← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.

стр. 8121

* قوله: (وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الرَّهْنِ أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لِلرَّاهِنِ لَا عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، بَلْ قَدْ يَجُوزُ عِنْدَهُمَا أَنْ يَكُونَ مُسْتَعَارًا). وهذه مسألة أجمع عليها العلماء وليس كما قال المؤلف: عند مالك والشافعي، بل حكى ابن المنذر إجماع العلماء على ذلك، فلك أن تذهب إلى صديق لك فتستعير منه سلعة وتقول: أريد أن أرهنها لمدة كذا، فإذا أعطاك إياها فذلك جائز، فلا يشترط في الرهن أن يكون ملكًا لك، بل لك أن ترهن ما ليس ملكًا لك، لكن شريطة أن تأخذ موافقة صاحب الحق، حتى لا يكون الأمر من باب التعدي، والمؤلف قال: "قد"، و"قد" تفيد التقرير أو التحقيق، والصحيحُ أنها للتحقيق؛ لأن المسألة مجمع عليها (١). * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ إِقْرَارُهُ فِي يَدِ المُرْتَهِنِ مِنْ قِبَلِ الرَّاهِنِ. وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ قَبْضُ المُرْتَهِنِ لَهُ بِغَصْبٍ، ثُمَّ أَقَرَّهُ المَغْصُوبُ مِنْهُ فِي يَدِهِ رَهْنًا).

стр. 8122

فلا خلاف بين العلماء بأن قبض الرهن يؤخذ في الأصل من يد الرهن، لكن لو قُدِّر أن إنسانًا غصب دارًا ثم بعد ذلك أراد أن يحولها رهنًا، فهل يجوز؟ نعم، جمهور العلماء يجيزون ذلك. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: يَصِحُّ أَنْ يُنْقَلَ الشَّيْءُ المَغْصُوبُ مِنْ ضَمَانِ الغَصْبِ إِلَى ضَمَانِ الرَّهْنِ، فَيَجْعَلُ المَغْصُوبُ مِنْهُ الشَّيْءَ المَغْصُوبَ رَهْنًا فِي يَدِ الغَاصِبِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْهُ). والذين قالوا بالجواز: أبو حنيفة (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣)، وخالف في ذلك الشافعي، وسيبين المؤلف ﵀ وجهةَ كلامه. * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ، بَلْ يَبْقَى عَلَى ضَمَانِ الغَصْبِ إِلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ (٤). وَاخْتَلَفُوا فِي رَهْنِ المُشَاعِ). ورهنُ المشاع، كأن يقول: رهنتك دارًا من دوري أو أرضًا من أراضي أو عبدًا من عبيدي أو دابَّة من دوابِّي، من غير أن يعيِّن، فهل يجوز ذلك؟ نعم، اتَّفق العلماء على جوازه.

стр. 8123

* قوله: (فَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)). وأحمد (٤)، وقالوا: لا يضر؛ لأنه من المعلوم إذا ثبت أن له دورًا، وهذه الدور كلها تصلح منفردة لأنْ تكون رهنًا، فما المانع من ذلك! وخالف في ذلك أبو حنيفة؛ لأنَّه يرى أنه غير متعيّن (٥). * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي الخِلَافِ: هَلْ تُمْكِنُ حِيَازَةُ المُشَاعِ أَمْ لَا تُمْكِنُ؟ (٦)). يقولون: نعم؛ لأن القصد هو تسليمه، والجمهور يقولون: إنه وإن رهنه أرضًا فإنه في النهاية يستطيع أن يحدد ذلك المرهون. * قوله: (الرُّكْنُ الثَّالِثُ، وَهُوَ الشَّيْءُ المَرْهُونُ فِيهِ). وَأَصْلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ الرَّهْنُ فِي جَمِيعِ الأَثْمَانِ الوَاقِعَةِ فِي جَمِيعِ البُيُوعَاتِ إِلَّا الصَّرْفَ، وَرَأْسَ المَالِ فِي السَّلَمِ المُتَعَلِّقِ بِالذِّمَّةِ (٧).

стр. 8124

وهذا تقريبًا فيه اتفاق بين العلماء وإن وجد اختلاف في التفصيل، ويجوز في جميع الأثمان إلا الصرف؛ لأنه يشترط فيه التقابض، فهو سيأخذ عينًا يتركها عنده أو يحتاج بعد ذلك أن يتسلمها منه، كذلك الحال بالنسبة للسلم؛ لأن السلم هو أن تشتريَ شيئًا بثمن مقدّم لسلعة مؤجَّلة، فهو عقدٌ على موصوف في الذِّمة، وهنا لم يحصل التقابض فيه ولذلك مُنع في ذلك المقام. * قوله: (وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّرْفَ مِنْ شَرْطِهِ التَّقَابُضُ، فَلَا يَجُوزُ فِيهِ عُقْدَةُ الرَّهْنِ). أي: عقد الرَّهْن. * قوله: (وَكَذَلِكَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ، وَإِنْ كانَ عِنْدَهُ دُونَ الصَّرْفِ فِي هَذَا المَعْنَى). أي: أنه أخفّ من الصرف (١). * قوله: (قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ: لَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ إِلَّا فِي السَّلَمِ خَاصَّةً، أَعْنِي: فِي المسلمِ فِيهِ (٢)، وَهَؤُلَاءِ ذَهَبُوا إِلَى ذَلِكَ لِكَوْنِ

стр. 8125

آيةِ الرَّهْنِ وَارِدَةً فِي الدَّيْنِ فِي المَبِيعَاتِ، وَهُوَ السَّلَمُ عِنْدَهُمْ). والآية هي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ فقالوا: إنها في السلم مع أن الآية عامّة في الدين. * قوله: (فَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوا هَذَا شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الرَّهْنِ، لِأَنَّهُ قَالَ في أَوَّلِ الآيَةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]). وقصدهم أن آية الرهن رُتِّبت على آية الدين فكأن المقصود في ذلك إنما هو السلم، وهذا بعيد جدًّا (١). * قوله: (فعَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ: يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ فِي السَّلَمِ، وَفِي القَرْضِ، وَفِي قِيَمِ المُتْلَفَاتِ، وَفِي أَرُوشِ الجِنَايَاتِ فِي الأَمْوَالِ، وَفِي جِرَاحِ العَمْدِ الَّذِي لَا قَوَدَ فِيهِ كَالمَأْمُومَةِ (٢) وَالجَائِفَةِ (٣). وهذه كلها مرت بنا.

стр. 8126

* قوله: (وَأَمَّا قَتْلُ العَمْدِ، وَالجِرَاحُ الَّتِي يُقَادُ مِنْهَا). أي: التي يُؤخَذ فيها القصاص. * قوله: (فَيَتَخَرَّجُ). ومعنى يتخرج: أنها أوجه في المذهب وليست أقوالًا. * قوله: (فِي جَوَازِ أَخْذِ الرَّهْنِ فِي الدِّيَةِ فِيهَا إِذَا عَفَا الوَلِيُّ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ، وَذَلِكَ عَلَى القَوْلِ بِأَنَّ الوَلِيَّ مُخَيَّرٌ فِي العَمْدِ بَيْنَ الدِّيَةِ وَالقَوَدِ. وَالقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَذَلِكَ أَيْضًا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنْ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ إِلَّا القَوَدُ فَقَطْ إِذَا أَبَى الجَانِي مِنْ إِعْطَاءِ الدِّيَةِ. وَيَجُوزُ فِي قَتْلِ الخَطَإ أَخْذُ الرَّهْنِ مِمَّنْ يَتَعَيَّنُ مِنَ العَاقِلَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ الحلولِ). أي: بعد أن يتحدَّد العاقلة فحينئذ يؤخذ منهم رهن ليكون وثيقة للاطمئنان (١). * قوله: (وَيَجُوزُ فِي العَارِيَّةِ الَّتِي تُضْمَنُ، وَلَا يَجُوزُ فِيمَا لَا يُضْمَنُ) (٢). والعارية المضمونة هي التي جاءت في الحديث (٣).

стр. 8127

* قوله: (وَيَجُوزُ أَخْذُهُ فِي الإِجَارَاتِ، وَيَجُوزُ فِي الجُعْلِ بَعْدَ العَمَلِ، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ، وَيَجُوزُ الرَّهْنُ فِي المَهْرِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الحُدُودِ وَلَا فِي القِصَاصِ وَلَا فِي الكِتَابَةِ، وَبِالجُمْلَةِ فِيمَا لَا تَصِحُّ فِيهِ الكَفَالَةُ). أي: يجوز الرَّهن فيما لا تصحُّ فيه الكفالة (١). * قوله: (وَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ) (٢). والحنابلة معهم في هذا (٣). * قوله: (المَرْهُونُ فِيهِ لَهُ شَرَائِطُ ثَلَاثٍ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ دَيْنًا، فَإِنَّهُ لَا يُرْهَنُ فِي عَيْنٍ). لأن الرهن دائمًا يكون في دين، فالسلعة التي تبيعها نقدًا ليس فيها رهن، لكن يُؤخذ الرهن على دين للتَّوثُّق والاطمئنان أنه في حالة عدم وفاء

стр. 8128

المدين يباع ذلك لا من قبل المرتهن، وإنما يكون من قيل الجهة التي تتولى ذلك فتأخذ حقك فيه. * قوله: (وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا، فَإِنَّهُ لَا يُرْهَنُ قَبْلَ الوُجُوبِ، مِثْلَ أَنْ يَسْتَرْهِنَهُ بِمَا يَسْتَقْرِضُهُ). كأن يكون بعد إقرار العقد وليست القضية أن الرهن واجب (١). * قوله: (وَيَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ (٢). وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ لُزُومُهُ مُتَوَقَّعًا أَنْ يَجِبَ). كالرهن على المكاتب؛ لأن المكاتب في نهايته هو ملك لسيده، فإن أدَّى ما عليه وإلا عاد الرقُّ عليه مرةً أخرى (٣). * قوله: (وَأَنْ لَا يجِبَ كَالرَّهْنِ فِي الكِتَابَةِ، وَهَذَا المَذْهَبُ قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ) (٤).

стр. 8129

وهذا مذهب الشافعية (١)، والحنابلة لهم رواية معهم (٢). * * * [القَوْلُ فِي الشُّرُوطِ] (وَأَمَّا شُرُوطُ الرَّهْنِ: فَالشُّرُوطُ المَنْطُوقُ بِهَا فِي الشَّرْعِ ضَرْبَانِ: شُرُوطُ صِحَّةٍ، وَشُرُوطُ فَسَادٍ) (٣). أي: التي نطق بها النصُّ كما قال تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، فوصفها بكونها مقبوضة. وهي ضربان؛ لأن الشروط قد تكون صحيحة من مقتضى العقد ويحتاجها ذلك، وربما تكون شروطًا فاسدة، ومن هذه الشروط الفاسدة:

стр. 8130

أنه إذا لم يسدِّدْ ما عليه من دين فإنه يأخذ المرهون في مقابله، وهذه من الشروط الفاسدة (١). * قوله: (فَأَمَّا شُرُوطُ الصِّحَّةِ المَنْطُوقُ بِهَا فِي الرَّهْنِ، أَعْنِي: فِي كَوْنِهِ رَهْنًا فَشَرْطَانِ: أَحَدُهُمَا: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِالجُمْلَةِ وَمُخْتَلَفٌ فِي الجِهَةِ الَّتِي بِهَا شَرْطٌ، وَهُوَ القَبْضُ. وَالثَّانِي: مُخْتَلَفٌ فِي اشْتِرَاطِهِ؛ فَأَمَّا القَبْضُ: فَاتَّفَقُوا بِالجُمْلَةِ عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ فِي الرَّهْنِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]) (٢). وهذا محلُّ اتِّفاق بين العلماء، بأنه لا بدَّ من القبض، لكن هل لا بدَّ أن يكون القبض من الراهن نفسه أو أن يكون هناك عدل يسلمه له أو وكيل أو غير ذلك؟ فهذه الأشياء التي يلمح المؤلف إلى الخلاف فيها. * قوله: (وَاخْتَلَموا هَلْ هُوَ شَرْطُ تَمَامٍ أَوْ شَرْطُ صِحَّةٍ؟). فهناك من يقول بأنه شرط صحَّة وهم الجمهور، وهناك من يقول بأنه شرط تمام وهم المالكية فانفردوا عن الأئمة الأربعة (٣). * قوله: (وَفَائِدَةُ الفَرْقِ: أَنَّ مَنْ قَالَ: شَرْطُ صِحَّةٍ، قَالَ: مَا لَمْ يَقَعِ القَبْضُ لَمْ يَلْزَمِ الرَّهْنُ الرَّاهِنَ).

стр. 8131

فإذا لم يتمَّ قبضٌ بينهما فحينئذ لا يكون لازمًا، كذلك نفس الكلام عند الجمهور: لو قبضه ثمَّ ردَّه للراهن فيبقى حقُّه. * قوله: (وَمَنْ قَالَ: شَرْطُ تَمَامٍ قَالَ: يَلْزَمُ العَقْد وَيُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى الإِقْبَاضِ إِلَّا أَنْ يَتَرَاخَى المُرْتَهِنُ عَنِ المُطَالَبَةِ حَتَّى يُفْلِسَ الرَّاهِنُ، أَوْ يَمْرَضَ، أَوْ يَمُوتَ. فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ مِنْ شُرُوطِ التَّمَامِ (١)، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣). وكذلك الإمام أحمد (٤). * قوله: (وَأَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ (٥). وَعُمْدَةُ مَالِكٍ: قِيَاسُ الرَّهْنِ علَى سَائِرِ العُقُودِ اللَّازِمَةِ بِالقَوْلِ. وَعُمْدَةُ الغَيْرِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]). وقد عرفتم أن الحال في الرهن كالحال في البيع، وقبض كلِّ شيء بحسبه، فالمكيل والموزون يتمُّ قبضه بالكيل والوزن، والمنقول مثل

стр. 8132

الأراضي والحيطان والدور ونحوها إنما يتمّ قبضها بتخليتها. * قوله: (وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ: لَا يَجُوزُ الرهْنُ إِلَّا أَنْ لا يَكُونَ هُنَالِكَ كَاتِبٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]) (١). وقد جُعل الرهن في عدم وجود الكاتب، فمفهومه إذا وجدتم الكاتب فلا رهان (٢). * قوله: (لَا يُجَوِّزُ أَهْلُ الظَّاهِرِ أَنْ يُوضَعَ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ) (٣). وأهل الظاهر إنما يتمسكون بظواهر النصوص، ولو أننا وقفنا عند الظواهر في كلِّ الأحكام لعطَّلنا شطرًا كبيرًا من أحكام الشريعة الإسلامية، لأن القياس كما هو معلوم بُنِيت عليه كثيرٌ من الأحكام، والقياس يقصد به قياس العلة، وهو إلحاق فرعٍ بأصل فيه حكم لعلَّة تجمع بينهما (٤)، وأشار الله إلى القياس في القرآن، فقال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾، والرسول ﷺ ضرب أيضًا مثلًا فيه (٥)، وفعل به الصحابة؛ وممن اشتهر

стр. 8133

عنهم ذلك عمر (١)، وابن مسعود (٢)، لكن القياس لا يجوز إذا لم يكن له أصل أو خالف نصًّا، ولذلك حكى بعض العلماء أن القياس الصحيح لا يعارض نصا صحيحًا؛ لأن أصل هذه النفوس إنما فطرت على الفطرة وهذا الدين هو فطرة الله التي فطر الناس عليها. * قوله: (وَعِنْدَ مَالِكٍ: أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الرَّهْنِ اسْتِدَامَةَ القَبْضِ). هذا ليس عند مالك فقط بل عند عامَّة العلماء (٣).

стр. 8134

* قوله: (وَأَنَّهُ مَتَى عَادَ إِلَى يَدِ الرَّاهِنِ بِإِذْن المُرْتَهِنِ بِعَارِيَّةٍ، أَوْ وَدِيعَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ خَرَجَ مِنَ اللُّزُومِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ اسْتِدَامَةُ القَبْضِ مِنْ شَرْطِ الصِّحَّةِ) (١). فجمهور العلماء؛ كأبي حنيفة (٢)، ومالك (٣)، وأحمد (٤) يقولون: إذا خرج الرهن من يد المرتهن راغبًا غير مغصوب فليس من حقِّه أن يطالب به وأن يعيده إليه، وأما الشافعي فيقول: خروجه من يده لا يسقط حقه في ذلك؛ لأنه وثيقة على دين والقصد من ذلك لم ينتهِ بعدُ (٥). * قوله (فَمَالِكٌ عَمَّمَ الشَّرْطَ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَأَلْزَمَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وُجُودَ القَبْضِ وَاسْتَدَامَتَهُ). وهذا ليس مذهب مالك فهو رأي الأئمة الثلاثة كما قلنا وهو الأظهر؛ لأنه إذا أخرجه المرتهن من ملكِه ردَّه إلى صاحبه كأنه أسقطه؛ لأن الرهن أصله ليس لازمًا، والأصل في الرهن أنه جائز وليس بلازم.

стр. 8135

* قوله: (وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: إِذَا وُجِدَ القَبْضُ فَقَدْ صَحَّ الرَّهْنُ وَانْعَقَدَ، فَلَا يَحُلُّ ذَلِكَ إِعَارَتَهُ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ كَالحَالِ فِي البَيْعِ). يعني: لا يسقط ذلك إعارته، أي: خروجه من يد المرتهن لا يُسقط الحق فيه عند الشافعي وعند الجمهور يسقط. * قوله: (وَقَدْ كَانَ الأَوْلَى بِمَنْ يَشْتَرِطُ القَبْضَ فِي صِحَّةِ العَقْدِ أَنْ يَشْتَرِطَ الِاسْتِدَامَةَ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْه فِي الصِّحَّةِ أَنْ لَا يَشْتَرِطَ الِاسْتِدَامَةَ. وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهِ فِي السَّفَرِ (١). وَاخْتَلَفُوا فِي الحَضَرِ). لأن الآية نطقت بما يتعلق بالسفر ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فالآية لها منطوق ومفهوم، فمنطوقها أنها ذكرت السفر، لكن هل يخرج الحضر؟ لا يخرج إلا عن طريق ما يعرف بدليل الخطاب، أي: مفهوم المخالفة، لكن هذا لا يمكن، فلا تتعارض أدلة صحيحة صريحة بعضها متَّفق عليه ثبتت عن رسول الله ﷺ بمفهوم، والمفهوم عند بعض العلماء ضعيف (٢)، وهذه المسألة لم يخالف فيها إلا مجاهد من

стр. 8136

السلف، والمؤلف نسب ذلك إلى أهل الظاهر، أما كافة العلماء فإنهم قالوا: إن الرهن ثابت في الحضر وفي السفر، وهو لا يختلف في الحكم، لكن الله ذكر ذلك في السفر؛ لأنه رتبه على الكاتب فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فإن الغالب في السفر ألَّا يوجد كاتب فذكر الله تعالى الرهان، أي: الرهن، فخرج مخرج الغالب، وهذا الغالب هو أنه لا يوجد غالبًا في السفر كاتب، فالرهن مشروعٌ حضرًا وسفرًا. * قوله: (فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِهِ). وفي مقدمة الجمهور الأئمة الأربعة وقبلهم الصحابة والتابعون (١). * قوله: (وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (٢)، وَمُجَاهِدٌ: لَا يَجُوزُ فِي الحَضَرِ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَر﴾ [البقرة: ٢٨٣] الآيَةَ (٣).

стр. 8137

وَتَمَسَّكَ الجُمْهُورُ بِمَا وَرَدَ مِنْ: "أَنَّهُ ﷺ رَهَنَ فِي الحَضَرِ"). وكان من المناسب أن يذكر المؤلف مثل هذه الأدلة فهي مهمّة جدًّا، وهي أصولٌ بالنسبة لأحكامِ الرهن، ومن هذه الأحاديث حديث عائشةَ ﵂ المتفق عليه، قالت: "اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعامًا ورهنه درعه" (١)، وجاء أيضًا الحديث الآخر، وهو حديث أنس الذي أخرجه البخاري (٢)، وأصحاب السنن إلا النسائي (٣)، وأحمد (٤)، والبيهقي (٥)، وكثير من العلماء (٦)، يحكي أنس: "ولقد رهن رسول الله ﷺ درعه بشعير ومشيت إليه بخبز شعير وإهالة سنخة"، والإهالة هو الشحم الذي يُذاب (٧)، والسنخة هي تغير إلى الرداءة (٨)، ثم ذكر لنا فقال: "وقد سمعته يقول: "ما أصبح لآل محمد ﷺ إلا صاع ولا أمسى وإنهم لتسعة أبيات" (٩)، وجاء في بعض الروايات أن هذا الشعير كان مقداره ثلاتين صاعًا، وقيمته دينارًا، فرسول الله ﷺ لا يملك دينارًا (١٠). * قوله: (وَالقَوْلُ فِي اسْتِنْبَاطِ مَنْعِ الرَّهْنِ فِي الحَضَرِ مِنَ الآيَةِ هُوَ مِنْ بَابِ دَلِيلِ الخِطَابِ). ودليل الخطاب هو الذي يعرف بمفهوم المخالفة؛ لأن هناك

стр. 8138

مفهومين: مفهوم الموافقة (١)، وهو أنواع: مفهوم أولى، ودليله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٢)، ومفهوم مساوٍ (٣)، ومفهوم أدنى (٤)، ثم يأتي مفهوم المخالفة، ومفهوم المخالفة (٥) يضرب العلماء له مثالًا أن الرسول ﷺ قال: "في سائمة الغنم الزكاة" (٦)، ومفهوم المخالف: أن المعلوفة لا زكاة فيها (٧). * قوله: (وَأَمَّا الشَّرْطُ المُحَرَّمُ المَمْنُوعُ بِالنَّصِّ فَهُوَ: أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ رَهْنًا عَلَى أَنَّهُ إِنْ جَاءَ بِحَقِّهِ عِنْدَ أَجْلِهِ، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَهُ) (٨).

стр. 8139

وهذا من أنواع الرهن الفاسد، كأن يرهن عنده شيء فإن جاءه بحقِّه وأوصله إليه وإلا يكون ذلك حقًّا وملكًا له، وهذا لا يجوز. * قوله: (فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُوجِبُ الفَسْخَ، وَأَنَّهُ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ") (١). والعلماء مختلفون هل التتمة التى سنوردها جزء من الحديث أو من كلام الراوي "لا يغلق الرهن من صاحبه له غنمه وعليه غرمه"، وهذا الحديث سيعود المؤلف للاستدلال به، والعلماء قد اختلفوا فيه وصلًا ووقفًا، وقد صحَّ موقوفًا واختلف في صحته مرفوعًا، أي: موصولًا (٢). * * *

стр. 8140

[القَوْلُ فِي الجُزْءِ الثَّالِثِ مِنْ هَذَا الكِتَابِ وَهُوَ القَوْلُ فِي الأَحْكَام] * قوله: (وَهَذَا الجُزْءُ يَنْقَسِمُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا لِلرَّاهِنِ مِنَ الحُقُوقِ فِي الرَّهْنِ وَمَا عَلَيْهِ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ مَا لِلْمُرْتَهِنِ فِي الرَّهْنِ وَمَا عَلَيْهِ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ اخْتِلَافِهِمَا فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ إِمَّا مِنْ نَفْسِ العَقْدِ، وَإِمَّا لِأُمُورٍ طَارِئَةٍ عَلَى الرَّهْنِ وَنَحْنُ نَذْكرُ مِنْ ذَلِكَ مَا اشْتَهَرَ الخِلَافُ فِيهِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ، وَالِاتِّفَاقُ). وهذا كلام مجمل بمثابة أبواب سيفصلها المؤلف فيما يأتي. * قوله: (أَمَّا حَقُّ المُرْتَهِنِ فِي الرَّهْنِ: فَهُوَ أَنْ يُمْسِكَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ الرَّاهِنُ مَا عَلَيْهِ). لأن هذا وثيقة، والله قد وجَّه إلى الأخذ بها لتبقى بين يديه ليطمئن عليها. * قوله: (فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ عِنْدَ الأَجَلِ كانَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَى السُّلْطَانِ). وهذا حقٌّ للإنسان لأن صاحب الحقِّ إما أن يقرض آخر من خالصِ ماله فهذا قرض حسنٌ يريد به الثواب من اللهِ فينبغي أن يتوثق على حقِّه، وإما أن يكون قد باعَه سلعة أو قيمة أجيرة أو غير ذلك، فهو حق له وقد أخذما يثبت به حقّه. * قوله: (فَيَبِيعَ عَلَيْهِ الرَّهْنَ وَيُنْصِفَهُ مِنْهُ إِنْ لَمْ يُجِبْهُ الرَّاهِنُ إِلَى البَيْعِ). وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، فإذا انتهى القدر أو المدة المحددة بينهما ولم يؤدِّ الراهن حقَّ المرتهن فإنه بلا شكَّ يقوم ببيع ما عنده أو

стр. 8141

يطلب منه المرتهن ذلك إلا إن تنازل عن ذلك، فهذا أمر راجع له، فإنْ أبى حينئذٍ يُرفَع أمره إلى السلطان، فيبيعه السلطان مباشرة، وأكثر العلماء قالوا: إن السلطان في هذا الموضع هو الذي يتولى ذلك، وبعضهم يقول: لا، كما هو معلوم القاعدة في مذهب الحنفية: أنه يحبس ويضيَّق عليه حتى يبيع، فإن أبى باعَ عليه السلطان (١)، أما عند الجمهور فإنه إذا رفع إلى السلطان حينئذٍ يطلب منه البيع فإن أبى باعه (٢). * قوله: (وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ غَائِبًا، وَإِنْ وَكَّلَ الرَّاهِنُ المُرْتَهِنَ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ عِنْدَ حُلُولِ الأَجَلِ جَازَ). كما لو كان الرهن بغيرِ يدِ المرتهن، ولكنه وضعه عند عدل من

стр. 8142

الناس وقد فوَّضه في ذلك فإن العدل يبيع، وربما أيضًا يولي عليه عدلين، أي: أكثر من واحد وذلك جائز. * قوله: (وَكَرِهَهُ مَالِكٌ) (١). ولكنه عند الأئمة الثلاثة جائز دون كراهة؛ لأنه وثقَ به وفوَّضه وهو عندما يبيعه سيبيعه بسعر سوقِه (٢). * قوله: (إِلَّا أَنْ يُرْفَعَ الأَمْرُ إِلَى السُّلْطَانِ). لأنه مظنة أن يكون الرجل إنما باعه لمصلحته دون أن ينظر لمصلحة الراهن كأن لم يصل به إلى سعره. * قوله: (وَالرَّهْنُ عِنْدَ الجُمْهُورِ يَتَعَلَّقُ بِجُمْلَةِ الحَقِّ المَرْهُونِ فِيهِ وَبِبَعْضِهِ). فإذا رُهِن متاعٌ عند إنسان ثُمَّ بعد ذلك أدَّى الراهن بعض الحقِّ، فهل الرهن يتعلَّق بكلِّه أو ببعضه، فإذا أدى بعض الحق أخذ من يد المرتهن

стр. 8143

شيئًا؟ وجمهور العلماء يقولون: لا، هو يتعلق بجميع الرهن فليس للراهن أن يأخذ منه أيَّ شيء حتى يعطي المرتهن جميع حقه. * قوله: (أَعْنِي: أَنَّهُ إِذَا رَهَنَهُ فِي عَدَدٍ مَا فَأَدَّى مِنْهُ بَعْضَهُ، فَإِنَّ الرَّهْنَ بِأَسْرِهِ يَبْقَى بَعْدُ بِيَدِ المُرْتَهِنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يَبْقَى مِنَ الرَّهْنِ بِيَدِ المُرْتَهِنِ بِقَدْرِ مَا يَبْقَى مِنَ الحَقِّ). وقد حكى ابنُ المنذر الإجماع على هذا (١)، ولا ندري من هؤلاء الجماعة وما ذكرهم؟ * قوله: (وَحُجَّةُ الجُمْهُورِ: أَنَّهُ مَحْبُوسٌ بِحَقِّ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَحْبُوسًا بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ، أَصْلُهُ حَبْسُ التَّرِكَةِ عَلَى الوَرَثَةِ حَتَّى يُؤَدُّوا الدَّيْنَ الَّذِي عَلَى المَيِّتِ). فليس للورثة أن يتصرفوا فيها حتى يؤدَّى الدين؛ لأنه أول ما يخرج من هذه التركة تجهيز الميت ثم كذلك يوفَّى الدين الذي عليه، ثم بعد ذلك ينظر في موضوع توزيع التركة (٢). * قوله: (وَحُجَّةُ الفَرِيقِ الثَّانِي: أَنَّ جَمِيعَهُ مَحْبُوسٌ بِجَمِيعِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَبْعَاضُهُ مَحْبُوسَةً بِأَبْعَاضِهِ، أَصْلُهُ الكَفَالَةُ). وقد جاء في الحديث: "نَفسُ المؤمنِ معلَّقة بدينِه حتَّى يفكّ ذلك الدين" (٣)، فالنفس معلقة فيه، والدين من أخطر الأمور التي أصبح الناس

стр. 8144

يتساهلون به في هذا الزمان، فالشهيد يُغفَر له كلُّ شيء إلا الدين (١)، إلا شهيد البحر فإن الله تعالى يُرضي غريمَه (٢)، والتعليلات التي ذكرها المؤلف هي التي ذكرها العلماء. * قوله: (وَمِنْ مَسَائِلِ هَذَا البَابِ المَشْهُورَةِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي نَمَاءِ الرَّهْنِ المُنْفَصِلِ، مِثْلُ الثَّمَرَةِ فِي الشَّجَرِ المَرْهُونِ، وَمِثْلُ الغَلَّةِ، وَمِثْلُ الوَلَدِ هَلْ يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ أَمْ لَا؟). و"الغلَّة": هي الأجرة التي يحصل عليها العامل نظيرَ شغله (٣). * قوله: (فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ نَمَاءَ الرَّهْنِ المُنْفَصِلِ لَا يَدْخُلُ شَيْءٌ مِنْهُ فِي الرَّهْنِ). وهذا هو مذهب الشافعي. * قوله: (أَعْنِي: الَّذِي يَحْدُثُ مِنْهُ فِي يَدِ المُرْتَهِنِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ الشَّافِعِيُّ). وهو يستدلُّ بحديث: "لَه غُنْمه، وعليه غُرْمه" (٤)، فهذه هي وجهة

стр. 8145

الشافعية (١). * قوله: (وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ) (٣). وأحمدُ أيضًا (٤). * قوله: (وَفَرَّقَ مَالِكٌ فَقَالَ: مَا كَانَ مِنْ نَمَاءِ الرَّهْنِ المُنْفَصِلِ عَلَى خِلْقَتِهِ وَصُورَتِهِ). وحصره في الولد؛ لأنه هو الذى يدخل في النماء وما عدا ذلك فلا؛ لأن ذلك فرع يتبع الأصلَ فهو حقٌّ ثابت. * قوله: (فَإِنَّهُ دَاخِلٌ فِي الرَّهْنِ كَوَلَدِ الجَارِيَةِ مَعَ الجَارِيَةِ، وَأَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى خِلْقَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الرَّهْنِ، كَان مُتَوَلِّدًا عَنْهُ كَثَمَرِ النَّخْلِ، أَوْ غَيْرَ مُتَوَلِّدٍ ككِرَاءِ الدَّارِ وَخَرَاجِ الغُلَامِ) (٥).

стр. 8146

وهي التي عبَّر عنها قبل قليل بغلَّة الدار. * قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى أَنَّ نَمَاءَ الرَّهْنِ وَغَلَّتَهُ لِلرَّاهِنِ). وهم الشافعية. * قوله: (قَوْلُهُ ﵊: "الرَّهْنُ مَحْلُوبٌ وَمَرْكُوبٌ") (١). وهذا مما يستدلّ به ويصلح أن يكون دليلًا للفريق الآخر، لكن دليلُ الشافعية الظاهر هو الحديث الذي ذكرته (٢)، وربما يريده، وهذه الرواية اختلفوا فيها رفعًا ووقفًا، وقد أوردها البيهقي وجاء لها عدة روايات (٣)، وكان الأولى بالمؤلِّف أن يأتِيَ بالحديث الذي أخرجه البخاري (٤)،

стр. 8147

وأصحاب السنن، من النسائي (١)، وأحمد (٢)، وغيرهم (٣)، وهو قوله ﷺ : "الظَّهر يركَب بنفقته إن كان مرهونًا، ولبن الدر يُشرَب بنفقته إن كان مرهونًا وعلى الذي يَركَب ويَشرَب النفقة"، فهو جاء بهذا اللفظ. * قوله: (قَالُوا: وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِقَوْلِهِ: "مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ"؛ أَيْ: يَرْكبُهُ الرَّاهِنُ وَيَحْلِبُهُ؛ لِأَنَّهُ كَأنَ يَكُون غَيْرَ مَقْبُوضٍ، وَذَلِكَ مُنَاقِضٌ لِكَوْنِهِ رَهْنًا، فَإِنَّ الرَّهنَ مِنْ شَرْطِهِ القَبْضُ، قَالُوا: وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ المُرْتَهِنَ يَحْلِبُهُ وَيَرْكبُهُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ المَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ أُجْرَةَ ظَهْرِهِ لِرَبِّهِ، وَنَفَقَتَهُ عَلَيْهِ (٤). وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: "الرَّهْنُ مِمَّنْ رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ" (٥). قَالُوا: وَلِأنَّهُ نَمَاءٌ زَائِدٌ عَلَى مَا رَضِيَهُ رَهْنًا، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ إِلَّا بِشَرْطٍ زَائِدٍ (٦)، وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ). ومن معَه. * قوله: (أَنَّ الفُرُوعَ تَابِعَةٌ لِلأصُولِ فَوَجَبَ لَهَا حُكْمُ الأَصْلِ؛

стр. 8148

وَلذَلِكَ حُكْمُ الوَلَدِ تَابمٌ لِحُكْمِ أُمِّهِ فِي التَّدْبِيرِ وَالكِتَابَةِ) (١). والثمرة إنما تخرج من الشجرة لكن الثمرة عند البيع لا تدخل تبع الأصل إلا إذا اشترطت أن الولد يتبع أُمَّه، فالجمهور يقولون الفرع يتبع أصله ويلحق به إلا أن يستثنى. * قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ فَاحْتَجَّ بِأَنَّ الوَلَدَ حُكْمُهُ حُكْمُ أُمِّهِ فِي البَيْعِ، أَيْ: هُوَ تَابعٌ لَهَا، وَفَرْقٌ بَيْنَ الثَّمَرِة وَالوَلَدِ فِي ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ المُفَرِّقَةِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ الثَّمَرَ لَا يَتْبَعُ بَيْعَ الأَصْلِ إِلَّا بِالشَّرْطِ وَوَلَدُ الجَارِيَةِ يَتْبَعُ بِغَيْرِ شَرْطٍ (٢). وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنْ لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنَ الرَّهْنِ (٣). وَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا كانَ الرَّهْنُ حَيَوَانًا فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْلِبَهُ وَيَرْكَبَهُ بِقَدْرِ مَا يَعْلِفُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ). وهذه المسألة تحتاج إلى بيانٍ وتفصيل؛ فبالنسبة لهذه الصورة التي ذكرها المؤلِّف وهو ما يتعلق بانتفاع المرتهن بالرهن، فالرهن لا يخلو من حالتين: الأولى: إما أن يكون رهنًا يحتاج إلى نفقة.

стр. 8149

الثانية: وإما أن يكون رهنًا لا يحتاج إلى نفقة كالدار أو المتاع. أما ما يحتاج إلى نفقة ومُؤْنةٍ كالحيوان مثلًا فيركب ويحلب، وكذلك الغلام إذا استخدمه عنده في عمل، والذي لا يحتاج إلى مؤنة أو نفقة فبعض العلماء تكلَّم عنه، وقال: لا يجوز للمرتهن أن يستفاد منه بحال إلا بعد موافقة صاحب الرهن، فإن وافق الراهن أيضًا لا يخلو من أمرين: إما أن تكون الاستفادة بعوضٍ أو بغير عوض، فإن كانت بغير عوض فيكون بين أمرين بالنسبة للحق وهو حق المرتهن على الراهن إنما هو قرض فلا يجوز للمرتهن أن ينتفع من الرهن بشيء؛ لأنه يدخل تحت القرض الذي يجرّ نفعًا وهذا هو عين الربا. أما إن كان من غير قرض كأن يكون مثلًا قيمة سلعة، أو أجرة دار، أو نحو ذلك فيجوز له (١)، وأما إن كان بعوض قالوا: يجوز شريطة ألا يحابيه في ذلك؛ لأنه صاحب حق عليه (٢)، ونأتي الآن إلى محلِّ الخلاف الذي ذكره المؤلف وهو ما يكون مركوبًا أو محلوبًا فهل يجوز للمرتهن أن ينتفع به دون إذن الراهن؟ فالحنابلة في الرواية المشهورة عندهم يجيزون ذلك (٣)، وجمهور

стр. 8150

العلماء كالحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وهي الرواية الأخرى عند الحنابلة: لا يجوز (٤)، وسبب الخلاف كله يدور حول فهم الحديث الذي أوردناه قبل قليل الذي أخرجه البخاريُّ وغيره أن الرسول ﷺ قال: "الظَّهر يُركَب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يُشرَب بنفقته إن كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة"، فهل المراد بذلك هو الراهن صاحب الحق أو المرتهن؟ يفسِّره الجمهور بالأول، ويفسره الحنابلة بالثاني. * قوله: (وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ (٥)، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ أَبُو

стр. 8151

هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: "الرَّهْنُ مَحْلُوبٌ وَمَرْكُوبٌ" (١). وَمِنْ هَذَا البَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي الرَّهْنِ يَهْلِكُ عِنْدَ المُرْتَهِنِ مِمَّنْ ضَمَانُهُ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: الرَّهْنُ أَمَانَةٌ وَهُوَ مِنَ الرَّاهِنِ، وَالقَوْلُ قَوْلُ المُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ مَا فَرَّطَ فِيهِ وَمَا جَنَى عَلَيْهِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٤)، وَجُمْهُورُ أَهْلِ الحَدِيثِ (٥) ". فالراهن هو الذي يضمن شريطةَ ألَّا يحصلَ تفريط من المرتهن. * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: الرَّهْنُ مِنَ المُرْتَهِنِ وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ، وَمِمَّنْ قَالَ

стр. 8152

بِهَذَا القَوْلِ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَجُمْهُورُ الكُوفِيِّينَ (٢). وَالَّذِينَ قَالُوا بِالضَّمَانِ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ: فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ الرَّهْنَ مَضْمُونٌ بِالأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ قِيمَةِ الدَّيْنِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانُ، وَجَمَاعَةٌ (٣). وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ مَضْمُونٌ بِقِيمَتِهِ قَلَّتْ أَوْ كثُرَتْ، وَإِنَّهُ إِنْ فَضَلَ لِلرَّاهِنِ شَيْءٌ فَوْقَ دَيْنِهِ أَخَذَهُ مِنَ المُرْتَهِنِ، وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَطَاءٌ (٤)، وَإِسْحَاقُ (٥). وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِثْلُ الحَيَوَان، وَالعَقَارِ مِمَّا لَا يَخْفَى هَلَاكُهُ، وَبَيْنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنَ العُرُوضِ، فَقَالُوا: هُوَ ضَامِنٌ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ،

стр. 8153

وَمُؤْتَمَنٌ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ مَالِكٌ، وَالأَوْزَاعِيُّ (١)، وَعُثْمَانُ البَتِّيُّ (٢)، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ: إِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ بِهَلَاكِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَضْيِيعٍ، وَلَا تَفْرِيطٍ، فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ. وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ وَعُثْمَانُ البَتِّيُّ: بَلْ يَضْمَنُ عَلى كُلِّ حَالٍ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَوْ لَمْ تَقُمْ) (٣). وهذا قول ضعيف يخالف ما جاءت به النصوص فالله أثبت الشهادة ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والرسول ﷺ قال: "هَل رأيت الشمس؟ " قال: نعم؟ قال: "على مِثلها فاشهد" (٤)، فالشهادة معمولٌ بها ومعتبرةٌ فلا ينبغي إغفالها. * قوله: (وَبِقَوْلِ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ القَاسِمِ (٥)، وَبِقَوْلِ عُثْمَانَ،

стр. 8154

وَالأَوْزَاعِيِّ قَالَ أَشْهَبُ (١). وَعُمْدَةُ مَنْ جَعَلَهُ أَمَانَةً غَيْرَ مَضْمُونة: حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ وَهُوَ مِمَّنْ رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ" (٢)، أَيْ: لَهُ غَلَّتُهُ وَخَرَاجُهُ، وَعَلَيْهِ افْتِكَاكُهُ، وَمُصِيبَتُهُ مِنْهُ (٣). قَالُوا: وَقَدْ رَضِيَ الرَّاهِنُ أَمَانَتَهُ فَأَشْبَهَ المُودَعَ عِنْدَهُ (٤). وَقَالَ المُزَنِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مُحْتَجًّا لَهُ: "قَدْ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ تَابَعَهُ: إِنَّ الحَيَوَانَ وَمَا ظَهَرَ هَلَاكُهُ أَمَانَةً" (٥). فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ كَذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "إِنَّ مَا

стр. 8155

زَادَ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ عَلَى قِيمَةِ الدَّيْنِ فَهُوَ أَمَانَةٌ" (١). فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّهُ أَمَانَةً (٢). وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ عِنْدَ مَالِكٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ: "وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ"؛ أَيْ: نَفَقَتُهُ. قَالُوا: وَمَعْنَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊: "الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ"؛ أَيْ: أُجْرَةُ ظَهْرِهِ لِرَبِّهِ، وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ) (٣). والذي يظهر لنا هو رجحان القول الأول وهو قول القائلين بأنه لا يضمن، فعندما وضع الراهن الرهن عند المرتهن فإنما وثق به فينبغي أن يكون حسن الظن موجودًا. * قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: فَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ ﵊: "لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ"، أَنَّ غُنْمَهُ مَا فَضَلَ مِنْهُ عَلَى الدَّيْنِ، وَغُرْمَهُ مَا نَقَصَ) (٤). و"الغنم" هو ما يحصل عليه من فوائد، و"الغرم" ما يحصلُ له من نقص. * قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ مَضْمُونٌ مِنَ المُرْتَهِنِ أَنَّهُ عَيْنٌ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الِاسْتِيفَاءِ ابْتِدَاءً، فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ بِتَلَفِهِ، أَصْلُهُ تَلَفُ المَبِيعِ عِنْدَ

стр. 8156

البَائِعِ إِذَا أَمْسَكَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ، وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ مِنَ الجُمْهُورِ (١)، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ مَالِكٍ كَالرَّهْنِ. وَرُبَّمَا احْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ رَجُلًا ارْتَهَنَ فَرَسًا مِنْ رَجُلٍ، فَنَفَقَ (٢) فِي يَدِهِ، فَقَالَ ﵊ لِلْمُرْتَهِنِ: "ذَهَبَ حَقُّكَ" (٣). وَأَمَّا تَفْرِيقُ مَالِكٍ بَيْنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَبَيْنَ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَهُوَ اسْتِحْسَانٌ، وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ التُّهْمَةَ تَلْحَقُ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَلَا تَلْحَقُ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ) (٤). والذي يكون خفي وبعيد عن الأنظار يكون محلّ شبهةٍ وشكٍّ، وأمَّا ما يُشاهَد ويُرى بالعين كالدور والحيوان فالذي يراه الإنسان لا يكون محلَّ شكٍّ. * قوله: (وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الِاسْتِحْسَانِ الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ مَالِكٌ كَثِيرًا، فَضَعَّفَهُ قَوْمٌ، وَقَالُوا: إِنَّهُ مِثْلُ اسْتِحْسَانِ أَبِي حَنِيفَةِ، وَحَدَّدوا الِاسْتِحْسَانَ بِأَنَّهُ قَوْلٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ (٥). وَمَعْنَى الِاسْتِحْسَانِ عِنْدَ مَالِكٍ هُوَ

стр. 8157

جَمْعٌ بَيْنَ الأَدِلَّةِ المُتَعَارِضَةِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ هُوَ قَوْلٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ) (١). وإنما في الحقيقة جمع بين الأدلة، وغير ذلك فقد يستنبط الفقيه في مسألة ما وششحسن فيها رأيًا، وهذا الرأي لا يبنيه على رأيٍ مجرَّد، وإنما يبنيه على استقرار للوصول إلى أصول هذه الشريعة والوقوف على أدلتها كما ذكر المؤلف. * قوله: (وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّاهِنِ بَيْعُ الرَّهْنِ، وَلَا هِبَتُهُ) (٢). لأنه سيُلْحِق ضررًا بصاحب الرهن. * قوله: (وَأَنَّهُ إِنْ بَاعَهُ فَلِلْمُرْتَهِنِ الإِجَازَةُ، أَوِ الفَسْخُ (٣).

стр. 8158

قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ زَعَمَ أَنَّ إِجَازَتَهُ لِيَتَعَجَّلَ حَقَّهُ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ لَهُ (١). وَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ بَيْعُهُ (٢). وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ غُلَامًا، أَوْ أَمَةً فَأَعْتَقَهَا الرَّاهِنُ؛ فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُوسِرًا جَازَ عِتْقُهُ وَعَجَّلَ لِلْمُرْتَهِنِ حَقَّهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بِيعَتْ وَقُضِيَ الحَقُّ مِنْ ثَمَنِهَا) (٣). وهذا القول فيه تفريق بين حالة الراهن إن كان موسرًا أو كان معسرًا. * قوله: (وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الرَّدُّ، وَالإِجَازَةُ). والرَّد هنا بمعنى: أنَّ العتق غيرُ نافذ. * قوله: (وَالثَّالِثُ: مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ (٤). وَأَمَّا اخْتِلَافُ الرَّاهِنِ، وَالمُرْتَهِنِ فِي قَدْرِ الحَقِّ الَّذِي وَجَبَ بِهِ الرَّهْنُ).

стр. 8159

فالراهن والمرتهن كغيرهم قد يحصل بينهم خلاف، وربما يكون الخلاف مُتعمَدًا، وربما ينتج عن نسيانٍ أو غير ذلك من الأمور. * قوله: (فَإِنَّ الفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ: القَوْلُ قَوْلُ المُرْتَهِنِ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ قَدْرِ الحَقِّ مَا لَمْ يمُنْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ). وهذا من الاستحسان الذي يأخذ به الإمام مالك لكن الجمهور يخالفونه كما سيأتي، وأن معهم الأصل وأن القول قول الراهن؛ لأنه صاحب الحق. * قوله: (فَمَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ فَالقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهْنِ (١). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)). وأحمد (٣). * قوله: (وَأَبُو حَنِيفَةِ (٤)، وَالثَّوْرِيُّ، وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ

стр. 8160

الأمْصَارِ (١): القَوْلُ فِي قَدْرِ الحَقِّ قَوْلُ الرَّاهِنِ (٢). وَعُمْدَةُ الجُمْهُورِ: أَنَّ الرَّاهِنَ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَالمُرْتَهِنَ مُدَّع، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ اليَمِينُ عَلَى الرَّاهِنِ عَلَى ظَاهِرِ السُّنَّةِ المَشْهُورَةِ. وَعُمْدَةُ مَالِكٍ هَاهُنَا: أَنَّ المُرْتَهِنَ وَإِنْ كانَ مُدَّعِيًا فَلَهُ هَاهُنَا شُبْهَةٌ بِنَقْلِ اليَمِينِ إِلَى حَيِّزِهِ، وَهُوَ كَوْنُ الرَّهْنِ شَاهِدًا لَهُ، وَمِنْ أُصُولِهِ أَنْ يَحْلِفَ أَقْوَى المُتَدَاعِيَيْنِ شُبْهَةً (٣)، وَهَذَا لَا يَلْزَمُ عِنْدَ الجُمْهُورِ). لأن الجمهور عندهم نصٌّ صحيح صريح يتمسَّكون به ولا يرون حاجة للتعليل. * قوله: (لِأَنَّهُ قَدْ يَرْهَنُ الرَّاهِنُ الشَّيْءَ وَقِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنَ المَرْهُون فِيهِ) (٤). وهذا تعليل وجيه من الجمهور يضعف التعليل الذي نسب للإمام مالك. * قوله: (وَأَمَّا إِذَا تَلِفَ الرَّهْنُ، وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَتِهِ).
следующие страницы →