الذباب، وكذلك الخنفساء والعقرب، ويُلْحقون بها القمل، وكذلك البق الذي نعرفه الآن بالبعوض.
* قوله: (وَفِي مَيْتَةِ الحَيَوَانِ البَحْرِيِّ).
والمقصود بميتة الحيوان البحري السمك: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦].
قال: (فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَيْتَةَ مَا لَا دَمَ لَهُ طَاهِرَةٌ، وَكَذَلِكَ مَيْتَةُ البَحْرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ) (١).
هو مذهب مالك، وهو أيضًا المشهور من مذهب الإمام أحمد (٢)، أنَّ ميتة ما لا نفسَ لها سائلةٌ، وكذلك ميتة البحر عند الإمامين مالك وأحمد.
стр. 842
قوله: (وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى التَّسْوِيةِ بَيْنَ مَيْتَةِ ذَوَاتِ الدَّمِ وَالَّتِي لَا دَمَ لَهَا فِي النَّجَاسَةِ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَيْتَةَ البَحْرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ) (١).
لَكن مذهب الشافعي ليس على إطلاقه؛ لأن الشافعية لهم تفصيل في ذلك، وهو عندما يأتون مثلًا إلى الذباب يرون أنه مما تعمُّ به البلوى، ويصعب التخلص منه، فإنهم قالوا: إنَّ الحاجة دعت إلى استثنائه، كذلك هناك رواية في مذهب الشافعية تقول: "إن ما لا نفس له سائلة ولا يؤثر في الماء، فنجاسته مخففة" (٢)؛ لذلك يرون أنه مَعفُوٌّ عنه، وسيأتي كلَام المؤلف أيضًا فيما يتعلق بالذباب، والمناقشة بين الحنابلة والحنفية من جانب والشافعية.
قوله: (إِلَّا مَا وَقَعَ الاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَيْتَةٍ مِثْلَ دُودِ الخَلِّ، وَمَا يَتَوَلَّدُ فِي المَطْعُومَاتِ).
هَذه أُمُورٌ استُثْنِيَتْ عن أُمُورٍ مُسْتثناةٍ، وهذا مما اتفق عليه العلماء، فالَّذي نجده في القمح والأرز من أمثال تلك الدُّوَيبات الصغيرة، كلها أمور مستثناة، وكذلك تكلم العلماء أيضًا عمَّا يحصل مِن دوَابَّ أيضًا أثناء جمع القمح أو الشعير، وغيرهما؛ فهذه أمور أيضًا تكلَّم عنها العلماء، ورأوا أنها معفُوٌّ عنها.
стр. 843
قوله: (وَسَوَّى قَوْمٌ بَيْنَ مَيْتَةِ البَرِّ وَالبَحْرِ، وَاسْتَثْنَوْا مَيْتَةَ مَا لَا دَمَ لَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ) (١).
وَيَقْصد بذلك مذهب الحنفية، فَهم يرَوْن أنَّ ما طفَا -وَهُو ما لَفظَهُ البحر- غير طاهرٍ، أما ما يُصَاد ونحو ذلك؛ فهذا طاهر (٢).
إذًا، ما ألقى البحر أو جزر عنه، فهو طاهر عندهم، وَاستدلُّوا بالحديث الضَّعيف: "وما مَاتَ في البحر وطفا" (٣)، يَعْني: لفَظَهُ البحر، ويأتي الكلام حول قول الله ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، ما المراد بالطعام؟ فَهُم يخالفون في كلمة الطعام.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ فِيمَا أَحْسَبُ اتَّفَقُوا أَنَّهُ مِنْ بَابِ العَامِّ أُرِيدَ بِهِ الخَاصُّ).
الصحيح أنه من باب العام المخصوص، أي: عَامٌّ دَخَله الخُصُوصُ،
стр. 844
ومما يدلُّ على ذلك أنه وردت عدةُ أحاديثَ تُخصِّص هذه ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣].
وَثَبتَ عن الرَّسُول ﷺ أنه قال: "أُحلَّتْ لنا مَيْتتان ودَمَان، والميتتان هما: السَّمك والجراد، أما الدَّمان فهما: الكبد والطحال" (١).
وهنا استثناءٌ أيضًا، وهو حديث عبد الله بن أبي أوفَى المتفق عليه: "غزَوْنَا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكُلُ الجراد" (٢).
إذًا، الآية ليست علَى عمومها، بَلْ هي عامَّة خُصَّتْ، فلَيْست على العموم وأريد الخصوص، إنما هو عامٌّ مخصوص (٣).
قوله: (أَحْسَبُ اتَّفَقُوا أَنَّهُ مِنْ بَابِ العَامِّ أُرِيدَ بِهِ الخَاصُّ).
أيْ: عامّ جاءت أدلة أُخرى فخَصَّصته، وهذه من القضايا المهمة التي ينبغي أن ينتبه لها في قراءة هذا الكتاب وأمثاله؛ لأن الكتب القديمة تحتاج إلى وقفاتٍ وتدقيقاتٍ، وإلى نظر وإمعان من الدارس لها، وليس مجرد متصفح.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا أَيُّ خَاصٍّ أُرِيدَ بِهِ، فَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَيْتَةَ البَحْرِ، وَمَا لَا دَمَ لَهُ).
عرفنا أن الذين استثنوا ميتة البحر، وما لا دمَ له، هم الفريق الأول: المالكيَّة والحنَابلة.
стр. 845
قوله: (وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَيْتَةَ البَحْرِ فَقَطْ).
وهُمُ الشَّافعيَّة، لكن لَيْس الكلَام على إطلاقه في مذهب الشافعيَّة، وقلنا من قبل: إننا لسنا في هذا المقام، ولَمْ يكن مقصودنا أن ندخل فنتتبع الجزئيات في المذاهب، وندقق فيها، ولو سلكنا ذلك؛ لما استطعنا أن نأخذ من الكتاب اليسير، أو احتجنا في كل الكتاب أكثر من عشر سنوات لندرسه.
قوله: (وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى مَيْتَةَ مَا لَا دَمَ لَهُ فَقَطْ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ المُسْتَثْنَيَاتِ هُوَ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الدَّلِيلِ المَخْصُوصِ، أَمَّا مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَا دَمَ لَهُ، فَحُجَّتُهُ مَفْهُومُ الأَثَرِ الثَّابِتِ عَنْهُ ﵊ مِنْ أَمْرِهِ بِمَقْلِ الذُّبَابِ إِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ).
أيْ: "إذَا وقَع الذُّباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإنَّ في أحد جناحيه داءً، وفي الآخر دواء" (١)، وهذا تكلم عنه الأطباء هنالك، وأذكر أنني قرأت منذ مدة طويلة أنه في الحرب العالمية الثانية بقي بعض الجرحى على حياته، وبعضهم كان أكثر من غيره، وقالوا عن الذي وقع عليه الذباب وقف وشُفِيَ بخلاف غيره؛ وهذا ذَكَره الأطباء، والله أعلم.
وقال بعض العلماء والفقهاء: إنَّ الإنسان إذا بدأ بغمس جناح الذبابة الذي فيه الداء فإذا غمس الجناح الآخر حِينَئذٍ يأتي الجناح الذي فيه الدواء فيلتقيان؛ فيقوم هذا، ويقوم هذا؛ فلما أراد جناح أنْ يلزم الآخر، ألزمه جناح الدواء؛ فلَا بُد على الإنسان أن يشربه ولا يتأفف؛ لأنها سُنَّة رسول الله ﷺ .
стр. 846
قوله: (قَالُوا: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ الذُّبَابِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ عِلَّةٌ إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ ذِي دَمٍ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَعِنْدَهُ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالذُّبَابِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: "فَاِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ: دَاءً، وَفِي الأُخْرَى: دَوَاءً") (١).
عَرَفنا الفريق الَّذينَ استثنوا ما لا نفسَ له سائلة، سوَاء اسْتَثْنوه مع غيره، والمالكية والشَّافعية وَحْده، وهؤلاء يَروْن أن العلة في كون الذُّباب لم ينجس هو أنه لا دمَ له؛ لذلك فما لا نفس له سائلة علةُ عدم تنجيسه: لعدم وجود الدم، وإن وُجِدَ فإنه قليل النَّزر لا يعتبر؛ فالعلة في عدم تنجيس الذباب وما شابهه للإناء أنه لا نفسَ له سائلة، أيْ: لا يوجد فيه دمٌ يسيل، فهو قَليلٌ ومَعْفُوٌّ عنه.
وَالشَّافعية قالوا: لَيْست هي العلة، وإنما العلة بيَّنها الرسول ﷺ ، وهي أنها خاصية يختص بها الذباب؛ لأن في أحد جناحيه: داءً، وفي الآخر: دواء، وقالوا أيضًا: إنما عفونا عن ذلك وقلنا بالتجاوز عنه؛ لأن ذلك مما تعم به البلوى، وليس كما ذكر المؤلف على الإطلاق.
قوله: ("وَوَهَّنَ الشَّافِعِيُّ هَذَا المَفْهُومَ مِنَ الحَدِيثِ بِأَنَّ ظَاهِرَ الكِتَابِ يَقْتَضِي أَنَّ المَيْتَةَ وَالدَّمَ نَوْعَان مِنْ أَنْوَاعِ المُحَرَّمَاتِ).
وَهَّن الشافعي، أي: ضعَّفه، وما ذكر المؤلف فَهُم المالكية والحنابلة ومَنْ معهم، وقال: ليس المفهوم من الحديث هو أنه لا نفسَ له سائلة، وإنما هناك علة أُخرى، وسَيُوَازن بعد ذلك.
стр. 847
فالله قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾، فذكرَ أمرين: الميتة والدم، وهُمَا مختلفان، فأحدهما تعمل فيه الذكاة وهو الميتة، والآخر لا دخلَ للذكاة فيه؛ إذًا هما علتان وسببان مختلفان، فلماذا نُسوِّي بينهما؟ هذا ما يريد أن يدير المؤلف حديثه حوله.
قوله: (وَوَهَّنَ الشَّافِعِيُّ هَذَا المَفْهُومَ مِنَ الحَدِيثِ بِأَنَّ ظَاهِرَ الكِتَابِ يَقْتَضِي أَنَّ المَيْتَةَ وَالدَّمَ نَوْعَانِ مِنْ أَنْوَاعِ المُحَرَّمَاتِ).
أي: أن الميتةَ والدَّم نوعان، قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، إلى آخر الآية، فقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، هذا واحدٌ، ﴿وَاَلدَّمُ﴾ هو هذا ثانٍ؛ فجاء في الآية التفريق بينهما، والشافعي يريد أن يردَّ على الذين يذهبون إلى أن السببَ في عدم نجاسة ما لا نفسَ له سائلةٌ هو الدم، فيريد أن يبطل ذلك، ويبين أنَّ الأمر غير ذلك.
قوله: (أَحَدُهُمَا تَعْمَلُ فِيهِ التَّذْكيَةُ وَهِيَ المَيْتَةُ، وَذَلِكَ فِي الحَيَوَانِ المُبَاحِ الأَكْلِ بِاتِّفَاقٍ، وَالدَّمُ لَا تَعْمَلُ فِيهِ التَّذْكيَةُ فَحُكْمُهُمَا مُفْتَرِقٌ).
إذًا، علة نجاسة الدم لا للذكاة، وإنَّما لأنه دمٌ، كما قال الله في الآية الأُخرى في السورة التي تلي سورة (المائدة) وهي (الأنعام): ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، أيْ: دمًا كثيرًا مهراقًا، ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، هذا شاهد لِلَّذِين يقولون بأنه لا نفسَ له سائلة.
قوله: (فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ الدَّمَ هُوَ سَبَبُ تَحْرِيمِ المَيْتَةِ؟ وَهَذَا قَوِيٌّ كمَا تَرَى).
أيْ: أنَّ الشافعِيَّ يريد أنْ يقول: كيف نجمع بين علَّتين في موضع واحدٍ هُمَا مختلفان؟ فنقول: إنَّ سببَ النجاسة انعدمَ كون ما لا نفسَ لهً سائلةٌ عدم نجاسته أنه لا نفسَ له؛ هذَا هو الذي يقوله، والأمرُ بعيدٌ.
стр. 848
قوله: (فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الدَّمُ هُوَ السَّبَبَ فِي تَحْرِيمِ المَيْتَةِ، لَمَا كَانَتْ تَرْتَقِعُ الحُرْمِيَّةُ عَنِ الحَيَوَانِ بِالذَّكَاةِ).
إنَّ الدَّم يبقى فيه؛ لأنَّ الحيوان إذا زكي يبقى شيء مِنْ دمه، ولذلك يقع أيضًا خلافٌ بين العلماء كمَا في الدم الذي يتقطَّر من الكَبد والطُّحال مرَّ استثناؤهما في الحديث.
قوله: (وَتَبْقَى حُرْمِيَّةُ الدَّمِ الَّذِي لَمْ يَنْفَصِلْ بَعْدُ عَنِ المُذَكَّاةِ، وَكَانَتِ الحِلِّيَّةُ إِنَّمَا تُوجَدُ بَعْدَ انْفِصَالِ الدَّمِ عَنْهُ).
السَّبب الَّذي علَى هذا التعليل الذي يذكره عن الشافعية هو الدم، يَعْني علَى قول هؤلاء يُعدُّ السَّبب فيه طهارة ما لا نفسَ فيه سائلة هو عدم وجود دمٍ سائلٍ؛ إذًا ارتفع السبب، وهو الدَّم، فارتفع المسبب يعني: المُتَسبب عنه وهو الحرمة؛ فحلَّت محلَّه الحِلِّيَّة.
قوله: (لِأَنَّهُ إِذَا ارْتَفَعَ السَّبَبُ، ارْتَفَعَ المُسَبَّبُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ضَرُورَةً؛ لِأَنَّهُ إِنْ وُجِدَ السَّبَبُ وَالمُسَبَّبُ غَيْرُ مَوْجُودٍ، فَلَيْسَ لَهُ هُوَ سَبَبًا، وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا ارْتَفَعَ التَّحْرِيمُ عَنْ عَصِيرِ العِنَبِ، وَجَبَ ضَرُورَةً أَنْ يَرْتَفِعَ الإِسْكَارُ إِنْ كنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ الإِسْكَارَ هُوَ سَبَبُ التَّحْرِيمِ. وَأَمَّا مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَيْتَةَ البَحْرِ، فَإِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى الأَثَرِ الثَّابِتِ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَفِيهِ: "أَنَّهُمْ أَكَلُوا مِنَ الحُوتِ الَّذِي رَمَاهُ البَحْرُ أَيَّامًا) (١).
يشير إلى الأَحَاديث، ومنها حَديث العَنْبر، وهو حديث جابر بن عبد الله ﵁ أنَّهمْ "كانوا في غزوةٍ مِنَ الغزوات، فأَصَابهم الجوع، فألقى البحرُ بحوتٍ كبيرٍ يُعْرَف بالعَنبر، فأكلوا منه " (٢).
стр. 849
وَورَد في بعض الروايات: نصف شهر (١)، فلما عادوا إلى رسول الله ﷺ ، ذكروا له ذلك، فقال: "رزقٌ أخرجه الله لكم"، أو: "رزق رزقكم الله إياه، فكلوا"، ثمَّ سألهم: "هل مَعَكمْ من شيءٍ؟ "، وفي بعض الروايات: قالوا: نعم، فأعطوه (٢)، هذا هو الذي يُشير إليه.
قوله: (وَتَزَوَّدُوا مِنْهُ، وَأَنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ رَسُولَ ﷺ ، فَاسْتَحْسَنَ فِعْلَهُمْ، وَسَأَلَهُمْ: هَلْ بَقِيَ مِنْهُ شَيءٌ؟ "، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُجَوِّزْ لَهُمْ لِمَكَانِ ضَرُورَةِ خُرُوجِ الزَّادِ عَنْهُمْ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ ﵊: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مِيتَتُهُ" (٣).
عَلَينا أن نَتذَكَّر ما عَرضنا له كثيرًا في الكلام عن المشقَّة والتخفيف في الشريعة الإسلامية، وأن الشريعة الإسلامية بُنِيَتْ على أُسُسٍ، منها: رَفْع المشقَّة، وَعدَم الحرَج (٤)، وأيضًا العدل في الأحكام؛ هذه كلُّها أُسُسٌ قامَتْ عليها، ومِنْ بين ذلك التَّخفيف، وذَكَرنا أن أسبابَ التَّخفيف سبعةٌ، وقد عددناها، وتكلمنا عنها فيما مضَى، وطبقناها على القاعدة
стр. 850
المعروفة … كلُّ ذلك تكلَّمنا عنه وفصَّلناه، فلذلك أرجو ألَّا يكون قد بَقِيَ شيءٌ في الذهن من ذلك.
قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ، فَرَجَّحَ عُمُومَ الآيَةِ عَلَى هَذَا الأَثَرِ، إِمَّا لِأَنَّ الآيَةَ مَقْطُوٌ بِهَا، وَالأثَرَ مَظْنُونٌ (١)، وَإِمَّا لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ لَهُمْ، أَعْنِي حَدِيثَ جَابِرٍ (٢)، أَوْ لِأَنَّهُ احْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ الحُوتُ مَاتَ بِسَبَبٍ، وَهُوَ رَمْيُ البَحْرِ بِهِ إِلَى السَّاحِلِ؛ لِأنَّ المَيْتَةَ هُوَ مَا مَاتَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ خَارِجٍ).
هذا -في الحقيقة- تعليلٌ ضعيفٌ ومعروفٌ، والله يقول: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، والرَّسُولُ ﷺ يقول في البحر: "هُوَ الطهُورُ ماؤُهُ، الحلُّ ميتته" (٣)، وهذا نصٌّ، وهو حديثٌ صحيحٌ فيما خرج من البحر؛ فأطلق ذلك وأشمل، وهو كما قلنا، ويؤكد أن الحنفية لهم مُتَمسَّكٌ بالحديث الضعيف الذي قيل فيه: "ما ألْقَاه البحر أو جزر عنك، فكلوا، وما مات أو طفا فلا تأكلوا منه" (٤)، أي: ما مات فيه أو طفا، فلَا تأكلوا منه.
قَالوا: (الأثَر) وهو الحَديث الذي ذكرت من قبل، والأثر كَمَا قُلْنا يُطْلق علَى الحَدِيثِ كما هو معروفٌ في منهجه، وَبينَّاه كثيرًا.
قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَكَمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنْوَاعِ المَيْتَاتِ، كَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي أَجْزَاءِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ مَيْتَةٌ).
مَرَّ مَعَنَا الكَلَامُ عن المَيتات، وَتكلَّمنا عن "ميتة الإنسان" (١)، وبيَّنا أنَّ الإنسانَ لا ينجس بموته، وهذا هو الرأي الصحيح المعروف "إنَّ المؤمنَ لا ينجس" (٢)، وتكلمنا أيضًا عن الحيوانات، وقسَّمناها أقسامًا عِدَّة، وتكلَّمنا عنها مقدمةً للمدخل في هذا الباب.
стр. 853
فيريد المؤلف هنا أن يتكلَّم عن أَمْرٍ آخَر، ألَا وهو العَظْم، هل يتبع اللحم في النجاسة؛ لأنه لَا خِلَاف بين العلماء على أن لحم الميتة نجس (١)، لكِنَّهم يختلفودن في العظم، فيُلحِقُ بعضهم العظمَ؛ زيادةً على ما ذكره المؤلف، كذلك القرن، والسِّن، وكذلك الحافِر، والظلف (٢)، والظفر، كل هذه الأشياء يلحقونها بالعظم، كما أنهم يتكلمون أيضًا عن حكم الشَّعَر والصُّوف والوبَر، وكذلك الرِّيش، كل هذه الأشياء أيضًا يتكلَّمون عنها، وعما يشبهها، فهل تكون هذه الأشياء طاهرةً بالنسبة للحيوان إذا مات أو لا، وهل هناك فروقٌ بين العظم وبين الشعر وما يشبهه … كلُّ ذلك مما يريد أن يتكلَّم عنه المؤلف، وللعلماء في ذلك أقوالٌ عدَّة.
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ اللَّحْمَ مِنْ أَجْزَاءِ المَيْتَةِ مَيْتَةٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي العِظَامِ وَالشَّعَرِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ العَظْمَ وَالشَّعرَ مَيْتَةٌ) (٣).
أَيْ: أنَّ الشَّافعيَّة يَذْهَبُون إلَى أنَّ العَظْم مَيْتةٌ، ويلحق به كذلك القرن، والظلف، والحافر، والسن، وكل ما يلحق بهذه المادة، وأيضًا الشعر، والصُّوف، والوبَر، والرِّيش … هذه كلُّها يقولون عنها بأنها
стр. 854
نَجِسَة، ويأتي مذهب المالكية والحنابلة ويفصلون القول في ذلك، ويفرقون بين العظم وما يشبهه أو يُلحَق به، وبين الشعر وما يلحق به.
قوله: (وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُمَا لَيْسَا بِمَيْتَةٍ، (١)، وَذَهَبَ مَالِكٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الشَّعَرِ وَالعَظْمِ) (٢).
ومَعَ مالكٍ الإمامُ أحمدُ في هذه المسألة (٣).
قوله: (فَقَالَ: إِنَّ العَظْمَ مَيْتَةٌ، وَلَيْسَ الشَّعَرُ مَيْتَةً).
الظَّاهر هنا أن المؤلف -كما قلنا مرارًا- يأخذ أُمَّهات المسائل ولا يدخل في التفصيل؛ لذلك فهو هنا تكلَّم عن العظم ولم يذكر السِّنَّ؛ لأنه يُدخِلُه في العظم والقَرْن، والظلف، وحافر الدابة؛ لأنه يلحق به.
ويكون الشعر والصوف في الماعز والأغنام، والوبر في الإبل، والريش في الطيور وما يشبهها، وهكذا، كل هذه أعطاها العلماءُ حكمًا وَاحدًا؛ ولذَلكَ نَجد أنَّهمْ يذكرون الشعر والعظم، ثم يأتون بعد ذلك بالتَّفصيلَات الواردة في ذلك؛ لذلك قال الله : ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠].
وَالخلَاف يدور مع الآية السابقة، ومع قول الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
стр. 855
اَلْمَيتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، حيث يَدُورُ بين المالكية والحنابلة من جانب، والشافعية من جانبٍ آخَرَ، ولم يتعرَّض المؤلف لتفاصيل ذلك، وإنما أشًار فيما يبدو لإحْدَى الآيتين، وسيأتي معنا عَرْض ذلك.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الحَيَاةِ مِنْ أَفْعَالِ الأَعْضَاءِ).
هو فقط أخذ الدليل العقلي، وترك الدليل النقلي، والحقيقة أن الذين يقولون بالتفريق بين العظم وبين الشعر يقولون بأن الشَّعرَ وكذلك الصوف والوبر ليست بنَجِسَةٍ؛ وعَلَّلوا ذلك بقول الله في سورة [النحل: ٨٠]: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾، فقالوا: إنها عامة تشمل الحيَّ وغير الحيِّ، فَاعْتُمِدَ دليلٌ عندهم على حياتها.
وكذلك الرسول ﷺ عندما مَرَّ بشاةِ ميمونة، قال: "هلَّا انتفعتم بجِلْدِهَا؟ "، فقالوا: إنها ميتةٌ. قال: "إنَّما حَرُم أَكْلها" (١).
وفي الحديث لم يعرض للشعر ولا للصوف، وسيأتي الكلام أيضًا في الجلد والخلاف فيه، سواء قبل الدبغ أو بعده، وهي من المسائل المهمة الكبرى التي سيعرض لها المؤلف، ولذلك فكلام العلماء فيها طويلٌ ومفصَّلٌ، لكن المؤلف كعادته أجمَل ذلك.
والخلاصة: أن الذين يقولون بأن الشَّعر والصوف والوبر وما يشبه ذلك ليس بنجسٍ يستدلون بالآية التي ذكرناها: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]، والَّذين يقولون بنَجَاستها يستدلون بقول الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، والذين يقولون بالطهارة يستدلون بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وإنَّما هي مُخَصصةٌ
стр. 856
بقول الله : ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]، والآخرون لا يوافقون، بل يقولون بأنَّ كُلًّا مِن الآيتين فيهما خصوص وعموم، فالآية الأولى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل:٨٠]، تَشْمل الحيَّ وَالميِّت، وَهُنا ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة:٣]، وقالوا أيضًا: تَصْلح أَنْ تكونَ مخصصةً للأولى؛ لأنَّ الأولى مُطْلقَةٌ تشمل الحيَّ والميت؛ فيخص ذلك بالميتة، وهكذا، ثمَّ يختلفون بعد ذلك في العَظْم الَّذِي ذكر المؤلف -التَّعليل النَّقلي- هل هي ميتة أو لَا.
قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ النُّمُوَّ وَالتَّغَذِّيَ هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الحَيَاةِ قَالَ: إِنَّ الشَّعَرَ وَالعِظَامَ إِذَا فَقَدَتِ النُّمُوَّ وَالتَّغَذّيَ فَهِيَ مَيْتَةٌ).
يَعْني: نُمُو الحَيوان، وكذلك التغذِّي له أثرٌ من ناحيةٍ أُخرى أيضًا، والإحساس والنمو، هل لذلك أثر في الحياة؟ لا شك أن العظم يحس، إذًا، هل معنى كونه يحس أنه جزءٌ من الميتة أو لا؟ هذا هو الذي يريد أن يتكلَّم عنه المؤلف.
قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يَنْطَلِقُ اسْمُ الحَيَاةِ إِلَّا عَلَى الحِسِّ قَالَ: إِنَّ الشَّعَرَ وَالعِظَامَ لَيْسَتْ بِمَيْتَةٍ).
الَّذين يَقُولون: العَظم يحس، يُعَلِّلُون بأن العظم يتألم أكثر من اللحم، وكذلك أيضًا الشَّعر قالوا: يَتَغذَّى؛ بدليل أنه ينمو بالغذاء، وَيتوقَّف بعدمه.
قوله: (لِأَنَّهَا لَا حِسَّ لَهَا، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، أَوْجَبَ لِلْعِظَامِ الحِسَّ، وَلَمْ يُوجِبْ لِلشَّعَرِ).
هل الحياة تُطلق فقط على ما له روحٌ أو لا؟ فإنْ قلنا: تُطْلق على ما له روحٌ؛ فنقول بأن هذِهِ لا روح لها، إذًا هي ميتة، وإنْ قلنا: إنَّ الإحساسَ وكذلك النمو جزءٌ من الحياة؛ لأنَّ العَظمَ يحس، وَكَذلكَ الشَّعر
стр. 857
ينموِ أيضًا بالغذاء، إذن يكون هو جزءًا من هذا الحيوان، إذن هُوَ يَتَأثَّر به، فيتأثَّر بالموت.
وَمَن فَرَّقَ بينهما؛ أَوْجَبَ للعظام الحس، أما الشعر فلا إحساس له؛ فيُجَز من الإنسان والحيوان فلا يحس به، ولو قلع قلعًا فكان الألم، فإنما هو مرتبط بالجلد، وليس مرتبطًا بالشعر نفسه؛ لأنه لو قص الشعر، فلا إحساس له بعكس ما لا ألَمَ فيه، بعكس العظم فإنه يتألم، بل يقال: إنَّ ألَمَ العظم أكثر من اللحم.
قوله: (وَفِي حِسِّ العِظَامِ اخْتِلَافٌ، وَالأَمْرُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الأَطِبَّاءِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّغَذِّيَ وَالنُّمُوَّ لَيْسَا هُمَا الحَيَاةَ الَّتِي يُطْلَقُ عَلَى عَدَمِهَا اسْمُ المَيْتَةِ، أَنَّ الجَمِيعَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا قُطِعَ مِنَ البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّة أَنَّهُ مَيْتَةٌ) (١).
لمَّا قَدِمَ الرسولُ ﷺ المدينةَ، وجد أنهم يقطعون أو يجزُّون أسنِمَة الإبل، وأليات الغنم، فقال الرسول ﷺ : "ما يقطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة" (٢).
وفي بعض الروايات: "ما قطعَ من الحي فهو ميتةٌ" (٣).
قوله: (لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي الحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "مَا قُطِعَ مِنَ البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ" (٤).
стр. 858
قَالَ ﷺ : "ما قطع من البهيمة وهي حيةٌ فهو ميتةٌ" (١).
وفي بعض الروايات بالمضارع: "مَا يُقْطع من البَهيمَة وهي حيَّةٌ، فَهو ميتةٌ" (٢)، وهذا كان يطبق، فأنكرَ عليهم الرَّسُولُ ﷺ ذلك.
قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الشَّعَرَ إِذَا قُطِعَ مِنَ الحَيِّ أَنَّهُ طَاهِرٌ (٣)، وَلَوِ انْطَلَقَ اسْمُ المَيْتَةِ عَلَى مَنْ فَقَدَ التَّغَذِّيَ وَالنُّمُوَّ لَقِيلَ فِي النَّبَاتِ المَقْلُوعِ إِنَّهُ مَيْتَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبَاتَ فِيهِ التَّغَذِّي وَالنُّمُوُّ، وَلِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ التَّغَذِّي الَّذِي يَنْطَلِقُ عَلَى عَدَمِهِ اسْمُ المَوْتِ هُوَ التَّغَذِّي المَوْجُودُ فِي الحَسَّاسِ).
" الحسَّاس "، يَعْني: ما له إحساسٌ.
قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الانْتِفَاعِ بِجُلُودِ المَيْتَةِ).
كما هو ظاهر أنَّنا لا نتوسع في المسَائل حتى نعطي فرصة للسير في الكتاب.
فما يتعلَّق بجلود الميتة، الأقوال فيها عِدَّة، والمؤلف ذكر أكثرها.
فهناك مَن يَرى أن جلدَ الميتة طاهر مُطلقًا، دُبغ أو لم يُدْبَغ، لا فرق في ذلك، ويشمل ذلك جميع جلود الحيوانات.
ومِن العلماء مَنْ قال عن جلود الميتة بأنها كلها نجسة مطلقًا، دُبِغَت أو لم تُدبَغ عكس القول السابق.
стр. 859
وَهنَاك مَنْ يُفَرِّق بين المدبوغ وبين غيره، فيقولون: جلد الحيوان قبل الدَّبغ نجس، وبعد الدبغ يكون طاهرًا، ثمَّ يختلفون في تَحْديد ذَلكَ، فمنه مَنْ يقول: هو خَاصٌّ بالحيوان مع كون اللحم، ومنهم مَنْ يقول: إنَّ الجُلُودَ إذا دُبِغَتْ، فكلُّها طاهرةٌ ما عدا جلد الكلب والخنزير.
ومنهم مَنْ يقول: كلها طاهرة إلَّا جلد الخنزير، والكلب طاهر، ومنهم مَنْ يقول: كلها طاهر، ومنهم مَنْ يقول: طاهرة، ولكنها تُستَخْدَم في اليابس، وبذلك يتبيَّن أنَّ الأقوال في ذلك سبعة.
ومسألَةُ الجلود من المسائل التي يكون فيها مجالٌ لطالب الفقه أن يدرس فيها، ويُحقِّق ما ورد من أدلة، وأن يُناقِشَ، فهي من المَسَائل الكبرى ذَات الذُّيُول، وَالتَّفريعات الكثيرة، والمؤلف أَوْجَزَها كلَّها، وَلَكننا نحتاج إلى أن نبسطها بعضَ البسط.
" قوله: (فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى الانْتِفَاعِ بِجُلُودِهَا مُطْلَقًا دُبِغَتْ أَوْ لَمْ تُدْبَغْ) (١).
مُلَاحظة: أحيانًا يقول المؤلف: "قال قوم" أو "ذهب قوم "، ومع ذلك قد يكون المقصود بالقوم أو صاحب القول واحد، وقد تكون رواية لأحد العلماء؛ فلا يلزم أن يكون قوله: "قوم" هو عدد كثير.
قوله: (مطلقًا): هذا نُسِبَ إلى الإمام الزهري، والزهريُّ هو الإمام المعروف بابن شهاب الزهري، التابعي الجليل (٢)، وأحد أئمة العلماء الذين جمعوا أحاديث رسول الله ﷺ ، بل أولهم، فلمَّا أراد عمر بن عبد العزيز ﵀، ورضي عنه- أن يكتب حديث
стр. 860
الرسول ﷺ ، أرسل أولًا إلى واليه في المدينة أبي بكر ابن حزم أن يجمع حديث رسول الله ﷺ (١)، وما كان عند عَمْرة بنت عبد الرحمن (٢) التي كان تأخذ أحاديث عائشة وتحفظها، وكَذَلك كتب إلَى الولاة، وكان الزُّهريُّ أحد العلماء الَّذين عنوا بكتَابَة أحَاديث رَسُول الله ﷺ ، وكان ما كتبَهُ نواةً (٣)، فَكَانَ هو قائدًا سار عليه بعد ذلك العلماء، وكانت وُجِدَت كتابات قبل ذلك لكنها قليلة، لكن بدأت كتابة الحديث بشكلٍ واضحٍ وظاهرٍ وشائعٍ بين يدي الإمام الزهري، ثم بعد ذلك بدأت كُتُب الحديث من الموسوعاَت الكبيرة التي كُتِبَتْ، مثل "مُوطَّإ الإمام مالك "، و"مصنف عبد الرزاق "، وغير ذلك من الكتب التي جاءت بعده.
قوله: (وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى خِلَافِ هَذَا، وَهُوَ أَلَّا يُنْتَفَعَ بِهِ أَصْلًا وَإِنْ دُبِغَتْ).
وَذَهبَ قومٌ إلى العكس من ذلك، ألَّا يُنْتفع بجلد الميتة دُبغَت أَوْ لم تُدْبغ، وهذَا هو المشهور مِنْ مَذْهب أحمدَ (٤)، وَهي أيضًا روايةٌ فِي مَذْهب
стр. 861
الإمَام مالك (١)، وهذا القَوْل يُنْسب إلَى الصَّحابة (عُمَر بن الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر، وعمران بن حصين، وعائشة ﵁) (٢)، ونُقِلَ عن بعض هؤلاء رأيٌ آخر خلاف هذا.
قوله: (وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى الفَرْقِ بَيْنَ أَنْ تُدْبَغَ وَأَلَّا تُدْبَغَ، وَرَأَوْا أَنَّ الدِّبَاغَ مُطَهِّرٌ لَهَا).
لَكن هَؤُلَاء اختلَفوا فيما يطهر بالدِّباغ، فَمِنَ العلماء مَن يَقُولُ: إذا دبغت طهرت، لكن ذلك خاصٌّ بالحيوان مأكول اللَّحم الَّذي كان طاهرًا في الحياة، فهو الذي يُصْبِحُ جلده طاهرًا إذا دبغ، وهذا نقل عن الأوزاعي (٣)، وهو المَعْروف عن الإمام أحمد في الرواية الأخرى (٤).
стр. 862
قوله: (وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ (١)، وَأَبِي حَنِيفَةَ) (٢).
ما هي الدِّباغة (٣)؟، وما معنى أن تدبغ؟
ولتوضيح ذلك أقول:
الحيوان عندما يُذبَح، فإنَّ جلدَه يكون ملتصقًا به، فلذلك يُسْلخ، وبعد السلخ يبقى على الجلد بعض الدهون والماء الرطب، وكَذَلك يلتصق به بعض الدماء؛ ولا شك أنها نجاسات، فلذلك يجب أن يُدبغ هذا الجلد.
بماذا يُدبَغ؟
هناك أشياء ذَكرَها العلماء يُدبغ بها، منها: القرظ (٤)، وهي حُبَيباتٌ معروفةٌ تُشْبه حَب العدس.
وكَذَلك يَدْبغون بقشور الرُّمان، وأيضًا يدبغون بالشَّب (٥)، وهي
стр. 863
كالأحجار البيضاء معروفة، إذْ يعتبرونها مِنَ الجواهر؛ لأنها تُنظِّف وتُطهِّر وتُجَفف.
إذًا، هذه كلُّها من الأشياء التي تُدْبغ بها الجلود، وأَشْهَرها القرظ.
قوله: (وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ).
الأُولَى: هي التي مع الإمام أحمد، وليْسَت هي المشهورة، وهي أنَّ الجلود دُبِغَت أو لم تُدبغ فلا تتأثر، يعني: لا تَطْهُر (١).
قوله: (وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الدّبَاغَ لَا يُطَهِّرُهَا (٢)، وَلَكِنْ تُسْتَعْمَلُ فِي اليَابِسَاتِ).
إذًا، لَه روَايتان: رواية عند الشافعي أن الدباغ يطهرها، والرواية الأُخرى أن الدباغ لا يطهرها، لكنه يختلف تفصيلًا عن الإمام الشافعي.
стр. 864
قوله: (وَالَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الدِّبَاغَ مُطَهِّرٌ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مُطَهِّرٌ لِمَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ مِنَ الحَيَوَانِ أَعْنِي المُبَاحَ الأَكْلِ (١)، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ).
يقول المؤلف: إنَّ هؤلاء الذين قالوا بأنَّ الدباغ يطهر الجلد اتَّفقُوا على جزءٍ مِن أجزائه، وما تعمل فيه الذكاة وهو الحيوان المأكول؛ هذا اتفقوا عليه، ثم بعد ذلك اختلفوا، فبعضهم وقَف عندَ الحيوان كما مَرَّ من الرِّوايات الأُخرى عند الحَنابلة، وَنقلَ عن الأوزاعيِّ وجَمَاعةٍ، والتي بعد ذلك أتى فيها الخلاف الَّذي أشرنا إليه من حيث إن كلها تطهر إلا الكلب والخنزير، أو إلا جلد الخنزير فقط، أو كلها تطهر؟ فهذه كلها فيها أقوالٌ للعلماء.
قوله: (فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ مُطَهّرٌ لِمَا تَعْمَلُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَقَطْ، وَأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْهَا فِي إِفَادَةِ الطَّهَارَةِ).
الصَّحيح أن هذا ليس مذهب الشافعي، فمذهب الشافعي أن كل جلد حيوان دُبِغَ فهو طاهر إلا الكلب والخنزير (٢)، وهذا مذهب أبي حنيفة كذلك، لكنه فقط يستثني الخنزير لا الكلب (٣)، والحنفية عندما استثنوا
стр. 865
الخنزير فقط استدلُّوا بقول الله : ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، لكن الشافعية قالوا: أَلْحَقُوا الكلبَ بالخنزير في النجاسة؛ للأحَاديث التي مرَّت بنا، ومنها: "إذَا وَلَغ الكَلب في إناء أحدكم … " (١).
قوله: (وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى تَأْثِيرِ الدِّبَاغِ فِي جَمِيعِ مِيتَاتِ الحَيَوَانِ مَا عَدَا الخِنْزِيرَ) (٢).
إذًا، هو أصَاب في مذهب أبي حنيفة في قول الإمام، أما أبو يوسف فيرى كل جلدٍ دُبِغَ؛ فهو طاهر.
قوله: (وَقَالَ دَاوُدُ: تُطَهِّرُ حَتَّى جِلْدَ الخِنْزِيرِ) (٣).
دَاوُدُ معَه أبو يُوسُف (٤) من الحنفية؛ إذًا الأقوال هُنا تحتاج إلى
стр. 866
تحريرٍ، فالمُؤلِّف وَهِمَ في قول الإمام الشافعيِّ؛ لأنَّ الشافعيَّ يرَى أنَّ كلَّ حيوَان دُبغ، فجلدُهُ طاهرٌ عدَا الكلب والخنزير.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَعَارُضُ الآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ إِبَاحَةُ الانْتِفَاعِ بِهَا مُطْلَقًا).
أَوَّلًا: الأَحَاديثُ في ذَلكَ عدَّة، فَفِيمَا يتعلَّق بالزُّهري يَقُولون: إنَّهم استدلُّوا له بحديث الرسول ﷺ عندما "مرَّ بِشَاةِ ميمونة التي جاءتها مِنَ الصدقة هدية لها قال: "هَلَّا انتفعتم بجِلْدِهَما" (١)، وأطلَق، "هلَّا": أدَاة تحضير، و"انْتفَعتُمْ "، يَعْني: اسْتَفدتم بجلدها؛ فقالوا: هذا يستدلُّ به للزهري، ولم يفرق بين جلدٍ وجلدٍ، بل هو عامٌّ يشمل جميعَ أنواع الجلود؛ سَواء دُبغَتْ أو لم تُدْبغ.
وَفِي قَوْله: "هَلَّا انْتفَعتم بجِلْدِهَا"، الرَّسول ﷺ لم يفرق بين جِلْدٍ وجِلْدٍ، ولم يذكر الدباغ، وسوف يأتي في الرِّوَايات الأُخرى أنها تُدبَغ.
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ فِيهِ أَنَّهُ مَرَّ بِمَيْتَةٍ، فَقَالَ ﵊: "هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بجِلْدِهَا؟ " (٢)، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ مَنْعُ الانْتِفَاعِ بِهَا مُطْلَقًا) (٣).
стр. 867
المُؤلِّف أدخلَ بعضَ هذه الأحَاديث، ومن هذه الأحَاديث ما هي أحاديث صحيحة مسلَّمة، منها ما هُوَ في "الصَّحيحين "، قال ﷺ : "إذَا دُبغَ الإهَاب فقَدْ طَهُرَ" (١).
ثمَّ يَخْتلف العلماء في المراد بالإهاب (٢)، ولا شكَّ أنه الجلد، لكن هل يُطْلق على الجلد قبل الدَّبغ أو بعد دَبْغه؟
قَالَ بَعْضهم: يُسَمَّى الجلد قبل الدَّبغ إهابًا، وبعد الدَّبغ يُسمَّى جلدًا (٣).
وبَعْضهم يعكس ذلك، وَسَنجد أنَّ مِنْ مناقشات الشافعية لغيرهم الذين يناقشون غيرهم من المَذَاهب الأُخرى في هذه المسألة ما يدلُّ على خطإ المؤلف في مَذْهب الشافعيَّة؛ حيث نجد أنَّ لَهُمْ ردودًا، وأنهم يستدلُّون بأنَّ الجلدَ قبل الدِّباغ يُسمَّى إهابًا، وبَعْضهم يُسمِّيه جلدًا، وهناك من يعكس؛ وهذا كله نقلًا عن العرب (٤).
والمقصود: أنَّ حديث النبي ﷺ : "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" (٥)، المقصود بالإهاب فِيهِ هو الجلد، وهَذا نصٌّ صريح في أنَّ الإهَاب إذا دُبغَ فقد طَهُرَ، وهو نَصٌّ عامٌّ كمَا هو ظاهرٌ.
стр. 868
وفي روايةٍ أُخْرى: "أيُّما إِهَابٍ دُبغَ؛ فقد طَهُرَ" (١).
وَ"أَيُّ " مِن صِيَغِ العُمُوم كمَا يقول أهل الأصول، فيَعُم أيَّ جلدٍ دُبغ، فهو طاهر.
ثم حديث عبد الله بن عكيم "أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كتبَ إلَى جهينة كتابًا: "إنِّي كنتُ رخصتُ لكم في جلود الميتة، فإذا وَصَلكمْ كتَابي هذا، فلَا تنتَفِعُوا مِن الميتة بإِهَابٍ " (٢).
وفي بَعْض رِوَايتِهِ: "ولَا عَصَب "، وكان ذَلكَ قبل مَوْته بشَهْرٍ، وَفِي بعض الرِّوايات: "بشَهْرين " (٣)، وفي بَعْضها: "بأَرْبعينَ يومًا" (٤)، وفي بعضها: "بِعَامٍ " (٥)، وهو الذي ذَكَره المؤلف.
وَسَيأتِي أنَّ الذين قالوا بأنَّ كلَّ جلد مَيْتة دبغ أو لم يدبغ؛ فهو نجسٌ، يأخُذُون بحديث عبد الله بن عُكَيم، وَيرَون أنه نَاسخٌ لتلكَ الأحَاديث، أمَّا الفَريق الآخر، فَلَهم كلامٌ في حديث عبد الله بن عكيم.
إذًا، الذين قالوا بأنَّ جِلْدَ كلِّ ميتةٍ طاهرٌ، يقولون: "هلَّا انتفعتم بجلدها"، والذين يقولون بأن الجلد إذا دبغ فهو طاهر، يأخذون بالأحاديث الأُخرى، وهو مذهب الشافعية ومَن معَهُم، والذين يقولون بأنَّ ذلك خاصٌّ
стр. 869
يُستَثْنَى مِن ذلك الكلب والخِنزير؛ لنجاستهما، والذين استثنوا الخنزير فقط قالوا: لقول الله : ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، والذين قالوا يشمل ذلك كله إذا دبغ؛ أخذوا بعموم قوله: "إذَا دُبغَ الإهَاب، فَقَدْ طَهُرَ" (١).
وَأَكْثَر ما يَدُور من النقاشات والحوار كائنٌ بين الَّذين قالوا: جِلْدُ الميتة لا يطهر بالدِّباغ، وبين الذين قالوا: يَطْهر بالدِّباغ.
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ فِيهِ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كتَبَ: أَلَّا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ "، قَالَ: وَذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ) (٢).
إذًا، لَدَينا الآن أدلَّة الَّذين يَقُولون بجَواز الانتفاع بجُلُود المَيتة إذا دُبغَت، وَهذَا هوَ القَول الذي نرَى أنه الحقُّ، وبه تَلْتقي الأدلَّة، ولَا شكَّ أن طالبَ الفقه عندما يريد أن يُحقِّق في مسألةٍ، وأن يُحرِّرها، فإنَّه يسلك عدة مسالك، فَهُوَ لا ينتقل إلى قَضيَّة النَّسخ إلَّا بعد أن يَتَعذَّر عليه الجَمْعُ بين الأدلَّة، والجَمْعُ هنا ممكنٌ وميسَّر وسهلٌ (٣)، ودَعْوى النسخ تحتاج إلى أن نعرف المتقدِّم مِنَ المتأخّر، فقوله: بشهر أو شهرين أو بسنة وأربعين يومًا ما المانع أن يكونَ بعض تلك الأحاديث جاء متأخِّرًا عن ذلك؟! فالتي أطلقت أيضًا الذين قالوا بأن "جلد الميتة إذا دبغ فهو طاهر"، أجابوا عن حديث المعارض لهم، وهو حديث عبد الله بن عكيم بعدة أجوبة:
أولًا: قَالوا: هو حديث مُرسَل؛ لأن ابن عكيم لم يلقَ الرسول ﷺ ، وهذه علة.
стр. 870
ثانيًا: قَالوا: هو مضطربٌ، ووجه اضطرابه أنه وَرَد قبل موته بشهر مرة، وبشهرين مرة، وبأربعين يومًا مرة، وبعام مرة، وهي رواية ذَكَرها المؤلف، وفي بعض الروايات إطلاق، ليس فيها أيضًا ذكرٌ للمدة؛ إذن عدُّوا هذا اضطرابًا، وهذه علة أُخرى (١).
ثالثًا: يقدح في الرِّواية جمهور العلماء؛ لأنهم يَقُولون: إنَّها وَرَدتْ في كتابٍ، وحاملُهُ مجهولٌ، لكن هذه قضية ليست مُسلَّمة؛ لأن كتُبَ الرَّسول ﷺ بمنزلة ألفاظه ما دامت قد صحَّت تلك الكتابة أو الكتاب، لكن هؤلاء يقولون: إذا وازن بين هذا وبين أدلتنا، فأدلتنا سماعية، وهذا كتاب، فتكون أدلتنا أقوى سندًا.
رابعًا: اعتدُّوا بكثرة الروايات الواردة، وليست روايةً واحدةً، أو كتابًا واحدًا.
وَمِنْ روَاياتهم الكثيرة: ما جَاء في "الصحيحين "، ثمَّ يقولون: ولأنَّ الجلدَ يُطْلق عليه قبل الدَّبغ بأنه إهابٌ، وبعد الدَّبغ يُسمَّى جلدًا؛ ولذلك قال الرَّسول ﷺ : "لَا تَنْتفعوا من المَيتة بإِهَابٍ، ولا عَصبٍ" (٢)، معنى هذا أنه قبل الدبغ.
وأحسَن الأقوَال في ذلك وأوجهها وأقربها: هو الجمع بين ذلك (٣).
стр. 871
فَحَديث عَبد الله بن عُكَيم مُطلَق، وأدلَّة الجمهور مقيَّدة؛ لأنَّ حديث ابن عكيم أطلق الجلد، لكن في الأدلة الأُخرى حَدَّدَتْ ذَلكَ بأنَّه لا ينتفع من الميتة بإهاب قبل الدَّبغ، أمَّا إذا دُبغَ الإهاب فقد طَهُرَ؛ وبذلك تلتقي الأدلة حول هذه المسألة، وَيزُول الخلَاف، ويكون القول الحقُّ في ذلك هو جوَاز الانتفاع بجلود الميتة إذا دُبِغَتْ.
ثمَّ يأتي بعد ذلك الخلاف، فنحن نرَى الَّذين يخرجون جلد الكلب والخنزير أن هذه نجسة، ثم يأتي بعدَ ذلكَ أيضًا جلود السِّباع (١)، وفيها كلامٌ معروفٌ للعلماء، والَّذين يمنعون ذلك يَقُولُون: إنَّ الرَّسولَ ﷺ "نَهَى عن ركوب النُّمُور، وعن لبس جُلُود السِّباع، وعَن الجُلُوس عليها" (٢)، ولم يتعرَّض لها المؤلف، لكنِّي أَشَرتُ إليها.
стр. 872
إذًا، مِن حيث الجملة نحن نرى أن القول الحق في ذلك هو قول الذين يقولون بجواز الانتفاع بجلود الميتة، والأحاديث في ذلك صحيحةٌ وصَرِيحَةٌ، وبذلك يمكن ولا يتعذَّر الجمع بين أدلة الجمهور، وبين حديث عبد الله بن عكيم الذي نهَى أن ينتفع من الميتة أو الذي أمر ألَّا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب.
قوله: (وَفِي بَعْضِهَا الأَمْرُ بِالانْتِفَاعِ بِهَا بَعْدَ الدِّبَاغِ، وَالمَنْعُ قَبْلَ الدِّبَاغِ، وَالثَّابِتُ فِي هَذَا البَابِ هُوَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: "إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ، فَقَدْ طَهُرَ" (١)، فَلِمَكَان اخْتِلَافِ هَذِهِ الآثَارِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِهَا، فَذَهَبَ قَوْمٌ مَذْهَبَ الجَمْعِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ).
يَعْني: مَنْ ذهَب مذهبَ الجمع، جمعَ بين الأدلة التي فيها "أنَّ الجلد إذا دُبغ، فقد طهر" التي تشير إلىَ طهارة الجلد إذا دبغ، وبين حديث عبد الله بن عكيم الذي أشَار إليه المؤلف وَذَكرناه فيما مضَى "ألَّا ينتفعَ من الميتة بإهابٍ، ولا عصبٍ".
قوله: (أَعْنِي أَنَّهُمْ فَرَّقُوا فِي الانْتِفَاعِ بِهَا بَيْنَ المَدْبُوغِ وَغَيْرِ المَدْبُوغِ).
أَيضًا الَّذين يَستدلُّون بحديث عبد الله بن عكيم يستدلُّون أيضًا بما وَرَد في بعض روَايات حديث ميمونة، "إنما حرم أكلها" (٢).
стр. 873
قوله: (وَذَهَبَ قَوْمٌ مَذْهَبَ النَّسْخِ، فَأَخَذُوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ لِقَوْلِهِ فِيهِ: قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ) (١).
هَذَا هو الدَّليلُ القويُّ لأصحاب هذا المذهب، الَّذين قالوا: كلُّ جلد ميتة دُبِغَ أو لم يُدْبغ؛ فهو نجسٌ؛ عملًا بهذا الحديث.
قوله: (وَذَهَبَ قَوْمٌ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ، وَرَأَوْا أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ زِيَادَةً عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ).
إذًا، الَّذينَ يُقدِّمون حديث عبد الله بن عكيم يقولون بالنسخ، ولا مسلك لهم ولا مخرج إلَّا هذَا، حيث يقولون بأن حديث عبد الله بن عكيم جاء متأخرًا قبل موت الرسول ﷺ بشهرٍ أو شهرين؛ فيكون متأخرًا، ويكون آخر الأمرين منه ﷺ ؛ فيكون ناسخًا لتِلْكَ الأحَاديث، وهذا الحديث رواه الخمسة (٢)، وحسَّنه العلماء (٣)، ولا شك في صحة إسناده، وإن كان هناك بعض العلماء يتكلم فيه مِن حيث السند، لكن الصحيح بعد التحقيق أنه حديث حسن أو صحيح، لَكن وجود الاضطراب وغيره مما سبق بيانه هذه كلها أجاب عنها العلماء، لكن هناك الطريق الذي يوصل إليه، ألا وهو طريق الجمع، فلَا نرى تعارضًا بينه وبين تلك الأحاديث؛ لأنَّ وجودَ
стр. 874
التاريخ به يمكن الجمع بينه وبين غيره؛ لأنَّه ما أشَار إلى الجلد قبل الدَّبغ، وإنما قال: "ألَا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" (١)، وأطلق، وهو حديث مطلق، وتلك أحاديث مقيدة.
قوله: (وَأَنَّ تَحْرِيمَ الانْتِفَاعِ لَيْسَ يَخْرُجُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَبْلَ الدِّبَاغِ؛ لِأَنَّ الانْتِفَاعَ غَيْرُ الطَّهَارَةِ أَعْنِي: كُلَّ طَاهِرٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ عَكْسُ هَذَا المَعْنَى (أَعْنِي أَنَّ كلَّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ هُوَ طَاهِرٌ) (٢).
إذًا باختصار -كمَا نرَى- الأقوال هنا سبعةٌ، والمؤلف لم يفسِّرها، ونحن قَدَّمنا جملةً عنها، وقلنا: إنَّ هناك مَن يرَى أن حديث ابن عكيم ناسخ، وهناك مَن يذهب مذهب الجَمْع، وهناك مَن يذهب مذهب التَّرجيح، ولا شك أنَّ الأَوْلَى في ذلك هو مسلك الذين جمَعُوا وتَرجَّح عندهم أن جلد الميتة إذا دبغ، فإنه يطهر، وأما قبل الدَّبغ فليس بطاهر.
هذَا القولُ الَّذي تلتقي حوله الأدلة، وأمَّا الخِلَافُ بعد ذلك في التَّفريق بين حيوانٍ وحيوانٍ، فهذه مسائل لم يعرض لها المؤلف، ولكن كما نبهت على أن مِنَ العلماء مَن استثنى الخنزير وَحْدَه، وَمِنهُم مَنْ ضم إليه الكَلب، ومنهم أيضًا مَنْ لم يَسْتَثنِ شيئًا من ذَلكَ، وَمنهم مَنْ أضَاف إلَى ذلك جلود السِّباع، والمَسْألة فيها خِلَافٌ معروفٌ بين العلَماء، ولا نريد التفصيل في ذلك، بَلْ يكفي أن نُشيرَ إليها جملةً.
стр. 875
قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ دَمَ الحَيَوَان البَرِّيِّ نَجِسٌ) (١).
لَا خلافَ بين العُلَماء على نجاسة دم الحيَوان، كما ذكر المؤلف، فالبرِّيُّ سواءً كان مزكًّى أو غير مزكًّى، مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم، فإنه نجسٌ بلا خلاف، لكن الخلاف في القليل كما سيأتي، وأظنُّ أنَّ المؤلف سيبحث مسألة يعرض فيها لقليل الدم وكثيره، ولا شك أن كثير الدم إنَّما هو نجس.
وقد نصَّ اللهُ علَى ذلك بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾، إذًا فالدم المسفوح هو السائل، وهو نجس، لكن قليل الدم فيه كلَام كثير للعلماء، وأظن أنَّنا عرَضْنا لشيءٍ مِن ذلك عندما تحدَّثنا عن نواقض الوضوء، وأشرنا إلَى أنَّ بعض الصَّحابة كان يُدْخِلُ أُصبُعَيْهِ في أنفه فيخرج منه الدم، وَربَّما بَعْضهم بصَق دمًا، وَتَحَدَّثنا هنَاك عن التَّخفيف وأحكامِهِ، ومَا يُخفَّف، هذَا سيأتي في قليل الدم، إنَّما حديث المؤلف هُنا عن الدَّم الكثير، هل هناك فرقٌ بين الحيوان البَرِّيِّ والبَحرِي؟ فالحيوان البَرِّي معروف، ومنه ما يُؤْكل، ومنه ما ليس بمأكولٍ، والبحري معروفٌ وهو السَّمك والحوت؛ فهل يلحق دم الحيوان البحري بدم الحيوان البري، أو أنه يَلْحق بما أباح الله في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦]؟ فدمُهُ يلحق به.
قال: (وَاخْتَلَفُوا فِي دَمِ السَّمَكِ (٢)، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الدَّمِ القَلِيلِ
стр. 876
مِنْ دَمِ الحَيَوَانِ غَيْرِ البَحْرِيِّ، فَقَالَ قَوْمٌ: دَمُ السَّمَكِ طَاهِرٌ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ (١)، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ) (٢).
هَذِهِ مسألةٌ تحتاج إلى تحريرٍ، ففي مذهب الشافعي قوله: (ومذهب الشافعي)، هذا يعتبرونه الشافعية وجهًا في المذهب، أي: أنَّ هذا القول للشافعية، وهناك قولٌ للشافعية آخَر أنه ليس بطاهر (٣)، وأظنه للحنابلة في المشهور عنهم (٤).
قوله: (وَقَالَ قَوْمْ: هُوَ نَجِسٌ عَلَى أَصْلِ الدِّمَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي المُدَوَّنَة (٥)، وَكَذَلِكَ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّ قَلِيلَ الدِّمَاءِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: بَلِ القَلِيلُ مِنْهَا وَالكَثِيرُ حُكْمُهُ وَاحِدٌ، وَالأَوَّلُ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي دَمِ السَّمَكِ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَيْتَتِهِ، فَمَنْ جَعَلَ
стр. 877
مَيْتَتَهُ دَاخِلَةً تَحْتَ عُمُومِ التَّحْرِيمِ، جَعَلَ دَمَهُ كَذَلِكَ، وَمَنْ أَخْرَجَ مَيْتَتَهُ أَخْرَجَ دَمَهُ قِيَاسًا عَلَى المَيْتَةِ، وَفِي ذَلِكَ أَثَرٌ ضَعِيفٌ (١)، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: الجَرَادُ وَالحُوتُ، وَالكَبِدُ وَالطَّحَالُ " (٢).
يَعْني: كلَام المؤلف في هذه المسألة يدور حول دم الحيوان البحري، وهو السمك، هل يلحق بالبري؛ فيقال عنه بأنه نجسٌ، أو يلحق بميتته؛ فيقال: إنه طاهر؟ فالعلماء مُخْتلِفُون في ذلك، وفي كل مذهب من المذاهب تجد رأيين أو أكثر.
قال: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي كَثِيرِ الدَّمِ وَقَلِيلِهِ، فَسَبَبُهُ اخْتِلَافُهُمْ فِي القَضَاءِ بِالمُقَيَّدِ عَلَى المُطْلَقِ، أَوْ بِالمُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ).
هذ مسألةٌ أشَار إليها المؤلف، وَسَبق أَنْ قلنا: إنَّ مَذْهبَ جَمَاهير العلماء أصولًا وفقهًا أنهم يُقيِّدون المطلق؛ فيَروْن أنَّ المقيد يُقدَّم عليه، وهُناك رأيٌ لابن حزم (٣)، وهو الذي يشير إليه ويكرِّره في هذا الكتاب،
стр. 878
وقد لا ننتبه له؛ فهو يذهب إلى عكس ذلك، ويرى أن المطلقَ فيه زيادة معنًى، وهذا المعنى قَدْ يكون حكمًا؛ فينبغي أن نَقِفَ عنده ونقدمه علَىِ المقيَّد؛ لأن المقيدَ جاء ببعض، والمطلق زاد علَى ذلك؛ فَيَنْبغي أن نأخذَ بما فيه زيادةٌ، وهذا غير صَحِيح؛ لأنَّه يأتي الشَّيء مطلقًا؛ فيقيد، وقَدْ يأتي عامًّا ويُخصَّص كما رَأينا في آيًة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، فإنها قصت بعدَّة أَدلَّةٍ فِي الكتَاب والسُّنَّة.
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ تَحْرِيمُ الدَّمِ مُطْلَقًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، وَوَرَدَ مُقَيَّدًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]).
نَرَى هنا قَوْله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، وجاء مقيدًا بقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥].
قوله: (فَمَنْ قَضَى بِالمُقَيَّدِ عَلَى المُطْلَقِ وَهُمُ الجُمْهُورُ قَالَ: المَسْفُوحُ (١) هُوَ النَّجِسُ المُحَرَّمُ فَقَطْ).
هذه عبارته "قَضَى"، يَعْني: قدَّم أو أخَذ بالمقيد، وقدَّمه علَى المطلق، أو العكس، فَهو يريد أن يقولَ: هل نقيد المطلق بالمقيد أو نتركه على إطلاقه؟ وكلمة "قضَى"، أي: حكم به، فإنْ حَكَمنا بالمقيَّد علَى المطلق فنقيده، وهذا رأي جماهير العلماء؛ فنقتصر على الحكم الذي وَرَد في المقيد، وإِنْ قلنا: لا نأخذ بالمقيد، فنتركه على إطلاقه.
стр. 879
قوله: (وَمَنْ قَضَى بِالمُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ؛ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً قَالَ: المَسْفُوحُ وَهُوَ الكَتِيرُ، وَغَيْرُ المَسْفُوحِ وَهُوَ القَلِيلُ، كُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَأَيَّدَ هَذَا بِأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ نَجِسٌ لِعَيْنِهِ فَلَا يَتَبَعَّضُ).
يَعْني: يريد ما هو نجسٌ لعينه، فلا يتبعض، فالخنزير نجس كله، ولا نقول: "بعضُهُ طاهر، وبعضه نجس "، وكذلك الكلب نجس بعينه؛ فهذا هو مراد المؤلف.
وَقَدْ يسأل سَائلٌ: ما هو دليل استثناء جلد الكلب، على قول مَنْ قالوا: ما دام الكلب نجسًا في حياته، فمن باب أولى أن يكون نجسًا بعد مماته؟
فَالجَوابُ أن نقولَ: استدلُّوا على أن الكلب نجس بقوله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبعًا، أولاهن بالتراب " (١)، وذكرنا رأي الإمام الشافعي في ذلك، وأن العلة إنما هي في لُعَاب الكلب، وقد ذكرنا ما ذَكَره الأطِبَّاءُ أن فيه مادَّة لا يزيلها إلا التُّراب، وَسَبق الكلام عنه في أحكام الطَّهارة والوضوء.
وبَعْضهم -كما بينَّا سابقًا- يَقُول: ورد التنصيص على الخنزير بأنه رجسٌ، فألحقوا الكلب فيه؛ لأنه يُشْبهه في النجاسة.
قوله: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ ابْنِ آدَمَ وَرَجِيعِهِ) (٢).
هذَا أَمْرٌ مرَّ بنا الحديث عنه، فقَدْ رأينا أن نجاسةَ البول ثبتت بالنَّصِّ
стр. 880
والإجماع، ومِنَ النُّصُوص الَّتي وردت في ذلك: حديث صاحِبَيِ القبر عندما مر الرسول ﷺ بقبرين فقال: "إنَّهُمَا ليُعذَّبان وما يُعذَّبان في كبِيرٍ، أمَّا أحدُهُما: فكان يمشي بالنميمة، وأمَّا الآخر: فكان لا يَسْتنزه من بَوْله" (١).
وفي روايةٍ: "لا يَسْتبرئ من البول " (٢).
أمَّا الغَائط أيضًا ففيه قَوْل الله : ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣ والمائدة: ٦]، وقَدْ ثبت إجماع العلماء على تحريم البول والرَّجيع بالنسبة لبني آدم (٣).
قوله: (إِلَّا بَوْلَ الصَّبِيِّ الرَّضِيعِ).
" إلا بول الصبي الرضيع "، هذه ربما يُفهَم منها أن بول الصَّغير الرضيع طاهر، ولكن ليس الأمر كذلك؛ لأنَّ العلماء يقسمون بول الآدمي إلى أقسام ثلاثة:
القسم الأول: الكبير.
القسم الثاني: الصبي الصغير الذي يطعم، وهذا يلحقونه بالكبير.
القسم الثالث: الصغير الذي يشرب اللبن، ولا يطعم.
فهل حُكْمُ الأخير هو نفس حكم الكبير في النجاسة، أو أن نجاسته دون ذلك؟
أقول: العلماء من حيث الجملة متفقون على نجاسته، فنجد أن