← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 8191–8230 · переход к 8196.

стр. 8191

لا نُسَمِّيه مهملًا، ولكن نَقُول: إنسان لا وصيَّ له، فإنه حِينَئذٍ يُتَّخذ له وصي، أي: إنسان يرعى شؤونه، ويقوم عليها. * قَوْله: (وَأَمَّا ابْنُ القَاسِمِ (١) فَيَعْتَبِرُ نَفْسَ فِعْلِهِ إذا وَقَعَ، فَإِنْ كَانَ رُشْدًا جَازَ وَإِلَّا رَدَّهُ). وَهذَا هو الصحيح، وهو رأي جماهير العلماء (٢)، فبعد بلوغه يُحْكم عليه في تَصرُّفاته، فإن كان هذا الذي لا وصيَّ له يتصرف تصرف العقلاء الراشدين؛ فإنه حينئذٍ يُنزَّل منزلتهم، وإن كان غير ذلك، فإنه يُرْفع أمره إلى القاضي، ويتولى شؤونه. * قَوْله: (فَأَمَّا اليَتِيمَةُ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا، وَلَا وَصِيَّ: فَإِنَّ فِيهَا فِي المَذْهَبِ قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أنَّ أَفْعَالَهَا جَائِزَةٌ إذا بَلَغَتِ المَحِيضَ. وَالثَّانِي: أَفْعَالهَا مَرْدُودَةٌ مَا لَمْ تَعْنَسْ، وَهُوَ المَشْهُورُ (٣)).

стр. 8192

وهذا أيضًا فيه بُعْدٌ، وما لم تعنس فيه ضرر عليها ربما تصل الستين، وهي بعد داخلة في العنوسة، ومعنى "تعنس"؛ أي: يصيبها العنس، أيْ: تمضي السنوات ولم تتزوج، وما أكثرهن في هذا الزمان! * قوله: (البَابُ الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ أَفْعَالِهِمْ فِي الرَّدِّ وَالإِجَازَةِ، وَالنَّظَرُ فِي هَذَا البَابِ فِي شَيْئَيْنِ، أَحَدُهُمَا: مَا يَجُوزُ لِصِنْفٍ صِنْفٍ مِنَ المَحْجُورِينَ مِنَ الأَفْعَالِ، وَإِذَا فَعَلُوا فَكَيْفَ حُكْمُ أَفْعَالِهِمْ فِي الرَّدِّ وَالإِجَازَةِ، وَكَذَلِكَ أَفْعَالُ المُهْملِينَ -وَهُمُ الَّذِينَ بَلَغُوا الحُلُمَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَلَا وَصِيٍّ، وَهَؤُلَاءِ كَمَا قُلْنَا: إِمَّا صِغَارٌ، وَإِمَّا كِبَارٌ مُتَّصِلُو الحَجْرِ مِنَ الصِّغَرِ، وَإِمَّا مُبْتَدَأٌ حَجْرُهُمْ). سيبين لنا المؤلف ﵀ حكم ما يحصل منهم من تصرفات، فإذا تصرف هؤلاء هل تنفذ تصرُّفاتهم أو لا؟ * قَوْله: (فَأَمَّا الصِّغَارُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنَ الرِّجَالِ، وَلَا المَحِيضَر مِنَ النِّسَاءِ، فَلَا خِلَافَ فِي المَذْهَبِ فِي أنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ فِي مَالِهِ مَعْرُوفٌ مِنْ هِبَةٍ، وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَا عَطِيَّةٍ، وَلَا عِتْقٍ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الأَبُ فِي ذَلِكَ، أَو الوَصِيُّ، فَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ يَدِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ عِوَضٍ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى نَظَرِ وَلِيِّهِ إِنْ كَانَ لَهُ وَلِيٌّ، فَإِنْ رَآهُ رُشْدًا أَجَازَهُ، وَإِلَّا أَبْطَلَهُ) (١). هذا هو مذهب الجمهور (٢) عمومًا، وليس مذهبَ مَالِكٍ ﵀،

стр. 8193

فهؤلاء الصِّغار ليس لهم أن يتصرفوا في مالهم، لا من هِبَةٍ، ولا عَطيَّةٍ، ولا غير ذلك مما يخرج من أموالهم؛ لأنَّه بهذا التصرف يُلْحق الضرر بنفسه، وهو غير مُدْرك، ولذلك تُلْغى هبته، وعطيته وبيعه وشراؤه إلى غير ذلك. * قَوْله: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَليٌّ قُدِّمَ لَهُ وَليٌّ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، وإن عَمِلَ فِي ذَلِكَ -حَتَّى يَلِيَ أَمْرَهُ- كَانَ النَّظَرُ إِلَيْهِ فِي الإِجَازَةِ، أو الرَّدِّ). يَعْني: إذا لَم يكن له وليٌّ، يُوضَع له وليٌّ، والذي يضع إنما هو القاضي. * قَوْله: (وَاخْتُلِفَ (١) إذَا كَانَ فِعْلُهُ سَدَادًا، وَنَظَرًا فِيمَا كَانَ يَلْزَمُ الوَلِيَّ أن يَفْعَلَهُ: هَلْ لَهُ أن يَنْقُضَهُ إذَا آلَ الأَمْرُ إلى خِلَافٍ بِحَوَالة الأَسْوَاقِ).

стр. 8194

يَعْني: باختلاف الأسعار، ربما يكون تَصرُّفه موافقًا لبعض ما يجري في الأسواق مخالفًا لما يجري في أخرى. * قَوْله: (أَوْ نَمَاءٍ فِيمَا بَاعَهُ، أو نُقْصَانِ فِيمَا ابْتَاعَهُ، فَالمَشْهُورُ أنَّ ذَلِكَ لَهُ). لكن عند الجمهور أن كُلَّ تصرُّفاته غير مقبولة ما لم يبلغ الحُلُم، هذا هو قول جمهور العلماء في هذه المسألة. * قَوْله: (وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ، وَيَلْزَمُ الصَّغِيرَ مَا أَفْسَدَ فِي مَالِهِ، مِمَّا لَمْ يُؤْتَمَنْ عَلَيْهِ). إذا أفسد الصغير في ماله فهو يتحمله، وأيضًا لو أفسد في مال غيره، فهو المسؤول عنه، لكن لو أعطاه غيرُهُ شيئًا فتصرف فيه، فيبقى هذا الذي أعطَاه هو المسؤول عنه؛ سواء علم أو لم يعلم؛ لأنَّه مَحْجورٌ عليه، ولأن هذا من إرادة الذي أعطاه. * قَوْله: (وَاخْتُلِفَ فِيمَا أَفْسَدَ وَكسَّرَ مِمَّا اوتُمِنَ عَلَيْهِ (١)، وَلَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ ورُشْدِهِ عِتْقُ مَا حَلَفَ بِحُرِّيَّتِهِ فِي صِغَرِهِ وَحَنِثَ بِهِ فِي صِغَرِهِ). هذه مَسألةٌ فيها خلاف، لكن هذا هو الأَوْلَى؛ لأنَّه عندما حصل منه ذلك لم يكن أهلًا للتصرُّف. * قَوْله: (وَاخْتُلِفَ فِيمَا حَنِثَ فِيهِ فِي كبَرِهِ، وَحَلَفَ بِهِ فِي صِغَرِهِ، فَالمَشْهُورُ أنَّه لَا يَلْزَمُهُ (٢). وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ (٣): يَلْزَمُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ فِيمَا

стр. 8195

ادُّعِيَ عَلَيْهِ يَمِينٌ. وَاخْتُلِفَ إِذَا كَانَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ: هَلْ يَحْلِفُ مَعَهُ؟ فَالمَشْهُورُ أنَّهُ لَا يَحْلِفُ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ أنَّه يَحْلِفُ (١). وَحَالُ البِكْرِ ذَاتِ الأَبِ وَالوَصِيِّ كَالذَّكَرِ مَا لَمْ تَعْنَسْ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَعْتَبِرُ تَغنِيسَهَا). وقَدْ رأينا أنَّ الجمهورَ لا يعتبر ذلك، وأن هذا فيه ضرر عليها، وقلنا: ربما لا تتزوج فتبقى معلقةً من أن تتصرف في أموالها. * قوله: (فأَمَّا السَّفِيهُ البَالِغُ). السفيه (٢) البالغ هو الحر المكلَّف، أعني: لا يقصد به المملوك؛ لأن المملوك لا يتصرف في ماله؛ لأنَّه ليس له مال، ولذلك عندما يُبَاع من قِبَلِ سيده، فماله لسيده إلا أن يشترط ذلك المبتاع؛ كما قال ﷺ : "من باعِ عبدًا له مال، فمالُهُ لسيده إلا أن يشترطه المبتاع" (٣)، وسُمِّي سفيهًا؛ لأنَّه لم يكن أهلًا رشيدًا لأنْ يتصرف في ماله. * قَوْله: (فَجُمْهُورُ العُلَمَاءِ (٤) عَلَى أنَّ المَحْجُورَ إذا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ،

стр. 8196

أو خَالَعَهَا مَضَى طَلَاقُهُ، وَخُلْعُهُ، إِلَّا ابْنَ أَبِي لَيْلَى، وَأَبَا يُوسُفَ (١)، وَخَالَفَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى فِي العِتْقِ (٢) فَقَالَ: إنَّه يَنْفُذُ. وَقَالَ الجُمْهُورُ (٣): إنه لَا يَنْفُذُ). وَخَالَفه الجُمْهورُ فقالوا: لا ينفذ، ولا ينفذ العتق؛ لأنَّه إذا أعتق عبدًا من عبيده، أخرج جزءًا من ماله، فأضرَّ بنفسه، وهو ممنوع من أَنْ يتصرف في ماله، ولذلك لا ينفذ العتق.

стр. 8197

قوله: (وَأَمَّا وَصِيَّتُهُ: فَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي نُفُوذِهَا) (١). لأن الوصية هي تصرف في المال، ومثلها التدبير، والتدبير: هو أن يعلق عِتْقَ عبده إلى بعد وفاته، فهذه ليس فيها ضرر عليه، إنما فيها فائدة له؛ لأنَّه إذا أوصى أو دبر عبدًا، فإنه يُثَاب على هذا العمل، وهي قربةٌ يُتَقرب بها إلى الله ، وهي لا تضر به في حياته؛ لأن ذلك سيحصل بعد موته، فهو لم يتصرَّف في ذلك في وقت حياته وبعد الممات استغنى عن ذلك، فله ذلك كالحال بالنسبة لغير السفيه، ولذلك تجوز وصيته وتدبيره. قوْله: (وَلَا تَلْزَمُهُ هِبَةٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا عَطِيةٌ، وَلَا عِتْقٌ، وَلَا شَيءٌ مِنَ المَعْرُوفِ إِلَّا أن يُعْتِقَ أُمَّ وَلَدِهِ، فَيَلْزَمُهُ عِتْقُهَا (٢)، وَهَذَا كُلُّهُ فِي المَذْهَبِ). وهذَا هو رأي جماهير العلماء (٣)، وقد صدَّر المسألة بذلك. قال: (وَهَلْ يَتْبَعُهَا مَالُهَا؟ فِيهِ خِلَافٌ: قِيلَ: يَتْبَعُ، وَقِيلَ: لَا يَتْبَعُ، وَقِيلَ بِالفَرْقِ بَيْنَ القَلِيلِ وَالكَثِيرِ (٤)، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ بِعِوَضٍ؛ فَهُوَ أَيْضًا مَوْقُوفٌ عَلَى نَظَرِ وَليِّهِ إنْ كَانَ لَهُ وَليٌّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَليٌّ، قُدِّمَ

стр. 8198

لَهُ وَلِيٌّ، فَإِنْ رَدَّ بَيْعَهُ الوَلِيُّ، وَكانَ قَدْ أَتْلَفَ الثَّمَنَ لَمْ يُتْبعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ، وَكذَلِكَ إنْ أَتْلَفَ عَيْنَ المَبِيعِ). يَعْني: مقابل عِوَضٍ، وليس كالهبة، فإنَّ الهبة لا يقابلها عوض إلا هبة الثواب، لكن إذا كان بعوض، فهل يُوقَف تصرُّفه على موافقة وليه أو لا يجوز؟ لا يجوز عند الجمهور (١)؛ لأنَّه ممنوع التصرف. قوله: (وَأَمَّا أَحْكَامُ أَفْعَالِ المَحْجُورِينَ أو المُهْملِينَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ). هَذَا كلُّه استطرادٌ في مَذْهب مالكٍ سيَذْكره المؤلف ﵀ يبين فيه أحكام المهملين، وهم عند غير المالكية كغيرهم يوضع لهم وليٌّ، وتكون تصرفاتهم في حدود ما يتعلق بالصغير إن كان المهمل صغيرًا، أمَّا ما يتعلق به إنْ كان ذكرًا أو أنثى على الخلاف في أن الأنثى تختلف عن الذَّكر، وأيضًا إنْ كان المهمل يُسمِّيه سفيهًا، ونحن نَقُول: ليس مهملًا.

стр. 8199

قَوْله: (فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ إلى أَرْبَع أَحْوَالٍ: ١ - فَمِنْهُمْ مَنْ تَكُونُ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا مَرْدُودَةً، وإنْ كان فِيهَا مَا هُوَ رُشْدٌ. ٢ - وَمِنْهُمْ ضِدُّ هَذَا، وَهُوَ أن تَكُونَ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا مَحْمُولةً عَلَى الرُّشْدِ، وإنْ ظَهَرَ فِيهَا مَا هُوَ سَفَهٌ. ٣ - وَمِنْهُمْ مَنْ تَكُونُ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا مَحْمُولةً عَلَى السَّفَهِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ رُشْدُهُ. ٤ - وَعَكْسُ هَذَا أَيْضًا أن تَكُونَ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا مَحْمُولةً عَلَى الرُّشْدِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ سَفَهُهُ). وهذا كله مبني على المصلحة عندهم، فليس هناك دليل على هذه التقسيمات، ولا هذه التفريقات، ولكنه غير بالغ، فيدخل ضمن الآية: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، وهي لم تفرق بين مَنْ له وصي، وبين مَنْ لا وصيَّ له، وإنما مَنْ له الوصي فإنَّ له الأصلَ، ومن لا وصي له، فإنه يوضع له وصي. قوْله: (فَأَمَّا الَّذِي يُحْكَمُ لَهُ بِالسَّفَهِ، وإنْ ظَهَرَ رُشْدُهُ، فَهُوَ الصَّغِيرُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ، وَالبِكْرُ ذَاتُ الأَبِ). إذَا ألْحَقهم كما قلنا عند الجمهور بالَّذين لهم وصيٌّ. قوله: (وَالوَصِيِّ مَا لَمْ تَعْنَسْ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَعْتَبِرُ التَّعْنِيسَ (١). وَاخْتُلِفَ فِي حَدِّهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا مِنْ دُونِ الثَلَاثِينَ إلَى السِّتِّينَ) (٢). إذا وصلت الستين انتهى أمرها.

стр. 8200

قوله: (وَالَّذِي يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الرُّشْدِ، وإنْ عُلِمَ سَفَهُهُ، فَمِنْهَا السَّفِيهُ إذا لَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ وِلَايةٌ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ، وَلَا مِنْ قِبَلِ السُّلْطَان عَلَى مَشْهُورِ مَذْهَب مَالِكٍ، خِلَافًا لِابْنِ القَاسِمِ الَّذِي يَعْتَبِرُ نَفْسَ الرُّشْدِ لَا نَفْسَ الوِلَاية) (١). وهذا هو الأَوْلَى. قَالَ: (وَالبِكْرُ اليَتِيمَةُ المُهْملَة عَلَى مَذْهَبِ سَحْنُونٍ (٢)، وَأَمَّا الَّذِي يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ بِحُكْمِ مَا لَمْ يَظْهَرْ رُشْدُهُ، فَالِابْنُ بَعْدَ بُلُوغِهِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ عَلَى المَشْهُورِ فِي المَذْهَبِ (٣)، وَحَالُ البِكْرِ ذَاتِ الأَبِ الَّتِي لَا وَصِيَّ لَهَا إذا تَزَوَّجَتْ، وَدَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا مَا لَمْ يَظْهَرْ رُشْدُهَا، وَمَا لَمْ تَبْلُغِ الحَدَّ المُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ مِنَ السِّنِينَ عِنْدَ مَنْ يَعْتَبِرُ ذَلِكَ، وَكذَلِكَ اليَتِيمَةُ الَّتِي لَا وَصِيَّ لَهَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ أَفْعَالَهَا مَرْدُودَةٌ (٤).

стр. 8201

وَأَمَّا الحَالُ الَّتِي يُحْكَمُ فِيهَا بِحُكْمِ الرُّشْدِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ السَّفَهُ، فَمِنْهَا حَالُ البِكْرِ المُعَنِّسِ عِنْدَ مَنْ يَعْتَبِرُ التَّعْنِيسَ، أَو الَّتِي دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا وَمَضَى لِدُخُولِهِ الحَدُّ المُعْتَبَرُ مِنَ السِّنِينَ عِنْدَ مَنْ يَعْتَبِرُ الحَدَّ). هذه فروعٌ في مذهب الإمام مالك ﵀، وليس هذا هو منهج المؤلف، ومذهبُ الجمهور يلتقي مع الآية. قَوْله: (وَكَذَلِكَ حَالُ الِابْنِ ذِي الأَبِ إذا بَلَغَ وَجُهِلَتْ حَالُهُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالِابْنَة البِكْرُ بَعْدَ بُلُوغِهَا عَلَى الرِّوَاية الَّتِي لَا تَعْتَبِرُ فِيهَا دُخُولَهَا مَعَ زَوْجِهَا، فَهَذِهِ هِيَ جُمَلُ مَا فِي هذا الكِتَابِ، وَالفُرُوعُ كَثِيرَةٌ) (١). " إذا بلغ ": فمن المعلوم أنه يُختبر، فإن عرف حسن تصرفه أُذِنَ له، وإنْ ظهر منه عكس ذلك، فإنه ينتظر حتى يثبت رشده أيْ: يثبت إيناس الرشد. قَوْله:

стр. 8202

[كِتَاب التَّفْلِيسِ] (١) هذا التفليس أو الحجر الذي يحصل فيه إنَّما هو لمصلحة غير هذا الشخص، كما تَحدَّثنا في باب الحَجر عن الذي يُحْجر عليه لمصلحة نفسه، وهم: المجنون والصغير والسفيه، أما هذا فهو يُحْجر عليه لمصلحة غيره، فقد أخذ حقوق الناس، وَكَان يجب أن يُوفِّيها، لكنَّه أصبح مدينًا حينئذٍ، والناسُ يختلفون في ذلك، بعض الناس تصيبه عسرةٌ دون تقصيرٍ منه، فهذا معذور؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وبعض الناس يأخذ حقوق الناس ولا يريد ردَّها، ولذلك أخبر الرسول ﷺ بأنه: "مَنْ أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدى الله عنه، ومَنْ أخذها يريد إتلافها، أتلفه الله " (٢)، فلماذا سُمِّي المفلسُ مفلسًا؟ ذَكَر العلَماء (٣) عدة أسباب استخلصوها من واقع المفلس، فبعضهم

стр. 8203

قال: سُمِّي مفلسًا؛ لأنَّه كان يتعامل بالدينار وبالدرهم والريالات، ونحوها، وأصبح يتعامل بالفلوس، والفلوس هي أدنى شيءٍ، أو لأنَّه لا يتصرف في ماله إلا بقدرٍ قليلِ وهي الفلوس، أو لأنَّه يُحْجر عليه بحيث لا يتصرَّف بماله في غير ما تكونَ هناك حاجة أو ضرورة لو بفلسٍ. إذًا، ينتهي الأمر إلى أن حاله قد تغيرت، كان صاحب مِلْكٍ إلى أن أصبح لا يملك شيئًا. قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الكِتَابِ فِيمَا هُوَ الفَلَسُ، وَفِي أَحْكَامِ المُفْلِسِ، فَنَقُولُ: إنَّ الإِفْلَاسَ فِي الشَّرْعِ يُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أن يَسْتَغْرِقَ الدَّيْنُ مَالَ المَدِينِ، فَلَا يَكُونُ فِي مَالِهِ وَفَاءٌ بِدُيُونِهِ. وَالثَّانِي: ألَّا يَكُونَ لَهُ مَالٌ مَعْلُومٌ أَصْلًا. وَفِي كِلَا الفَلَسَيْنِ قَدِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي أَحْكَامِهِمَا). إنسانٌ له مالٌ، لكن ما عليه من الديون تستغرقه، وقد يكون إنسانٌ علَيه ديون ولا يُعرف له مال، وربما يكون عنده مال يخفيه كما هو موجود في مثل هذا الزمان عند بعض الناس ممن يماطلون. قوْله: (فَأَمَّا الحَالَة الأُولَى وَهِيَ إذا ظَهَرَ عِنْدَ الحَاكِمِ مِنْ فَلَسِهِ مَا ذَكَرْنَا: فَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ؛ هَلْ لِلْحَاكِمِ أن يَحْجُرَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ حَتَّى يَبِيعَهُ عَلَيْهِ، وَيُقَسِّمَهُ عَلَى الغُرَمَاءِ عَلَى نِسْبَةِ دُيُونِهِمْ، أَمْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؟). على كل حال، الحاكم لا يتدخل في أمر ذلك إلا إذا رفع الغرماء أمره إليه، كما حصل ذلك مع معاذ بن جبل ﵁، وكذلك مع جابر بن عبد الله لما خلفه والده من ديون، فمثل هذا إذا رفع إلى الحاكم، فإنَّ

стр. 8204

الحاكم يتَّخذ الإجراء، وإذا ما قرَّر الحاكم الحجرَ عليه، تقررت أمور أربعة: أوَّلها: تعلُّق حقِّ الغرماء بماله. ثانيًا: مَنْعه في التصرُّف في ماله، فليس له أن يتصرف بعد الحجر. ثَالثًا: أنَّ مَنْ وجد متاعه بعينه، فهو أحقُّ به من غيره كما جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه (١). رابعًا: أن للحاكم أن يبيع عليه. إذًا، هذه أمور أربعة تتقرر إذا أمر الحاكم أو إذا حجر عليه الحاكم. قوْله: (بَلْ يُحْبَسُ حَتَّى يَدْفَعَ إِلَيْهِمْ جَمِيعَ مَالِهِ عَلَى أَيِّ نِسْبَةٍ اتَّفَقَتْ، أو لِمَنِ اتَّفَقَ مِنْهُمْ). المَسْألَة فيهَا قَوْلان: * قول جمهور العلماء (مالك والشافعي وأحمد) (٢)، يرون بأنه إذا رفع إلى الحاكم أمر المفلس، وتبين فلسه، وظهر ذلك للحاكم، فإنَّه يحجر عليه، ويأمره بدفع ما عنده من المال، ويوزع ذلك محاصة بين الغرماء أي: على حسب حصصهم يقسم بينهم حصصًا، وإن لم يفعل حينئذٍ يقوم الحاكم بالبيع عليه. * أما أبو حنيفة، وهُوَ الذي انفرد بقوله عن الأئمة الأربعة يرى أنه لا يبيع الحاكم عليه، وإنما يحبس ويضيق عليه حتى يبيع ما عنده، فيتصرف في ماله بعد ذلك. قوْله: (وَهَذَا الخِلَافُ بِعَيْنِهِ يُتَصَوَّرُ فِيمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَفِي بِدَيْنِهِ،

стр. 8205

فَأَبَى أن يُنْصِفَ غُرَمَاءَهُ، هَلْ يَبِيعُ عَلَيْهِ الحَاكِمُ فَيُقَسِّمُهُ عَلَيْهِمْ، أَمْ يَحْبِسُهُ حَتَّى يُعْطِيَهُمْ بِيَدِهِ مَا عَلَيْهِ؟ فَالجُمْهُورُ يَقُولُون: يَبِيعُ الحَاكِمُ مَالَهُ عَلَيْهِ، فَيُنْصِفُ مِنْهُ غُرَمَاءَهُ أو غَرِيمَهُ إنْ كَانَ مَلِيًّا، أَوْ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالإِفْلَاسِ إِنْ لَمْ يَفِ مَالُهُ بِدُيُونِهِ وَبَحْجُرُ عَلَيْهِ التَّصَرُّفَ فِيهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢). وكذلك أحمد (٣)، قالوا أيضًا: وبعد الحكم عليه بالإفلاس، يُعْلن أمره حتى لا ينخدع به بعض الناس ويغرَّ به، فإنه ربما إذا لم يعلن أمره، ربما يتورط معه بعض الناس، فلا يدرون أنه أفلس، فيبيع معهم ويشتري، فينبغي أن تُعْلَن حاله. قَوْله: (وَبِالقَوْلِ الآخَرِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤)، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ العِرَاق، وَحُجَّةُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ). أي: حُجَّة الجمهور. قَوْله: (حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ (٥): " أَنَّه كَثُرَ دَيْنُهُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ يَزِدْ غُرَمَاءَهُ عَلَى أَنْ جَعَلَهُ لَهُمْ مِنْ مَالِهِ ").

стр. 8206

معاذ بن جبل هو الصحابي الجليل المعروف الذي بعثه رَسُولُ الله ﷺ إلى اليمن، وكان شابًّا من أفَاضل قومِهِ، وكان كريمًا سمحًا، فكان لا يبقى شيءٌ مما يقع في يده من المال حتى تجمَّعت عليه الديون وتراكمت، وأحاطت بماله، قال: "فَشكوت الغرمَاء إلى رسول الله ﷺ ". وقد جاء في بعض الروايات: " لو قبل أحد في أحد لقبل قول رسول الله ﷺ في معاذ " (١)؛ لأنَّه ذهب إلى رسول الله ﷺ وطلب منه أنْ يشفع له عند غرمائه لكنهم أبوا. وقَدْ جاء في بعض الروايات: " أن غريمه من اليهود " (٢)، ومعلوم شأن هؤلاء الأقوام، وأنهم عرفوا بجمع المال، "فَالرَّسُولُ ﷺ شفَّعه، فلم يقبل على أن ينظروا؛ لأنه طلب من اليهود أن ينظروه، فأبى، فمَا كان منه ﵊ إلا أن باع ماله، فأخذ الغريم خمسة من سبعة". وقد جَاء في بعض الروايات: " أن ذلك كان في السنة التاسعة من الهجرة، وأن رسول الله ﷺ بعثه إلى اليمن ليجبره أي: يجبر ما حلَّ به من الدَّين؛ لأنَّه أصبح لا مَال له، فأرسله رَسُولُ الله ﷺ إلى اليمن " (٣). هذا ما يتعلَّق بشأن معاذٍ ﵁، والشاهد في هذا الحديث أنَّ معاذًا كان رجلًا كريمًا ينفق ولا يرد أحدًا.

стр. 8207

قَوْله: (وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ (١): " أنَّ رَجُلًا أُصِيبَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ فِي ثَمَرٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ "، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءً بِدَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ "). فَهَذا رجلٌ أصيب في ماله، فطَلَب رسول الله ﷺ من الناس أن يتصدقوا عليه، فلم يُغطِّ ما جُمِعَ له ما عليه من الديون، فقال الرسول ﷺ : "خذوا ما عنده، وليس لكم إلا ذلك ". قَوْله: (وَحَدِيثُ عُمَرَ (٢) فِي القَضَاءِ عَلَى الرَّجُلِ المُفْلِسِ فِي حَبْسِهِ؛ وَقَوْلُهُ فِيهِ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الأُسَيْفِعَ (أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ) رَضِيَ مِنْ دَيْنِهِ وَأَمَانَتِهِ بِأَنْ يُقَالَ: سَبَقَ الحَاجَّ، وَأَنَّهُ ادَّانَ مُعْرِضًا، فَأَصْبَحَ قَدْ رِينَ عَلَيْهِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا). هذا الأثر أورده كثيرٌ من أصحاب كتب الحديث، منهم الإمام مالك والبيهقي في "السنن الكبرى" (٣)، وغيرهم (٤)، وهو أثر مشهور صحَّ عن عمر ﵁، فيه أن رجلًا من جهينة كان يفاخر بماله، فكان يسبق الحجاج فيشتري الرواحل، فيُغَالي في ثمنها، ثم يُسْرع السير يسبقهم إلى الحاج ليقال: إنَّ فلانًا سبق إلى الحج، فما كان منه إلا أن أفلس وأحاط به الدَّين، فرُفِعَ أمره إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقام في الناس خطيبًا، فَحَمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " ألا إن الأسيفع أسيفع جهينة قد رضي من دينه وأمانته أن يقال: سبق الحاج، وإنه بذلك دان معرضًا - أيْ: أخَذ المال غير مهتمٍّ به، ولا مُبَالٍ به - وقد دين به "؛ أيْ: أحَاط الغرماء

стр. 8208

بماله، وأحاط الدَّين به، ثم طلب ﵁ من الغرماء أن يأتوا إليه في الغد ليقسم ماله بينهم .. كان هذا يفعل ذلك للمفاخرة ليقال إنه سبق الحجاج. قَوْله: (وَأَيْضًا مِنْ طَرِيقِ المَعْنَى: فَإِنَّهُ إذا كَانَ المَرِيضُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لِمَكَانِ وَرَثَتِهِ، فَأَحْرَى أَنْ يَكُونَ المَدِينُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لِمَكَانِ الغُرَمَاءِ، وَهَذَا القَوْلُ هُوَ الأَظْهَرُ؛ لأنَّه أَعْدَلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ). إذا كان المريض يُحْجر عليه من أن يتصرف بما زاد على الثلث لمصلحة الورثة، وهذا هو خَالص مَالِهِ، لَكن حتى لا يلْحق ضَررٌ بالورثة، فأَوْلَى أن يكونَ بالنسبة لهذا الذي يأخذ أموالَ الناس، أَوْلى أن يُمْنع من التَّصرُّف فيه إلا في حدود مرضه، فما بالكم بمَنْ يأخذ حقوق الناس، فيستدين منهم ويتصرف فيها، وقَوْل الجمهور هو الأظهر والأعدل، وهو الذي يلتقي مع النصوص التي وردت في ذلك، أما ما يستدل به الحنفية بعد ذلك، فهي حقيقة قابلة للمناقشة. قوله: (وَأَمَّا حُجَجُ الفَرِيقِ الثَّانِي الَّذِينَ قَالُوا بِالحَبْسِ حَتَّى يُعْطِيَ مَا عَلَيْهِ أو يَمُوتَ مَحْبُوسًا). الفريق الثاني هم الحنفية ومَنْ معهم، الذين قالوا: لَيْس للحاكم أن يحجرَ عليه، ولا أن يبيع أمواله، إنما للحاكم شيء واحد، وهو أن يحبسه حتى يرجع فيبيع ماله أو يبقى في الحبس. قَوْله: (فَيَبِيعُ القَاضِي حِينَئِذٍ مَالَهُ، وَبُقَسِّمُهُ عَلَى الغُرَمَاءِ، فَمِنْهَا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (١) حِينَ اسْتُشْهِدَ أَبُوهُ بِأُحُدٍ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ).

стр. 8209

جابر بن عبد الله هو الصحابي الجليل أحد المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله ﷺ ، فقد روى أكثر من ألف وخمس مئة حَدِيثٍ. قَوْله: (فَلَمَّا طَالَبَهُ الغُرَمَاءُ قَالَ جَابِرٌ: "فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَسَأَلَهُمْ أن يَقْبَلُوا مِنِّي حَائِطِي، وَيُحَلِّلُوا أَبِي، فَأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَائِطِي قَالَ: وَلَكِنْ سَأَغْدُو عَلَيْكَ، قَالَ: فَغَدَا عَلَيْنَا حِينَ أَصْبَحَ، فَطَافَ بِالنَّخْلِ فَدَعَا فِي ثَمَرِهَا بِالبَرَكَةِ، قَالَ: فَجَذَذْتُهَا، فَقَضَيْتُ مِنْهَا حُقُوقَهُمْ، وَبَقِيَ مِنْ ثَمَرِهَا بقيَّة"). هذَا الحَديث أورده البخاري في "صحيحه" رحمه الله تعالى، وجاء في بعض السنن (١) وعند أحمد (٢)، وهو حديث مشهور. وهذا هو جابر راوي الحديث، لكن القصة تتعلق بولد ووالده وهو عبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي الأنصاري السلمي، وكان أوَّل شهيد في أُحُد، فإنَّه قتل في تلك المعركة، ولقد أخبر الرسول ﷺ عنه ابنه جابرًا عندما رآه يومًا يفكر وقد بدا عليه الهم، فسأله عن ذلك، فأَخْبَره بأن والدَه قد مات وترك له دينًا وتسعةً من النساء (أخواته)، فلما رأى رسول الله ﷺ من تَأثُّر جابر قال: " ألا أخبرك بأن الله تعالى قد كلم أباك كفاحًا " (٣)؛ أي: بلا واسطةٍ دون رسولٍ، ودون حجابٍ، فقال: "يا عبدي، تمنَّ عليَّ أعطك، فقال: يا رب، إنِّي أسألك أن تردَّنِي إلى الدنيا لأقتل فيها ثانيةً في سبيلك، فقال الله : إنه قد صدر القضاء مني بأنهم إليها لا

стр. 8210

يرجعون، فقال: يا رب، أبلغ من ورائي، فأنزل الله - سحانه وتعالى -: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾. إذًا، هذه مكانة الشهداء. جاء في حَدِيثٍ أخرَجه الترمذي بسندٍ حسنٍ أن الله كلَّم والد جابر كفاحًا؛ أي: بلا واسطة، وأن الله قال له: "يا عبدي، سلني أعطك "، فكان منه أن يسأل الله تعالى أن يردَّه إلى الدنيا ليقتل ثانيةً في سبيل الله. وقد جاء في حديث جابر القدر الذي على أبيه، وأن الدائنين كانوا من اليهود، وكالن ثلاثين وسقًا، والوسق ستون صاعًا، إذن يبلغ ألفًا وثماني مئة صاع؛ فعَرَض الرسول ﷺ ذلك الحائط على الغرماء فأبوا؛ لأنهم تَقالُّوه، ورأوا أنه لا يفي بحقوقهم، وأنَّه لا يكون موازيًا لها، فما كان من الرسول ﷺ إلا أنْ وَعَده فَمرَّ بحائطه .. وفي بعض الروايات: " أنَّ الرَّسُولَ ﷺ طاف به " (١)، وفي بعضها: مشى به، فمر على النخيل ودعا بالبركة، ثم إن الرسول ﷺ أمره فقال له: " كل "، وخرج فوفَّى لأصحاب الحقوق حقوقهم، وزاد ما عنده من التمر سبعة عشر وسقًا، والوسق ستون صاعًا، فَخَرج جَابرٌ إلى رسول الله ﷺ ليُخْبره بذلك، فقال له: " مُرَّ على عمر بن الخطاب "، فَمرَّ به، فأخبره عما كان، فقال عُمَر ﵁: " لقد أيقنت بأنَّ ذلك سيحصل عندما مشَى فيه رسول الله ﷺ ، وإنَّ الله ليبارك النبي (٢). قَوْله: (وَربمَا رُوِيَ أَيْضًا: أنه مَاتَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ، وَعَلَيْهِ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَدَعَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ غُرَمَاءَهُ، فَقَبَّلَهُمْ أَرْضَهُ أَرْبَعَ سِنِينَ مِمَّا لَهُمْ عَلَيْهِ) (٣). هذه قصة الحضير، إنما مات وعليه دَين (عشرة آلاف درهم)، وفي

стр. 8211

بعض الروايات: " أربعة آلاف " (١)، وإنَّ عمر ﵁ استدعى أصحاب الدَّين، وسأل عن غلة هذا الحائط، فأخبر عمر ﵁ بأنها تغل في السنة ألفًا، والديون أربعة آلاف، فعرض على الدائنين أن يقبلوا غلتها أربع سنوات، فقبلوا؛ لأنهم من المؤمنين، فقبلوا رأي عمر ﵁. لكن هذا الحديث فيه ضعف؛ لأنَّه من رواية أبي صالح كاتب الليث، وهو ضعيف فيه لين، وقَدْ ذكَر القصة ابن سعد في كتابه " الطبقات " (٢)، والبخاري في: " تاريخه " (٣)، لكن القصة قد اشتهرت وتناولها الفقهاء جيلًا بعد جيل، لكنها ليست ببعيدة، وحال الصحابة معروف ﵁، فما كان همهم أن يشتغلوا بالدنيا، ولكنهم كانوا يعمرون أوقاتهم بطاعة الله . قَوْله: (قَالُوا: فَهَذهِ الآثَارُ كُلُّهَا لَيْسَ فِيهَا أنه بِيعَ أَصْلٌ فِي دَيْنٍ. قَالُوا: ويَدُلُّ عَلَى حَبْسِهِ قَوْلُهُ ﷺ : " لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ " (٤). حديث جابر: الجمهور أجابوا عنه بأنَّ الرَّسول ﷺ أراد أن يُعْطيهم الحائط فأبوا، فأين الحُجَّة في ذلك؟ ثم إن الرسول ﷺ طاف بالحائط، وأمر جابرًا أن يكيل للغريم، وأن يعطيه حقه، ففعل وأخذ حقه وزاد، فليس في ذلك دلالة صريحة على أنه ينهي الأمر إلى الحبس؛ لأن ما يتعلق بديون والد جابر قد حلت. وعن حديث الحضير: أجابوا بأنَّ الأثر صحيح، فَعن عمر ﵁ أنه

стр. 8212

عرض على الغرماء، ورضوا بذلك، وأيضًا لو رضي الغرماء بأن يتنازلوا، ألن يقبل ذلك منهم؟ الجواب: لا، إذًا، أين الحجة في ذلك لو سلمنا صحة هذا الأثر. إذًا، ليس هناك دليل صريح يدل على أن المفلس يحبس، وأنَّه لا يُبَاع حقه، ويُطَالب بوفاء الدين. قوله: (قَالُوا: والعُقُوبَةُ هِيَ حَبْسُهُ. وَرُبَّمَا شَبَّهُوا اسْتِحْقَاقَ أُصُولِ العَقَارِ عَلَيْهِ بِاسْتِحْقَاقِ إِجَازَتِهِ). يشيرُ إلى حديث: " لَيُّ الواجد ظلمٌ يحل عِرْضه وعقوبته " (١)، وهذا الحديث أخرجه أصحاب السنن (٢) إلا ابن ماجه فيما أذكر، والحديث بجميع طرقه صحيح (٣). ومعنى: "ليُّ الواجد"، أيْ: مَطْلُ الواجد، أي: أن الإنسان إذا كان واجدًا وعليه حق، فيجب عليه أن يوفي الغير حقه، وهذا واجب شرعي، ولذلك قال الرسول ﷺ : " ليُّ الواجد ظلم يحل عرضه "، أي: يجعل صاحب الحق في حلٍّ بأن يتكلم في عِرْضِهِ بأن يقول: إنه ظالم لا يؤدي الحق، والعقوبة منها الحبس وغير الحبس، ويشهد له أيضًا الحديث الآخر المتفق عليه، والذي قال فيه رسول الله ﷺ : "مطل الغني ظلم " (٤). قَوله: (وَإِذَا قُلْنَا: إنَّ المُفْلِسَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، فَالنَّظَرُ فِي مَاذَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ، وَبِأَيِّ دُيُونِ تَكُونُ المُحَاصَّةُ فِي مَالِهِ، وَفِي أَيِّ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ تَكُونُ المُحَاصَّةُ؟ وَكيْفَ تَكُونُ؟).

стр. 8213

المحاصة (١): أن يقسم الغرماءُ مالَه بينهم، كلٌّ يأخذ حصته، ومن المعلوم أنه لو كان أحد الغرماء قد وجد متاعه عنده بعينه، فَإنَّه يأخذه؛ لأنَّ الرَّسولَ ﷺ قال في الحديث المتفق عليه: "من أدرك متاعه بعينه عند رجل قد أفلس، فهو أحق به " (٢) أي: أحق به من غيره، لكن يكون قد أدركه بعينه دون تغييرِ أو تبديلٍ، ودون أن يخرج من ملكِهِ، ودون أن ينتقل عنه، ودون أن تطرأَ عليه أمور، أما لو طرأت عليه أمور، فهذا محلُّ خِلَافٍ بين العلماء. قَوْله: (فَأَمَّا المُفْلِسُ: فَلَهُ حَالَانِ: حَالٌ فِي وَقْتِ الفَلَسِ قَبْلَ الحَجْرِ عَلَيْهِ، وَحَالٌ بَعْدَ الحَجْرِ). تَبيَّنَ أنَّ هذَا الإنسانَ قد أفلسَ، لكنه لم يصدر حُكْمٌ عليه بالحجر، والحالة الثانية أن يُحْجر عليه، وَمالكٌ ﵀ يُلْحق الحالة الأولى بالثانية، فيرى أنه إذا ثبت إفلاسه، وهو بَعْدُ لم يحجر عليه، فإنَّه يعامل معاملة مَنْ يكون مفلسًا قد حجر عليه، وخالفه الأئمة الثلاثة في ذلك، وقالوا: إنَّ هذا ماله، وله أن يتصرف فيه وهو بَعْدُ لم يحجر عليه، فلماذا يمنع؟! قَوْله: (فَأَمَّا قَبْلَ الحَجْرِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ إِتْلَافُ شَيْءٍ). القصد بالإتلاف هو الصرف من هبةٍ أو شراءٍ، أو نحو ذلك. قوله: (مِنْ مَالِهِ عِنْدَ مَالِكٍ (٣) بِغَيْرِ عِوَضٍ إذا كانَ مِمَّا لَا يَلْزَمُهُ، وَمِمَّا لَا تَجْرِي العَادَةُ بِفِعْلِهِ).

стр. 8214

لا ضرر أنْ يبيع شيئًا مقابل شيء (إذا وجد عوض)، لكن أَنْ يخرج شيئًا دون مقابل فلَا. قَوْله: (وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ إذا كانَ مِمَّا لَا يَلْزَمُهُ؛ لأن لَهُ أن يَفْعَلَ مَا يَلْزَمُ بِالشَّرْعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِعِوَضٍ، كنَفَقَتِهِ عَلَى الآبَاءِ المُعْسِرِينَ أَوِ الأبْنَاءِ). الإنْسَانُ إذا حُجِرَ عليه، فهو أيضًا يحتاج إلى أن يُنْفقَ على نَفْسه، وأنْ ينفقَ على أولادِهِ، فلا يمنع من ذلك، لكن على قدر الحاجة، والعُلَماء يُفصِّلون في القول. قَوْله: (وَإِنَّمَا قِيلَ مِمَّا لَمْ تَجْرِ العَادَةُ بِفِعْلِهِ؛ لأنَّ لَهُ إِتْلَافَ اليَسِيرِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَالأُضْحِيَةِ، وَالنَّفَقَةِ فِي العِيدِ، وَالصَّدَقَةِ اليَسِيرَةِ، وَكَذَلِكَ تُرَاعَى العَادَةُ فِي إِنْفَاقِهِ فِي عِوَضٍ كَالتَّزَوُّجِ، وَالنَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَابْتِيَاعُهُ مَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ مُحَابَاةٌ). هذَا كلُّه عند مالكٍ، أما الجمهور فيرون بأنَّه قبل أن يُحْجر عليه فَهو حرٌّ كَامل التصرُّف في حقه. قوْله: (وَكذَلِكَ يَجُوزُ إِقْرَارُهُ بِالدَّيْنِ لِمَنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَيْهِ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي قَضَاءِ بَعْضِ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ (١) وَفِي رَهْنِهِ) (٢). الجُمْهور هُمُ الأئمَّة الثلَاثة.

стр. 8215

قوْله: (وَأَمَّا جُمْهُورُ (١) مَنْ قَالَ بِالحَجْرِ عَلَى المُفْلِسِ، فَقَالُوا: هُوَ قَبْلَ الحُكْمِ كسَائِرِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ الجُمْهُورُ لِهَذَا؛ لأنَّ الأصْلَ هُوَ جَوَازُ الأَفْعَالِ حَتَّى يَقَعَ الحَجْرُ). هَذا هو الصَّحيح، أن الإنسانَ حرٌّ في ماله ما دام يملك هذا المال، ومن حقِّه التصرُّف فيه، فلماذا يمنع منه دون سبب، وكونه قد أفلسَ يحتاج إلى حُكْمٍ، بأن يُطالِب الغرماء، وأن يُرْفع أمره إلى الحاكم، ثم يتخذ الحاكم حكمه في ذلك، وأيضًا لو طالب بعضهم ولم يطالب الآخر، فهل يتمُّ الحجر عليه؟ المسألة فيها خلاف. قوْله: (وَمَالِكٌ كأَنَّهُ اعْتَبَرَ المَعْنَى نَفْسَهَ، وَهُوَ إِحَاطَةُ الدَّيْنِ بِمَالِهِ، لَكِنْ لَمْ يَعْتَبِرْهُ فِي كُلِّ حَالٍ؛ لأنَّه يَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُحَابَاةٌ، وَلَا يُجَوِّزُهُ لِلْمَحْجُورِ عَلَيْهِ) (٢).

стр. 8216

بعض العلماء يجيزون شراءه واقتراضه في الذمة، هذا حتى بعد الحجر؛ كالحنَابلة (١)؛ فَإنَّهمْ لا يَمْنعون المحجورَ عليه أن يشتري، أو أَنْ يقترضَ، قالوا: لأنَّ هذا أمرٌ متعلقٌ بذمته لا بالمال، والمال قد حجر علَيه، ليس من حقه أن يتصرَّف فيه، والمسؤولية على هذا الذي باعه أو أقرضه. قوله: (وَأَمَّا حَالُهُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ: فَلَا يَجُوزُ لَهُ فِيهَا عِنْدَ مَالِكٍ (٢) بَيْعٌ، وَلَا شِرَاءٌ، وَلَا أَخْذٌ، وَلَا عَطَاءٌ، وَلَا يَجُوزُ إِقْرَارُهُ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ لِقَرِيبٍ وَلَا بَعِيدٍ، قِيلَ: إِلَّا أن يَكُونَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنةٌ). لَا يَجُوز عند مَالِكٍ، وَلكنَّه رأي الجمهور كما قلنا في مَذْهب الحنابلة (٣) فيما يتعلَّق باقتراضه وشرائه (أي: بما يتعلَّق بالذمة)، فيُجيزُونَه؛ لأن هذا لا يترتب عليه ضرر بالغرماء، وهذا الذي رضي أن يبيعه أو أن يقرضه، ويعرف بأنَّه محجور عليه، فهو يتحمل ما يَتَرتب على ذلك، وهذا أيضًا دَينٌ في الذمة ليس حاضرًا كحال الغرماء؛ لأن الغريم سيُبَاع ما بين يديه، ويأخذ كلٌّ حقه إن أمكن أن يصل إلى كل إنسان حقه، أو يأخذ كل واحد منهم نسبته.

стр. 8217

قَوْله: (وَقِيلَ: يَجُوزُ لِمَنْ يُعْلَمُ مِنْهُ إِلَيْهِ تَقَاضٍ. وَاخْتُلِفَ فِي إِقْرَارِهِ بِمَالٍ مُعَيَّنٍ مِثْلِ القِرَاضِ وَالوَدِيعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فِي المَذْهَبِ: بِالجَوَازِ، وَالمَنْعِ، وَالثَّالِثُ: بِالفَرْقِ بَيْنَ أن يَكُونَ عَلَى أَصْلِ القِرَاضِ، أو الوَدِيعَةِ بِبَيِّنَةٍ، أو لَا تَكُونُ) (١). إذا أقر بِمَالٍ لغَيره هل يعتبر؟ في هذه المسألة خلَافٌ، ليسَ في مذهب مَالِكٍ وَحْده، معظمهم يقولون: إذا جاءت البَيِّنة بإثبات ذلك، لم يكن متهمًا، ويُقْبل إقراره في مثل هذه الأمور. قَوْله: (فَقِيلَ: إنْ كَانَتْ صُدِّقَ، وإن لَمْ تَكُنْ لَمْ يُصَدَّقْ). أمَّا لو كان مُتَّهمًا، فلا يُقْبل إقراره؛ لأنَه ربما يهدُفُ إلى أن يخرج بعض الحقوق من ماله إلى آخرين ليتخلص من وفاء أصحاب الحقوق. قَوْله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي دُيُونِ المُفْلِسِ المُؤَجَّلة؛ هَلْ تَحِلُّ بِالتَّفْلِيسِ أَمْ لَا؟). الدُّيون على نوعين، بعضها حالٌّ، اشترى سلعةً من الناس، أو ديون ولكنها حلت، فهذا الحكم فيما يتعلق بالديون المؤجلة، هل تلحق بعد

стр. 8218

الحجر عليه بحقوق الغرماء الذين حلَّت حقوقهم فتحل الديون المؤجلة، فيكون لا فرق بين المؤجل وغيره، أو أن المؤجلة تختلف؟ قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ) (١). وهي رواية للإمام أحمد (٢). قَوْله: (إلى أن التَّفْلِيسَ فِي ذَلِكَ كَالمَوْتِ). وهو مذهب الجمهور (٣)، والرواية الأخرى للإمام أحمد (٤). قَوْله: (وَذَهَبَ غَيْر إلى خِلَافِ ذَلِكَ، وَجُمْهُورُ العُلَمَاءِ (٥) عَلَى أن الدُّيُونَ تَحِلُّ بِالمَوْتِ). جُمْهُور العلَماء الأئمة الأربعة عدا رواية للإمام أحمد، فإنها لا تحل (٦). قوله: (وقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: مَضَتِ السُّنَّةُ) (٧). أَيْ: سُنَّة رَسُولِ الله ﷺ .

стр. 8219

قوْله: (بِأَنَّ دَيْنَهُ قَدْ حَلَّ حِينَ مَاتَ. وَحُجَّتُهُمْ: أَنَّ اللَّهَ ﵎ لَمْ يُبحِ التَّوَارُثَ إِلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ). قصده بأنَّ الدَّين يُقدَّم على الميرَاث؛ لأنَّه أوَّل ما يبدأ به بتجهيزه وتكفينه وغير ذَلكَ، ثم بعد ذلك تُسدَّد الديون؛ لأن الدُّيونَ من أهمِّ الأمور التي ينبغي أن يتخلَّص منها المؤمن؛ لأن نفس المؤمن معلقة بالدَّين كما جاء في الحديث الصحيح بأن رسولَ الله ﷺ قال: " نفس المؤمن معلقةٌ بدَيْنه " (١)، وما أكثر الذين يتساهلون في الديون! فالشهيد يغفر له كل شيءٍ إلا الدَّين (٢). قوْله: (فَالوَرَثَةُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا ألَّا يُرِيدُوا أن يُؤَخِّرُوا حُقُوقَهُمْ فِي المَوَارِيثِ إلى مَحِلِّ أَجَلِ الدَّيْنِ، فَيَلْزَمُ أن يَجْعَلَ الدَّيْنَ حَالًّا، وَإِمَّا أن يَرْضَوْا بِتَأْخِيرِ مِيرَاثِهِمْ حَتَّى تَحِلَّ الدُّيُونُ فَتَكُونَ الدُّيُونُ حِينَئِذٍ مَضْمُونةً فِي التَّرِكَةِ خَاصَّةً لَا فِي ذِمَمِهِمْ، بِخِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ. قَبْلَ المَوْتِ؛ لأنَّه كَانَ فِي ذِمَّةِ المَيِّتِ، وَذَلِكَ يَحْسُنُ فِي حَقِّ ذِي الدَّيْنِ. وَلذَلِكَ رَأَى بَعْضُهُمْ أنَّه إنْ رَضِيَ الغُرَمَاءُ بِتَحَمُّلِهِ فِي ذِمَمِهِمْ أُبْقِيَتِ الدُّيُونُ إلى أَجَلِهَا، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ ابْنُ سِيرِينَ، وَاخْتَارَهُ

стр. 8220

أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ (١)، لَكِنْ لَا يُشْبِهُ الفَلَسُ فِي هَذَا المَعْنَى المَوْتَ كلَّ الشَّبَهِ). الحديث المذكور المشهور: "من أدرك متاعه بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به " (٢)، جاء في حديثٍ آخرَ: "أفلسَ أو ماتَ " (٣)، فكلمة "مات " جاءت ببعض الروايات، ولم تأتِ ببعض الروايات، فاختلف العلماء فيها كما سَيَأتي. قَوْله: (وَإنْ كَانَتْ كلْتَا الذِّمَّتَيْنِ قَدْ خَرَجَتْ). " الذِّمَّة قَدْ خَرَجتْ "، هذا مصطلحٌ اشتهر عند الفقهَاء؛ لأنَّ أصحابَ الحقوق على نوعين: إنسان يجد سلعته بعينها عند المفلس، وآخر له حق عنده، فهذا الذي يجد السلعة بعينها، يكون قد تعلق حقُّه بالعين وبالذمة. قَوْله: (فَإِنَّ ذِمَّةَ المُفْلِسِ يُرْجَى المَالُ لَهَا بِخِلَافِ ذِمَّةِ المَيِّتِ. وَأَمَّا النَّظَرُ فِيمَا يَرْجِعُ بِهِ أَصْحَابُ الدُّيُون مِنْ مَالِ المُفْلِس، فَإِنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى الجِنْسِ وَالقَدْرِ). لأن الإنسان قد يجد عين سلعته، وهذا له حكم، وهذه السلعة التي يجدها بعينها تكون قبل الحياة، وربما كانت بعد الممات، وربما لا يجد السلعة بعينها، فيدخل ضمن الغرمَاء، فيُحَاص في ذلك.

стр. 8221

قَوْله: (وَأَمَّا مَا كانَ قَدْ ذَهَبَ عَيْنُ العِوَضِ الَّذِي اسْتَوْجَبَ مِنْ قِبَلِهِ الغَرِيمُ عَلَى المُفْلِسِ، فَإِنَّ دَيْنَهُ فِي ذِمَّةِ المُفْلِسِ). إذا ذَهَبت العين، إما انتقلت عنه أو تغيرت تغيرًا لا يمكن أن تكون العين على حالها، حينئذٍ يتعلق حق الغريم (أي: الدائن) بذمة المدين. قوله: (وَأَمَّا إذا كَانَ عَيْنُ العِوَضِ بَاقِيًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَفُتْ إِلَّا أنه لَمْ يَقْبِضْ ثَمَنَهُ). عين العوض موجود، لكن البائع لم يقبض الثمن، فهذا قد اختلف فيه العلماء على أربعة أقوال (١)، وكل قول من هذه الأقوال له دليل يستدل به. قَوْل: (فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ فُقَهَاءُ الأمْصَارِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ؛ الأَوَّلُ: أنَّ صَاحِبَ السِّلْعَةِ أحقُّ بِهَا). لأنَّ عينَه موجودة، وهذا يلتقي مع الحديث المتفق عليه: "مَنْ أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس، فهو أحق به "، هذا نص الحديث وهو عام، وأصحاب هذا القول -وهُمُ الجمهور- يأخذون بعموم الحديث. إذًا، هو أحقُّ بهذه السلعة؛ لأنَّه وجد عين السلعة ولم يقبض ثمنها، فهو أحقُّ بها. قَوْله: (عَلَى كُلِّ حَالٍ إِلَّا أن يَتْرُكَهَا، وَيَخْتَارَ المُحَاصَّةَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)،

стр. 8222

وَأَحْمَدُ (١)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٢). اَلقَوْلُ الثَّانِي: يُنْظَرُ إِلَى قِيمَةِ السِّلْعَةِ يَوْمَ الحُكْمِ بِالتَّفْلِيسِ). ينظر إلى قيمة السلعة وقتَ التفليس؛ لأنَّه قد تكون قيمتها ثابتةً، فالسِّلعة عندما يشتريها هذا المشتري المبتاع الذي أفلس لها ثمنٌ، هل بقيت بعد الإفلاس على قيمتها أم تغيَّرت بأن نقصت أو زادت أو بقيت قيمتها كمَا هي؟ قوْله: (فَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ خُيِّرَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهَا، أو يُحَاصَّ الغُرَمَاءَ). يُنْظَر إلى قيمَة السِّلعة عندما يفلس الرجل، هل بقيت محتفظةً بقيمتها عند الشراء أو تغيَّرت، وهل هذا التغيُّر في زيادةٍ أو نقصٍ، فإنْ كان سعرها قد انخفض، فهو حِينَئذٍ يُخيَّر بين أن يأخذهَا وبين أن يحاص أيْ: يشترك مع الغُرَماء في القسمة، وَإنْ كان الثمن أكثر أو مساويًا، فإنه يأخذها، وقد راعى المالكية في هذا جانب صاحب السِّلعة. قوْله: (وَإنْ كَانَتْ أكثرَ أو مُسَاويةً لِلثَّمَنِ، أَخَذَهَا بِعَيْنِهَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وأَصْحَابُهُ (٣). القَوْلُ الثَّالِثُ: تُقَوَّمُ السِّلْعَةُ بَيْنَ التَّفْلِيسِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا مُسَاويةً لِلثَّمَنِ، أو أَقَلَّ مِنْهُ، قُضِيَ لَهُ بِهَا).

стр. 8223

إذا كانت مساويةً أو أقل، قُضِيَ له بها؛ لأن هذه سلعته، وهو أوْلَى بها فيأخذها، ولكن إنْ كان ثمنها قد ارتفع، فهنا راعوا جانب المفلس؛ لأنهم رأوا أنه أحق بالرعاية والعناية، فيعطى البائع ثمن سلعته، وما زاد يكون بين الغرماء. ومعنى " يتحاصون " (١)؛ أي: يتقاسمون (أي: الغرمَاء أصحاب الديون) ذلك. قوْله: (أَعْنِي: لِلْبَائِعِ، وَإنْ كَانَتْ أَكْثَرَ دُفِعَ إِلَيْهِ مِقْدَارُ ثَمَنِهِ، وَيَتَحَاصُّونَ فِي البَاقِي، وَبِهَذَا القَوْلِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الأَثَرِ). يَعْني: لا فَرْقَ بينه وبين الغرمَاء؛ أيْ: لا فرقَ أن يجد سلعتَه بعينها، أو يجدها قد تغيرت، فهو أُسْوةٌ بالآخَرين. قوْله: (وَالقَوْلُ الرَّابعُ: أنه أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ فِيهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَهْلِ الكُوفَةِ (٢). وَالأَصْلُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَة: مَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: " أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَأَدْرَكَ الرَّجُلُ مَالَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ "، وَهَذَا الحَدِيثُ خَرَّجَهُ مَالِكٌ (٣)، وَالبُخَارِيُّ (٤)، وَمُسْلِمٌ (٥)، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، وَهَذَا اللَّفْظُ لِمَالِكٍ). أما اللفظ في "الصحيحين": "مَنْ أدرك متاعه بعينه عند رجل قد

стр. 8224

أفلس، فَهو أحقُّ به "، وجاء بلفظ: "ما أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس، فهو أحقُّ به " (١). قوله: (فَمِنْ هَؤُلَاء مَنْ حَمَلَهُ عَلَى عُمُومِهِ، وَهُوَ الفَرِيقُ الأَوَّلُ). هُمُ الجمهور- الشافعية ومن معهم - قالوا: هذا الحديث صحيح الدلالة على المدَّعى: "مَنْ أدرَك متاعَه بعينه عند رجلٍ قد أفلسَ، فَهو أَحقُّ به "، وليس هناك فرقٌ بين أن يزيد الثمن أو ينقص أو يبقى وإلا لبَيَّنه الرسول ﷺ ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّصَهُ بِالقِيَاسِ). الذين خصصوا بالقياس - وهو ما يعرف بالقياس المرسل، أو بالمصلحة المرسلة (٢) - هم المالكية. قوله: (وَقَالُوا: إن مَعْقُولَهُ إِنَّمَا هُوَ الرِّفْقُ بِصَاحِبِ السِّلْعَةِ لِكَوْنِ سِلْعَتِهِ بَاقِيَةً، وَأَكْثَرُ مَا فِي ذَلِكَ أن يَأْخُذَ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ). الذى علل بهذا التعليل هم المالكية، وقد راعوا جانب البائع فقالوا: هذا باع بثمن، فما ذنبه أن يأخذ أقل من حقه؟!، لكنهم لم يراعوا إذا زاد الثمن كما راعى الفريق الآخر، قالوا: هنا ينبغي أن يراعى جانب صاحب السلعة وهو البائع، فينبغي أن يأخذ الثمن إنْ كان مساويًا أو زاد، لكن لو نقص فله الخيار؛ إن شاء أخذ، وإن شاء شارك الغرماء في ذلك. قوله: (فَأَمَّا أَنْ يُعْطَى فِي هَذهِ الحَالِ الَّذِي اشْتَرَكَ فِيهَا مَعَ الغُرَمَاء أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا، فَذَلِكَ مُخَالِف لِأُصُولِ الشَّرْعِ، وَبِخَاصَّةٍ إذا كان لِلْغُرَمَاءِ أَخْذُهَا بِالثَّمَنِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ.

стр. 8225

وَأَمَّا أَهْلُ الكُوفَةِ فَرَدُّوا هَذَا الحَدِيثَ بِجُمْلَتِهِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلأُصُولِ المُتَوَاتِرَةِ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ فِي رَدِّ خَبَرِ الوَاحِدِ إذا خَالَفَ الأُصُولَ المُتَوَاتِرَةَ، لِكَوْنِ خَبَرِ الوَاحِدِ مَظْنُونًا) (١). أبو حنيفة ومن معه ردوا هذا الحديث بجملته؛ لأنَّه خالف الأصول. للحنفية منهجٌ وطريقٌ انفردوا بها عن بقية الفقهاء، فهم يرون أن خبر الواحد لا يخصص به؛ لأنه مظنون، لكن لو كان الحديث متواترًا، فنعم، لكن لا يخصص بالحديث المظنون عندهم آيةً أو حديثًا متواترًا أو مشهورًا، وبخاصة فيما يتعلق بمن يرون أنه يتعارض مع أصول الشريعة. ووجه معارضة هذا الحديث لأصول الشريعة عندهم: أن هذه السلعة إنما اشتريت بثمنٍ، وهذا الثمن كان عن عقد، والله تعالى يقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ورسول الله ﷺ يقول: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (٢)، والله تعالى يقول: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤]. فكيف يأتي إلى إنسان فيأخذ ماله لآخر، وقد أخذه بثمن، وبعقد محدد؟! لكن إذا أفلس الإنسان، فينبغي أن يطبق في حقه بأن يشترك الغرماء فيما يتعلق بتقسيم ماله .. هذه وجهتهم.

стр. 8226

لكنَّ الجمهور يخالفونهم بذلك، ويرون أنَّ الحديث غير مخالف للأصول، وأنه حجة، والحديث قد رُوِيَ من طرق عدة. قوله: (وَالأُصُولُ يَقِينِيَّةٌ مَقْطُوعٌ بِهَا، كَمَا قَالَ عُمَرُ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: مَا كُنَّا لِنَدَعَ كِتَابَ الله وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِحَدِيثِ امْرَأَةٍ (١). وَرَوَاهُ عَنْ عَلِيِّ أَنَّهُ قَضَى بِالسِّلْعَةِ لِلْمُفْلِسِ (٢)، وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ سِيرِينَ (٣)، وَإِبْرَاهِيمَ مِنَ التَّابِعِينَ (٤). حديث فاطمة بنت قيس حديث متفق عليه (٥)، وحديث فاطمة: أن زوجها طلقها البتة، طلقها ثلاثًا وهو غائب، فأرسل وكيله إليها بشعير، فتسخرته أي: احتقرته فجمعت عليها ثيابها، فذهبت إلى رسول الله ﷺ تسأله، فقال لها: "ليس لك عليه نفقة ولا سكنى"، ثم قال لها ﵊: " اعتدي عند أم شريك "، ثم قال: " اعتدِّي عند ابن أم مكتوم ". فهم يرون بأن عمر ﵁ توقف عن الأخذ بقول امرأة، أما ما قيل:

стр. 8227

"لا ندع كتابًا"، أجاب عنه العلماء، فإن الإمام أحمد ﵀ قال: معناه "لا نجيزه " بدل: "لا ندع ". وأما بالنسبة لقول المرأة؛ فنعلم كَمْ من الأحاديث رواها أزواج رسول الله ﷺ وفاطمة وغيرها من النساء، فهناك شطر كبير روتها النساء، وتقبلها العلماء بالقبول. إذًا، قول عمر هذا إنما المراد منه التثبت، وروي عن علىٍّ أيضًا أنه قضى بالسلعة للمفلس، ويعتبرون هذا حجة لهم. قوله: (وَرُبَّمَا احْتَجُّوا بِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مُخْتَلَفٌ (١) فِيهِ). قَدْ جاء بعدة روايات، وليس هناك مانع بأن يرويه أبو هريرة ﵁ بعدة ألفاظ، وكلها لها دلالات، "مَنْ أدرك متاعه بعينه عند رجلٍ قد أفلس فهو أحق به "، أو " من أدرك ماله بعينه عند رجلٍ قد أفلس، فهو أحق به "، أو "من باع سلعة فوجد سلعته … " إلى آخره، واللفظ الذي أورده المؤلف: "أيما رجل … " (٢). قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ). هذه الرواية لا تُعْرف بهذا اللفظ، واللفظ المعروف هو الذي أورده المؤلف في "الموطأ" (٣). والذي في "الصحيحين": "من أدرك متاعه بعينه عند رجل قد أفلس، فهو أحق به " أو "من أدرك ماله بعينه عند رجلٍ قد أفلس فهو أحق به "، أو "من باع سلعة فوجد سلعته بعينها عند رجلٍ قد أفلس ولم يقبض منه شيئًا

стр. 8228

فهو أحقُّ بها وإن قبض، فهو أسوة الغرماء" (١). هذه هي الألفاظ المشهورة المعروفة، أما هذا الذي ذكره فلا يعرف، ولا يصلح أن يكون حجةً. قوله: (أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ، أو أَفْلَسَ فَوَجَدَ بَعْضُ غُرَمَائِهِ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ"، وَهَذَا الحَدِيثُ أَوْلَى؛ لأنَّه مُوَافِق لِلْأُصُولِ الثَّابِتَةِ). قَالوا: هذه الحديث أَوْلَى؛ لكنني أقول: الأحاديث الأخرى هي الأولى؛ لأنها المعروفة والمشهورة. قوْله: (قَالُوا: وَلِلْجَمْعِ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ وَجْهٌ، وَهُوَ حَمْلُ ذَلِكَ الحَدِيثِ عَلَى الوَدِيعَةِ وَالعَارِيَّةِ، إِلَّا أَنَّ الجُمْهُورَ دَفَعُوا هَذَا التَّأْوِيلَ بِمَا وَرَدَ فِي لَفْظِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِنْ ذِكْرِ البَيْعِ). هذا يقطع عليهم الطريق؛ لأنهم قالوا: نحمله على العارَّية والوديعة، فحاولوا أن يخرجوا به، لكن جاء لفظ صحيح من ألفاظ حديث أبي هريرة وهو قوله ﵊: "من باع سلعةً فوجد سلعته بعينها عند رجل قد أفلس ولم يقبض منه شيئًا فهو أحق بها، وإن قبض فهو أسوة الغرماء" (٢)، ومحل الشاهد: "من باع سلعة ". إذًا، لفظ البيع أو التنصيص على البيع يُبْطل هذا الاحتجاج وهذا التعليل الذي أورده الحنفية. قَوْله: (وَهَذَا كلُّهُ عِنْدَ الجَمِيعِ بَعْدَ قَبْضِ المُشْتَرِي السِّلْعَةَ، فَأَمَّا

стр. 8229

قَبْلَ القَبْضِ فَالعُلَمَاءُ مُتَّفِقُونَ (أَهْلُ الحِجَازِ، وَأَهْلُ العِرَاقِ) أنَّ صَاحِبَ السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِهَا؛ لِأَنَّهَا فِي ضَمَانِهِ). إذا كانت السلعة في حوزة البائع ولم تنتقل للمشتري، فلا خلافَ بين العلماء بأنَّ صَاحبَها أحَق بها دون خِلَافٍ. قوْله: (وَاخْتَلَفَ القَائِلُونَ بِهَذَا الحَدِيثِ إذا قَبَضَ البَائِعُ بَعْضَ الثَّمَنِ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّ مَا قَبَضَ وَيَأْخُذَ السِّلْعَةَ كُلَّهَا، وَإِنْ شَاءَ حَاصَّ الغُرَمَاءَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ سِلْعَتِهِ) (١). المراد: أن الإنسان لو باع سلعةً فقبض شيئًا من ثمنها - أخذ بعض الثمن ثم وجد السلعة - فهل هو أحق بها أو لا؟ قال مالك: "هو بالخيار"، إنْ شاء أخذها، وإن شاء حاص الغرماء؛ أي: قاسمهم. قوْله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بَلْ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ مِنْ سِلْعَتِهِ بِمَا بَقِيَ مِنَ الثَّمَنِ (٢). وَقَالَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ دَاوُدُ (٣)، وَإِسْحَاقُ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥): إِنْ قَبَضَ مِنَ الثَّمَنِ شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ).

стр. 8230

هَؤُلاء يُفصِّلون فيَقُولون: هناك فرق بين مَنْ يجد سلعته ويكون قبض منها شيئًا، فإن كان قد قبض شيئًا فيساوى بالغرماء، وإن لم يقبض شيئًا فهو أحق بها. قوله: (وَحُجَّتُهُمْ: مَا رَوَى مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا، فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ شَيْئًا فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الَّذِي ابْتَاعَهُ فَصَاحِبُ المَتَاعِ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ") (١). هذا هو دليل الفريق الثالث (إسحاق وأحمد وداود)، ومَنْ معهم، وهم أكثر العلماء، وهذا الحديث نص في هذه المسألة، وقد أخرجه أبو داود في "سننه " (٢)، وابن ماجه في "سننه " (٣)، والبيهقي (٤)، والدارقطني (٥)، وغيرهم (٦)، وهو حديث صالح للاحتجاج به (٧). قَوْله: (وَهُوَ حَدِيثٌ وَإِنْ أَرْسَلَهُ مَالِكٌ (٨) فَقَدْ أَسْنَدَهُ عبد الرازق) (٩).
следующие страницы →