* قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا فِي قِسْمَتِهَا بِالتَّعْدِيلِ وَالسُّهْمَةِ).
والتعديل ما يتطلب تعديلًا في الأنصبة، وهذا عندما تختلف القيمة، لكن عندما تتَّحد السهام (أي: الأنصبة)، وتتساوى القِيم فإنه حينئذٍ تقسم بالمساحة، لكن إذا حصل خلاف فلا شك أن المعتبر في ذلك هي القيمة، فيتمّ التعديل في المساحة حتى تتساوى القيم؛ لأن الأرض عندما تقسم تختلف مواقعها وربما تتساوى فقد تكون في وسط مخطط فلا تختلف، وقد تكون في وسط مخطط وتختلف؛ لأن بعضها قد يقعُ على شارعين وبعضها على شارع واحد، وبعضها يقع على شارع عام، فتجد في بعضها مزايا، فيتطلب الأمًر أن تعدل حتى تتساوى القِيم.
* قولُهُ: (فَأَجَازَهَا مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ فِي الصِّنْفِ الوَاحِدِ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَابْنُ المَاجِشُون) (١).
ومذهب الإمام مالك هو مذهب الجمهور، وبعض العلماء يرى أنه إذا ترتب على التعديل زيادة مال للطرف الآخر فإنها تخرج من قسمة الإجبار إلى قسمة التراضي؛ لأنها تكون بيعًا، والبيع يكون على التراضي، فعندما تختلف السهام أو عندما تقسم هذه الأرض يكون نصيب هذا من حيث القيمة أكثر من نصيب الآخر، فهذا يتطلب أن يدفع الذي نصيبه أكثر للآخر مبلغًا فمعنى هذا أنه اشترى منه ذلك؛ لأن كونه دفع هذا المبلغ كأنه اشترى شيئًا من نصيبه وهذا هو البيع الذي لا إجبار فيه، وهذا التعليل ذكره الشافعية والحنابلة.
стр. 8087
* قولُهُ: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي تَمْيِيزِ الصِّنْفِ الوَاحِدِ الَّذِي تَجُوزُ فِيهِ السُّهْمَةُ مِنَ الَّتِي لَا تَجُوزُ، فَاعْتَبَرَهُ أَشْهَبُ بمَا لَا يَجُوزُ تَسْلِيمُ بَعْضِهِ فِي بَعْضٍ).
أي: ما لا يجوز السلم فيه بعضه لبعض مما يكون ربويًّا.
* قولُهُ: (وَأَمَّا ابْنُ القَاسِمِ فَاضْطَرَبَ: فَمَرَّةً أَجَازَ القَسْمَ بِالسُّهْمَةِ فِيمَا لَا يَجُوزُ تَسْلِيمُ بَعْضِهِ فِي بَعْضٍ، فَجَعَلَ القِسْمَةَ أَخَفَّ مِنَ السَّلَمِ. وَمَرَّةَ مَنَعَ القِسْمَةَ فِيمَا مَنَعَ فِيهِ السَّلَمَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ القِسْمَةَ فِي ذَلِكَ أَخَفُّ، وَأَنَّ مَسَائِلَهُ الَّتِي يُظَنُّ مِنْ قِبَلِهَا أَنَّ القِسْمَةَ عِنْدَهُ أَشَدُّ مِنَ السَّلَمِ تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ عَلَى أَصْلِهِ الثَّانِي. وَذَهَبَ ابْنُ حَبِيبِ إِلَى أَنَّهُ يَجْمَعُ فِي القِسْمَةِ مَا تَقَارَبَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ مِثْلَ الخَزِّ، وَالحَرِيرِ، وَالْقُطْنِ، وَالكَتَّانِ، وَأَجَازَ أَشْهَبُ جَمْعَ صِنْفَيْنِ فِي القِسْمَةِ بِالسُّهْمَةِ مَعَ التَّرَاضِي، وَذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الغَرَرَ لَا يَجُوزُ بِالتَّرَاضِي) (١).
فإذا اجتمعت أنواعٌ من الثياب كالخزِّ والحرير والصوفِ والقطنِ والكتان، فيجوز أن تعتبر نوعًا واحدًا لتقاربها وتقسم كرأي ابن حبيب، ويجوز أن تعتبر أنواعًا فيقسم كل نوعِ على حدة، وهو مذهب جمهور العلماء الذي أغفله المؤلف هنا (٢).
стр. 8088
* قولُهُ: ([الفَصْلُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِهَا]. فَأَمَّا المَكِيلُ، وَالمَوْزُونُ: فَلَا تَجُوزُ فِيهِ القُرْعَةُ بِاتِّفَاقٍ).
وذلك لأن الميزان إنما وضع لربط الأشياء وزنًا، والمكيل كذلك وضع لضبطها كيلًا، وما دامت هذه الأشياء تُكال فلا ينبغي أن ينتقل عنها، ولذلك نهي عن بيع الجزاف إلا في مواضعَ معيَّنة، وأيضًا نُهِي عن المزابنة ولم يستثْنَ منها إلا بيع العرايا على رُؤوس النخل تخفيفًا لحاجة الناس وفي قدر معين كما بينت تلك الأحاديث، وهذا ليس عند المالكية فقط بل عند كافَّة العلماء فلا تجوز فيه القرعة؛ لأن هذا ما ينضبط بالكيل والوزن فلا حاجة فيه للقرعة (١).
* قولُهُ: (إِلَّا مَا حَكَى اللَّخْمِيُّ (٢)، وَالمَكِيلُ أَيْضًا لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ صُبْرَةً وَاحِدَةً أَوْ صُبْرَتَيْنِ فَزَائِدًا).
стр. 8089
و"الصُّبرة": هي الكومة سواء كانت من تمر أو من قمح أو من شعير أو من ذرة أو من غير ذلك (١)، فلو جيء بسيارة كبيرة فأنزلت حمولتها من نوع واحد فهذه هي الصُّبرة، وربما تكون أنواعًا، فهناك صُبرة شعيرٍ، وصُبرة تمرٍ، وصبرة ذُرة وهكذا.
* قولُهُ: (فَإِنْ كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ قِسْمَتُهُ عَلَى الِاعْتِدَالِ بِالكَيْلِ أَوِ الوَزْنِ إِذَا دَعَا إِلَى ذَلِكَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ) (٢).
لأن القسمة إنما تتمُّ بناءً على دعوة أحد الشريكين.
* قولُهُ: (وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ قِسْمَتِهِ عَلَى التَّرَاضِي).
فهذا أمرٌ مسلَّم فقسمة التراضي ليست محلَّ خلافٍ حتى وإن تنازلَ أحد الشريكين لصاحبه عن بعض ما يخصه فذلك جائز ولا خلاف فيه.
* قولُهُ: (وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ قِسْمَتِهِ عَلَى التَّرَاضِي عَلَى التَّفْضِيلِ البَيِّنِ كَانَ ذَلِكَ مِنَ الرِّبَوِيِّ، أَوْ مِنْ غَيْرِ الرِّبَوِيِّ) (٣).
فلا فرق بين أن يكون من الأمور التي نُهِي عن الربا فيها أو التي لم
стр. 8090
يُنهَ عنها، وقد مرَّ أن المالكية يقاربون بين الجنسين، فالجنس الذي يشبه الآخر حتى وإن كان صنفًا آخر يجعلونه بمثابة الصنف الواحد في الربويات.
* قولُهُ: (أَعْنِي: الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ بِالكَيْلِ المَعْلُومِ، وَالمَجْهُولِ).
ويقصد بالكيلِ المعلوم الصَّنجة، وبالكيل المجهول المكيال، وهناك مكاييل محددة معروفة ومصطلح عليها كالحال بالنسبة للموازين، وقد يكون المكيال غير معتبر أي: غير مقرر، فهل هذا يجوز أو لا؟ هو مقياس لكنَّه ليس دقيقًا كدقَّة المكيال المحدد المعروف، كم يساوي هذا الصاع وكم كيلو يساوي؟، وقد يوجد مكيال فيه جهالة فيكون غير منضبط القدر.
* قوله: (وَلَا يَجُوزُ قِسْمَتُهُ جُزَافًا بِغَيْرِ كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ. وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ قِسْمَتُهُ تَحَرِّيًا: فَقِيلَ لَا يَجُوزُ فِي المَكِيلِ، وَيَجُوزُ فِي المَوْزُونِ) (١).
" قسمته تحرِّيًا"، أي: ليست القسمة قسمة تدقيق، والعبارة قد يفهم منها أنه يجوز أن يوزن ولا يجوز أن يُكال، بمعنى: أن الميزان معتبر والمكيال غير معتبر، فقصده أنه يجوز في الموزون، ولا يلزم في المكيل، لأنه متسامح فيه.
* قولُهُ: (وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنَ الخِلَافِ مَا يَدْخُلُ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ تَحَرِّيًا).
وكل هذه فروع مختلف فيها في داخل مذهب الإمام مالك، ولا أدري لماذا غيَّر المؤلف أسلوبه مع أنه قال -كما سيأتي- في كتاب
стр. 8091
القذف: إنما وضع هذا الكتاب في أمهات المسائل وأصولها وإن أنسأ الله في عمري فسأكتب فروعًا في مذهب مالك، أما الآن فقد بدأ بالشروع في فروع المذهب المالكي وأغفل آراء المذاهب الأخرى.
* قولُهُ: (وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ صُبْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَكَانَا صِنْفَيْنِ: فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ: فَلَا تَجُوزُ قِسْمَتُهَا عَلَى جِهَةِ الجَمْعِ إِلَّا بِالكَيْلِ المَعْلُومِ فِيمَا يُكَالُ، وَبِالوَزْن بِالصَّنْجَةِ المَعْرُوفَةِ فِيمَا يُوزَن).
و"الصَّنجَةُ": هي نوع من الموازين وهي الآن معروفة ومحددة وكثيرة جدًا (١).
* قولُهُ: (لِأَنَّهُ إِذَا كانَ بِمِكْيَالٍ مَجْهُولٍ لَمْ يَدْرِ كمْ يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ الصِّنْفِ الوَاحِدِ إِذَا كانَا مُخْتَلِفَيْنِ مِنَ الكَيْلِ المَعْلُومِ، وَهَذَا كلُّهُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ) (٢).
فهذه التعليلات والتفصيلات التي في مذهب مالك بُنيت على أنه إذا وُجِد صنفان متشابهان فإنه يمنع فيهما الربا كما نأتي فنقول: القمحُ مع الشعير، فكلٌّ منهما مطعوم وكل منهما غذاء وكل منهما يصنع منه
стр. 8092
الدقيق والخبز وغير ذلك، فهناك صفات كثيرة تجتمع قيها، والأئمة الآخرون لا يوافقون المالكية في ذلك (١)، ومثل ذلك التمر والزبيب، فلو وجد تقارب بين صنفين يجعلهما المالكية بمثابة صنف واحد وفرعوا على ذلك.
* قولُهُ: (لِأَنَّ أَصْلَ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِي الصِّنْفَيْنِ إِذَا تَقَارَبَتْ مَنَافِعُهُمَا، مِثْلُ القَمْحِ وَالشَّعِيرِ).
لأن الرسول ﷺ قال: "فإذا اخْتَلفَتْ هذه الأصنافُ فبِيعُوا كيفَ شِئتُم" كما في حديث عبادة وغيره (٢): "الذَّهبُ بالذَّهبُ والفضةُ بالفضة والبُرُّ بالبُرِّ والشعيرُ بالشعيرِ والتَّمرُ بالتَّمرِ والملحُ بالملحِ مثلًا بمثلٍ يدًا بيدٍ، فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيدٍ") (٣)، فأنتم ترون في هذا الحديث أنه فرَّق بين البُرِّ الذي هو القمح الحبّ (٤)، وبين
стр. 8093
الشعير، وهم يرون أنهما بمثابة صنف واحد لتشابههما في كثير من الصفات، كلّ منهما مطعوم وكلٌّ منهما يُتغذَّى به، وكل منهما يُطحَن، وكلٌّ منهما له دقيق يصنعون منه الخبز إلى غير ذلك من أوجه الشبه التي يذكرونها، لكننا نقول: إن الرسول ﷺ ميَّز وفرَّق بينهما وجعل كلَّ واحد منهما صنفًا مستقلًّا.
* قولُهُ: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ: فَيَجُوزُ قِسْمَتُهُ عَلَى الِاعْتِدَالِ، وَالتَّفَاضُلِ البَيِّنِ المَعْرُوفِ، بِالمِكْيَالِ المَعْرُوفِ أَوِ الصَّنْجَةِ المَعْرُوفَةِ، أَعْنِي: عَلَى جِهَةِ الجَمْعِ وَإِنْ كَانَا صِنْفَيْنِ، وَهَذَا الجَوَازُ كُلُّهُ فِي المَذْهَبِ عَلَى جِهَةِ الرِّضَا. وَأَمَّا فِي وَاجِبِ الحُكْمِ فَلَا تَنْقَسِمُ كلُّ صُبْرَةٍ إِلَّا عَلَى حِدَةٍ، وَإِذَا قُسِمَتْ كُلُّ صُبْرَةٍ عَلَى حِدَةٍ جَازَتْ قِسْمَتُهَا بِالمِكْيَالِ المَعْلُومِ وَالمَجْهُولِ).
وقد عرفنا مذهب الجمهور وبأن كلَّ نوع يقسم على حدة، ومذهب الجمهور واضح وموجز في هذه المسائل.
* قولُهُ: (فَهَذَا كُلُّهُ هُوَ حُكْمُ القِسْمَةِ الَّتِي تكُونُ فِي الرِّقَابِ).
أي: كلُّ ما أورده المؤلف إنما هو في حكم قسمة الرِّقاب، وسيشرع في بيان الأحكام المتعلّقة بقسمة المنافع.
* قولُهُ: ([القَوْلُ فِي القَسْمِ الثَّانِي وَهُوَ قِسْمَةُ المَنَافِعِ] فَأَمَّا قِسْمَةُ المَنَافِعِ: فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ بِالسُّهْمَةِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ القَاسِمِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا مَنْ أَبَاهَا) (١).
وقد أغفل المؤلف ذكر الأئمة الآخرين فهذا أيضًا هو مذهب
стр. 8094
الشافعي (١) وأحمد (٢).
* قولُهُ: (وَلَا تَكُونُ القُرْعَةُ عَلَى قِسْمَةِ المَنَافِعِ (٣). وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى قِسْمَةِ المَنَافِعِ (٤)).
ومالك أيضًا ذهب مذهب أبي حنيفة (٥)، فتكون قسمة المنافع بالنسبة للإجبار وعدمه على قسمين: فالإمامان الشافعي وأحمد يريان أنهما لا يجبران عليها، وأبو حنيفة ومالك يقولان بالجبر عليها، واستدلُّوا بحديث: "لَا ضَرَر ولا ضِرَار" (٦)، فلو طلب أحدُ الشريكين قسمة المنافع
стр. 8095
فأبَى الآخر فإنما أضرَّ بصاحبه، وقد جاء في الحديث: "لا ضرَرَ ولا ضِرار".
وأما الشافعية والحنابلة يقولون: المهايأة (١)، إنما هي معاوضة، والمعاوضة إنما تكون واجبة قياسًا على البيع، فكما أن الإنسان لا يُجبر على البيع ولا على الشراء، كذلك أيضًا لا يُجبر على المنافع، وهناك قضية أخرى لم يشرْ إليها المؤلِّف تتعلق بهذا، وهي مهمة: لو اصطلحَا واتفقَا على المهايأة ثم طلب أحدهما القسمة فهل تبطل هذه القسمة وتنتقض، وينتقل حينئذٍ إلى القسمة المعروفة التي هي قسمة الإجبار أو لا؟ وقد ذهب أبو حنيفة (٢) مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤) في هذه المسألة، فقال بقولهم وإنها تنتقض، وأما مالك فيرى أنها لا تنتقض؛ لأنه يرى أن ذلك أمر لازم قام على الإجبار فينبغي ألا تحصل قسمة حتى تنتهي المدة التي اتفق عليها، وأبو حنيفة لم يوافق مالكًا مع أنه يرى أن المهايأة إنما تقوم على الإجبار، لكنَّه رأى أنه إذا طلب أحدهم القسمة التي هي قسمة فض الاشتراك وهي الأصل، والمهايأة إنما هي طارئة، فالرجوع إلى الأصل أولى فعاد لموافقة الشافعية والحنابلة.
стр. 8096
* قوله: (وَقِسْمَةُ المَنَافِعِ هِيَ عِنْدَ الجَمِيعِ بِالمُهَايَأَةِ وَذَلِكَ إِمَّا بِالأزْمَانِ، وَإِمَّا بِالأعْيَانِ).
و"المهايأة": أن يترك كلُّ واحد منهما العينَ في يد أخيه مدَّة معينة، وهذه على نوعين؛ لأنه قد تكون بالزمان وقد تكون بالمكان، والمؤلف قال: قد تكون بالزمان أو بالأعيان، ويقصد بالأعيان الأماكن.
* قوله: (أَمَّا قِسْمَةُ المَنَافِعِ بِالأَزْمَانِ فَهو أَنْ يَنْتَفِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالعَيْنِ مُدَّةً مُسَاوِيَةً لِمُدَّةِ انْتِفَاعِ صَاحِبِهِ).
وفي هذا تيسيرٌ على الناس؛ لأنه لو وجدت دار بين اثنين وأراد كلٌّ منهما أن يسكنها، وقد لا يجتمعان في وقت واحد فهذا يأتي في وقت ويستخدمها وهذا في وقت آخر ويستخدمها، أو كل منهما عنده بستان يمكث فيه فترة وفي هذه الدار فترة، فهذا أمر مصطلح عليه ومتعارف عليه وفيه خير للطرفين وكل منهما مستفيد.
* قوله: (وَأَمَّا قَسْمُ الأَعْيَانِ: بِأَنْ يُقَسِّمَا الرِّقَابَ عَلَى أَنْ يَنْتَفِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا حَصَلَ لَهُ مُدَّةً مَحْدُوةً).
كما لو كانت دارًا واسعة جدًّا ويضعان فاصلًا بينهما فهذا يسكن في شمالها وهذا في جنوبها أو هذا في شرقها وهذا في غربها وهكذا، فهذا جائز؛ لأنها تصلح للاثنين معًا.
* قوله: (وَالرِّقَابُ بَاقِيَةٌ عَلَى أَصْلِ الشَّرِكَةِ. وَفِي المَذْهَبِ فِي قِسْمَةِ المَنَافِعِ بِالزَّمَانِ اخْتِلَافٌ فِي تَحْدِيدِ المُدَّةِ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا القِسْمَةُ لِبَعْضِ المَنَافِعِ دُونَ بَعْضٍ لِلِاغْتِلَالِ، أَوِ الِانْتِفَاعِ) (١).
стр. 8097
و"الاغتلالُ": هو أخذ غلَّتها، كأن يكون حائط فيأخذه إنسان فترة يسكن فيه ويزرع فيه ويأخذ الغلة من الثمار ثم يأتي الآخر يعقبه ويعمل ذلك أيضًا، وهذا أيضًا بلا شك فيه تيسير.
* قوله: (مِثْلَ اسْتِخْدَامِ العَبْدِ وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ وَزِرَاعَةِ الأَرْضِ).
فالمملوك كل واحد منهما يستخدمه ويأخذه في مزرعته فترةً معينة ثم ينتقل إلى الآخر أيضًا فترة معينة، وكذلك الحال بالنسبة للدوابِّ يستفيد منها أيضًا.
* قوله: (وَذَلِكَ أَيْضًا فِيمَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ، أَوْ لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ).
فهذا عام سواء كان ذلك ممَّا يقبل النقل والتحويل أو ممَّا هو ثابت كالأراضي.
* قوله: (فَأَمَّا فِيمَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ: فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِهِ فِي المُدَّةِ الكَثِيرَةِ، وَيَجُوزُ فِي المُدَّةِ اليَسِيرَةِ).
فالمالكية يتحرّون في ذلك ويقولون: ينبغي أن تكون المدَّة يسيرة محددة (١)، والجمهور يقولون: لم يرد في ذلك نصٌّ يدلُّ على أن المدة
стр. 8098
محددة، وإنما هذه المهايأة اصطلح عليها العلماء لما فيها من المصلحة للطرفين (١)، فكلا من الطرفين يستفيد ويجني الثمرة في ذلك وسواء كان مسكنًا يقيم فيه أو أرضًا يستغلها أو يقيم فيها، أو دابة يستخدمها فترة أو مملوكًا أيضًا يقوم بعمل عنده كبناء أو حرث أو زراعة أو في أمور التجارة أو غير ذلك، فالفائدة قائمة هنا، ولما لم يرد دليل يحدد المدة قالوا: هذا يرجع إلى ما يصطلحان عليه.
* قوله: (وَذَلِكَ فِي الِاغْتِلَالِ، وَالِانْتِفَاعِ. وَأَمَّا فِيمَا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ: فَيَجُوزُ فِي المُدَّةِ البَعِيدَةِ، وَالأَجْلِ البَعِيدِ، وَذَلِكَ فِي الِاغْتِلَالِ وَالِانْتِفَاعِ).
يعني: المالكية يفرِّقون بين الأراضي الثابتة المستقرة والدور فهذه أمور لا تنقل، وهذه تكون مدتها طويلة، لكن الأشياء التي تُنقل مثل الحيوان والمملوك الذي يتنقل وغير ذلك ينبغي أن يقيَّد بمدَّة ليست بطويلة، ولما كان المالكية دائمًا يعنون بالمصالح المرسلة وكذلك ما يعرف بالقياس المرسل الذي نبَّهَ إليه المؤلف قبل ذلك تجد أنهم يكثرون الفروع في هذا الجانب ويبنون مسائل على المصلحة.
أما الجمهور فإنهم قالوا: لا تحديد في ذلك، ولم يَردْ دليلٌ شرعي
стр. 8099
يحدد ذلك وهي أمور قامت على المصلحة فلا ينبغي أن تقيَّد، وهناك أمور لم ينبِّهْ لها المؤلف: ربما يأتي هذا فيستخذم الدار فترة فلما تأتي فترة الآخر تنهدم أو يأخذ الدابة فترة ثم لما يأتي زمن الآخر تموت، وهكذا بالنسبة للملوك فهذه تكلم عنها الفقهاء في كتبهم وبيَّنوا أنه يرجع إلى صاحبه فيما استفاده (١).
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي المُدَّةِ اليَسِيرَةِ فِيمَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ فِي الِاغْتِلَالِ: فَقِيلَ اليَوْمُ الوَاحِدُ وَنَحْوُهُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الدَّابَّةِ وَالعَبْدِ. وَأَمَّا الِاسْتِخْدَامُ فَقِيلَ: يَجُوزُ فِي مِثْلِ الخَمْسَةِ الأَيَّامِ، وَقِيلَ: فِي الشَّهْرِ وَأكْثَرَ مِنَ الشَّهْرِ قَلِيلًا) (٢).
ومن الأمور التي قد ترد في هذا المقام وجود شيء من الجهالة؛ لأن هذا قد يأخذ الدابَّة فيستخدمها فترة أطول وهذا فترة أقلّ، أو سيارة، فهذا يعمل عليها ساعات طويلة وهذا ساعات أقل، لكن العلماء يتجاوزون عن مثل هذه الأمور.
* قوله: (وَأَمَّا التَّهَايُؤُ فِي الأَعْيَان: بِأَنْ يَسْتَعْمِلَ هَذَا دَارًا مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ، وَهَذَا دَارًا تِلْكَ المُد بعَيْنِهَا).
وهي التي قلنا: المهايأة بالمكان، كدار لا تستوعب الاثنين معًا فيأخذها هذا فترة يسكن فيها، أو وإن يأخذه يبيع فيه فترة ثُمَّ يأتي ذاك فيأخذ نفس المدة التي اتخذَها الآخر، وأيضًا قد تختلف المواسم فتجد أنه في موسم الحج تتحرك الأسواق ويكون هناك البيع والشراء أكثر فينبغي أن
стр. 8100
تُراعى مثل هذه الأمور، فلا يأخذها واحد فترة يكون في السوق ركودًا إن كان المكان للبيع أو حتى إن كان يريد أن يؤجّر، وهذه أمور لا بد أن تراعى في هذا المقال، لكن لو أخذها سنة وهذه هي المزايا في المدة الكاملة يبقى التعادل قائمًا بين الاثنين.
* قوله: (فَقِيلَ: يَجُوزُ فِي سُكْنَى الدَّارِ وَزِرَاعَةِ الأَرَضِينَ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الغَلَّةِ وَالكِرَاءِ (١) إِلَّا فِي الزَّمَان اليَسِيرِ (٢). وَقِيلَ: يَجُوزُ عَلَى قِيَاسِ التَّهَايُؤِ بِالأَزْمَانِ) (٣).
فهذا هو الأولى وهو الذي أخذ به أكثر الفقهاء (٤)، فينبغي أن تحدد
стр. 8101
مدة لكن لا تكون المدة طويلةً جدًّا، فهي أمور بُنيت على المصلحة فينبغي أن تُرَاعى فيها خشية أن تهلك هذه السلعة وبخاصة كما ذكر المالكية فيما يتعلق بما ينقل، أما الأمور الثابتة كالدور وغيرها فهذه من المعروف أنها تعيش فترة طويلة وكذلك المزارع.
* قوله: (وَكَذَلِكَ القَوْلُ فِي اسْتِخْدَامِ العَبْدِ وَالدَّوَابِّ يَجْرِي القَوْلُ فِيهِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي قِسْمَتِهَا بِالزَّمَانِ (١). فَهَذَا هُوَ القَوْلُ فِي أَنْوَاعِ القِسْمَةِ فِي الرِّقَابِ، وَفِي المَنَافِعِ، وَفِي الشُّرُوطِ المُصَحِّحَةِ وَالمُفْسِدَةِ. وَبَقِيَ مِنْ هَذَا الكِتَابِ القَوْلُ فِي الأَحْكَامِ).
وبقيت أمور واضحة ليست كما مرَّ، وسبب عدم وضوح بعض المسائل تعمق المؤلف في مذهب المالكية ومناقشته لبعض الجزئيات التي تكون واضحة في المذاهب الأخرى، أو أنه لو أوجز وسلك الطريق الذي كان يقوم فيه على الترتيب والتقسيم البديع الذي كان يسير عليه في أكثر المباحث التي مضت لكانت أكثر وضوحًا.
* قوله: (القَوْلُ فِي الأَحْكَامِ وَالقِسْمَةُ مِنَ العُقُودِ اللَّازِمَةِ) (٢).
ومراد المؤلِّف هنا قسمة الإجبار، وحتى قسمة التراضي إذا اصطلح عليها فهي أيضًا تصبح غير قابلة للنقض إلا أن يطرأ عليها شيء.
* قوله: (لَا يَجُوزُ لِلْمُتَقَاسِمَيْنِ نَقْضُهَا، وَلَا الرُّجُوعُ فِيهَا إِلَّا بِالطَّوَارِئِ عَلَيْهَا).
فهناك أمور تحدث خارجة عن إرادتهما؛ لأنه قد يوجد عيب في نصيب أحدهما لم يكتشف بعد أن يقتسما هذه السلعة وينفرد كلُّ واحد
стр. 8102
منهما بنصيبه فيدقق النظر فيه يجد فيه عيبًا (١)، أو ربما يطرأ على هذا النصيب مطالبة بحق، كأن كانت أرضًا وتقدم شخص بصكٍّ يفيد بأن له جزء من هذه الأرض التي وقعت في نصيب فلان فكيف نعالج هذه؟ قد يخرج بعد توزيع التركة وارث كان غائبًا مدَّةً من الزمان، أو لا يعرف بأنه وارث، كما يحدث وقد يتزوج رجل بأخرى ولا يَعْرِف أولادُه أن لهم أخوة، وقد يأتي دائن كان مسافرًا أو لا يعلم بموت هذا الذي عليه حق فيأتي بعد تقسيم التركة فيطالب بحقِّه، فكيف تعالج مثل هذه الأمور؟ فهناك غبن (٢)، وهناك عيب يطرأ، وهناك دائن يرد على أصحاب الحقوق، وهناك وارث ما كان يعرف يرد عليه، فهذه هي الأمور التي عبَّر عنها المؤلف بالطوارئ التي تطرأ على العقد بعد القسمة.
* قوله: (وَالطَّوَارِئُ ثَلَاثَةٌ: غَبْنٌ؛ أَوْ وُجُودُ عَيْبٍ، أَوِ اسْتِحْقَاقٌ. فَأَمَّا الغَبْنُ: فَلَا يُوجِبُ الفَسْخَ إِلَّا فِي قِسْمَةِ القُرْعَةِ بِاتِّفَاقٍ فِي المَذْهَبِ) (٣).
التي هي قسمة الإجبار ويعبَّر عنها بالقرعة، أما الغبن إذا كان عن تراضٍ فهو غير وارد، وكذلك الكلام في المذاهب الأخرى، فإذا تراضيا على قسمة شيء واصطلحا عليه وكلٌّ رضي بنصيبه، فكيف يدَّعي بأنه مغبون؟
стр. 8103
* قوله: (إِلَّا عَلَى قِيَاسِ مَنْ يَرَى لَهُ تَأْثِيرٌ فِي البَيْعِ، فَيَلْزَمُ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي القِسْمَةِ).
فمن يلحق القسمة بالبيع فإنه كذلك؛ لأنه كما هو معلوم ومرَّ بنا خيار الغبن (١).
* قوله: (وَأَمَّا الرَّدُّ بِالعَيْبِ).
والعيب: كأن تكون أرض وقسمت ثم اكتشَفَ أحدُ الشريكين أن في نصيبِه عيبًا، والآخر نصيبه خالص صافٍ ليس فيه عيبٌ، وقد يكون العيبُ في الأرض، وقد يكون في غيرها في عروض التجارة التي قُسِّمت فما الحل هنا؟
* قوله: (فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو على مَذْهَبِ ابْنِ القَاسِمِ أَنْ يَجِدَ العَيْبَ فِي جُلِّ نَصِيبِهِ أَوْ فِي أَقَلِّهِ).
стр. 8104
والمؤلف لم يتعرض لمذاهب العلماء، فإذا وجد عيبًا في نصيبه فهو عند الشافعية (١)، والحنابلة (٢) مخير بين أمرين: إما أن يطالب بفسخ القسمة، وهذا حق له، وإما أن يطالب بردِّ أرش العيب، أي: الفرق (٣)، فتعاد بعد ذلك وتقوَّم الأرض ويُعطى كل واحد نصيبه ويردُّ الآخرُ أرش العيب.
* قوله: (فَإِنْ وَجَدَهُ فِي جُلِّ نَصِيبِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ النَّصِيبُ الَّذِي حَصَلَ لِشَرِيكِهِ قَدْ فَاتَ أَوْ لَمْ يَفُتْ: فَإِنْ كَانَ قَدْ فَاتَ رَدَّ الوَاجِدُ لِلْعَيْبِ نَصِيبَهُ عَلَى الشَّرِكَةِ، وَأَخَذَ مِنْ شَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَةِ نَصِيبِهِ يَوْمَ قَبْضِهِ).
والجمهور لم يفرقوا، فلو وُجد عيب يطالب بفسخ القسمة حتى وإن فات نصيبها فقيمته موجودة ومعروفة.
* قوله: (وَإِنْ كَانَ لَمْ يَفُتِ انْفَسَخَتِ القِسْمَةُ، وَعَادَتِ الشَّركَةُ إِلَى أَصْلِهَا (٤).
وهذا هو مذهب الجمهور: إن كان نصيبه في يده رجعت القسمة إن طالب بها وعاد شريكًا، وإن كان قد باع فإنه يرجع إليه بالقيمة، ويلاحظ الفارق بين الأمرين، لكن لو كانت القسمة قسمةَ رضًا ورضي بهذا مع وجود العيب فقد انتهى الأمر.
* قوله: (وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا رَجَعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ (١). وَقَالَ مُحَمَّدٌ: "إِذَا اسْتُحِقَّ مَا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا بَطَلَتِ القِسْمَةُ فِي قِسْمَةِ القُرْعَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ القِسْمَة لَمْ تَقَعْ عَلَى عَدْلٍ" (٢)، كقَوْلِ ابْنِ المَاجِشُون فِي العَيْبِ (٣). وَأَمَّا إِذَا طَرَأَ عَلَى المَالِ حَقٌّ فِيهِ).
وهذه مسألةٌ أخرى: إذا طرأ عليه دينٌ كأن جاء رجل له دين بعد أن قسمت التركة يطالب بحقه فما موقف أهل التركة أصحابها؟ وهما بين أمرين: إما أن يوافقوا على أن يدفعوا الدين من عندهم وتبقى القسمة ماضية كما كانت ولا تتغير، وإما ألا يدفعوا فإنها تنزع الأسهم من أيديهم وتباع ويوفَّى صاحب الحق حقه، وهناك جزئية لم يذكرها المؤلف: قد يوافق بعضهم ولا يوافق البعض الآخر، فالذي يوافق يبقى نصيبه معه، والذي لا يوافق ينتزع نصيبه ويباع، وهذا الذي وافق على أن يدفع ما يخصه يدفعه وتبقى قسمته ثابتة في حقه، وهذه لا شك فيها عدالة.
* قوله: (وَأَمَّا إِذَا طَرَأَ عَلَى المَالِ حَقٌّ فِيهِ مِثْلُ طَوَارِئِ الدَّيْنِ عَلَى التَّرِكَةِ بَعْدَ القِسْمَةِ، أَوْ طُرُوِّ الوَصِيَّةِ أَوْ طُرُوِّ وَارِثٍ، فَإِنَّ أَصْحَابَ مَالِكٍ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ.
وسواء كانت نقدًا أو غيره أو أنهم تصرفوا فيها ببيع أو أنها ذهبت كأن كانت مملوكين فماتوا، أو حيوان فنفق، أو غير ذلك.
* قوله: (هَلَكَتْ بِأَمْرٍ مِنَ السَّمَاءِ أَوْ لَمْ تَهْلِكْ).
أي: بمشيئة الله تعالى وقدرته.
* قوله: (وَقَدْ قِيلَ أيضًا: إِنَّ القِسْمَةَ إِنَّمَا تَنْتَقِضُ بِيَدِ مَنْ بَقِيَ فِي يَدِهِ حَظُّهُ، وَلَمْ تَهْلِكْ بِأَمْرٍ مِنَ السَّمَاءِ، وَأَمَّا مَنْ هَلَكَ حَظُّهُ بِأَمْرٍ مِنَ السَّمَاءِ فَلَا يَرْجِعُ هُوَ عَلَى الوَرَثَةِ بِمَا بَقِيَ بِأَيْدِيهِمْ بَعْدَ أَدَاءِ الدَيْنِ).
وكلُّ هذه مسائل جزئية يدخلها في المسائل الكبرى.
قوله: (وَقِيلَ: بَلْ تَنْتَقِضُ القِسْمَةُ وَلَا بُدَّ، لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ: ﴿ … مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]. وَقِيلَ: بَلْ تَنْتَقِضُ إِلَّا فِي حَقِّ مَنْ أَعْطَى مِنْهُ مَا يَنْوِي بِهِ مِنَ الدَّيْنِ. وَهَكَذَا الحُكْمُ فِي طُرُوِّ المُوصَى لَهُ عَلَى الوَرَثَةِ. وَأَمَّا طُرُوُّ الوَارِثِ عَلَى الشَّرِكَةِ بَعْدَ القِسْمَةِ، وَقَبْلَ أَنْ يَفُوتَ حَظُّ كَلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: فَلَا تَنْتَقِضُ القِسْمَةُ، وَأَخَذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ حَظَّهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ مَكِيلًا، أَوْ مَوْزُونًا، وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا، أَوْ عُرُوضًا انْتَقَضَتِ القِسْمَةُ. وَهَلْ يَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا تَلَفَ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْهُ؟ فَقِيلَ: يَضْمَنُ، وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُ) (١).
وهذا هو الأولى حقيقةً.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 8109
([كِتَابُ الرُّهُونِ])
القَوْلُ فِي أَرْكَان الرهن:
و"الرُّهون" جمع رَهْن، والآية جاء فيها: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وأيضًا في قراءة: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، وقالوا: رِهان جمع رَهْن، ورُهُن جمع الجمع، وفيها كلام لأهل اللغة معروف (١).
* قوله: (وَالأَصْلُ فِي هَذَا الكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]).
وأول الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾، وقد جاءت هذه الآية عقب آية الدَّين الطويلة المعروفة التي في أواخر سورة البقرة وهي أطول آية في كتاب الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾، ثم جاء بعد ذلك: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾؛ لأن الغالب في السفر ألا يوجد الكاتب، وربما يوجد في هذا الوقت لكن فيما مضى يقل ويندر أن يوجد كاتي في السفر، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، وفي هذا توجيه من الله : ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، أي: ما احتاج إلى الرهن ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ما دام أخوك المسلم قد وثق بك وأعطاك الأمان واطمئنت نفسه إليك فعليك أيضًا أن تكون على تلك الأمانة، وذكر الله
стр. 8110
بتقواه بقوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾، ثم قال: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، فالذين يأكلون أموال الناس أو الذين يتعدَّون عليهم أو الذين يخونون عند الثقة بهم فإن الله مطلع على أعمالهم، ولذلك جاء بعدها مباشرة ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، أي: ما أظهرتم مما كان في نفوسكم أو أكننتم بها فإن الله به عليم؛ لأنه ما دام أن ما في السماوات وما في الأرض هو ملك الله فهو عليم بكل شيء، يعلم ما في السماوات وما في الأرض، فهذه الآية دليل على مشروعية الرهن من الكتاب العزيز.
* قوله: (وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الكِتَابِ: فِي الأَرْكانِ، وَفِي الشُّرُوطِ، وَفِي الأَحْكَامِ.
وَالأَرْكانُ هِيَ النَّظَرُ فِي الرَّاهِنِ، وَالمَرْهُونِ، وَالمُرْتَهِنِ).
فهناك راهن وهناك مرهون، أي: عين مرهونة، وهي لا تكون إلا في الدين (١)، وهناك مرتهن، أي: الذي يأخذ الرهن، والرهن في الاصطلاح الفقهي كما قلنا: هو المال الذي يُؤخذ وثيقة على الدين، ليطمئن صاحب الدين على حقه في حالة تعذر إيفاء من عليه الحق فيباع هذا الرهن ويؤخذ الحق منه (٢).
стр. 8111
* قوله: (وَالشَّيْءِ الَّذِي فِيهِ الرَّهْنُ، وَصِفَةِ عَقْدِ الرَّهْنِ).
والرهن قد يكون في أشياء كثيرة فربما يكون دارًا وربما يكون حائطًا، وربما يكون الرهن على بيع أمر من الأمور فهذا كله يتنوع.
* قوله: (الرُّكْنُ الأَوَّلُ: فَأَمَّا الرَّاهِنُ فَلَا خِلَافَ أَنَّ مِنْ صِفَتِهِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ السَّدَادِ) (١).
والمحجور عليه هو الذي يسمى المُفلِس؛ لأنه إذا أفلس الإنسان وكان له غرماء، أي: أناس لهم حقوق عليه فإنه يحجر عليه لمصلحة هؤلاء، فهذا المفلس ليس له أن يرهن شيئًا؛ إذ لا حق له في تصوف ذلك المال الذي أصبح مستحقًا للغرماء، وسيأتي أنَّ الحجر أنواع، فهناك الحجر على غير المكلف كالصغير والمجنون، وهناك حجر على المفلس، وهناك حجر على غير الرشيد، أي: السفيه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله في كتاب الحجر.
* قوله: (وَالوَصِيُّ يَرْهَنُ لِمَنْ يَلِي النَّظَرَ عَلَيْهِ).
والمقصود بالوصي وليُّ اليتيم، والله أوصاه بذلك، فقال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾، وانظر إلى وصية الله ، فإذا كان الذي يشرف ويتولى القيام على اليتيم إن كان غنيًّا فعليه أن يستعفف، وقد جاء في الحديث: "مَن يستعفف يعفه الله، ومَن يستغنِ يغنِه الله " (٢). ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ثم قال : ﴿فَإِذَا
стр. 8112
دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾، وهذا من باب الحيطة حتى لا يقع الخلاف ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.
* قوله: (إِذَا كَانَ ذَلِكَ سَدَادًا، وَدَعَتْ إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ عِنْدَ مَالِكٍ) (١).
وتكلَّم المؤلف عن مذهب مالك وأنه يجوز رهن مال اليتيم عند الحاجة وأجمل في ذلك وسيذكر أيضًا مذهب الشافعي.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَرْهَنُ لِمَصْلَحَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَيَرْهَنُ المُكَاتَبُ وَالمَأْذُونُ عِنْدَ مَالِكٍ).
ولم يبيّن المؤلف تلك المصلحة الظاهرة التي يرهن فيها عند الشَّافعيِّ، ومذهب الحنابلة قريب من ذلك (٢)، وقد وضعوا شرطين في رهن الوصي مال اليتيم:
أولهما: أن يضع ذلك عند ثقة يطمئن إليه حتى لا يطمع فيه.
الشرط الثاني: أن يكون لمصلحة مال اليتيم وهو الذي أشار إليه في مذهب الشافعية (٣)، ومصلحة اليتيم كأن يكون بحاجة إلى نفقة أو إلى كسوة
стр. 8113
وأن يكون بيته قد تهدم فيحتاج إلى إصلاح أو أن يكون دكانه في حاجة إلى إصلاح بناء إلى غير ذلك من الأشياء الكثيرة.
وجمهور العلماء من المالكية (١)، والحنفية (٢)، والشافعية (٣) ذهبوا إلى ذلك، وهي رواية للإمامِ أحمد (٤)، والصحيحُ من مذهب الإمام أحمد أنه لا يرهن؛ لأنهم يشترطون في الرهن أن يكون دائم القبض والمكاتب ربما يسدد النجوم (٥).
فإذا كان عليه دين يقابل ما عنده من أموال لكنه بعد لم يحجر عليه، فهل له أن يرهن أو لا؟ بعض العلماء يقوله: إذا كان الحجر عليه لم يطبق فحينئذ له ذلك وربما تُفكُّ عسرته ويأتي ما يزيل ذلك، ومنهم من قال: يأخذ حكم المفلس كما هو مذهب المالكية على خلاف بينهم في ذلك.
* قوله: (أَعْنِي: هَلْ يَلْزَمُ أَمْ لَا يَلْزَمُ؟: فَالمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ، أَعْنِي: قَبْلَ أَنْ يُفْلِسَ) (١).
ولا نفهم من عبارات المؤلف (يلزم، يجب) أن الرهن واجب، فالرهن ليس واجب؛ لأن الله قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ثم أعقبها بقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ فالرهن ليس واجبًا لكن الإنسان له أن يطالب به وألا يبيع إلا بوثيقة؛ لأنه يريد أن يطمئن، بمعنى: أنه يتم البيع دون حاجة إلى رهن (٢).
* قوله: (وَالخِلَافُ آيِلٌ إِلَى هَلِ المُفْلِسُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟).
والصحيح أنه محجور عليه لكن بعد أن يتم الحجر عندما يطالب الغرماء (٣).
стр. 8116
* قوله: (وكُلُّ مَنْ صَحَّ أَنْ يَكُونَ رَاهِنًا صَحَّ أَنْ يَكُونَ مُرْتَهِنًا).
وكذلك كلّ ما جاز بيعه جاز رهنه، كالدار، والعبد المملوك، وأيُّ سلعة من السلع يجوز بيعها، أمَّا ما لا يجوز بيعه فلا يصلح رهنًا كالوقف مثلًا، وكذلك أمُّ الولد، وأولى من ذلك ما لا يجوز بيعه أصلًا كما لو كان محرَّم البيع كالخمر والخنزير وما أشبه ذلك (١).
* قوله: (الرُّكْنُ الثَّانِي وَهُوَ الرَّهْنُ: وَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ: يَصِحُّ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ).
وبدأ المؤلف يفصل مذهب الشافعية، وهذه الشروط تقريبًا يلتقي فيها الحنابلة معهم، وسنأخدها واحدًا واحدًا.
* قوله: (الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ عَيْنًا، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَ الدَّيْنَ).
كأنه يبيعه سلعة من السلع ويرهنه داره، ولا يرهنه دينًا عند زيد،
стр. 8117
ولا يرهنه منفعة (١).
* قوله: (الثَّانِي: أَنْ لَا يَمْتَنِعَ إِثْبَاتُ يَدِ الرَّاهِنِ على المُرْتَهَنِ عَلَيْهِ كَالمُصْحَفِ) (٢).
وهذا يرجع إلى بيعه، هل المصحف يُباع أو لا يُباع؟ وهذه المسألة محلُّ خلاف بين العلماء، فجمهور العلماء يجيزون بيع المصحف ويرون أن ذلك جائز، وهم الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، وهي رواية للحنابلة، ورواية أخرى للحنابلة لا يرون فيها جواز بيع المصحف (٦)،
стр. 8118
وحجَّة الذين قالوا بعدم الجواز ما أُثِر عن عبد الله بن عمر أنه قال: "وددت لو أن الأيدي تقطع في بيع المصاحف" (١)، وأما الذين أجازوا ذلك فإنه جاء في الحديث الصحيح: "إنَّ أعظم ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" (٢)، وحديث الرقية (٣)، وهي أحاديث استنبط منها العلماء الدلالة على جواز المصحف، وأيضًا استدلُّوا بدليل معقول، فقالوا: إن الحاجة تستدعي ذلك فليس في كلِّ وقت يحصل الإنسان على المصحف مجانًا فهو يحتاج إليه ويحتاج إلى القراءة، فالقصد هنا أن تكون يده عليه، كذلك من الأمثلة ألا يرهن سلاحًا عند حربي (٤).
كذلك المصحف لا يرهنه بيد كافر (٥)، وكذلك فيمن يجيز رهن المصحف يشترط ألا يُقرَأ فيه؛ لأن هذه منفعة والمنفعة ليس له أن يستفيد منها (٦).
стр. 8119
* قوله: (وَمَالِكٌ يُجِيزُ رَهْنَ المُصْحَفِ، وَلَا يَقْرَأُ فِيهِ المُرْتَهِنُ (١)، وَالخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى البَيْعِ).
فسبب الخلاف مبنيّ على البيع، فمن يقول بأن المصحف يجوز بيعه وهم الحنفية والمالكية والشافعية، وهي الرواية الأخرى للحنابلة يقول: بأنه يجوز رهنه (٢).
* قوله: (الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ العَيْنُ قَابِلَةً لِلْبَيْعِ عِنْدَ حُلُولِ الأَجَلِ).
فلا تكون وقفًا؛ لأن الوقف لا يمكن أن يبيعه، فلا يمكن أن يرهنه أم ولد؛ لأن أمّ الولد لا تُباع (٣).
* قوله: (وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَرْتَهِنَ مَا لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ فِي وَقْتِ الِارْتِهَانِ كَالزَّرْعِ، وَالثَّمَرِ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، وَلَا يُبَاعُ عِنْدَهُ فِي أَدَاءِ الدَّيْنِ إِلَّا إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ) (٤).
لأنه لا يجوز أن تُباع الثمرة قبل بدوِّ صلاحها، أما بالنسبة للأصول فإنها تُباع ومضى الحديث فيها.
стр. 8120
* قوله: (وَإِنْ حَلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ).
وكذلك روايتان عند الحنابلة عن أحمد.
* قوله: (فِي رَهْنِ الثَّمَرِ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، وَيُبَاعُ عِنْدَهُ عِنْدَ حُلُولِ الدَّيْنِ عَلَى شَرْطِ القَطْعِ (١). قَالَ أَبُو حَامِدٍ: وَالأَصَحُّ جَوَازُهُ (٢). وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ رَهْنُ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ كالدَّنَانِيرِ، وَالدَّرَاهِمِ إِذَا طُبِعَ عَلَيْهَا (٣).
وهذه مسألة فيها خلافٌ بين العلماء، فعند المالكية يجوز، والمذاهب الأخرى فيها خلاف؛ لأنها أصل الأثمان (٤).
стр. 8121
* قوله: (وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الرَّهْنِ أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِلرَّاهِنِ لَا عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، بَلْ قَدْ يَجُوزُ عِنْدَهُمَا أَنْ يَكُونَ مُسْتَعَارًا).
وهذه مسألة أجمع عليها العلماء وليس كما قال المؤلف: عند مالك والشافعي، بل حكى ابن المنذر إجماع العلماء على ذلك، فلك أن تذهب إلى صديق لك فتستعير منه سلعة وتقول: أريد أن أرهنها لمدة كذا، فإذا أعطاك إياها فذلك جائز، فلا يشترط في الرهن أن يكون ملكًا لك، بل لك أن ترهن ما ليس ملكًا لك، لكن شريطة أن تأخذ موافقة صاحب الحق، حتى لا يكون الأمر من باب التعدي، والمؤلف قال: "قد"، و"قد" تفيد التقرير أو التحقيق، والصحيحُ أنها للتحقيق؛ لأن المسألة مجمع عليها (١).
* قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ إِقْرَارُهُ فِي يَدِ المُرْتَهِنِ مِنْ قِبَلِ الرَّاهِنِ. وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ قَبْضُ المُرْتَهِنِ لَهُ بِغَصْبٍ، ثُمَّ أَقَرَّهُ المَغْصُوبُ مِنْهُ فِي يَدِهِ رَهْنًا).
стр. 8122
فلا خلاف بين العلماء بأن قبض الرهن يؤخذ في الأصل من يد الرهن، لكن لو قُدِّر أن إنسانًا غصب دارًا ثم بعد ذلك أراد أن يحولها رهنًا، فهل يجوز؟ نعم، جمهور العلماء يجيزون ذلك.
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: يَصِحُّ أَنْ يُنْقَلَ الشَّيْءُ المَغْصُوبُ مِنْ ضَمَانِ الغَصْبِ إِلَى ضَمَانِ الرَّهْنِ، فَيَجْعَلُ المَغْصُوبُ مِنْهُ الشَّيْءَ المَغْصُوبَ رَهْنًا فِي يَدِ الغَاصِبِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْهُ).
والذين قالوا بالجواز: أبو حنيفة (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣)، وخالف في ذلك الشافعي، وسيبين المؤلف ﵀ وجهةَ كلامه.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ، بَلْ يَبْقَى عَلَى ضَمَانِ الغَصْبِ إِلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ (٤). وَاخْتَلَفُوا فِي رَهْنِ المُشَاعِ).
ورهنُ المشاع، كأن يقول: رهنتك دارًا من دوري أو أرضًا من أراضي أو عبدًا من عبيدي أو دابَّة من دوابِّي، من غير أن يعيِّن، فهل يجوز ذلك؟ نعم، اتَّفق العلماء على جوازه.
стр. 8123
* قوله: (فَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)).
وأحمد (٤)، وقالوا: لا يضر؛ لأنه من المعلوم إذا ثبت أن له دورًا، وهذه الدور كلها تصلح منفردة لأنْ تكون رهنًا، فما المانع من ذلك! وخالف في ذلك أبو حنيفة؛ لأنَّه يرى أنه غير متعيّن (٥).
* قوله: (وَالسَّبَبُ فِي الخِلَافِ: هَلْ تُمْكِنُ حِيَازَةُ المُشَاعِ أَمْ لَا تُمْكِنُ؟ (٦)).
يقولون: نعم؛ لأن القصد هو تسليمه، والجمهور يقولون: إنه وإن رهنه أرضًا فإنه في النهاية يستطيع أن يحدد ذلك المرهون.
* قوله: (الرُّكْنُ الثَّالِثُ، وَهُوَ الشَّيْءُ المَرْهُونُ فِيهِ).
وَأَصْلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ الرَّهْنُ فِي جَمِيعِ الأَثْمَانِ الوَاقِعَةِ فِي جَمِيعِ البُيُوعَاتِ إِلَّا الصَّرْفَ، وَرَأْسَ المَالِ فِي السَّلَمِ المُتَعَلِّقِ بِالذِّمَّةِ (٧).
стр. 8124
وهذا تقريبًا فيه اتفاق بين العلماء وإن وجد اختلاف في التفصيل، ويجوز في جميع الأثمان إلا الصرف؛ لأنه يشترط فيه التقابض، فهو سيأخذ عينًا يتركها عنده أو يحتاج بعد ذلك أن يتسلمها منه، كذلك الحال بالنسبة للسلم؛ لأن السلم هو أن تشتريَ شيئًا بثمن مقدّم لسلعة مؤجَّلة، فهو عقدٌ على موصوف في الذِّمة، وهنا لم يحصل التقابض فيه ولذلك مُنع في ذلك المقام.
* قوله: (وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّرْفَ مِنْ شَرْطِهِ التَّقَابُضُ، فَلَا يَجُوزُ فِيهِ عُقْدَةُ الرَّهْنِ).
أي: عقد الرَّهْن.
* قوله: (وَكَذَلِكَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ، وَإِنْ كانَ عِنْدَهُ دُونَ الصَّرْفِ فِي هَذَا المَعْنَى).
أي: أنه أخفّ من الصرف (١).
* قوله: (قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ: لَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ إِلَّا فِي السَّلَمِ خَاصَّةً، أَعْنِي: فِي المسلمِ فِيهِ (٢)، وَهَؤُلَاءِ ذَهَبُوا إِلَى ذَلِكَ لِكَوْنِ
стр. 8125
آيةِ الرَّهْنِ وَارِدَةً فِي الدَّيْنِ فِي المَبِيعَاتِ، وَهُوَ السَّلَمُ عِنْدَهُمْ).
والآية هي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ فقالوا: إنها في السلم مع أن الآية عامّة في الدين.
* قوله: (فَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوا هَذَا شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الرَّهْنِ، لِأَنَّهُ قَالَ في أَوَّلِ الآيَةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]).
وقصدهم أن آية الرهن رُتِّبت على آية الدين فكأن المقصود في ذلك إنما هو السلم، وهذا بعيد جدًّا (١).
* قوله: (فعَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ: يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ فِي السَّلَمِ، وَفِي القَرْضِ، وَفِي قِيَمِ المُتْلَفَاتِ، وَفِي أَرُوشِ الجِنَايَاتِ فِي الأَمْوَالِ، وَفِي جِرَاحِ العَمْدِ الَّذِي لَا قَوَدَ فِيهِ كَالمَأْمُومَةِ (٢) وَالجَائِفَةِ (٣).
وهذه كلها مرت بنا.