ
стр. 8040
الْأَسْبَابِ (أَعْنِي: بَيْنَ ذَوِي السِّهَامِ وَبَيْنَ الْعَصَبَاتِ)، فَشَبَّهَ الشَّرِكَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأسْبَابِ بِالشَّرِكَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ قِبَلِ مَحَالِّهَا الَّذِي هُوَ الْمَالُ بِالْقِسْمَةِ بِالْأَمْوَالِ. وَمَنْ أَدْخَلَ ذَوِي السِّهَامِ عَلَى الْعَصَبَةِ، وَلَمْ يُدْخِلِ الْعَصَبَة عَلَى ذَوِي السِّهَامِ، فَهُوَ اسْتِحْسَانٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ).
نقد المؤلف مذهب مالك هنا بأنه استحسانٌ غير مبني على أصل؛ فضعفه.
أمَّا المبني على أصل هو ما أخذ به الشافعية ومن معهم.
* قولُهُ: (وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ رَأَى أَنَّ ذَوِي السِّهَامِ أَقْعَدُ مِنَ الْعَصَبَةِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَشْفُوعُ عَلَيْهِمَا اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَشْفَعَ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الثَّانِي، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِمَّا أَنْ يَأْخُذَ الْكُلَّ أَوْ يَدَعَ (١). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٢) وَالشَّافِعِيُّ: لَهُ أَنْ يَشْفَعَ عَلَى أَيِّهِمَا أَحَبَّ (٣)، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ (٤)).
وهي رواية للإمام أحمد (٥).
غَائِبًا وَبَعْضُهُمْ حَاضِرًا، فَأَرَادَ الْحَاضِرُ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ فَقَطْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ الْكُلَّ أَوْ يَدَعَ، فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ (١). وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ أَنْ تَكُونَ الشَّرِكةُ مُتَقَدِّمَةً عَلَى الْبَيْعِ (٢). وَاخْتَلَفُوا: هَلْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً فِي حَالِ الْبَيْعِ، وَأَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً قَبْلَ الْبَيْعِ؟).
جاء المؤلف بهذه تصورًا منه، أمَّا ما هو عند مالك فإنما جاء تطبيقه الموافق لما أراد.
* قولُهُ: (فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى (وَهِيَ إِذَا لَمْ يَكُنْ شَرِيكًا فِي حَالِ الْبَيْعِ)، وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يَكُونَ يَتَرَاخَى عَنِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ).
هذا جاء به المؤلف تصورًا، والمراد أن الشريك له الحق في الشفعة، لكنه تراخى في المطالبة بها، ثم جاء يطالب.
* قولُهُ: (بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا يُقْطَعُ لَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ حَتَّى يَبِيعَ الْحَظَّ الَّذِي كَانَ بِهِ شَرِيكًا. فَرَوَى أَشْهَبُ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ، فَمَرَّةً قَالَ: لَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ، وَمَرَّةً قَالَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ (٣).
стр. 8043
وَاخْتَارَ أَشْهَبُ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ (١)، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ (٢) وَالْكُوفِيِّينَ (٣)).
هو قياس قول الشافعي والكوفيين، وأيضًا الإمام أحمد (٤)؛ فيلتقي هذا القياس مع المنهج الذي صار عليه الجمهور.
* قولُهُ: (لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالشُّفْعَةِ إِنَّمَا هو إِزَالَةُ الضَّرَرِ مِنْ جِهَةِ الشَّرِكَةِ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَرِيكٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ (٥): لَهُ الشُّفْعَةُ إِذَا كانَ قِيَامُهُ فِي أَثَرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي وَجَبَ لَهُ لَمْ يَرْتَفِعْ بِبَيْعِهِ حَظَّهُ. وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَصُورَتُهَا أَنْ يَسْتَحِقَّ إِنْسَانٌ شِقْصًا فِي أَرْضٍ قَدْ بِيعَ مِنْهَا قَبْلَ وَقْتِ الِاسْتِحْقَاقِ شِقْصٌ مَا؛ هَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ أَمْ لَا؟).
стр. 8044
فهذه المسألة في أرض بيع منها، ثم استحق إنسان شقصًا فيها، فهل له أن يأخذ بالشفعة أم لا؟
* قولُهُ: (فَقَالَ قَوْمٌ: لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ وَجَبَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ بِتَقَدُّمِ شَرِكتِهِ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ كَانَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ تَكُنْ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا تَجِبُ لَهُ الشُّفْعَةُ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا ثَبَتَ لَهُ مَالُ الشَّرِكةِ يَوْمَ الِاسْتِحْقَاقِ، قَالُوا: ألَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الْغَلَّةَ مِنَ الْمُشْتَرِي. فَأَمَّا مَالِكٌ (١) فَقَالَ: إِنْ طَالَ الزَّمَانُ فَلَا شُفْعَةَ، وَإِنْ لَمْ يَطُلْ فَفِيهِ الشُّفْعَةُ (٢)، وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ. وَأَمَّا مَتَى يَأْخُذُ؟ وَهل لَهُ الشُّفْعَةُ؟).
هذا بيان المؤلف للعنصر الثاني وهو: متى يأخذ الشفعة؟
* قولُهُ: (فإنَّ الذي له الشفعة رَجُلَانِ حَاضِرٌ أَوْ غَائِبٌ).
الكلام هنا عن حاضر ترك البيع، وشهده. وآخر غائب؛ فهل يختلف الحكم؟
* قولُهُ: (فَأَمَّا الْغَائِبُ: فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْغَائِبَ عَلَى شُفْعَتِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِبَيْعِ شَرِيكِهِ) (٣).
стр. 8045
للغائب حالتان:
الحالة الأولى: ألا يبلغه الخبر؛ فأجمع العلماء على أن الغائب على شفعته ما دام الخبر لم يبلغه. ثم أيضًا ينصرف عن الطلب؛ فلا يطالب ولا يشهد.
الحالة الثانية: إذا بلغه الخبر فإن عليه عند ذلك أن يطالب بالشفعة أو يشهد على مطالبته بها؛ فإن لم يطالب، ولم يقم شاهدًا على مطالبته؛ فبعض العلماء قال: لا يستحق الشفعة، وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.
* قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا عَلِمَ وَهُوَ غَائِبٌ (١)؛ فَقَالَ قَوْمٌ: تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ (٢). وَقَالَ قَوْمٌ: لَا تَسْقُطُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ (٣). وَالْحُجَّةُ لَهُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: "الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقْبِهِ" (٤).
стр. 8046
هو حديث: "الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها إن كان غائبًا"، في بعض الروايات بإثبات الواو: "وإن كان غائبًا" إذا كان طريقه واحدًا، هذا الحديث رواه الخمسة إلا النسائي، ورواه أيضًا البيهقي وأحمد (١).
هذا الحديث فيه اختلاف على (عبد الملك بن سليمان عن عطاء) فبعض العلماء وثَّقه، وبعضهم تكلَّم فيه، والحديث فيه خلاف بين العلماء؛ ولذلك اختلف في صحته عن طريق الراوي: هل هو صحيح أو لا؟ فبعض العلماء يثبتون، وبعض العلماء يوثق الرجل لكنه يضعفه في هذا الحديث، وبعضهم يرى أنه ضعيف (٢).
إذن؟ هذا الحديث نصف المسألة: "الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها إذا كان غائبًا". إذًا بعض الروايات قيدت: "إذا كان طريقه واحدًا ".
أما لو صح هذا الحديث فإنه يرفع كل إشكال، وهو بلا شك حجة للذين قالوا بالانتظار مطلقًا دون قيد؛ قالوا: فإن هذا الحديث لم يقيده بوجوب إشهاد أو عدم إشهاد، وإنما أطلق.
وحديث: "الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقْبِهِ" صحيح أخرجه البخاري وغيره (٣).
* قولُهُ: (أَوْ قَالَ: "بِشُفْعَتِهِ يُنْتَظَرُ بِهَا إِذَا كَانَ غَائِبًا" (٤) وَأَيْضًا فَإِنَّ الْغَائِبَ فِي الْأكثَرِ مُعَوَّقٌ عَنِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، فَوَجَبَ عُذْرُهُ).
وهذا على التفصيل الذي مرَّ في بيان حال الغائب.
стр. 8047
* قولُهُ: (وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي: أَنَّ سُكُوتَهُ مَعَ الْعِلْمِ قَرِينَة تَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِإِسْقَاطِهَا).
يعني إذا علم وسكت، وأكثر العلماء يقولون: لو علم وسكت، ثم رأى أن يطالب فله الحق.
* قولُهُ: (وَأَمَّا الْحَاضِرُ: فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ وُجُوب الشُّفْعَةِ لَهُ: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١) وَأَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ وَاجِبَة لَهُ عَلَى الْفَوْرِ (٢)).
الشفعة إما تكون على التراخي أو على الفور متى ما علم أن شريكه باع نصيبه.
جمهور العلماء يقولون: هي على الفور؛ أما إذا كان له عذر في تأخره؛ كأن يأتيه الخبر وهو يتطهر للصلاة؛ فإنه يتم ويصلي، ثم بعد ذلك يذهب يطالب بالشفعة؛ فهناك أسباب لا تعتبر مؤخرة له عن المطالبة بالشفعة كالأمور الضرورية من الأعمال التي لا يستغنى عنها.
أما إذا ترك المطالبة، فإنه في هذه الحالة لا شفعة له عند الجمهور، وله الشفعة عند مالك.
* قولُهُ: (بِشَرْطِ الْعِلْم وَإِمْكَانِ الطَّلَب، فَإِنْ عَلِمَ وَأَمْكَنَ الطَّلَبُ، وَلَمْ يَطْلُبْ بَطُلَتْ شُفْعَتُهُ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةً (٣) قَالَ: إِنْ أَشْهَدَ الْأَخْذ لَمْ
стр. 8048
تَبْطُلْ وَإِنْ تَرَاخَى. وَأَمَّا مَالِكٌ: فَلَيْسَتْ عِنْدَهُ عَلَى الفَوْرِ (١)، بَلْ وَقْتُ وُجُوبِهَا مُتَّسِع، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ: هَلْ هُوَ مَحْدُودٌ أَمْ لَا؟ فَمَرَّةً قَالَ: هُوَ غَيْرُ مَحْدُودٍ، وَأَنَّهَا لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا إِلَّا أَنْ يُحْدِثَ الْمُبْتَاعُ بِنَاءً، أَوْ تَغْيِيرًا كثِيرًا بِمَعْرِفَتِهِ، وَهُوَ حَاضِرٌ عَالِمٌ سَاكتٌ) (٢).
الإمام مالك قال: تجب الشفعة للشريك على التراخي؛ ولكن اختلفت الرواية عنه في حد هذا التراخي.
أما العلماء الآخرون؛ فقالوا: تجب الشفعة للشريك على الفور. ولا يخالف الفور حال التأخر لأمر ضروري.
قال الإمام مالك: لم يحدث أشياء واضحة؛ مثل أن يأتي إنسان قد اشترى الشقص؛ فيغير ويبدل ويقيم المباني ويضيف إليها أشياء ونحو ذلك؛ فحينئذ تكون الصورة واضحة.
* قولُهُ: (وَمَرَّةً حَدَّدَ هَذَا الْوَقْتَ، فَرُوِيَ عَنْهُ السَّنَةَ (٣)، وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَقِيلَ: أَكْثَرُ مِنْ سَنَةٍ، وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ: إِنَّ الْخَمْسَةَ أَعْوَامٍ لَا تَنْقَطِعُ فِيهَا الشُّفْعَةُ (٤).
العلماء مجمعون على أن القصد من الشفعة رفع الضرر؛ ومن يخشى من الضرر عليه أن يبادر إلى أخذ حقه في الشفعة.
стр. 8049
* قولُهُ: (وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "الشُّفْعَةُ كحَلِّ الْعِقَالِ") (١).
هذا الحديث فيه دليل على سرعة المبادرة.
وقد رواه ابن ماجه في (سُننه)، وقد رواه أيضًا البيهقي (٢).
بعض العلماء قال: إن هذا الحديث غير صحيح (٣)، رواه ابن ماجه والبيهقي، وجميع طرقه ضعيفة؛ فلا يصلح حجة لهذه المسألة؛ فإنه متفق على ضعفه.
* قولُهُ: (وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ أَمَدَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ (٤). وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُسْقِطِ الشُّفْعَةَ بِالسُّكُوتِ وَاعْتَمَدَ عَلَى أَنَّ السُّكُوتَ لَا يُبْطِلُ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْ قَرَائِنِ أَحْوَالِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِهِ، وَكَانَ هَذَا أَشبَه بِأُصُولِ الشَّافِعِيِّ).
الأشبه بأصول الشافعي؛ فإنه ﵀ هو الذي جاء بالقاعدة المعروفة: "لا ينسب إلى ساكتٍ قول "، فالأشبه بأصول الشافعي أن مستحق الشفعة إذا لم يطالب بها فلا ينسب إليه حكم بعدم أحقيته في الشفعة.
لكن عذل الإمام الشافعي عن هذه القاعدة؛ لوجود حديث: "الشفعة
стр. 8050
كحل العقال "، ومع كونه ضعيفًا، فقد يكون رأيًا للشافعي أنه من هذه القاعدة.
* قولُهُ: (لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَيْسَ يَجِبُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلُ قَائِلٍ، وَإِفي اقْتَرَنَتْ بِهِ أَحْوَالٌ تَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ، وَلَكِنَّهُ فِيمَا أَحْسَبُ اعْتَمَدَ الْأَثَرَ).
* قولُهُ: (فيما أحسب) بمعنى: أظن، وليس بمعنى اليقين، وقد اعتمد الشافعية (١) والحنابلة (٢) على الأثر: "كحل العقال" في الشفعة لمن أثبتها، لكنه حديث رواه ابن ماجه والبزار (٣) والبيهقي (٤)، وضعفه ابن حجر (٥) وغيره.
* قولُهُ: (فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ في أَرْكَانِ الشُّفْعَةِ، وَشُرُوطِهَا الْمُصَحِّحَةِ لَهَا، وَبَقِيَ الْقَوْلُ فِي الْأحْكَامِ).
فتكلم المؤلف عن أركان الشفعة وشروطها، وما أضفناه من تعريفات، وما كان محل اتفاق بين العلماء، وما اختلفوا فيه مما لا تجوز الشفعة فيه، وبيان إذا ما كان مقصورًا على نوع معين أو لا، وبيان إذا ما كانت الشفعة خاصة بما ينتقل بعوض -وهو مذهب الجمهور- أو ليست خاصة بذلك، وبيان إذا ما كانت قاصرة على البيع، أو هي أشمل من ذلك.
ثم يعرض المؤلف للأحكام ذات العلاقة بالشفعة.
стр. 8051
[الْقِسْمُ الثَّانِي: الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الشُّفْعَةِ]
* قولُهُ: (وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ كثِيرَةٌ، وَلَكِنْ نَذْكُرُ مِنْهَا مَا اشْتَهَرَ فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ: فَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي مِيرَاثِ حَقِّ الشُّفْعَةِ).
قولُهُ: (ولكن نذكر منها ما اشتهر في الخلاف بين فقهاء الأمصار) ولذلك لم يذكر مسائل مثل: هل للكافر حق الشفعة؟ وهل هناك شفعة بين الذمي والذمي؟ وهل للقروي أن يشفع أو لا؟
* قولُهُ: (فَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُورَثُ (١) كَمَا أَنَّهُ لَا يُبَاعُ).
الكوفيون -ومنهم أبو حنيفة- وإذا ما أطلق ﵀ لفظ الكوفيين فإنه يندرج تحتهم، إلا أن يستثنيه.
* قولُهُ: (وَذَهَبَ مَالِكٌ (٢) وَالشَّافِعِيُّ (٣) وَأَهْلُ الْحِجَازِ إِلَى أَنَّهَا مَوْرُوثَة قِيَاسًا عَلَى الْأَمْوَالِ) (٤).
стр. 8052
سبق بيان أن الأموال تورث (١).
* قولُهُ: (وَقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَمِنْهَا: اخْتِلَافُهُمْ فِي عُهْدَةِ الشَّفِيعِ هَلْ هِيَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ عَلَى الْبَائِعِ؟).
يعني: سبب اختلافهم في هذا: هل تقاس على الرد بالعيب أو لا؟
و (عهدة الشفيع)، يعني: إذا طرأ عيب أو استحقاق للشفعة أو للمبيع الذي انتقل إلى المشتري، أو وجد عيب فيه بعد أن أخذه الشفيع، فعلى من يرجع؟ هل يرجع على المشتري، والمشتري يرجع على البائع، أو هو يرجع مباشرة إلى البائع؟ هناك نظرتان:
- فمن نظر إلى الحال الواقع قال: يرجع على المشتري؛ لأن الشفعة إنما حصلت بعد تمام البيع وانتقاله إلى المشتري.
- ومن نظر إلى الأصل قال: إنه استحق الشفعة بمجرد البيع فيرجع إلى البائع لا المشتري؛ أي: إلى شريكه.
* قولُهُ: (فَقَالَ مَالِكٌ (٢) وَالشَّافِعِيُّ) (٣).
وكذلك الإمام أحمد (٤) أيضًا.
стр. 8053
* قولُهُ: (هِيَ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى (١): هِيَ عَلَى الْبَائِعِ. وَعُمْدَةُ مَالِكٍ).
أي: وعمدة جمهور الفقهاء؛ وهم مالك والشافعي وأحمد.
* قولُهُ: (أَنَّ الشُّفْعَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ لِلشَّرِيكِ بَعْدَ حُصُولِه مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَصِحَّتِهِ فَوَجَبَ أَنْ تكُونَ عَلَيْهِ الْعُهْدَةُ).
يعني بعد أن استقر الملك بانتقالها إليه؛ فصار هو المالك لها، فجاء الشفيع فأخذها من يده.
* قولُهُ: (وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الآخَرِ: أَنَّ الشُّفْعَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ لِلشَّرِيكِ بِنَفْسِ الْبَيْعِ، فَطُرُوُّهَا عَلَى الْبَيْعِ فَسْخٌ لَهُ وَعَقْدٌ لَهَا).
فالشفعة وجبت للشريك أو الشفيع بمجرد البيع؛ فهو قبل البيع لا شفعة له، فلما جاء شريكه فباع، وكان له الحق أن يؤذنه؛ صارت له الشفعة، كما جاء في رواية مسلم: "أن الرسول ﷺ قضى بالشفعة فيما لم يقسم ربعة أو حائط" ثم قال ﷺ : "لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإن باع ولم يستأذنه" وفي رواية: " ولم يؤذنه فهو أحق به " (٢) أي: أحق بالشفعة.
* قولُهُ: (وَأَجْمَعُوا (٣) عَلَى أَنَّ الْإِقَالَةَ لَا تُبْطِلُ الشُّفْعَةَ).
والإقالة: يعني إنهاء البيع.
стр. 8054
* قولُهُ: (مَنْ رَأَى أَنَّهَا بَيْعٌ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا فَسْخٌ (أَعْنِي: الْإِقَالَةَ).
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: عَلَى مَنْ عُهْدَةُ الشَّفِيع فِي الْإِقَالَةِ؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ (١): عَلَى الْمُشْتَرِي. وَقَالَ أَشْهَبُ (٢): هُوَ مُخَيَّرَ).
مذهب الجمهور أنها على المشتري، والاختلاف حاصل في قدر القيمة.
* قولُهُ: (وَمِنْهَا: اخْتِلَافُهُمْ إِذَا أَحْدَثَ الْمُشْتَرِي بِنَاءً، أَوْ غَرْسًا، أَوْ مَا يُشْبِهُ فِي الشِّقْصِ قَبْلَ قِيَامِ الشَّفِيع).
إذا انتقل النصيب إلى المشتري؛ وأتى الشريك ليشفع في نصيب شريكه -وفقًا للشريعة الغراء، وقد حصل تصرف من المشتري بأن بنى أو غرس، ففي هذا تفصيل للعلماء:
أولًا: بالنسبة للشفيع عند مطالبته بالشفعة له حالتان:
الحالة الأولى: أن يطالب بنقض البناء أو الغرس؛ واختلف العلماء فيما يترتب على هذا النقض فيمن يطالب بالتسوية؛ كإصلاح الأرض:
- بعض العلماء رأى أنه لا يتحمل المشتري شيئًا.
- آخرون قالوا: المشتري يتحمل.
الحالة الثانية: ألا يرغب المشتري في نقض البناء، وعند ذلك للشفيع ثلاث حالات:
стр. 8055
- إمَّا أن يتنازل عن الشفعة، وحينئذ ينتهي الأمر؛ لأنه ترك حقه باختياره.
- ألا يتنازل عن الشفعة، وعند ذلك هناك طريقان:
الطريق الأول: أن يدفع الشفيع للمشتري قيمة البناء والغرس.
الطريق الثاني: إذا لم يدفع له قيمة الغرس، مع مطالبته له بنقض ذلك، فللعلماء أقوال:
القول الأول (١): إذا طالب بالشفعة، وأبقى على البناء والغرس؛ فإنه يطالب بقيمة ذلك.
القول الثاني (٢): أنه ينقض البناء أو الغرس؛ فاختلف العلماء؛ فأبو حنيفة يرى أن الشفيع لا يطالب بما يترتب على النقض أو النقل للبناء أو الغرس من ضرر، وقاسه على الغاصب.
أمَّا الأئمة مالك والشافعي وأحمد فقالوا: يطالب بذلك.
* قولُهُ: (بطلب شُفْعَته: فَقَالَ مَالِكٌ: لَا شُفْعَةَ إِلَا أَنْ يُعْطِيَ الْمُشْتَرِي قِيمَةَ مَا بَنَى وَمَا غَرَسَ).