جَمْعٌ بَيْنَ الأَدِلَّةِ المُتَعَارِضَةِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ هُوَ قَوْلٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ) (١).
وإنما في الحقيقة جمع بين الأدلة، وغير ذلك فقد يستنبط الفقيه في مسألة ما وششحسن فيها رأيًا، وهذا الرأي لا يبنيه على رأيٍ مجرَّد، وإنما يبنيه على استقرار للوصول إلى أصول هذه الشريعة والوقوف على أدلتها كما ذكر المؤلف.
* قوله: (وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّاهِنِ بَيْعُ الرَّهْنِ، وَلَا هِبَتُهُ) (٢).
لأنه سيُلْحِق ضررًا بصاحب الرهن.
* قوله: (وَأَنَّهُ إِنْ بَاعَهُ فَلِلْمُرْتَهِنِ الإِجَازَةُ، أَوِ الفَسْخُ (٣).
стр. 8158
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ زَعَمَ أَنَّ إِجَازَتَهُ لِيَتَعَجَّلَ حَقَّهُ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ لَهُ (١). وَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ بَيْعُهُ (٢). وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ غُلَامًا، أَوْ أَمَةً فَأَعْتَقَهَا الرَّاهِنُ؛ فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُوسِرًا جَازَ عِتْقُهُ وَعَجَّلَ لِلْمُرْتَهِنِ حَقَّهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بِيعَتْ وَقُضِيَ الحَقُّ مِنْ ثَمَنِهَا) (٣).
وهذا القول فيه تفريق بين حالة الراهن إن كان موسرًا أو كان معسرًا.
* قوله: (وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الرَّدُّ، وَالإِجَازَةُ).
والرَّد هنا بمعنى: أنَّ العتق غيرُ نافذ.
* قوله: (وَالثَّالِثُ: مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ (٤). وَأَمَّا اخْتِلَافُ الرَّاهِنِ، وَالمُرْتَهِنِ فِي قَدْرِ الحَقِّ الَّذِي وَجَبَ بِهِ الرَّهْنُ).
стр. 8159
فالراهن والمرتهن كغيرهم قد يحصل بينهم خلاف، وربما يكون الخلاف مُتعمَدًا، وربما ينتج عن نسيانٍ أو غير ذلك من الأمور.
* قوله: (فَإِنَّ الفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ: القَوْلُ قَوْلُ المُرْتَهِنِ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ قَدْرِ الحَقِّ مَا لَمْ يمُنْ قِيمَةُ الرَّهْنِ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ).
وهذا من الاستحسان الذي يأخذ به الإمام مالك لكن الجمهور يخالفونه كما سيأتي، وأن معهم الأصل وأن القول قول الراهن؛ لأنه صاحب الحق.
* قوله: (فَمَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ فَالقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهْنِ (١). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)).
وأحمد (٣).
* قوله: (وَأَبُو حَنِيفَةِ (٤)، وَالثَّوْرِيُّ، وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ
[كِتَابُ الحَجْرِ]
والحَجر في اللغة: هو المنع، حُجِرَ على فلان أن يفعل كذا، أي: مُنِع وضُيِّق عليه (١)، ولذلك سُمِّي العقل حجرًا؛ لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب ما يقبح وما يشين وما فيه ضرر (٢)، وهذا الإنسان أعمل عقله وتصرف تصرف العقلاء، أما إذا لم يعمل عقله فتجده يتصرف تصرف المجانين والسفهاء، والله أعطانا هذه العقول لندرك بها فتعرف ما ينفع فنفعله وما يضر فنجتنبه، وأرشدنا إلى التفكر في هذه العقول وأن نستخدمها فيما ينفع، ولذلك يقول الله : ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)﴾ أي: ذِي عَقلٍ (٣)، فينبغي أن يُستخدم هذا العقل الذي ميَّرْه الله به على الحيوان وفضله به على من فقد عقله، فعليه أن يدرك هذه النعمة وأن يستغلَّ هذا العقل وأن يصرفَه فيما ينفعه وتستقيم به أحوالُه.
стр. 8164
أما في الاصطلاح الفقهي أو الشرعي، فالحجر: هو منع الإنسان من التصرف في ماله (١).
وهذه قضية لا بد من الوقوفِ عندها، فكيف يُمنَع الإنسان من المَصرف في ماله؟ لا شكَّ أن المال ملك للإنسان والنفوس قد جُبِلت على حبِّ المال وعلى المَعلُّق به وعلى بذل الوقتِ والجهد في سبيل الوصول إلى جمع المال، يقوله الله : ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ [الفجر: ٢٥]، وقال سبحانه: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦] فالنفوس تميل إلى المال وترغب فيه وتسعى بأن تجمع منه الكثير، وهذا أمر لا شكَّ فيه، ولذلك نجد أيضًا بأنه حرَّم التعدي على أموال الناس، فإن الله يقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، والرسول ﷺ يقول: "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه" (٢)، وفي خطبة رسول الله ﷺ في حجة الوداع التي ودع بها المؤمنين ولم يمض عليه وقت طويل حتى لحق بالرفيق الأعلى، افتتح ﷺ بقوله: "إِنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم كحرمة
стр. 8165
يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" (١)، والإسلام مع أهمية المال طالب المؤمنين بأن يجمعوه من طرق مشروعة مباحة، ولذلك من توفيق الله للعبد أن يجمع المال عن طريق مشروع، وهذا المال الذي يجمعه الإنسان فيه حقوق، وهذه الحقوق منها ما هو واجب كما عرفنا في حق الزكاة فيمن بلغ ماله نصابًا، هناك حقوق أخرى كالحقوق التي تجب على الإنسان كحقِّ الوالدين والأبناء الصغار وغير ذلك مما يجب على الإنسان، وهناك حقوق غير واجبة لكنها ترفع المؤمن درجات وتكون سببًا في دخوله أعلى الجنات، ومن ذلكم الإنفاق في سبيل الله ، ولذلك نجد أن الله يحضُّ على الإنفاق ويرغِّب فيه، ولما كانت النفوس أيضًا قد جُبِلَت على الشُّحِّ، فإن الله فتح أبواب المسابقة وحضَّ على الإنفاق ورغَّب فيه ووضع له جزاءً عظيمًا فقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤]، ولا شكَّ أن من أجلِّ السُّبل التي يسلكها الإنسان في سبيل الإنفاق ويبذل فيها ما كان في سبيل الله يأتي في مقدمة ذلك ما يتعلَّق بمساعدة المحتاجين.
فهذا المال أهميته ومكانته في الإسلام كبيرة، وأنه ينبغي أن يُحفَظ وأن يُحافَظ عليه، إذا ما قصَّر الإنسان فيه أو لم يكن أهلًا لرعايته وفي إصلاحه وحسن التصرف فيه، فإنه يحجر عليه، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥]، ثم يقول عقب ذلك مباشرة: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا
стр. 8166
وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ٦]، فإذا كان الإنسان سفيهًا غير رشيد في رعاية المال وفي الحفاظ عليه وفي صيانته وأساء تصرفه، فإنه يُحجر عليه ويمنع من التصرف فيه، وإن كان خالص حقِّه؛ لأن هذا في مصلحته، وربما يكون الذي يتصرف في المال غير عاقل كالمجنون أو الصغير فإنه أيضًا يُمنَع من التصرف فيه، وربما يكون عاقلًا مدركًا غير سفيهٍ لكن عليه ديون تستغرق ماله، فإنه يحجَر عليه لمصلحة غيره.
* قوله: (وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الكِتَابِ فِي ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ؛ البَابُ الأَوَّلُ: فِي أَصْنَافِ المَحْجُورِينَ. الثَّانِي: مَتَى يَخْرُجُونَ مِنَ الحَجْرِ، وَمَتَى يُحْجَرُ عَلَيْهِمْ، وَبِأَيِّ شُرُوطٍ يَخْرُجُونَ؟ الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ أَفْعَالِهِمْ فِي الرَّدِّ، وَالإِجَازَةِ. البَابُ الأَوَّلُ فِي أَصْنَافِ المَحْجُورِينَ: أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الحَجْرِ عَلَى الأَيْتَامِ).
لأن هذا قول الله ، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]، ويقول: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾.
* قوله: (الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ) (١).
ولم يتحدَّثِ المؤلفُ ﵀ عما يتعلق بالبلوغ، ولعلَّه ترك ذلك لكونه قد مضى الحديث عنه، ولا شكَّ أن البلوغ له علامة، وهي المراد في: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، أي: بلغوا مبلغ الرجال والنساء وليس
стр. 8167
القصد ﴿بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، أي: الزواج، وأصبحوا فيه مكلفين (١)، فما هي علامات البلوغ؟ هناك علامات ثلاث يشترك فيها الذكور والإناث:
الأولى: بلوغ الحلم: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، أي: هو البلوغ المراد به ظهور الماء الذي يعرف بالمني من القبل بالنسبة للرجال والنساء (٢).
الثانية: الإنبات، وليس المراد بالإنبات مجرد الزغب الذي يسمى الشيء الخفيف (٣)، إنما هو الشعر الخشن الذي نصَّ عليه الفقهاء، وهذا الذي ينبت بالنسبة للذكر حول الذكر وبالنسبة للأنثى حول قبلها (٤).
стр. 8168
الثالثة: هي بلوغ السن، وهي سن خمسة عشر عامًا وهذا هو رأي الجمهور (١)، وبعض العلماء قال: سبعة عشر عامًا، وبعضهم قال: ثمانية عشر عامًا (٢)، وبعضهم فرَّق بين الذكر والأنثى وقال: الذكر إلى ثمانية
стр. 8169
عشر، والأنثى إلى سبعة عشر (١).
وهناك علاماتان تنفرد بهما الأنثى فتضافان إلى الثلاث، وهما:
الأولى: سن المحيض (٢)، في الحديث الصحيح: "لا يقبل الله صلاة حائضر بغير خمار" (٣)، يعني: التي بلغت سن الحيض، وحديث عائشة المتفق عليه: "إحدانا يصيب ثوبها دم الحيض فماذا تصنع؟ "، فقال رسول الله ﷺ : "تحُتُّه ثُمَّ تَقرُصُه ثُمَّ تنضحُه بالماءِ" (٤).
الثانية: الحمل؛ لأن الحمل لا يكون إلا من ماء (٥)، كما قال تعالى: ﴿ … مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ [الطارق: ٦، ٧]، فهذه هي العلامات التي يعرف بهما الذكر والأنثى وصولهما مرحلة البلوغ.
وبالنسبة للمجنون فلا خلاف فيه بأنه إذا زال عنه جنونه وعاد إليه عقلُهُ فإنه يرفع عنه الحجر دون حاجة إلى حكمِ حاكم (٦)، وبالنسبة للسَّفيه
стр. 8170
الكبير فلا بد من حكم حاكم (١)، واختلفوا في الصغير، وأكثرهم يرى أنه لا يحتاج إلى حكم حاكم (٢).
стр. 8171
* قوله: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]) (١).
و"اليتيم": من مات أبوه ولم يبلغ وإن كانت أُمُّه موجودةً (٢).
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الحَجْرِ عَلَى العُقَلَاءِ الكِبَارِ إِذَا ظَهَرَ مِنْهُمْ تَبْذِيرٌ لِأَمْوَالِهِمْ).
فلا يجوز الحجر على الكبير، لكن يحجر عليه إذا فرَّط وضيَّع المال ولم يصلحْهُ، فلمصلحته يحجر عليه.
* قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤)).
стр. 8172
وأحمد (١)، وجماهير العلماء جميعًا، ما عدا الإمام أبا حنيفة (٢)؛ لأن أبا حنيفة يفرق بين أن يكون الحجر مستمرًّا، فيرى أبو حنيفة أنه إذا حُجِر على الصغير ثم بلغ سنَّ الرشدِ ولم يكن راشدًا استمرَّ الحجرُ عليه، لكن بعد أن يتغير حاله أو ظهر منه السَّفهُ بعد أن تجاوز هذه السن لا يرَى الحجرَ عليه، ويجعل الحدَّ في ذلك بالنسبة للصغير الذي استمرَّ سفهُه إلى خمسة وعشرين عامًا، ويستدل بالآية: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الإسراء: ٣٤] (٣)، وقد ردَّ عليه جماهيرُ العلماء بأن الاستدلال بها عن طريق مفهوم المخالفة، أي: دليل الخطاب وهو لا يرى العمل به، وحتى لو قُدِّر أن في الآية ما يفهم منها الدلالة فقد خصصتها الأدلة الأخرى، وعلقت عليها؛ لأن المؤلف لم يعرضْ لها (٤).
* قوله: (وَأَهْلُ المَدِينَةِ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ إِلَى جَوَازِ ابْتِدَاءِ الحَجْرِ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ الحَاكِمِ، وَذَلِكَ إِذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ سَفَهُهُمْ وَأَعْذَرَ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَدْفَعٌ) (٥).
стр. 8173
فيحجر على الكبير بحكم الحاكم؛ لأنه ليس صغيرًا.
* قوله: (وَهُوَ رأي ابْن عَبَّاسٍ (١)، وَابْن الزُّبَيْرِ (٢)).
ولذلك بعض العلماء قال: هذا هو رأي الصحابة ولم يعرف مخالف لهم فيكون إجماعًا (٣).
стр. 8174
* قوله: (وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ إِلَى أَنه لَا يُبْتَدَأُ الحَجْرُ عَلَى الكِبَارِ).
مع أن صاحبيه خالفاه (أبو يوسف ومحمد) في هذه المسألة فانضما إلى جماهير العلماء (١).
* قوله: (وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنِ سِيرِينَ) (٢).
إبراهيم النخَعيُّ تابعي، وابن سيرين أيضًا من التابعين الذي يُعرف بتفسير الرُّؤى.
* قوله: (وَهَؤُلَاءِ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الحَجْرُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ البُلُوغِ بِحَالٍ، وَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُمُ التَّبْذِيرُ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنِ استَصْحَبُوا التَّبْذِيرَ مِنَ الصِّغَرِ يَسْتَمِرُّ الحَجْرُ عَلَيْهِمْ).
وهذا القول الأخير هو قول أبي حنيفة (٣)، لكنَّه إذا جاء وقت البلوغ
стр. 8175
وظلَّ على حاله والله تعالى يقول: ﴿وَابْتَلُوا﴾، يعني: اختبروا (١)، وبعض العلماء يرى أنه يبتدئ بالاختبار قبيل سن البلوغ فيجرب الإنسان، إن كان أبوه غنيًّا يعطيه أبوه الفرصة بأن يبيع ويشتري، وإن كان غير ذلك فإنه يمكَّن من العمل في أيِّ مكان من الأمكنة، ويجرِّب بعض الأمور.
* قوله: (وَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُمْ رُشْدٌ بَعْدَ البُلُوغِ، ثُمَّ ظَهَرَ مِنْهُمْ سَفَهٌ، فَهَؤُلَاءِ لَا يُبْدَأُ بِالحَجْرِ عَلَيْهِمْ) (٢).
لأنهم يقولون: أنه عندما يصلُ إلى سنِّ البلوغ كان راشدًا، والله تعالى يقول: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، أي: إذا بلغوا مبلغ الرجال ومبلغ النساء ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾، أي: وجدْتُم فيهم وأدركتم صلاحًا لأموال فادفعوا إليهم أموالهم، وهذا قد ثبت صلاحه وأهليته لأنْ يتصرف، فكيف نأتي بعد ذلك ونحجر عليه؟!
* قوله: (وَأَبُو حَنِيفَةَ يَحُدُّ فِي ارْتِفَاعِ الحَجْرِ، وَإِنْ ظَهَرَ سَفَهُهُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ عَامًا).
فيجعل الحدَّ في ذلك خمسة وعشرين عامًا وبذلك ينتهي، ويستدلُّ الحنفية بقول الله في أواخر سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾، ومعنى يبلغ أشده: أي: يصبحُ رجلًا سويًّا (٣).
стр. 8176
* قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ أَوْجَبَ عَلَى الكِبَارِ ابْتِدَاءَ الحَجْرِ: أَنَّ الحَجْرَ عَلَى الصِّغَارِ إِنَّمَا وَجَبَ لِمَعْنَى التَّبْذِيرِ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِمْ غَالِبًا، فَوَجَبَ أَنْ يجِبَ الحَجْرُ عَلَى مَنْ وُجِدَ فِيهِ هَذَا المَعْنَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَغِيرًا) (١).
لأنَّ الصغير محلٌّ لأنْ يبذرَ ماله؛ لأنه لم ينضجْ عقلُه بعدُ، وإذا لم يحسن التصرف ربما يبذر أمواله ويضيعها ويعود ذلك عليه بالضرر ولذلك حُجر عليه، وهذه العلة نفسها توجد في السفيه الذي لا يحسن سياسة ماله ولا التصرف فيه ولا في حفظه.
* قوله: (قَالُوا: وَلذَلِكَ اشْتَرَطَ فِي رَفْعِ الحَجْرِ عَنْهُمْ مَعَ ارْتِفَاعِ الصِّغَرِ إِينَاسَ الرُّشْدِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]).
أي: صلاحًا في أموالهم فسلِّموا لهم أموالَهم.
* قوله: (فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ السَّبَبَ المُقْتَضِيَ لِلْحَجْرِ هُوَ السَّفَهُ (٢). وَعُمْدَةُ الحَنَفِيَّةِ: حَدِيثُ حَبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ (٣).
стр. 8177
وهذا الحديث مرَّ بنا، وفي بعض الروايات: حبان بن منقذ، وفي بعضها: منقذ بن حبان، فهل هو الابن أو الأب؟ وهذا لا يؤثر (١)، وهو حديث أصله في الصحيحين (٢)، وجاء في السنن التصريح باسمه؛ أي: باسم حبان بن منقذ (٣)، وهذا قصته معروفة: رجل كان يخدع في البيوع لشيء أصابه في رأسه فشكى إلى رسول الله ﷺ حاله وأنه يخدع في البيوع، فقال له رسول الله ﷺ : "إذا بايعت فقل: لا خلابة"، أي: لا خديعة ولا غدر (٤)، فكان يفعل ذلك، وامتدَّ به ذلك إلى عهد
стр. 8178
الصحابة ﵃ فكان يحصل نزاع بينه وبين بعض البائعين فيشهد له أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأن الرسول ﷺ وهبه ذلك الحقَّ (١).
* قوله: ("إِذْ ذَكَرَ فِيهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي البُيُوعِ، فَجَعَلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الخِيَارَ ثَلَاثًا، وَلَمْ يَحْجِرْ عَلَيْهِ". وَرُبَّمَا قَالُوا: الصِّغَرُ هُوَ المُؤَثِّرُ فِي مَنْعِ التَّصَرُّفِ بِالمَالِ، بِدَلِيلِ تَأْثِيرِهِ فِي إِسْقَاطِ التَّكْلِيفِ، وَإِنَّمَا اعْتُبِرَ الصِّغَرُ، لِأَنَّهُ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ السَّفَهُ غَالِبًا).
لكن الجمهور دليلهم هذه الآية التي فيها الاختبار، ثم الآية التي قبلها: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾، فإن السفيه سفيهٌ مهما تقدم به السنُّ ومهما طال عمرُهُ.
* قوله: (كَمَا يُوجَدُ فيه نَقْصُ العَقْلِ غَالِبًا، وَلذَلِكَ جُعِلَ البُلُوغُ عَلَامَةَ وُجُوبِ التَّكْلِيفِ وَعَلَامَةَ الرُّشْدِ إِذْا كَانَا يُوجَدَافي فِيهِ غَالِبًا، -أَعْنِي: العَقْلَ وَالرُّشْدَ- وَكمَا لَمْ يُعْتَبَرِ النَّادِرُ فِي التَّكْلِيفِ، أَعْنِي: أَنْ يَكُونَ قَبْلَ البُلُوغِ عَاقِلًا فَيُكَلَّفُ؛ كَذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرِ النَّادِرُ فِي السَّفَهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ البُلُوغِ سَفِيهًا فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ، كَمَا لَمْ يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ قَبْلَ البُلُوغِ رَشيدًا (٢). قَالُوا: وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٥]، لَيْسَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ مَنْعِهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ فَسْخَ بُيُوعِهَا وَإِبْطَالَهَا) (٣).
стр. 8179
لأن أكثر ما تدلُّ عليه الآية أنهم لا يؤتون أموالهم، لكن لو باعوا واشتروا فلا ينبغي أن تبطل بيوعاتهم، ونحن نقول: ما دليل ذلك؟ الله منع من أن تؤتى إليهم أموالُهم فإذا كان الأمر كذلك، فلا يؤتون أموالهم؛ لأنهم لا يحسنون التصرف، وإذا كانوا لا يحسنون التصرف فيها فكيف يقرُّ لهم بيع وشراء وهبة وعطية ووصية وغير ذلك!
* قوله: (وَالمَحْجُورُونَ عِنْدَ مَالِكٍ سِتَّةٌ) (١).
وحصرهم المؤلِّفُ عند الإمام مالك بستة، ووافقه الإمام أحمد عليهم لكنَّ واحدًا منهم وافقه في رواية، وزاد الحنابلة على الستة (٢).
* قوله: (الصَّغِيرُ).
بإجماع العلماء لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ (٣).
* قوله: (وَالسَّفِيهُ).
стр. 8180
لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾ (١).
* قوله: (وَالعَبْدُ).
ومثله المكاتب، ولم يذكر عندهم ومنع تصرفهما في المال لمصلحة سيدهما (٢).
* قوله: (وَالمُفْلِسُ).
لأن الرسول ﷺ لما طُولب بالحجر حجر على المفلس كما سيأتي في قصة معاذ (٣)، وقصة جابر بن عبد الله عندما قُتل والده عبد الله شهيدًا (٤).
* قوله: (وَالمَرِيضُ).
فيما زاد على الثلث، أي: في تبرعه.
* قوله: (وَالزَّوْجَةُ).
وهذا هو الذي يوافقه فيها الإمام أحمد في رواية عنه،
стр. 8181
فالمالكية (١)، والإمام أحمد في رواية يرون أنها لا تتصرف في أموالها فيما زاد على الثلث إلا بشرط أن يكون مقابل عوض (٢)، أما إذا لم يكن مقابل عوض فإن ذلك لا يجوز.
* قوله: (وَسَيَأْتِي ذِكْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي بَابِهِ).
* قَوْله: ([البَابُ الثَّانِي: مَتَّى يَخْرُجُونَ مِنَ الحَجْرِ، وَمَتَى يُحْجَرُ عَلَيْهِمْ، وَبِأَيِّ شُرُوطٍ يَخْرُجُونَ]).
الصغير والمجنون يُحجر عليهما، وكذلك السفيه، لكِنْ متى يتم الحَجْر ومتى ينتهي؟ وهل للنهاية علامات ذكرها الله ؟ وفيما يتعلق بإيناس الرشد خلافٌ بين العلماء، هل المراد بإيناس الرشد هو الصلاح في المال، أو الصلاح في الدين (يعني: ألَّا يكون فاسقًا)؟
* قوله: (وَالنَّظَرُ فِي هَذَا البَابِ فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي وَقْتِ خُرُوجِ الصِّغَارِ مِنَ الحَجْرِ، وَوَقْتِ خُرُوجِ السُّفَهَاءِ).
بَيَّنَ الله ذلك غاية البيان، فقال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ بعد أن قال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]، فالآية أشارت إلى أمرين، هما:
стр. 8182
الأوَّل: بلوغ النكاح.
وَالثَّانِي: إيناس الرشد.
* قوله: (فَنَقُولُ: إن الصِّغَارَ بِالجُمْلَة صِنْفَانِ: ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ).
أَيْ: إن الصغار لا يخلون من وصفين: أن يَكُونوا ذكورًا أو إناثًا، ومراد المؤلف من تقسيمهم إلى قسمين أن يُبيِّن:
١ - هل هناك فرق بين الذكر وبين الأنثى؟ فمن العلماء من خالف في الأنثى كما سيأتي.
٢ - هل هناك فرق بين وصي الأب ومَنْ له وصي غير الأب، ومن لا وصي له الذي سمَّاه المؤلف بالمهمل؟ وهل يترك مهملًا أو أن السلطان ولي مَنْ لا ولي له كما جاء في الحديث (١)؟
لذلك، قال المؤلِّف ﵀:
(وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ إِمَّا ذُو أَبٍ، وَإِمَّا ذُو وَصِيٍّ، وَإِمَّا مُهْمَلٌ، وَهُمُ الَّذِينَ يَبْلُغُونَ وَلَا وَصِيَّ لَهُمْ وَلَا أَبٌ، فَأَمَّا الذُّكُورُ الصِّغَارُ ذَوُو الآبَاءِ: فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ مِنَ الحَجْرِ إِلَّا بِبُلُوغِ سِنِّ التَّكلِيفِ، وَإينَاسِ الرُّشْدِ مِنْهُمْ) (٢).
وأن يأذن له أبوه أيضًا، وما سيأتي في الوصي بأن يتصرف، ويسبق ذلك الاختبار.
стр. 8183
هل الاختبار قبل سن البلوغ أو بعده؟
يُفْهم من الآية أنه قبل ذلك: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] فلا يزال هذا الصغير يحمل اسم اليتيم، إذًا، هو قبل ذلك؛ لأن الله سماهم يتامى في وقت الابتلاء، فإنْ كان أبوه غنيًّا، فإنه يُعْطى الفرصة ليبيع ويشتري ويماكس (١)، وإذا كان أبوه من أصحاب المناصب، ولا يشتغل بالتجارة، فإنه يجرب في أمورٍ أخرى، وسيأتي بالنسبة للمرأة أنها تُعطى شيئًا من النفقة لتتصرف فيها، ليُرى هل هي كَيِّسَة تُحْسن إدارة الأموال والتصرف فيها وعدم تضييعها أو لا؟
* قوله: (وَإنْ كَانُوا قَد اخْتَلَفُوا فِي الرُّشْدِ مَا هُوَ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]).
قد يسأل سائل فيقول: الآية واضحة، فلماذا هذا الخلاف بين الفقهاء؟ فالله تعالى قال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦]، إذًا، هناك ابتلاء، ثم قال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، فلماذا هذا التفصيل وهذه الخلافات؟
والجواب: إن هذا اجتهاد من الفقهاء ﵏، وتحرٍّ، وبذل الجهد لمصلحة هذا الصغير حرصًا منهم على حفظ أمواله، وعدم تضييعها، وعدم التفريط فيها؛ لأن الأذى سيلحقه.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الإِنَاثِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ).
стр. 8184
أبو حنيفة (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣).
* قوله: (إلى أن حُكْمَهُنَّ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الذُّكُورِ -أَعْنِي: بُلُوغَ المَحِيضِ، وَإينَاسَ الرُّشْدِ-).
" بلوغ المحيض": يعني أن تبلغ المرأة، وقد ذكرنا قَبْلُ العلامات الخمس بالنسبة للأنثى، والثلاث بالنسبة للذكر التي يشترك فيها مع الأنثى.
* قَوْله: (وَقَالَ مَالِكٌ (٤): هِيَ فِي وِلَاية أَبِيهَا -فِي المَشْهُورِ عَنْهُ- حَتَّى تتزَوَّجَ، وَيَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا، وَيُؤْنَسَ رُشْدُهَا).
إذًا، هناكَ ثَلاثَةُ شُرُوطٍ عند مالكٍ ﵀:
أوَّلها: أن تتزوج، أي: يتم العقد.
стр. 8185
والثاني: أن يدخل بها زوجها.
والثالث: أن يؤنس بها رشدها؛ أعني: يظهر بعد زواجها أنها أهلٌ لأنْ تتصرف .. هذه شروط ذكرت عن الإمام مالك ﵀.
وعن أحمد رواية أخرى (١): أنه لا بد من أن تتزوَّج، وأن يمرَّ عليها عام بعد زواجها، أو أن تلد؛ لأنَّه إذا مرَّ عليها عام، وجربت بيت الزوجية، وأدركت المسؤولية وأحست بها، وإذا ولدت أيضًا سيكون لها طفل، فهي سترعاه وتدرك أهمية ذلك، وتحس بالمسؤولية أيضًا، قالوا: وهذا (أي: قول أحمد في هذه الرواية) أُثر عن عمر ﵁ أنه وجه القاضي شريحًا بذلك (٢)، هذه حجة الذين قالوا بهذا القول، لكن الجمهور خالفوا وقالوا: إن الآية صريحة في ذلك، فذكرت البلوغ وإيناس الرشد، وهي عامة تشمل الذكر والأنثى.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الجُمْهُورِ) (٣).
إذًا، الإمَام مالكٌ ﵀ له قولٌ آخر -وإنْ لم يكن مشهورًا- يتفق فيه مع الجمهور، وأحمد في المشهور عنه مع أبي حنيفة والشافعي، وله قول آخر اقتداءً بما أُثِرَ عن عمر ﵁، وأبو حنيفة والشافعي ليس لهما إلا قولٌ واحدٌ، وهو أنه لا فرق بينهما.
стр. 8186
* قَوْله: (وَلأَصْحَابِ مَالِكٍ فِي هَذَا أَقْوَالٌ غَيْرُ هَذِهِ، قِيلَ: إِنَّهَا فِي وِلَاية أَبِيهَا حَتَّى يَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ بَعْدَ دُخُولِ زَوْجِهَا بِهَا) (١).
هذه قريبٌ مما قال به الإمام أحمد ﵀، ولعلهم أَخَذوا ذلك مما
أُثِرَ عن عمرَ ﵁ أيضًا.
* قوله: (وَقِيلَ: حَتَّى يَمُرَّ بِهَا عَامَانِ، وَقِيلَ: حَتَّى تَمُرَّ بها سَبْعَةُ أَعْوَامٍ) (٢).
لَكنَّ المؤلف ﵀ سيضعف هذين القولين؛ إذْ لا دليلَ عليهما.
* قوله: (وَحُجَّةُ مَالِكٍ: أن إينَاسَ الرُّشدِ لَا يُتَصَوَّرُ مِنَ المَرأة إِلَّا بَعْدَ اخْتِبَارِ الرِّجَالِ. وَأَمَّا أَقَاوِيلُ أَصْحَابِهِ، فَضَعِيفَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلنَّصِّ، وَالقِيَاسِ).
إذْ لا أساس لها، لكنَّ مالكًا ﵀ له وجهة نظر من المصلحة، وأحمد في قوله الآخر اعتمد على ما أثر عن عمر ﵁، وأما القولان الأخيران للمالكية فلا دليل عليهما، ولذلك ضعفهما المؤلف ﵀.
* قوله: (أَمَّا مُخَالَفَتُهَا للنَّصِّ: فَإِنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا الرُّشْدَ، وَأَمَّا مُخَالَفَتُهَا لِلْقِيَاسِ: فَلأنَّ الرُّشْدَ مُمْكِنٌ تَصَوُّرُهُ مِنْهَا قَبْلَ هَذِهِ المُدَّةِ المَحْدُودَةِ).
قَدْ يحصلُ الرشد للفتاة قبل المدة التي حدَّدوها، وحتى نضع مدةً محددةً نحتاج إلى دليلٍ، أو أن تُثبت التجربةُ ذلك.
стр. 8187
* قَوْله: (وَإِذَا قُلْنَا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ لَا عَلَى قَوْلِ الجُمْهُورِ: إن الِاعْتِبَارَ فِي الذُّكُورِ ذَوِي الآبَاءِ البُلُوغُ، وَإِينَاسُ الرُّشْدِ، فَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ إذا بَلَغَ وَلَمْ يُعْلَمْ سَفَهُهُ مِنْ رُشْدِهِ، وَكَانَ مَجْهُولَ الحَالِ: فَقِيلَ عَنْهُ: إنَّه مَحْمُولٌ عَلَى السَّفَهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ رُشْدُهُ، وَهُوَ المَشْهُورُ. وَقِيلَ عَنْهُ: إنَّه مَحْمُولٌ عَلَى الرُّشْدِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ سَفَهُهُ) (١).
والأخير هو رَأْي جمهور الفقهاء (٢)؛ لأن الأصل فيه السلامة، وأن يُحْمل على الرشد حتى يتبين منه سفهه.
* قوله: (فَأَمَّا ذَوُو الأَوْصِيَاءِ (٣): فَلَا يَخْرُجُونَ مِنَ الوِلَاية فِي المَشْهُورِ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا بِإِطْلَاقِ وَصِيِّهِ لَهُ مِنَ الحَجْرِ) (٤).
أمَّا جُمْهور العلماء، فقَد عرفنا رأيهم: يُخْتبر هذا الصغير، لَكن هل يُخْتبر قُبَيل البلوغ كما هو عند الحنابلة أو بعد البلوغ كمَا هو عند الشافعية؟
﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]، فسرها عبد الله بن عباس (١) ﵄ حَبْرُ القرآن بقوله: صلاح في أموالهم، فإذا تبين ذلك أنهى الأمر؛ سواء كان وصيه الأب أو غير الأب أو كان القاضي.
* قَوْله: (فَإِنَّ المُؤَثِّرَ هُوَ الرُّشْدُ لَا حُكْمُ الحَاكِمِ، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الرُّشْدِ مَا هُوَ؟ فَإِنَّ مَالِكًا (٢) يَرَى أنَّ الرُّشْدَ هُوَ تَثْمِيرُ المَالِ وَإِصْلَاحُهُ فَقَطْ).
مالك، وأحمد (٣)، يريان أن المراد به: الرشد في المال، راشدًا في تصرفه في أمواله، ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] فسرها ابن عباس: صلاح في أموالهم.
* قَوْله: (وَالشَّافِعِيُّ (٤) يَشْتَرِطُ مَعَ هَذَا صَلَاحَ الدِّينِ؛ وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ يَنْطَلِقُ اسْمُ الرُّشْدِ عَلَى غَيْرِ صَالِحِ الدِّينِ؟).
الإمَامُ الشافعيُّ: يرى أن الرشدَ هو البعد عن السفه، والسفه يكون
стр. 8190
في الدين، فالذي لا يُؤْمن على دينه لا يُؤْمن على ماله، وأولئك يقولون: قد يكون الإنسان سفيهًا في دينه، قليل الصلاة، لا يُزكي، ويقصر في واجباته، لكنه من أحرص الناس على أمواله، ولذلك لما فسر ابن عباس الآية ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾، قال: صلاحًا في أموالهم، وردوا على الشافعية بقولهم: هل يُحْجر على الكافر؟ (١) قالوا: لا. قالوا: وهل هناك فسق وضلال أشد من ضلال الكافر؟! ومع ذلك فإنَّ الكافر يتصرف في ماله، فما دام يُحْسن التصرف في ماله، ويحسن إدارته ولا يضيعه، فيَكْفي في ذلك، أما أن يضيع دينه، فتلك مَسْألةٌ أخرى.
* قَوْله: (وَحَالُ البِكْرِ مَعَ الوَصِيِّ كَحَالِ الذَّكَرِ، لَا تَخْرُجُ مِنَ الوِلَاية إِلَّا بِالإِخْرَاجِ مَا لَمْ تَعْنَسْ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ).
يقصد بالبكر: الَّتي لم تبلغ بعد، ويعني بذلك أن الأنثى كحال الذَّكَر.
* قَوْله: (وَقِيلَ: حَالُهَا مَعَ الوَصِيِّ كحَالِهَا مَعَ الأَبِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ المَاجِشُون (٢). وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُمْ إنَّه لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الرُّشْدُ كاخْتِلَافِهِمْ فِي اليَتِيمِ. وَأَمَّا المُهْملُ مِنَ الذُّكُورِ فَإِنَّ المَشْهُورَ أنَّ أَفْعَالَهُ جَائِزَة إذا بَلَغَ الحُلُمَ كانَ سَفِيهًا مُتَّصِلَ السَّفَهِ، أو غَيْرَ مُتَّصِلِ السَّفَهِ، مُعْلِنًا بِهِ أو غَيْرَ مُعْلِنٍ).
стр. 8191
لا نُسَمِّيه مهملًا، ولكن نَقُول: إنسان لا وصيَّ له، فإنه حِينَئذٍ يُتَّخذ له وصي، أي: إنسان يرعى شؤونه، ويقوم عليها.
* قَوْله: (وَأَمَّا ابْنُ القَاسِمِ (١) فَيَعْتَبِرُ نَفْسَ فِعْلِهِ إذا وَقَعَ، فَإِنْ كَانَ رُشْدًا جَازَ وَإِلَّا رَدَّهُ).
وَهذَا هو الصحيح، وهو رأي جماهير العلماء (٢)، فبعد بلوغه يُحْكم عليه في تَصرُّفاته، فإن كان هذا الذي لا وصيَّ له يتصرف تصرف العقلاء الراشدين؛ فإنه حينئذٍ يُنزَّل منزلتهم، وإن كان غير ذلك، فإنه يُرْفع أمره إلى القاضي، ويتولى شؤونه.
* قَوْله: (فَأَمَّا اليَتِيمَةُ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا، وَلَا وَصِيَّ: فَإِنَّ فِيهَا فِي المَذْهَبِ قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أنَّ أَفْعَالَهَا جَائِزَةٌ إذا بَلَغَتِ المَحِيضَ. وَالثَّانِي: أَفْعَالهَا مَرْدُودَةٌ مَا لَمْ تَعْنَسْ، وَهُوَ المَشْهُورُ (٣)).
стр. 8192
وهذا أيضًا فيه بُعْدٌ، وما لم تعنس فيه ضرر عليها ربما تصل الستين، وهي بعد داخلة في العنوسة، ومعنى "تعنس"؛ أي: يصيبها العنس، أيْ: تمضي السنوات ولم تتزوج، وما أكثرهن في هذا الزمان!
* قوله: (البَابُ الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ أَفْعَالِهِمْ فِي الرَّدِّ وَالإِجَازَةِ، وَالنَّظَرُ فِي هَذَا البَابِ فِي شَيْئَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مَا يَجُوزُ لِصِنْفٍ صِنْفٍ مِنَ المَحْجُورِينَ مِنَ الأَفْعَالِ، وَإِذَا فَعَلُوا فَكَيْفَ حُكْمُ أَفْعَالِهِمْ فِي الرَّدِّ وَالإِجَازَةِ، وَكَذَلِكَ أَفْعَالُ المُهْملِينَ -وَهُمُ الَّذِينَ بَلَغُوا الحُلُمَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَلَا وَصِيٍّ، وَهَؤُلَاءِ كَمَا قُلْنَا: إِمَّا صِغَارٌ، وَإِمَّا كِبَارٌ مُتَّصِلُو الحَجْرِ مِنَ الصِّغَرِ، وَإِمَّا مُبْتَدَأٌ حَجْرُهُمْ).
سيبين لنا المؤلف ﵀ حكم ما يحصل منهم من تصرفات، فإذا تصرف هؤلاء هل تنفذ تصرُّفاتهم أو لا؟
* قَوْله: (فَأَمَّا الصِّغَارُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنَ الرِّجَالِ، وَلَا المَحِيضَر مِنَ النِّسَاءِ، فَلَا خِلَافَ فِي المَذْهَبِ فِي أنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ فِي مَالِهِ مَعْرُوفٌ مِنْ هِبَةٍ، وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَا عَطِيَّةٍ، وَلَا عِتْقٍ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الأَبُ فِي ذَلِكَ، أَو الوَصِيُّ، فَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ يَدِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ عِوَضٍ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى نَظَرِ وَلِيِّهِ إِنْ كَانَ لَهُ وَلِيٌّ، فَإِنْ رَآهُ رُشْدًا أَجَازَهُ، وَإِلَّا أَبْطَلَهُ) (١).
هذا هو مذهب الجمهور (٢) عمومًا، وليس مذهبَ مَالِكٍ ﵀،
стр. 8193
فهؤلاء الصِّغار ليس لهم أن يتصرفوا في مالهم، لا من هِبَةٍ، ولا عَطيَّةٍ، ولا غير ذلك مما يخرج من أموالهم؛ لأنَّه بهذا التصرف يُلْحق الضرر بنفسه، وهو غير مُدْرك، ولذلك تُلْغى هبته، وعطيته وبيعه وشراؤه إلى غير ذلك.
* قَوْله: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَليٌّ قُدِّمَ لَهُ وَليٌّ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، وإن عَمِلَ فِي ذَلِكَ -حَتَّى يَلِيَ أَمْرَهُ- كَانَ النَّظَرُ إِلَيْهِ فِي الإِجَازَةِ، أو الرَّدِّ).
يَعْني: إذا لَم يكن له وليٌّ، يُوضَع له وليٌّ، والذي يضع إنما هو القاضي.
* قَوْله: (وَاخْتُلِفَ (١) إذَا كَانَ فِعْلُهُ سَدَادًا، وَنَظَرًا فِيمَا كَانَ يَلْزَمُ الوَلِيَّ أن يَفْعَلَهُ: هَلْ لَهُ أن يَنْقُضَهُ إذَا آلَ الأَمْرُ إلى خِلَافٍ بِحَوَالة الأَسْوَاقِ).
стр. 8194
يَعْني: باختلاف الأسعار، ربما يكون تَصرُّفه موافقًا لبعض ما يجري في الأسواق مخالفًا لما يجري في أخرى.
* قَوْله: (أَوْ نَمَاءٍ فِيمَا بَاعَهُ، أو نُقْصَانِ فِيمَا ابْتَاعَهُ، فَالمَشْهُورُ أنَّ ذَلِكَ لَهُ).
لكن عند الجمهور أن كُلَّ تصرُّفاته غير مقبولة ما لم يبلغ الحُلُم، هذا هو قول جمهور العلماء في هذه المسألة.
* قَوْله: (وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ، وَيَلْزَمُ الصَّغِيرَ مَا أَفْسَدَ فِي مَالِهِ، مِمَّا لَمْ يُؤْتَمَنْ عَلَيْهِ).
إذا أفسد الصغير في ماله فهو يتحمله، وأيضًا لو أفسد في مال غيره، فهو المسؤول عنه، لكن لو أعطاه غيرُهُ شيئًا فتصرف فيه، فيبقى هذا الذي أعطَاه هو المسؤول عنه؛ سواء علم أو لم يعلم؛ لأنَّه مَحْجورٌ عليه، ولأن هذا من إرادة الذي أعطاه.
* قَوْله: (وَاخْتُلِفَ فِيمَا أَفْسَدَ وَكسَّرَ مِمَّا اوتُمِنَ عَلَيْهِ (١)، وَلَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ ورُشْدِهِ عِتْقُ مَا حَلَفَ بِحُرِّيَّتِهِ فِي صِغَرِهِ وَحَنِثَ بِهِ فِي صِغَرِهِ).
هذه مَسألةٌ فيها خلاف، لكن هذا هو الأَوْلَى؛ لأنَّه عندما حصل منه ذلك لم يكن أهلًا للتصرُّف.
* قَوْله: (وَاخْتُلِفَ فِيمَا حَنِثَ فِيهِ فِي كبَرِهِ، وَحَلَفَ بِهِ فِي صِغَرِهِ، فَالمَشْهُورُ أنَّه لَا يَلْزَمُهُ (٢). وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ (٣): يَلْزَمُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ فِيمَا
стр. 8195
ادُّعِيَ عَلَيْهِ يَمِينٌ. وَاخْتُلِفَ إِذَا كَانَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ: هَلْ يَحْلِفُ مَعَهُ؟ فَالمَشْهُورُ أنَّهُ لَا يَحْلِفُ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ أنَّه يَحْلِفُ (١). وَحَالُ البِكْرِ ذَاتِ الأَبِ وَالوَصِيِّ كَالذَّكَرِ مَا لَمْ تَعْنَسْ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَعْتَبِرُ تَغنِيسَهَا).
وقَدْ رأينا أنَّ الجمهورَ لا يعتبر ذلك، وأن هذا فيه ضرر عليها، وقلنا: ربما لا تتزوج فتبقى معلقةً من أن تتصرف في أموالها.
* قوله: (فأَمَّا السَّفِيهُ البَالِغُ).
السفيه (٢) البالغ هو الحر المكلَّف، أعني: لا يقصد به المملوك؛ لأن المملوك لا يتصرف في ماله؛ لأنَّه ليس له مال، ولذلك عندما يُبَاع من قِبَلِ سيده، فماله لسيده إلا أن يشترط ذلك المبتاع؛ كما قال ﷺ : "من باعِ عبدًا له مال، فمالُهُ لسيده إلا أن يشترطه المبتاع" (٣)، وسُمِّي سفيهًا؛ لأنَّه لم يكن أهلًا رشيدًا لأنْ يتصرف في ماله.
* قَوْله: (فَجُمْهُورُ العُلَمَاءِ (٤) عَلَى أنَّ المَحْجُورَ إذا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ،