← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.

стр. 8051

[الْقِسْمُ الثَّانِي: الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الشُّفْعَةِ] * قولُهُ: (وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ كثِيرَةٌ، وَلَكِنْ نَذْكُرُ مِنْهَا مَا اشْتَهَرَ فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ: فَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي مِيرَاثِ حَقِّ الشُّفْعَةِ). قولُهُ: (ولكن نذكر منها ما اشتهر في الخلاف بين فقهاء الأمصار) ولذلك لم يذكر مسائل مثل: هل للكافر حق الشفعة؟ وهل هناك شفعة بين الذمي والذمي؟ وهل للقروي أن يشفع أو لا؟ * قولُهُ: (فَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُورَثُ (١) كَمَا أَنَّهُ لَا يُبَاعُ). الكوفيون -ومنهم أبو حنيفة- وإذا ما أطلق ﵀ لفظ الكوفيين فإنه يندرج تحتهم، إلا أن يستثنيه. * قولُهُ: (وَذَهَبَ مَالِكٌ (٢) وَالشَّافِعِيُّ (٣) وَأَهْلُ الْحِجَازِ إِلَى أَنَّهَا مَوْرُوثَة قِيَاسًا عَلَى الْأَمْوَالِ) (٤).

стр. 8052

سبق بيان أن الأموال تورث (١). * قولُهُ: (وَقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَمِنْهَا: اخْتِلَافُهُمْ فِي عُهْدَةِ الشَّفِيعِ هَلْ هِيَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوْ عَلَى الْبَائِعِ؟). يعني: سبب اختلافهم في هذا: هل تقاس على الرد بالعيب أو لا؟ و (عهدة الشفيع)، يعني: إذا طرأ عيب أو استحقاق للشفعة أو للمبيع الذي انتقل إلى المشتري، أو وجد عيب فيه بعد أن أخذه الشفيع، فعلى من يرجع؟ هل يرجع على المشتري، والمشتري يرجع على البائع، أو هو يرجع مباشرة إلى البائع؟ هناك نظرتان: - فمن نظر إلى الحال الواقع قال: يرجع على المشتري؛ لأن الشفعة إنما حصلت بعد تمام البيع وانتقاله إلى المشتري. - ومن نظر إلى الأصل قال: إنه استحق الشفعة بمجرد البيع فيرجع إلى البائع لا المشتري؛ أي: إلى شريكه. * قولُهُ: (فَقَالَ مَالِكٌ (٢) وَالشَّافِعِيُّ) (٣). وكذلك الإمام أحمد (٤) أيضًا.

стр. 8053

* قولُهُ: (هِيَ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى (١): هِيَ عَلَى الْبَائِعِ. وَعُمْدَةُ مَالِكٍ). أي: وعمدة جمهور الفقهاء؛ وهم مالك والشافعي وأحمد. * قولُهُ: (أَنَّ الشُّفْعَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ لِلشَّرِيكِ بَعْدَ حُصُولِه مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَصِحَّتِهِ فَوَجَبَ أَنْ تكُونَ عَلَيْهِ الْعُهْدَةُ). يعني بعد أن استقر الملك بانتقالها إليه؛ فصار هو المالك لها، فجاء الشفيع فأخذها من يده. * قولُهُ: (وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الآخَرِ: أَنَّ الشُّفْعَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ لِلشَّرِيكِ بِنَفْسِ الْبَيْعِ، فَطُرُوُّهَا عَلَى الْبَيْعِ فَسْخٌ لَهُ وَعَقْدٌ لَهَا). فالشفعة وجبت للشريك أو الشفيع بمجرد البيع؛ فهو قبل البيع لا شفعة له، فلما جاء شريكه فباع، وكان له الحق أن يؤذنه؛ صارت له الشفعة، كما جاء في رواية مسلم: "أن الرسول ﷺ قضى بالشفعة فيما لم يقسم ربعة أو حائط" ثم قال ﷺ : "لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإن باع ولم يستأذنه" وفي رواية: " ولم يؤذنه فهو أحق به " (٢) أي: أحق بالشفعة. * قولُهُ: (وَأَجْمَعُوا (٣) عَلَى أَنَّ الْإِقَالَةَ لَا تُبْطِلُ الشُّفْعَةَ). والإقالة: يعني إنهاء البيع.

стр. 8054

* قولُهُ: (مَنْ رَأَى أَنَّهَا بَيْعٌ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا فَسْخٌ (أَعْنِي: الْإِقَالَةَ). وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ: عَلَى مَنْ عُهْدَةُ الشَّفِيع فِي الْإِقَالَةِ؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ (١): عَلَى الْمُشْتَرِي. وَقَالَ أَشْهَبُ (٢): هُوَ مُخَيَّرَ). مذهب الجمهور أنها على المشتري، والاختلاف حاصل في قدر القيمة. * قولُهُ: (وَمِنْهَا: اخْتِلَافُهُمْ إِذَا أَحْدَثَ الْمُشْتَرِي بِنَاءً، أَوْ غَرْسًا، أَوْ مَا يُشْبِهُ فِي الشِّقْصِ قَبْلَ قِيَامِ الشَّفِيع). إذا انتقل النصيب إلى المشتري؛ وأتى الشريك ليشفع في نصيب شريكه -وفقًا للشريعة الغراء، وقد حصل تصرف من المشتري بأن بنى أو غرس، ففي هذا تفصيل للعلماء: أولًا: بالنسبة للشفيع عند مطالبته بالشفعة له حالتان: الحالة الأولى: أن يطالب بنقض البناء أو الغرس؛ واختلف العلماء فيما يترتب على هذا النقض فيمن يطالب بالتسوية؛ كإصلاح الأرض: - بعض العلماء رأى أنه لا يتحمل المشتري شيئًا. - آخرون قالوا: المشتري يتحمل. الحالة الثانية: ألا يرغب المشتري في نقض البناء، وعند ذلك للشفيع ثلاث حالات:

стр. 8055

- إمَّا أن يتنازل عن الشفعة، وحينئذ ينتهي الأمر؛ لأنه ترك حقه باختياره. - ألا يتنازل عن الشفعة، وعند ذلك هناك طريقان: الطريق الأول: أن يدفع الشفيع للمشتري قيمة البناء والغرس. الطريق الثاني: إذا لم يدفع له قيمة الغرس، مع مطالبته له بنقض ذلك، فللعلماء أقوال: القول الأول (١): إذا طالب بالشفعة، وأبقى على البناء والغرس؛ فإنه يطالب بقيمة ذلك. القول الثاني (٢): أنه ينقض البناء أو الغرس؛ فاختلف العلماء؛ فأبو حنيفة يرى أن الشفيع لا يطالب بما يترتب على النقض أو النقل للبناء أو الغرس من ضرر، وقاسه على الغاصب. أمَّا الأئمة مالك والشافعي وأحمد فقالوا: يطالب بذلك. * قولُهُ: (بطلب شُفْعَته: فَقَالَ مَالِكٌ: لَا شُفْعَةَ إِلَا أَنْ يُعْطِيَ الْمُشْتَرِي قِيمَةَ مَا بَنَى وَمَا غَرَسَ).

стр. 8056

أجمل المؤلف في هذه المسألة، وعلى هذا القول يوافق الإمام أحمد الإمامَ مالكًا في رواية. * قولُهُ: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢): هُوَ مُتَعَدٍّ، وَللشَّفِيعِ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ بِنَائِهِ مَقْلُوعًا، أَوْ يَأْخُذَهُ بِنَقْضِهِ). ما قاله المؤلف عن الشافعي فيه كلام؛ فإنما هو رأي لبعض الشافعية. أمَّا قولُهُ عن أبي حنيفة فهو صحيح. * قولُهُ: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُ تَصَرُّفِ الْمَشْفُوعِ عَلَيْهِ - الْعَالِمِ بِوُجُوبِ الشُّفْعَةِ عَلَيْهِ - بَيْنَ شُبْهَةِ تَصَرُّفِ الْغَاصِبِ وَتَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي الَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ الِاسْتِحْقَاقُ). سبب اختلافهم؛ لأن المشتري شبيه بالغاصب؛ لأنه يعلم أن هذه الأرض هي نصيب لأحد شريكين؛ فاشتراه مع علمه بوجود شريك آخر له حق الشفعة، فهذا معنى ما علل به أبو حنيفة. * قولُهُ: (وَقَدْ بَنَى فِي الْأَرْضِ وَغَرَسَ). هل المشتري يلحق بالغاصب في وصفه بالظلم الذي جاء في حديث

стр. 8057

الرسول ﷺ قال: "ليس لعوق ظالم حَقٌّ؟ " (١) هذا ليس غاصبًا في الحقيقة، للتردد بين من يثبت أن ما اشتراه مستحقًّا لغيره. وليس هذا دليل الجمهور، وإنما استدل الجمهور بقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٢). فإذا أبي الشفيع أن يأخذ ما حصل في الأرض من بناء أو غرس أو نحو ذلك، فإذا قام بنقضه أو نقله؛ فيحتاج ذلك إلى نفقه للعمال ومن يحمل ذلك، وربما تنقص قيمته وتفسد بعض الأشجار فيحدث الضرر، وهذه الشريعة الغراء ترفع الضرر، كما جاء في الحديث الحسن: "لا ضرر ولا ضرار". * قولُهُ: (وَذَلِكَ أَنَّهُ وَسَطٌ بَيْنَهُمَا. فَمَنْ غَلَّبَ عَلَيْهِ شِبْهَ الِاسْتِحْقَاقِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْقِيمَةَ. وَمَنْ غَلَّبَ عَلَيْهِ شِبْهَ التَّعَدِّي قَالَ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِنَقْضِهِ، أَوْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهُ مَنْقُوضًا). الأولى والأقرب إلى مبادئ الشريعة هو مذهب جمهور العلماء الذين قالوا: بأنه إذا أبي الشفيع أن يشتري ما في الأرض ويدفع قيمة ما أحدث في الأرض، فما عليه إلا أن يترك صاحبها يأخذها ويعوضه عما يترتب عليه من نقص، عملًا بالحديث: "لا ضرر ولا ضرار". * قولُهُ: (وَمِنْهَا: اخْتِلَافُهُمْ إِذَا اخْتَلَفَ الْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعُ فِي مَبْلَغِ الثَّمَنِ: فَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ الشِّقْصَ بِكَذَا، وَقَالَ الشَّفِيعُ: بَلِ اشْتَرَيْتَهُ بِأَقَلَّ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ) (٣).

стр. 8058

الأئمة الثلاثة: مالك (١) والشافعي (٢)، وأحمد (٣). * قولُهُ: (الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، لِأَنَّ الشَّفِيعَ مُدَّع، وَالْمَشْفُوعَ عَلَيْهِ مُدَّعًى عَلَيْهِ. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ التَّابِعِينَ فَقَالُوا: الْقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيعِ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ أَقَرَّ لَهُ بِوُجُوبِ الشُّفْعَةِ، وَادَّعَى عَلَيْهِ مِقْدَارًا مِنَ الثَّمَنِ لَمْ يَعْتَرِفْ لَهُ بِهِ. وَأَمَّا أَصْحَابُ مَالِكٍ فَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَقَالَ ابْنُ الْقَاسمِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي إِذَا أَتَى بِمَا يُشَبَّهُ بِالْيَمِينِ (٤)). يعني: إذا أتى بقرينة تنزل منزلة اليمين، أي: ترجح كفته. * قولُهُ: (فَإِنْ أَتَى بِما لَا يُشْبِهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيعِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: إِذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي بِلَا يَمِينٍ، وَفِيمَا لَا يُشَبَّهُ بِالْيَمِينِ (٥). وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي ذَا سُلْطَانٍ يُعْلَمُ الْعَادَة أَنَّهُ يَزِيدُ فِي الثَّمَنِ قُبِلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَقِيلَ: إِذَا أَتَى الْمُشْتَرِي بِمَا لَا يُشْبِهُ رُدَّ الشَّفِيعُ إِلَى الْقِيمَةِ، وَكَذَلِكَ فِيمَا أَحْسَبُ إِذَا أَتَى

стр. 8059

كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا لَا يُشْبِهُ. وَاخْتَلَفُوا إِذَا أَتَى كُلُّ وَاحِدٍ بِبَيِّنَةٍ، وَتَسَاوَتِ الْعَدَالَةُ: فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ (١): "يَسْقُطَانِ مَعًا، وَيُرْجَعُ إِلَى الْأَصْلِ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ ". وَقَالَ أَشْهَبُ: "الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهَا زَادَتْ عِلْمًا") (٢). هذه من أدلة المالكية، والمعروفة بالاستحسان أو المصالح المرسلة أو القياس المرسل، وهم يتوسعون فيها (٣)، ويفرعون عليها كثيرًا من الأحكام، فهذه التعليلات والفروع التي أوردها المؤلف هي بسبب ذلك، أما رأي الجمهور فقد سبق بأن: القول قول المشتري والحق له حتى يأتي الشفيع ببينة. * * *

стр. 8060

قال المصنف رحمه الله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا. [كِتَاب القِسْمَةِ] (١): وَالأَصْلُ فِي هَذَا الكِتَابِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ [النساء:٨)].

стр. 8061

وسيبدأ المؤلف بدليل مشروعيتها: أولًا: أدلة الكتاب: ومن ذلك قول الله : ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)﴾ [القمر: ٢٨]، وهذا في قصة ناقة صالح ﵇ (١). والدليل الآخر من الكتاب العزيز قولُهُ تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ [النساء: ٨]، والمراد بذلك أنه عندما يموت الميت، ويُرَاد قسمة تركته، فيحضر تلك التَّركة مَنْ لا يستحق الأخذ منها ميراثًا، وقد بَيَّنهم اللهُ تَعَالى في هذه الآية: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾، أي: أقارب الميت من غير الوَرَثة، كأنْ يكونوا من ذوي الأرحام الذين لا يستحقون، أو ممن يرثون لكنهم محجوبون (٢). "واليتامى"، أي: الذين مات آباؤهم وهم صغار؛ لأن اليتيم من مات أبوه ولم يبلغ (٣)، وكذلك أيضًا "والمساكين ": الذين لا مال لهم (٤)، فعليكم في هذه الحالة أن تعطوهم ما تطمئن به نفوسهم، وترتاح به أفئدتهم، وأن تضيفوا أيضًا إلى ذلك معاملةً حسنةً وقولًا كريمًا ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. ثم نبَّه الله أن الإنسان إذا عمل طيبًا، فإنه سيجد ثمرة ذلك في الدنيا، وسيجد ثواب ذلك في الآخرة، فقال في الآية التي بعدها: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾، فمن حضر عنده محتاج وقدم له شيئًا، فليعلم

стр. 8062

أنه مثَابٌ، ألا يخشى من لم يقدم خيرًا أن تنزل تلك الحادثة بأبنائه كأن يموتَ فيترك صغارًا، فيَحْتاجون فيحصل لهم ما حصل لغيرهم؟ فإذا قدمت خيرًا، فإنك سَتَجد ثمرته والله يضاعف لمن يشاء. والشاهد هنا: أن هذه الآية فيها دلالةٌ صريحةٌ على مشروعية القسمة: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾، أي: قسمة الميراث، وهذا دليلٌ آخر من كتاب الله يدل على مشروعية القسمة. وأما الدليل من السُّنَّة، فلم يذكر المؤلف شيئًا منها، والأدلة عليها كثيرةٌ جدًّا، وأقرب دَلِيلٍ مرَّ بنا في كتاب الشُّفعة، وهو الحديث المتفق عليه: "قضى رسول الله ﷺ بالشُّفعة فيما لم يُقسم، فإذا وقعت الحدودُ، وصُرِّفت الطرق، فلا شفعة" (١)، وهذا نص في القسمة من سنة رسول الله ﷺ ، أما إذا قسمت فلا شفعة. ووجه الدلالة: ثبوت القسمة في هذا الحديث، إن قسمت فلا شفعة، وإنْ لم تقسم فإنها تكون الشفعة، إذًا هذا دليلٌ صحيحٌ صريح في ثبوت الشفعة من سُنَّة رسول الله ﷺ ، وثبت أيضًا من سُنَّة رسول الله ﷺ أنه قسم خيبر ثمانية عشر سهمًا (٢)، وثبت أيضًا أنه ﷺ قسم الغنائم يوم بدر (٣)، كذلك قسمها يوم حنين، وكانت أنواعًا كثيرةً (٤).

стр. 8063

وأما الدليل الثالث وهو الإجماع، فأجمعت الأمة على مشروعيتها (١)، فالقسمةُ ثَابتةٌ في كتاب الله ، وفي سُنَّة رَسُوله ﷺ ، وأجمعت الأمة على ذلك، والحاجة أيضًا داعية إليها. والدليل العقلي أيضًا يدل على قيامها، وهُوَ ما يُعْرف بالقياس، هذا بالنِّسبة لمشروعية القسمة، ولا شكَّ بأن القسمةَ لها طُرُقٌ وَمَناهجُ وكيفيةٌ، ولها أركانٌ وشروطٌ، ولها نظامٌ تقسم فيه، أما قسمة المواريث فسيأتي الكلام عنها في كتاب المواريث، وهناك قسمة الأراضي عمومًا، وهناك قسمة المكيل والموزون، وهناك أيضًا عروض التجارة، وغير ذلك من الأنواع، فما هي الطريقة التي تتم فيها القسمة؟ وهل هناك شروط أو لا؟ وهل القسمة تنقسم إلى قسمة تراضٍ وقسمة إجبارٍ (٢)؟ الجواب: نعم؛ لأنه إذا تراضى شخصان في القسمة، انتهى الأمر، لكن القسمة أحيانًا تكون قسمة إجبارٍ، أيْ: يُجْبَرُ أحد الشريكين على القسمة إذا امتنع لكن بشروطٍ؛ لأنه قد يطالب أحدهما بالقسمة، ولكن عند المطالبة بالقسمة فلا بد أولًا من ثبوت الملكية، ولا بد أن يعرف بأن هذا المقصود أو المطلوب قسمته إنَّما هو ملكٌ للمطالبين بالقسمة.

стр. 8064

الأمر الآخر: ألَّا يترتب على ذلك ضرر، وفي قضية الضرر خلاف؛ لأن بعض العلماء يرى القسمة وَإنْ ترتَّب عليها ضرر (١)، والضرر قد يكون ضرر منفعةٍ بمعنى: تعطل المنفعة، كأن تكون دارًا ولأحدهما ثلثاها، وللآخر الثلث الباقي، فإذا قسمت أخذ الأول الثلثين، وما بقي من ثلث لا يستفيد منه الآخر، إذن زالت المنفعة، فهل زوال المنفعة يمنع القسمة؟ وَأَحيانًا يكون الضرر في القيمة، أي: تبقى المنفعة في الاستفادة، لكن تنقص القيمة، فإذا قسمت إلى قسمين تضرر أحدهما بأن نزلت قيمة هذه، وارتفعت قيمة هذه، أو بقيت إحداهما ممسكةً بقيمتها الأصلية، وانخفضت قيمة الأخرى، وهذا ضررٌ، فما هي الطريقة التي يتم بها التقسيم؟ ربما تكون السهام والقيمة متساوية، وربما تكون السهام متساوية والقيمة مختلفة، وربما تكون القيم متساوية أي: قيمة السهام متساوية والأسهم مختلفة، وربما يحصلُ خلافٌ في السهام، وخلاف أيضًا في القيمة. ولذلك، نرَى أن بعض الفقهاء لا يفرد القسمة في باب أو كتاب مستقلٍّ، وإنما يُدرجها ضمْنَ كتاب القضاء، فيُدْخِلها فيه لما لها من علاقة وثيقة بذلك، وبخاصة إذا كَانَت الَقسمةُ قسمةَ إجبارٍ، ثم أيضًا هذه القسمة إذا قسمت وإذا كانت تحت ولاية القاضي، فالذي يتولَّى أُجرة القاسم هو بيت المال، وإذا كانت القسمة بطلبٍ من الطرفين فمن الذي يتولاها؟ هل الذي يتولاها الذي طلب أو هي موزعة بينهم؟، وفيما يتعلق عند الخلاف بقول القاسم، هل يصدق مع أنه هو الذي قسَّم أو لا يصدق؟، هذه كلها

стр. 8065

مسائل تندرج تحتها، أورد بعضها المؤلف وبعضها لم يوردها وكلامه فيه نوع من الإجمال، فأردت أن أقدم هذه المقدمة وأعطيكم تصورًا عما يدور في كتاب القسمة حتى نكون على معرفةٍ لما يذكر فيها. * قولُهُ: (وَقَوْلُهُ: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]، وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "أَيّمَا دَارٍ قُسِّمَتْ فِي الجَاهِلِيَّةِ فَهِيَ عَلَى قَسْمِ الجَاهِلِيَّةِ" (١). وفي بعض الروايات: "أيما دارٍ وأرض قُسِّمت فهي على قسمة الجاهلية" (٢)، أي: عفا الله عما سلف، فما كان من أنكحة أو من بيوع أو من غير ذلك فإن الإسلام يتجاوز عنها، إلا أن تكون أمورًا تتعلق بالعقيدة فهذه جاء الإسلام ليصلحها ويزيلها ويرفعها، لكن إذا كانت عقودًا لم تنتهِ بعدُ فإن الإسلام يطرحها كما جاء في خطبة رسول الله ﷺ في حجة الوداع (٣). * قولُهُ: (" … وَأَيّمَا دَارٍ أَدْرَكهَا الإِسْلَامُ وَلَمْ تُقْسَمْ فَهِيَ عَلَى قِسْمِ الإِسْلَامِ "). لأن كل شيء قد انتهى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].

стр. 8066

* قولُهُ: (وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الكِتَابِ فِي القَاسِمِ). أي: الذي يقسم بينهما. * قولُهُ: (وَالمَقْسُومِ). أي: الأعيان التي تُقسم. * قولُهُ: (وَالمَقْسُومِ عَلَيْهِ). أي: التي تُقسم عليه كالشركاء أو الورثة. * قولُهُ: (وَالقِسْمَةِ: وَالنَّظَرُ فِي القِسْمَةِ فِي أَبْوَابٍ: البَابُ الأَوَّلُ في أَنْوَاع القِسْمَةِ). فالقسمة أنواع؛ لأنها قد تكون رباعًا، ولقصد بها العقار أو غير العقار، وقد تكون عروضًا من عروض التجارة، وربما تكون أيضًا مطعومات (١). * قولُهُ: (الثَّانِي: فِي تَعْيِينِ مَحِلِّ نَوْعٍ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهَا (أَعْنِي: مَا يَقْبَلُ القِسْمَةَ وَمَا لَا يَقْبَلُهَا). لأن منها ما لا يقبل القسمة، فلا يمكن أن تأتي بثوب واحد لتقَسِّمَهُ؛ لأن فيه ضررًا على الطرفين، فإذا قُسِّمَ الثوب فلا فائدة منه. * قولُهُ: (وَصِفَةِ القِسْمَةِ فِيهَا، وَشُرُوطِهَا، أَعْنِي: فِيمَا يَقْبَلُ القِسْمَةَ، الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِهَا). يشرع المؤلف في بيان تلك الأبواب الثلاثة التي أوردها. * * *

стр. 8067

[البَابُ الأَوَّلُ فِي أَنْوَاعِ القِسْمَةِ] * * * * قولُهُ: (وَالنَّظَرُ فِي القِسْمَةِ يَنْقَسِمُ أَوَّلًا إِلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمَةُ رِقَابِ الأَمْوَالِ. وَالثَّانِي: مَنَافِعُ الرِّقَابِ). القسم الأول: قسمة الرقاب، والثاني: منافعها؛ لأننا إن كان عندنا حائط فلا نقول عنه رقبة بل نسميه ربعة، مفرد رباع (١)، وإذا كان له منافع كأن تكون شجرة ولها ثمرة فهذه الثمرة هي منافع الرِّقاب، وقد تكون الدار رقبة (٢)، لكن تأجيرها منفعة، إلى غير ذلك. * قولُهُ: (القِسْمُ الأَوَّلُ مِنْ هَذَا البَابِ. فَأَمَّا قِسْمَةُ الرِّقَابِ الَّتِي لَا يمَالُ وَلَا تُوزَنُ). وقد تكلَّم عنها مطلقًا. * قولُهُ: (فَتَنْقَسِمُ بِالجُمْلَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: ١ - قِسْمَةُ قُرْعَةٍ بَعْدَ تَقْوِيمٍ، وَتَعْدِيلٍ).

стр. 8068

ومعنى "تقويم"، أي: بعد بيان قيمَتِها، وبعد معرفة السّهام؛ لأنَّه ربما تكون السهام متعادلة ومتساوية، فلو أن هناك أرضًا أربعة آلاف متر ولو قُسِّمت بين أربعة لكان كلُّ جزء منها أو كل سهم ألفًا، وبالنسبة لموقعها متساوية لا تختلف قيمها، ومع ذلك يُقرَع تطييبًا للنفوس وإراحة للخواطر؛ لأن الإنسان لو أعطي دون رغبة منه فربما تتأثر نفسه، لكن عندما يقرع بينهم فما يقع نصيبه عليه يأخذه فحينئذ ترتاح نفسه، والقرعة معروفة ومعتبرة في شريعتنا وفيمن قبلنا من الشرائع (١)، ورسول الله ﷺ أقرع كما سيأتي في قصة الذي أعتق عبيده، وكان الرسول ﷺ إذا أراد سفرًا أقرعَ بين نسائِه (٢)، فالقرعة معتبرة، وهناك قيمة وسهام، لكن المؤلف أجمل كلامه في الموضوع. * قولُهُ: (٢ - وَقِسْمَةُ مُرَاضَاةٍ بَعْدَ تَقْوِيمٍ وَتَعْدِيلٍ). وقد تكون قسمة مراضاة لكن بعد تقويمٍ وتعديل، كأن يتَّفقَ اثنان على قسمة أرضٍ بينهم ويتراضيَان دون خلَاف لكن بعد أن يُعدل في الأرض، فلو أن أرضًا تنقسم إلى قسمين متساويين ووجدنا في أحد الشطرين بئرًا تساوي قيمتُه نصفَ قيمة الأرض، وربما يوجد بئر وأشجار، وربما تكون متعادلة القيمة، وهذه لا إشكال فيها، لكن قد تكون إحدى الجهتين فيها معادلة، وربما لا تكون فيها مزايا داخلية لكن الموقع يختلف فقد تكون هذه على شارع عام فيكون سعرها أعلى وهذه أقل، وحينئذ يعدل فتكون هذه أكبر من هذه، وكلام العلماء في قضية القرعة عما الذي يُرمى هل هي بطاقة أو رقعة من قماش أو ورقة أو خاتم؟ وبحمد الله تطوَّر علمُ الهندسة وعلمُ المساحات وتطورت الأجهزة وأصبحت هذه

стр. 8069

الأمور ميسورة جدًّا وما أصبحت محلَّ إشكال لكن يبقى ما يتعلق بالقيمة والمساحة، فإن كان هناك تراضٍ فله شأن، فالأمر الأول: قسمة ليس فيها تراضٍ، الثاني: قسمة فيها تراضٍ وتحتاج إلى تعديل. * قولُهُ: (٣ - وَقِسْمَةُ مُرَاضَاةٍ بِغَيْرِ تَقْوِيمٍ وَلَا تَعْدِيلٍ). فلو قسم أحدهما الأرض إلى قسمين وقال للآخر: اختر ما تشاء فيختار، فيقسمها، أو يأتيان بشخص بينهما من أهل الخبرة فيقسمها، فيقول أحدهما للآخر مخيَرًا له عن طيب نفس: اختر ما تشاء، وربما يرد عليه ذاك فيقول: بل اختر أنت ما تشاء وهذا نوع من الإيثار، فالقسمة قد تكون بتراض دون تعديل وقد يكون فيها تعديل، وهذا التعديل قد يكون بالسهام وقد يكون بالقيمة، ولا شك أن المعتبر في الأصل إنما هو القيمة، لكن عندما تكون أنصبة السهام متساوية والقيمة ليس فيها إشكال فالعبرة بالمساحة، وعندما تكون السهام متفقة والقيمة مختلفة فالعبرة بالقيمة، وعندما تكون القيمة متفقة والسهام مختلفة كما لو اشترك ثلاثة في أربعة أحدهما له النصف، والثاني له الثلث، والثالث له السدس، فنحن هنا نعتد بصاحب الأقلّ، وصاحب السهم الأقل هو السدس وحينئذ تكون أسهمها من ستة، ويبدأ بعد ذلك بالسهام فتُوضَع علامة للقرعة فإذا جاءت علامة صاحب السدس أخذ نصيبَه، ثُمَّ بعد ذلك تُوضع الأخرى فإن تبيَّن أنها لصاحب النصف أخذ السهم الثاني والثالث والرابع، ثم يأخذ ذاك الخامس والسادس، وهكذا. * قولُهُ: (وَأَمَّا مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَبِالكَيْلِ وَالوَزْنِ). ولا شكَّ أنَّ الكيل والوزن معتبر؛ فكما هو معلوم في السلم (١): "مَن

стр. 8070

أسلفَ في شيءٍ فلْيُسلِف في كيلٍ معلوم ووزنٍ معلوم إلى أجلٍ معلومٍ" (١)، ولا شكَّ أنَّ الكيل ميزان دقيق، وكذلك أيضًا الميزان، أمَّا الخرص (٢) فسيأتي تفصيله فيما يتعلق بالثمار وهذا يختلف باختلاف القسمة هل هي بيع أو إفراز؟ لأننا إذا قلنا: إنها بيع فلا يجوز الخرص، وإن قلنا: إنها إفراز جاز الخرصُ في الثمار؛ لأن البيع إنما يدخله الربا، أما الإفراز فهو نصيبان حق هذا في حوزة وهذا في حوزة. وبعض العلماء (٣) يرى أن القسمة إفرازٌ ويذكر عدَّة أسباب لذلك، فيقول: لأن من مظاهرها الإجبارَ والبيع لا يقومِ على الإجبار، إنما البيعُ عن تراضٍ قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وهذه فيها إجبار، أما القسمة ففيها الشفعة والبيع ليس فيه شفعة، وهناك أسباب كثيرة ذكرها العلماء في التفريق بين البيعِ والإفرازِ، فبعضهم قال: هي إفرازٌ، وبعضهم قال: هي بيع (٤).

стр. 8071

* قولُهُ: (القِسْمُ الثَّانِي: وَأَمَّا الرّقَابُ: فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ). مثل الأراضي التي لا تنقل وكذلك الدور، لكن الدار قد تبيعها وتشتري بقيمتها مكانًا آخر، أمَّا الأراضي فلا تنقل، وكذلك الأصول الثابتة، وإن كانوا الآن بدأوا في نقل الأصول كالنخل وغيرها. * قولُهُ: (وَهِيَ الرِّبَاعُ وَالأُصُولُ). و"الرِّباعُ " جمع رَبْعَة، وهي الأراضي أيًّا كانت سواء كانت أراضٍ أو عقارًا أو حائطًا فكلُّ هذا داخل في قضية الرِّباع (١)، والرسول ﷺ لما قيل له: وتنزل ببيتك بمكة قال: "وَهلْ تركَ لنَا عَقِيل من رِبَاعِ " (٢)، يعني: من دُور؛ لأنه أخذها في الجاهلية، وكما هو معلوم أنَّ المسلَمَ لا يرثُ الكافرَ ولا يرثُ الكافرُ المسلمَ (٣)، فهو ورث ذلك وقت الكفر. * قولُهُ: (وَمَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ، وَهَذَانِ قِسْمَانِ: إِمَّا غَيْرُ مَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ، وَهُوَ الحَيَوَانُ، وَالعُرُوضُ). كالحيواناتِ وكذلك عروض التجارة وهي كثيرة جدًّا.

стр. 8072

* قولُهُ: (وَإِمَّا مَكِيلٌ، أَوْ مَوْزُونٌ). والمكيل والموزون لا يُصْرف إلى المطعومات فقط فهو أشمل من ذلك فالحديد يوزن وكذلك أيضًا الخشب يدخل في الوزن وكذلك بعضها تُكال. * قولُهُ: (فَفِي هَذَا البَابِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ؛ الأَوَّلُ: فِي الرِّبَاعِ. وَالثَّانِي: فِي العُرُوضِ. وَالثَّالِثُ: فِي المَكِيلِ وَالمَوْزُونِ). قسَّم المؤلف هذا الكتاب أقسامًا ثلاثة: الأول: في الرباع؛ وهي الأراضي كما هو معلوم. والثاني: في العروض. والثالث: في المكيل والموزون. * قولُهُ: (الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي الرِّبَاعِ فَأَمَّا الرِّبَاعُ وَالأُصُولُ: فَيَجُوزُ أَنْ تُقَسَّمَ بِالتَّرَاضِي وَبِالسُّهْمَةِ (١) إِذَا عُدِلَتْ بِالقِيمَةِ). وهذا لا خلاف فيه عند العلماء فإذا رضي الشريكان أو الشركاء بالقسمة فهذا لا اعتراض عليه، لكن بعض العلماء يرى أنَّ أحدهما لو طلب القسمة، وتضرَّر الآخرُ فلا يجوز؛ للضرر الواقع على الآخر، كما لو قسَّم بيتًا أو حمامًا (٢)، والمقصود بالسهمة هنا هي النصيب، أي: السهم.

стр. 8073

* قولُهُ: (اتَّفَقَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى ذَلِكَ اتِّفَاقًا مُجْمَلًا، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِي مَحِلِّ ذَلِكَ وَشُرُوطِهِ. وَالقِسْمَة لَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ أَوْ فِي مَحَالَّ كثِيرَةٍ: فَإِذَا كَانَتْ فِي مَحِلِّ وَاحِدٍ: فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهَا إِذَا انْقَسَمَتْ إِلَى أَجْزَاءٍ مُتَسَاوِيَةٍ بِالصِّفَةِ، وَلَمْ تَنْقُصْ مَنْفَعَةُ الأَجْزَاءِ بِالِانْقِسَامِ، وَيُجْبَرُ الشُّرَكَاءُ عَلَى ذَلِكَ). طالما توفَّرت الشروط ولم يحصل ضررٌ لأحدهم. * قولُهُ: (وَأَمَّا إِذَا انْقَسَمَتْ إِلَى مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ: فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّهَا تَنْقَسِمُ بَيْنَهُمْ إِذَا دَعَا أَحَدُهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَصِرْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَّا مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ، مِثْلُ قَدْرِ القَدَمِ) (١). وهذا من باب التشبيه، فَقَدْرُ القَدَمِ ماذا يفعل به؟ وهذا قياس لما لا ضررَ فيه على الضرر، وهذا هو رأي أكثر العلماء كما سيأتي. * قولُهُ: (وَبِهِ قَالَ ابْنُ كنَانَةَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَطْ (٢)، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ (٣)).

стр. 8074

وقولهم: إذا طلب أحد الشريكين القسمة فإنه يُجاب ولا يُنظر إلى الضرر؛ لأنهم يقولون: إن هذا صاحب حقٍّ وقد طالب بحقِّه فله أن يستقلَّ به، وخالف في ذلك الإمام أحمدُ وعددٌ من التابعين، وقالوا: إن هذا لا يجوز (١)، واستدلوا بقول الرسول: "لَا ضَرَر ولا ضِرَار" (٢).

стр. 8075

* قولُهُ: (وَعُمْدَتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] وَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ: لَا يُقَسَّمُ إِلَّا أَنْ يَصِيرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِي حَظِّهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ دَاخِلَةٍ عَلَيْهِ فِي الِانْتِفَاعِ مِنْ قِبَلِ القِسْمَةِ (١)). وهذا أيضًا هو مذهب الإمام أحمد (٢). * قولُهُ: (وَإِنْ كَانَ لَا يُرَاعى فِي ذَلِكَ نُقْصَانُ الثَّمَنِ. وَقَالَ ابْنُ المَاجِشُونِ: يُقْسَمُ إِذَا صَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ المَنْفَعَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الِاشْتِرَاكِ أَوْ كَانَتْ أَقَلَّ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: إِنْ لَمْ يَصِرْ فِي حَظِّ كلِّ وَاحِدٍ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ لَمْ يُقْسَم، وَإِنْ صَارَ فِي حَظِّ بَعْضِهِمْ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَفِي حَظِّ بَعْضِهِمْ مَا لَا يُنْتَفعُ بِهِ، قُسِمَ وَجُبِرُوا عَلَى ذَلِكَ، سَوَاءٌ دَعَا إِلَى ذَلِكَ صَاحِبُ النَّصِيبِ القَلِيلِ أَوِ الكَثِيرِ، وَقِيلَ يُجْبَرُ إِنْ دَعَا صَاحِبُ النَّصِيبِ القَلِيلِ (٣)).

стр. 8076

أي: قسموا وجُبِروا على ذلك. * قولُهُ: (وَلَا يُجْبَرُ إِنْ دَعَا صَاحِبُ النَّصِيبِ الكَثِيرِ، وَقِيلَ بِعَكْسِ هَذَا وَهُوَ ضَعِيفٌ). فإن دعا صاحب النصيب القليل يُجبر وإلا فلا، وهذا أيضًا عند الحنابلة (١). * قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِيمَا إِذَا قُسِمَ انْتَقَلَتْ مَنْفَعَتُهُ إِلَى مَنْفَعَةٍ أُخْرَى مِثْلِ الحَمَّامِ). وجاء المؤلِّف بمثال وهو الحمام، وعامَّة الفقهاء إذا ضربوا المثل في القسمة ضربوا به، فلو قُسِّم الحمام تزول منفعَتُه، وبعضهم يقول: إن كان الحمام كبيرًا وأمكن قسمته، وكان الانتفاع به حاصلًا، وتوجد به ساحة فهذا جائز كما هو معلوم عند الحنابلة (٢)، لكن إذا قُسِّمَ وزالت منفعته كحمام صغير، وأصبح قسمين صالحين لأنْ يستخدم كلٌّ منهما في شيء آخر كمستودع لحفظ البضائع مثلًا، أو قُسِّمت دارٌ صغيرة فأصبحت لا تصلح للسُّكنى لكنها تصلح لأنْ يكون كلُّ جانب منها حانوتًا مثلًا فتكون فيه الفائدة، فهنا هل تجوز القسمة في هذه الحالة؟ الجمهور يمنعون ذلك. * قولُهُ: (فَقَالَ مَالِكٌ: يُقْسَمُ إِذَا طَلَبَ ذَلِكَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، وَبِهِ

стр. 8077

قَالَ أَشْهَبُ (١). وَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ: لَا يُقْسَمُ (٢)، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ). وأبي حنيفة وأحمد، فالأئمة الثلاثة قالوا: لا يقسم؛ لأن الغرض من القسمة هو إبقاء المنفعة التي كانت قائمة قبل ذلك (٣). * قولُهُ: (فَعُمْدَةُ مَنْ مَنَعَ القِسْمَةَ: قَوْلُهُ ﷺ : "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" (٤)). ولا شكَّ أن هذا الحديث بجميع طرقه صالحٌ للاحتجاج به، فهو

стр. 8078

حديث حسنٌ (١)، واستخرج منه العلماء قاعدةً فقهية عظيمة وهي: "الضرر يُزال " (٢). * قولُهُ: (وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى القِسْمَةَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]) وقلنا: أن الآية مجملة. * قولُهُ: (وَمِنَ الحُجَّةِ لِمَنْ لَمْ يَرَ القِسْمَةَ حَدِيثُ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ: "لَا تَعْضِيَةَ عَلَى أَهْلِ المِيرَاثِ إِلَّا مَا حَمَلَ القَسْمُ ") (٣). وهذا الحديث مرويٌّ من طريق محمدِ بن أبي بكر بن حزم، وأخرجه البيهقي وغيره (٤)، ولكنه حديث ضعيف، وقوله: "لا تَعْضِيَةَ"، أي: لا تَفريق، وقوله عن جابر عن أبيه فإنه لا يعرف لجابر رواية عن أبيه، وكونه ضعيفًا فإنه لا يصلح للاحتجاج به (٥). * قولُهُ: (وَالتَّعْضِيَةُ: التَّفْرِقَةُ (٦)، يَقُولُ: لَا قِسْمَةَ بَيْنَهُم وَأَمَّا إِذَا كانَ الرِّبَاعُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ: فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو أَيْضًا أَنْ تَكُونَ مِنْ نوْعٍ وَاحِدٍ

стр. 8079

أَوْ مُخْتَلِفَةَ الأَنْوَاعِ: فَإِذَا كَانَتْ مُتَّفِقَةَ الأنْوَاعِ: فَإِنَّ فُقَهَاءَ الأَمْصَارِ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ). لأن القسمة من أدقِّ الأمور فيترتب عليها فصل حقٍّ عن حق وهذا يحتاج إلى دقة وعناية ولذلك أطالَ العلماء في هذه المسألة وكثر الخلافُ فيها. (فَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا كَانَتْ مُتَّفِقَةَ الأَنْوَاعِ قُسِمَتْ بِالتَّقْوِيمِ وَالتَّعْدِيلِ وَالسُّهْمَةِ) (١). فالتقويمُ هنا يقصد به القيمة، والسَّهمية، أي: تقسيمها إلى أسهامٍ متساوية، والتعديل يتمُّ حتى تتساوى هذه الأنصبة في قيمتها. (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ). وكذلك الإمام أحمد. (بَلْ يُقْسَمُ كُلُّ عَقَارٍ عَلَى حِدَتِهِ (٢). فَعُمْدَةُ مَالِكٍ: أَنَّهُ أَقَلُّ لِلضَّرَرِ

стр. 8080

الدَّاخِلِ عَلَى الشُّرَكَاءِ مِنَ القِسْمَةِ. وَعُمْدَةُ الفَرِيقِ الثَّانِي: أَنَّ كُلَّ عَقَارٍ تُعَيِّنُهُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ تَتَعَلَّقُ بِهِ الشُّفْعَةُ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ إِذَا اخْتَلَفَتِ الأَنْوَاعُ فِي النَّفَاقِ (١)، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ مَوَاضِعُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ (٢)، وَأَمَّا إِذَا كانَتِ الرِّبَاعُ مُخْتَلِفَةً، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا دُورٌ، وَمِنْهَا حَوَائِطُ، وَمِنْهَا أَرْضٌ، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ فِي القِسْمَةِ بِالسُّهْمَةِ (٣). وَمِنْ شَرْطِ قِسْمَةِ الحَوَائِطِ المُثْمِرَةِ أَنْ لَا تُقْسَمَ مَعَ الثَّمَرَةِ إِذَا بَدَا صَلَاحُهَا بِاتِّفَاقٍ فِي المَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ عَلَى رُؤُوسِ الثَّمَرِ وَذَلِكَ مُزَابَنَةٌ) (٤).

стр. 8081

لماذا قال المالكية بهذا، ولم يقل به الحنابلة؟ الجواب: لأن المالكية يرون أن القسمة بيع وينطبق عليها ما ينطبق على البيع فتدخل الأمور الربوية، وعند الحنابلة هي إفرازُ حقٍّ، أي: إفراز نصيب كلّ واحد منهما، ولا شكَّ أن الإفراز يختلف عن البيع (١). * قولُهُ: (وَأَمَّا قِسْمَتُهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ: فَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِ مَالِكٍ: أَمَّا ابْنُ القَاسِمِ فَلَا يُجِيزُ ذَلِكَ قَبْلَ الإِبَّارِ (٢) بِحَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ، وَيَعْتَلُّ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى بَيْعِ طَعَام بِطَعَامٍ مُتَفَاضِلًا، وَلذَلِكَ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يُجِزْ مَالِكٌ شِرَاءَ الثَّمَرِ الَّذِي لمْ يَطِبْ بِالطَّعَام، لَا نَسِيئَةً وَلَا نَقْدًا، وَأَمَّا إِنْ كَانَ بَعْدَ الِإبَّارِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ إَّلا بِشَرْطِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنَ الثَّمَرِ فِي نَصِيبِهِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي القِسْمَةِ، وَمَا لَمْ يَدْخُلْ فِي نَصِيبِهِ فَهُمْ فِيهِ عَلَى الشَّرِكَةِ، وَالعِلَّةُ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ المُشْتَرِي الثَّمَرَ بَعْدَ الإِبَّارِ وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الإِبَّارِ). وهذا معروف حتى في البيع فإن الرسول ﷺ نهى عن بيع الثمار

стр. 8082

حتى يبدو صلاحها (١)، فقبل بلوغ الصلاح شأن، وبعد بلوغه شأن آخر. * قولُهُ: (فَكَأَنَّ أَحَدَهُمَا اشْتَرَى حَظَّ صَاحِبِهِ مِنْ جَمِيعِ الثَّمَرَاتِ الَّتِي وَقَعَتْ لَهُ فِي القِسْمَةِ بِحَظِّهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ الَّتِي وَقَعَتْ لِشَرِيكِهِ وَاشْتَرَطَ الثَّمَرَ، وَصِفَةُ القَسْمِ بِالقُرْعَةِ: أَنْ تُقْسَمَ الفَرِيضَةُ، وَتُحَقَّقَ، وَتُضْرَبَ إِنْ كَانَ فِي سِهَامِهم كسْرٌ إِلَى أَنْ تَصِحَّ السِّهَامُ). ومرادُه أنه إذا وُجِد في الأنصبة تفاوت فإنها تضرب بالقرعة. * قولُهُ: (ثُمَّ يُقَوَّمَ كلُّ مَوْضِعٍ مِنْهَا وَكلُّ نَوْعٍ مِنْ كِرَاسَاتِهَا، ثُمَّ يَعْدِلَ عَلَى أَقَلِّ السِّهَامِ بِالقِيمَةِ، فَرُبَّمَا عَدَلَ جُزْءٌ مِنْ مَوْضِعِ ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَى قِيَمِ الأَرَضِينَ وَمَوَاضِعِهَا، فَإِذَا قُسِمَتْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَعُدِّلَتْ كتِبَتْ فِي بَطَائِقَ أَسْمَاءِ الأَشْرَاكِ، وَأَسْمَاءِ الجِهَاتِ، فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي جِهَةٍ أَخَذَ مِنْهَا، وَقِيلَ: يُرْمَى بِالأَسْمَاءِ فِي الجِهَاتِ، فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي جِهَةٍ أَخَذَ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ أَكثَرَ مِنْ ذَلِكَ السَّهْمِ ضُوعِفَ لَهُ حَتَّى يَتِمَّ حَظُّهُ، فَهَذِهِ هِيَ حَالُ قُرْعَةِ السَّهْمِ فِي الرِّقَابِ) (٢). والقرعةُ وسيلةٌ من الوسائل التي يقصد بها الوصول إلى الغاية، وهي

стр. 8083

أن يرفع الإشكال، وأن تطيب النفوس، وأن تكون هذه القرعة حكمًا للمشتركين. * قولُهُ: (وَالسُّهْمَةُ إِنَّمَا جَعَلَهَا الفُقَهَاءُ فِي القِسْمَةِ تَطْيِيبًا لِنُفُوسِ المُتَقَاسِمِينَ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الشَّرْعِ فِي مَوَاضِعَ: مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ [الصافات: ١٤١]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] وَمِنْ ذَلِكَ الأَثَرُ الثَّابتُ الَّذِي جَاءَ فِيهِ: "أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ عِنْدَ مَؤتِهِ، فَأَسْهَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ ثُلُثَ ذَلِكَ الرَّقِيقِ "). وهذا الحديث في "صحيح مسلم" وفي السنن، عدا النسائي عن عمران بن حصين، "أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ ، فجزأهم أثلاثًا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولًا شديدًا" هذا هو الحديث (١). * قولُهُ: (وَأَمَّا القِسْمَةُ بِالتَّرَاضِي سَوَاءٌ أكَانَتْ بَعْدَ تَعْدِيلٍ وَتَقْويمٍ، أَوْ بِغَيْرِ تَقْوِيمٍ وَتَعْدِيلٍ، فَتَجُوزُ فِي الرِّقَابِ المُتَّفِقَةِ وَالمُخْتَلِفَةِ؛ لِأَنَّه بَيْعٌ مِنَ البُيُوعِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ فِيهَا مَا يَحْرُمُ فِي البُيُوعِ) (٢). لأنها نوع من أنواع البيع. * قولُهُ: (الفَصْلُ الثَّانِي: فِي العُرُوضِ، وَأَمَّا الحَيَوَانُ وَالعُرُوضُ:

стр. 8084

فَاتَّفَقَ الفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قِسْمَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْفَسَادِ الدَّاخِلِ فِي ذَلِكَ) (١). فلا يمكن أن يقسم واحد منها منفردًا؛ لأنه يترتب على ذلك ضرر وهو زوال المنفعة، والإسلام إنما نهى عن الضرر وجاء بما فيه المصلحة، مصلحة الطرفين أو على الأقلِّ تحقق المصلحة لطرف إن كان الآخر هو الراغب بتلك القسمة. * قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا تَشَاحَّ (٢) الشَّرِيكَانِ فِي العَيْنِ الوَاحِدَةِ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَتَرَاضَيَا بِالِانْتِفَاعِ بِهَا عَلَى الشِّيَاعِ). فلم يتَّفقا على القسمة أو على أمر من الأمور وحصلت بينهم مشاحة، فما الذي يتم؟ * قولُهُ: (وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ بَبِيعَ صَاحِبُهُ مَعَهُ، فَقَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ: يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَأْخُذَهُ بِالقِيمَةِ الَّتِي أُعْطِي فِيهَا أَخَذَهُ) (٣).

стр. 8085

فمن العلماء من يرى أنه في مثل هذه الحالة تقدَّر القيمة وتعرض، فهل يأخذها هذا الشريك؟، وقد مرَّ بنا ما يتعلق بالشفعة، وأنها تتم في الصنف الواحد. * قولُهُ: (وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: لَا يُجْبَرُ؛ لِأَنَّ الأُصُولَ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَخْرُجَ مَلِكُ أَحَدٍ مِنْ يَدِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ مِنْ كتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ إِجْمَاعٍ) (١). وأقوال العلماء الآخرين والأئمة أيضًا مترددة بين القولين. * قولُهُ: (وَحُجَّةُ مَالِكٍ أَنَّ فِي تَرْكِ الإِجْبَارِ ضَرَرًا). وقد بدأ المؤلِّف في التقليل من ذكر المذاهب الأخرى والتوسع في مذهب مالك. * قولُهُ: (وَهَذَا مِنْ بَابِ القِيَاسِ المُرْسَلِ، وَقَدْ قُلْنَا فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ: إِنَّهُ لَيْسَ يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ إِلَّا مَالِكٌ) (٢). والقياس المرسل توسَّع فيه المالكية وسلكوا فيه ما لم يسلكْهُ غيرُهم، وخرَّجُوا عليه كثيرًا من الأحكام. * قولُهُ: (وَلَكِنَّهُ كَالضَّرُورِيِّ فِي بَعْضِ الأَشْيَاءِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ العُرُوضُ أَكْثَرَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ: فَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى قِسْمَتِهَا عَلَى التَّرَاضِي). وهذا موضعُ اتفاق بين العلماء (٣).

стр. 8086

* قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا فِي قِسْمَتِهَا بِالتَّعْدِيلِ وَالسُّهْمَةِ). والتعديل ما يتطلب تعديلًا في الأنصبة، وهذا عندما تختلف القيمة، لكن عندما تتَّحد السهام (أي: الأنصبة)، وتتساوى القِيم فإنه حينئذٍ تقسم بالمساحة، لكن إذا حصل خلاف فلا شك أن المعتبر في ذلك هي القيمة، فيتمّ التعديل في المساحة حتى تتساوى القيم؛ لأن الأرض عندما تقسم تختلف مواقعها وربما تتساوى فقد تكون في وسط مخطط فلا تختلف، وقد تكون في وسط مخطط وتختلف؛ لأن بعضها قد يقعُ على شارعين وبعضها على شارع واحد، وبعضها يقع على شارع عام، فتجد في بعضها مزايا، فيتطلب الأمًر أن تعدل حتى تتساوى القِيم. * قولُهُ: (فَأَجَازَهَا مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ فِي الصِّنْفِ الوَاحِدِ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَابْنُ المَاجِشُون) (١). ومذهب الإمام مالك هو مذهب الجمهور، وبعض العلماء يرى أنه إذا ترتب على التعديل زيادة مال للطرف الآخر فإنها تخرج من قسمة الإجبار إلى قسمة التراضي؛ لأنها تكون بيعًا، والبيع يكون على التراضي، فعندما تختلف السهام أو عندما تقسم هذه الأرض يكون نصيب هذا من حيث القيمة أكثر من نصيب الآخر، فهذا يتطلب أن يدفع الذي نصيبه أكثر للآخر مبلغًا فمعنى هذا أنه اشترى منه ذلك؛ لأن كونه دفع هذا المبلغ كأنه اشترى شيئًا من نصيبه وهذا هو البيع الذي لا إجبار فيه، وهذا التعليل ذكره الشافعية والحنابلة.

стр. 8087

* قولُهُ: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي تَمْيِيزِ الصِّنْفِ الوَاحِدِ الَّذِي تَجُوزُ فِيهِ السُّهْمَةُ مِنَ الَّتِي لَا تَجُوزُ، فَاعْتَبَرَهُ أَشْهَبُ بمَا لَا يَجُوزُ تَسْلِيمُ بَعْضِهِ فِي بَعْضٍ). أي: ما لا يجوز السلم فيه بعضه لبعض مما يكون ربويًّا. * قولُهُ: (وَأَمَّا ابْنُ القَاسِمِ فَاضْطَرَبَ: فَمَرَّةً أَجَازَ القَسْمَ بِالسُّهْمَةِ فِيمَا لَا يَجُوزُ تَسْلِيمُ بَعْضِهِ فِي بَعْضٍ، فَجَعَلَ القِسْمَةَ أَخَفَّ مِنَ السَّلَمِ. وَمَرَّةَ مَنَعَ القِسْمَةَ فِيمَا مَنَعَ فِيهِ السَّلَمَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ القِسْمَةَ فِي ذَلِكَ أَخَفُّ، وَأَنَّ مَسَائِلَهُ الَّتِي يُظَنُّ مِنْ قِبَلِهَا أَنَّ القِسْمَةَ عِنْدَهُ أَشَدُّ مِنَ السَّلَمِ تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ عَلَى أَصْلِهِ الثَّانِي. وَذَهَبَ ابْنُ حَبِيبِ إِلَى أَنَّهُ يَجْمَعُ فِي القِسْمَةِ مَا تَقَارَبَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ مِثْلَ الخَزِّ، وَالحَرِيرِ، وَالْقُطْنِ، وَالكَتَّانِ، وَأَجَازَ أَشْهَبُ جَمْعَ صِنْفَيْنِ فِي القِسْمَةِ بِالسُّهْمَةِ مَعَ التَّرَاضِي، وَذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الغَرَرَ لَا يَجُوزُ بِالتَّرَاضِي) (١). فإذا اجتمعت أنواعٌ من الثياب كالخزِّ والحرير والصوفِ والقطنِ والكتان، فيجوز أن تعتبر نوعًا واحدًا لتقاربها وتقسم كرأي ابن حبيب، ويجوز أن تعتبر أنواعًا فيقسم كل نوعِ على حدة، وهو مذهب جمهور العلماء الذي أغفله المؤلف هنا (٢).

стр. 8088

* قولُهُ: ([الفَصْلُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِهَا]. فَأَمَّا المَكِيلُ، وَالمَوْزُونُ: فَلَا تَجُوزُ فِيهِ القُرْعَةُ بِاتِّفَاقٍ). وذلك لأن الميزان إنما وضع لربط الأشياء وزنًا، والمكيل كذلك وضع لضبطها كيلًا، وما دامت هذه الأشياء تُكال فلا ينبغي أن ينتقل عنها، ولذلك نهي عن بيع الجزاف إلا في مواضعَ معيَّنة، وأيضًا نُهِي عن المزابنة ولم يستثْنَ منها إلا بيع العرايا على رُؤوس النخل تخفيفًا لحاجة الناس وفي قدر معين كما بينت تلك الأحاديث، وهذا ليس عند المالكية فقط بل عند كافَّة العلماء فلا تجوز فيه القرعة؛ لأن هذا ما ينضبط بالكيل والوزن فلا حاجة فيه للقرعة (١). * قولُهُ: (إِلَّا مَا حَكَى اللَّخْمِيُّ (٢)، وَالمَكِيلُ أَيْضًا لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ صُبْرَةً وَاحِدَةً أَوْ صُبْرَتَيْنِ فَزَائِدًا).

стр. 8089

و"الصُّبرة": هي الكومة سواء كانت من تمر أو من قمح أو من شعير أو من ذرة أو من غير ذلك (١)، فلو جيء بسيارة كبيرة فأنزلت حمولتها من نوع واحد فهذه هي الصُّبرة، وربما تكون أنواعًا، فهناك صُبرة شعيرٍ، وصُبرة تمرٍ، وصبرة ذُرة وهكذا. * قولُهُ: (فَإِنْ كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ قِسْمَتُهُ عَلَى الِاعْتِدَالِ بِالكَيْلِ أَوِ الوَزْنِ إِذَا دَعَا إِلَى ذَلِكَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ) (٢). لأن القسمة إنما تتمُّ بناءً على دعوة أحد الشريكين. * قولُهُ: (وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ قِسْمَتِهِ عَلَى التَّرَاضِي). فهذا أمرٌ مسلَّم فقسمة التراضي ليست محلَّ خلافٍ حتى وإن تنازلَ أحد الشريكين لصاحبه عن بعض ما يخصه فذلك جائز ولا خلاف فيه. * قولُهُ: (وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ قِسْمَتِهِ عَلَى التَّرَاضِي عَلَى التَّفْضِيلِ البَيِّنِ كَانَ ذَلِكَ مِنَ الرِّبَوِيِّ، أَوْ مِنْ غَيْرِ الرِّبَوِيِّ) (٣). فلا فرق بين أن يكون من الأمور التي نُهِي عن الربا فيها أو التي لم

стр. 8090

يُنهَ عنها، وقد مرَّ أن المالكية يقاربون بين الجنسين، فالجنس الذي يشبه الآخر حتى وإن كان صنفًا آخر يجعلونه بمثابة الصنف الواحد في الربويات. * قولُهُ: (أَعْنِي: الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ بِالكَيْلِ المَعْلُومِ، وَالمَجْهُولِ). ويقصد بالكيلِ المعلوم الصَّنجة، وبالكيل المجهول المكيال، وهناك مكاييل محددة معروفة ومصطلح عليها كالحال بالنسبة للموازين، وقد يكون المكيال غير معتبر أي: غير مقرر، فهل هذا يجوز أو لا؟ هو مقياس لكنَّه ليس دقيقًا كدقَّة المكيال المحدد المعروف، كم يساوي هذا الصاع وكم كيلو يساوي؟، وقد يوجد مكيال فيه جهالة فيكون غير منضبط القدر. * قوله: (وَلَا يَجُوزُ قِسْمَتُهُ جُزَافًا بِغَيْرِ كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ. وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ قِسْمَتُهُ تَحَرِّيًا: فَقِيلَ لَا يَجُوزُ فِي المَكِيلِ، وَيَجُوزُ فِي المَوْزُونِ) (١). " قسمته تحرِّيًا"، أي: ليست القسمة قسمة تدقيق، والعبارة قد يفهم منها أنه يجوز أن يوزن ولا يجوز أن يُكال، بمعنى: أن الميزان معتبر والمكيال غير معتبر، فقصده أنه يجوز في الموزون، ولا يلزم في المكيل، لأنه متسامح فيه. * قولُهُ: (وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنَ الخِلَافِ مَا يَدْخُلُ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ تَحَرِّيًا). وكل هذه فروع مختلف فيها في داخل مذهب الإمام مالك، ولا أدري لماذا غيَّر المؤلف أسلوبه مع أنه قال -كما سيأتي- في كتاب
следующие страницы →