لكنَّ الجمهور يخالفونهم بذلك، ويرون أنَّ الحديث غير مخالف للأصول، وأنه حجة، والحديث قد رُوِيَ من طرق عدة.
قوله: (وَالأُصُولُ يَقِينِيَّةٌ مَقْطُوعٌ بِهَا، كَمَا قَالَ عُمَرُ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: مَا كُنَّا لِنَدَعَ كِتَابَ الله وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِحَدِيثِ امْرَأَةٍ (١). وَرَوَاهُ عَنْ عَلِيِّ أَنَّهُ قَضَى بِالسِّلْعَةِ لِلْمُفْلِسِ (٢)، وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ سِيرِينَ (٣)، وَإِبْرَاهِيمَ مِنَ التَّابِعِينَ (٤).
حديث فاطمة بنت قيس حديث متفق عليه (٥)، وحديث فاطمة: أن زوجها طلقها البتة، طلقها ثلاثًا وهو غائب، فأرسل وكيله إليها بشعير، فتسخرته أي: احتقرته فجمعت عليها ثيابها، فذهبت إلى رسول الله ﷺ تسأله، فقال لها: "ليس لك عليه نفقة ولا سكنى"، ثم قال لها ﵊: " اعتدي عند أم شريك "، ثم قال: " اعتدِّي عند ابن أم مكتوم ".
فهم يرون بأن عمر ﵁ توقف عن الأخذ بقول امرأة، أما ما قيل:
стр. 8227
"لا ندع كتابًا"، أجاب عنه العلماء، فإن الإمام أحمد ﵀ قال: معناه "لا نجيزه " بدل: "لا ندع ".
وأما بالنسبة لقول المرأة؛ فنعلم كَمْ من الأحاديث رواها أزواج رسول الله ﷺ وفاطمة وغيرها من النساء، فهناك شطر كبير روتها النساء، وتقبلها العلماء بالقبول.
إذًا، قول عمر هذا إنما المراد منه التثبت، وروي عن علىٍّ أيضًا أنه قضى بالسلعة للمفلس، ويعتبرون هذا حجة لهم.
قوله: (وَرُبَّمَا احْتَجُّوا بِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مُخْتَلَفٌ (١) فِيهِ).
قَدْ جاء بعدة روايات، وليس هناك مانع بأن يرويه أبو هريرة ﵁ بعدة ألفاظ، وكلها لها دلالات، "مَنْ أدرك متاعه بعينه عند رجلٍ قد أفلس فهو أحق به "، أو " من أدرك ماله بعينه عند رجلٍ قد أفلس، فهو أحق به "، أو "من باع سلعة فوجد سلعته … " إلى آخره، واللفظ الذي أورده المؤلف: "أيما رجل … " (٢).
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ).
هذه الرواية لا تُعْرف بهذا اللفظ، واللفظ المعروف هو الذي أورده المؤلف في "الموطأ" (٣).
والذي في "الصحيحين": "من أدرك متاعه بعينه عند رجل قد أفلس، فهو أحق به " أو "من أدرك ماله بعينه عند رجلٍ قد أفلس فهو أحق به "، أو "من باع سلعة فوجد سلعته بعينها عند رجلٍ قد أفلس ولم يقبض منه شيئًا
стр. 8228
فهو أحقُّ بها وإن قبض، فهو أسوة الغرماء" (١).
هذه هي الألفاظ المشهورة المعروفة، أما هذا الذي ذكره فلا يعرف، ولا يصلح أن يكون حجةً.
قوله: (أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ، أو أَفْلَسَ فَوَجَدَ بَعْضُ غُرَمَائِهِ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ"، وَهَذَا الحَدِيثُ أَوْلَى؛ لأنَّه مُوَافِق لِلْأُصُولِ الثَّابِتَةِ).
قَالوا: هذه الحديث أَوْلَى؛ لكنني أقول: الأحاديث الأخرى هي الأولى؛ لأنها المعروفة والمشهورة.
قوْله: (قَالُوا: وَلِلْجَمْعِ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ وَجْهٌ، وَهُوَ حَمْلُ ذَلِكَ الحَدِيثِ عَلَى الوَدِيعَةِ وَالعَارِيَّةِ، إِلَّا أَنَّ الجُمْهُورَ دَفَعُوا هَذَا التَّأْوِيلَ بِمَا وَرَدَ فِي لَفْظِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِنْ ذِكْرِ البَيْعِ).
هذا يقطع عليهم الطريق؛ لأنهم قالوا: نحمله على العارَّية والوديعة، فحاولوا أن يخرجوا به، لكن جاء لفظ صحيح من ألفاظ حديث أبي هريرة وهو قوله ﵊: "من باع سلعةً فوجد سلعته بعينها عند رجل قد أفلس ولم يقبض منه شيئًا فهو أحق بها، وإن قبض فهو أسوة الغرماء" (٢)، ومحل الشاهد: "من باع سلعة ".
إذًا، لفظ البيع أو التنصيص على البيع يُبْطل هذا الاحتجاج وهذا التعليل الذي أورده الحنفية.
قَوْله: (وَهَذَا كلُّهُ عِنْدَ الجَمِيعِ بَعْدَ قَبْضِ المُشْتَرِي السِّلْعَةَ، فَأَمَّا
стр. 8229
قَبْلَ القَبْضِ فَالعُلَمَاءُ مُتَّفِقُونَ (أَهْلُ الحِجَازِ، وَأَهْلُ العِرَاقِ) أنَّ صَاحِبَ السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِهَا؛ لِأَنَّهَا فِي ضَمَانِهِ).
إذا كانت السلعة في حوزة البائع ولم تنتقل للمشتري، فلا خلافَ بين العلماء بأنَّ صَاحبَها أحَق بها دون خِلَافٍ.
قوْله: (وَاخْتَلَفَ القَائِلُونَ بِهَذَا الحَدِيثِ إذا قَبَضَ البَائِعُ بَعْضَ الثَّمَنِ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّ مَا قَبَضَ وَيَأْخُذَ السِّلْعَةَ كُلَّهَا، وَإِنْ شَاءَ حَاصَّ الغُرَمَاءَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ سِلْعَتِهِ) (١).
المراد: أن الإنسان لو باع سلعةً فقبض شيئًا من ثمنها - أخذ بعض الثمن ثم وجد السلعة - فهل هو أحق بها أو لا؟ قال مالك: "هو بالخيار"، إنْ شاء أخذها، وإن شاء حاص الغرماء؛ أي: قاسمهم.
قوْله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بَلْ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ مِنْ سِلْعَتِهِ بِمَا بَقِيَ مِنَ الثَّمَنِ (٢). وَقَالَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ دَاوُدُ (٣)، وَإِسْحَاقُ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥): إِنْ قَبَضَ مِنَ الثَّمَنِ شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ).
стр. 8230
هَؤُلاء يُفصِّلون فيَقُولون: هناك فرق بين مَنْ يجد سلعته ويكون قبض منها شيئًا، فإن كان قد قبض شيئًا فيساوى بالغرماء، وإن لم يقبض شيئًا فهو أحق بها.
قوله: (وَحُجَّتُهُمْ: مَا رَوَى مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعًا، فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ شَيْئًا فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الَّذِي ابْتَاعَهُ فَصَاحِبُ المَتَاعِ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ") (١).
هذا هو دليل الفريق الثالث (إسحاق وأحمد وداود)، ومَنْ معهم، وهم أكثر العلماء، وهذا الحديث نص في هذه المسألة، وقد أخرجه أبو داود في "سننه " (٢)، وابن ماجه في "سننه " (٣)، والبيهقي (٤)، والدارقطني (٥)، وغيرهم (٦)، وهو حديث صالح للاحتجاج به (٧).
قَوْله: (وَهُوَ حَدِيثٌ وَإِنْ أَرْسَلَهُ مَالِكٌ (٨) فَقَدْ أَسْنَدَهُ عبد الرازق) (٩).
стр. 8231
لَمْ يأخذ به بعض العلماء كالشافعي؛ لأنَّه مرسل، لكننا نقول: قد جاء موصولًا من طرق أخرى، فإنَّه جاء عند عبد الرزاق مسندًا، وعند أبي داود، والدارقطني (١)، والتعليل بأنَّه لا يحتج به لكونه جاء مرسلًا يدفعه أنَّه جاء مسندًا.
قوْله: (وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الزّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ زِيَادَةُ بَيَانٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِيهِ: " فَإِنْ كَانَ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهِ شيْئًا فَهُوَ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ " (٢). ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِهِ فِي الفِقْهِ (٣)، وَخَرَّجَهُ).
كتابه في الفقه في الأموال، ولكن خرجه أبو داود وابن ماجه والدارقطني كما قلنا، وكان الأَوْلَى أن يذكر ذلك؛ لأنها كتب متخصصة في الحديث، فكان ينبغي أن يذكرها، أو بعضها، لكنه وقف عليه في كتاب الأموال لأبي عبيد فذكره (٤).
قوْله: (وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ كُلَّ السِّلْعَةٍ، أَوْ بَعْضَهَا فِي الحُكْمِ وَاحِدٌ).
المؤلف يريد بأن الشافعي لم يأخذ بهذا القول، وقد ثبت عن الإمام الشافعي ﵀ أنَّه قال: " إذا صح الحديث فهو مذهبي "، ولم يأخذ به؛ لأنَّه رأى أنَّه مرسل، وحجته أنها كلها واحد؛ سواء قبض أو لم يقبض، هذا هو المراد.
قوْله: (وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ إذَا فَوَّتَ المُشْتَرِي بَعْضَهَا أَنَّ البَائِعَ
стр. 8232
أَحَقُّ بِالمِقْدَارِ الَّذِي أَدْرَكَ مِنْ سِلْعَتِهِ إِلَّا عَطَاءً فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا فَوَّتَ المُشْتَرِي بَعْضَهَا كَانَ البَائِعُ أُسْوَةَ الغُرَمَاءِ (١). وَاخْتَلَفَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ فِي المَوْتِ: هَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الفَلَسِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ فِي المَوْتِ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ، بِخِلَافِ الفَلَسِ) (٢).
مالك وأحمد (٣): لو وجد متاعه بعينه عند رجلٍ قد توفي فهو أسوة الغرماء، وعند الشافعي: هو أحقُّ بها، لا فرق بين أن يجد ماله عند رجلٍ قد أفلس، أو عند رجلٍ قد مات.
قَوْل: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ (٤) .. وَعُمْدَةُ مَالِكٍ).
стр. 8233
عُمْدة مالك وأحمد.
قَوْله: (مَا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ نَصٌّ فِي ذَلِكَ، وَأَيْضًا مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ: أَنَّ فَرْقًا بَيْنَ الذّمَّةِ فِي الفَلَسِ، وَالمَوْتِ، وَذَلِكَ أَنَّ الفَلَسَ مُمْكِنٌ أن تَثْرَى حَالُهُ فَيَتْبَعُهُ غُرَمَاؤُهُ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي المَوْتِ).
والواقع يشهد بذلك؛ لأن الإنسان إذا أفلس وذهب ماله، ربما يكون مبذرًا، أو عنده كرم زائد، كلما جاءه من الأموال أنفقها، وأيضًا يوجد من الناس من يمسك على المال، هذا الإنسان إذا أفلس ربما يتدارك الخطأ، ولذلك رأيت ما مر بنا من الحَجْر على السفيه الذي يبذر أمواله، لكن هذا الذي أفلس وذهب ماله وربما لا يكون نتيجة التبذير، يبيع ويشتري، فلا يوفق، فيخسر السلع، وربما يصبر وبعد ذلك يرجع إلى حاله، وربما يكون المفلس صاحب صنعةٍ وينتج.
ولذلك، يُفرِّق العلماء بين المفلس إذا كان صاحب صَنْعةٍ وبين ما أُخِذَ من بين يديه لا يستطيع أن يتصرَّف، ولا أن ينفق، وبين آخر لو أخذ جميع ما بين يديه، فإنَّه صاحب صنعة يستطيع أن يعمل وينفق.
قوْله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَعُمْدَتُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ، فَصَاحِبُ المَتَاعِ أَحَقُّ بِهِ " (١)، فَسَوَّى فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ المَوْتِ وَالفَلَسِ. وَقَالَ: وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ أَوْلَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ مُرْسَلٌ، وَهَذَا مُسْنَدٌ. وَمِنْ طَرِيقِ المَعْنَى: فَهُوَ مَالٌ لَا تَصَرُّفَ فِيهِ لِمَالِكِهِ إِلَّا بَعْدَ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَالَ المُفْلِسِ. وَقِيَاسُ مَالِكٍ أَقْوَى مِنْ قِيَاسِ الشَّافِعِيِّ).
стр. 8234
قياسُ مالكٍ أقوى؛ لأنَّه فرق بين الميت وغيره، ومعلوم أن الحي يعمل ويعيد الكَرَّة ويبذل جهده، أما الميت فانتهى أمره.
قَوْله: (وَتَرْجِيحُ حَدِيثِهِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مُوَافَقَةَ القِيَاسِ لَهُ أَقْوَى).
موافقة القياس لرأي مالكٍ وأحمد.
قَوْله: (وَذَلِكَ أَنَّ مَا وَافَقَ مِنَ الأَحَادِيثِ المُتَعَارِضَةِ قِيَاسَ المَعْنَى فَهُوَ أَقْوَى مِمَّا وَافَقَهُ قِيَاسُ الشَّبَهِ) (١).
لأنَّه فرَّق بين القياسين: قياس العلة (٢) الذي يُعْرف بقياس المعنى، وهو حجة، وهو أحد الأدلة الشرعية، إلحاق فرع بأصل في حكم العلة تجمع بينهم؛ لكن قياس الشبه ضعيف؛ لأنَّه لا يُبْنَى على أصول، مجرد شبه بين أمرين.
قَوْله: (أَعْنِي: أَنَّ القِيَاسَ المُوَافِقَ لِحَدِيثِ الشَّافِعِيِّ هُوَ قِيَاسُ شَبَهٍ، وَالمُوَافِقَ لِحَدِيثِ مَالِكٍ قِيَاسُ مَعْنًى، وَمُرْسَلُ مَالِكٍ خَرَّجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ).
стр. 8235
كان ينبغي للمؤلف ﵀ أن يضيف لفظة: " موصولًا "؛ لأن عبد الرزاق خرجه متصل السند.
قَوْله: (فَسَبَبُ الخِلَافِ: تَعَارُضُ الآثَارِ فِي هَذَا المَعْنَى، وَالمَقَايِيسِ).
من أسباب الخلاف تعارض الآثار؛ أي: تَرِدُ أدلةٌ، هذا يدل على شيءٍ، وهذا يدلُّ على شيءٍ آخر، هذا يُفْهم منه شيءٌ وهذا يُفْهم منه شَيءٌ آخر، وَهَذا سَببٌ من أسباب الاختلاف.
قَوْله: (وَأَيْضًا فَإِنَّ الأَصْلَ يَشْهَدُ لِقَوْلِ مَالِكٍ فِي المَوْتِ - أَعْنِي: أَنَّ مَنْ بَاعَ شَيْئًا فَلَيْسَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ -، فَمَالِكٌ ﵀ أَقْوَى فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، وَالشَّافِعِيُّ إِنَّمَا ضَعُفَ عِنْدَهُ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ لمَا رُوِيَ مِنَ المُسْنَدِ المُرْسَلِ عِنْدَهُ لَا يَجِبُ العَمَلُ بِهِ).
لما روى الشافعي من المسند عنده، والمرسل عند مالك، ونحن قلنا بأنَّ المرسل عند مالك وأحمد وصله جماعة من العلماء، فأصبح أيضًا مسندًا، فترجح القول الأول الذي هو مذهب المالكية والحنابلة ومَنْ معهم؛ لأن دليلهم أقوى.
قَوْله: (وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢) فِيمَنْ وَجَدَ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا
стр. 8236
عِنْدَ المُفْلِسِ، وَقَدْ أَحْدَثَ زِيَادَةً، مِثْلَ أَنْ تَكُونَ أَرْضًا يَغْرِسُهَا، أو عَرْصَةً يَبْنِيهَا: فَقَالَ مَالِكٌ: العَمَلُ الزَّائِدُ فِيهَا هُوَ فَوْتٌ، وَيَرْجِعُ صَاحِبُ السِّلْعَةِ شَرِيكَ الغُرَمَاءِ).
"فوت "؛ أي: فأتت السلعة على صاحبها بهذا التغيير أو هذه الإضافات التي حدثت، فيكون واحدًا من الغرماء؛ فيدخل معهم في المحاصة؛ أي: الاقتسَام؛ لأن هذا التغير قد أخرجها على أن يكون هو أحق بها.
قَوْله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بَلْ يُخَيَّرُ البَائِعُ بَيْنَ أن يُعْطِيَ قِيمَةَ مَا أَحْدَثَ المُشْتَرِي فِي سِلْعَتِهِ وَيَأْخُذَهَا، أَوْ أَنْ يَأْخُذَ أَصْلَ السِّلْعَةِ وَيُحَاصَّ الغُرَمَاءَ فِي الزِّيَادَةِ).
وبقول الإمام الشافعي قال الإمام أحمد ﵀ (١).
قوْله: (وَمَا يَكُونُ فَوْتًا مِمَّا لَا يَكُونُ فَوْتًا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ مَنْصُوصٌ فِي كُتُبِهِ المَشْهُورَةِ) (٢).
стр. 8237
ما يسمى بالفوت: هو ما يفوت الإنسان في حقه، أو ما لا يفوته، وهو مبين في كتب الفروع في المذهب (١).
قَوْله: (وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيمَا يَكُونُ الغَرِيمُ بِهِ أَحَقَّ مِنْ سَائِرِ الغُرَمَاءِ فِي المَوْتِ وَالفَلَسِ، أَوْ فِي الفَلَسِ دُونَ المَوْتِ: أَنَّ الأَشْيَاءَ المَبِيعَةَ بِالدَّيْنِ تَنْقَسِمُ فِي التَّفْلِيسِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: عَرَضٌ يَتَعَيَّنُ، وَعَيْنٌ اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَتَعَيَّنُ فِيهِ أَمْ لَا؟).
" عين اختلف فيه "، أي: حدث فيها تغير أو لا.
قوله: (وَعَمَلٌ لَا يَتَعَيَّنُ).
أجرة الأجير أو الحمل، أو غير ذلك، هذا يدخل في باب المنافع.
إذًا، إما أن يجد الإنسان سلعته، أو يجدها وقد تغيرت، أو يكون عملًا من الأعمال.
قَوْله: (فَأَمَّا العَرَضُ: فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ بَائِعِهِ لَمْ يُسَلِّمْهُ حَتَّى أَفْلَسَ المُشْتَرِي، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فِي المَوْتِ وَالفَلَسِ).
باع عليه عرضًا من عروض التجارة، كثلاجة أو ثوب أو غسالة؛ لكنها بقيت عند البائع (عروض التجارة).
قَوْله: (وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ) (٢).
стр. 8238
متفق عليه بين الأئمة كلهم، وقد مرَّ مثله بأن الإنسان إذا باع سلعةً على رجلٍ، ثم أفلس المشتري أي: المبتاع قبل أن يتسلم السلعة، فهو أحق بها؛ أي: البائع، بلا خلافٍ بين العلماء.
قَوْله: (وَإِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَهُ إلى المُشْتَرِي ثُمَّ أَفْلَسَ وَهُوَ قَائِمٌ بِيَدِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الغُرَمَاءِ فِي الفَلَسِ دُونَ المَوْتِ).
دفع العوض إلى المفلس، ثم أنه أفلس، لكن هذا العرض لم يغير فيه شيء "من باع سلعةً فوجد سلعته بعينها عند رجلٍ قد أفلس ولم يقبض منه شيئًا، فهو أحق بها، وإن قبضَ فهو أُسْوَة الغرماء" (١)، وَلكن إنْ كان هذا الإنسان قد مات فوجدها في تركته، فهو كأسوة الغرماء عند مَالِكٍ (٢) وأحمد (٣)، وهو أحق بها عند الشافعي (٤).
стр. 8239
قوْله: (وَلَهُمْ عِنْدَهُ أَنْ يَأْخُذُوا سِلْعَتَهُ بِالثَّمَنِ (١). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُمْ) (٢).
الإمام الشافعيُّ خالف في هذه المسألة، أما الإمام أحمد فوافق الإمام مالكًا ﵀ في هذه المسألة.
قوْله: (وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يَأْخُذُونَهَا إِلَّا بِزِيَادَةٍ يَحُطُّونَهَا عَنِ المُفْلِسِ. وَقَالَ ابْنُ المَاجِشُون: إِنْ شَاؤُوا كَانَ الثَّمَنُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، أَوْ مِنْ مَالِ الغَرِيمِ. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: بَلْ يَكُونُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَأَمَّا العَيْنُ: فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا فِي المَوْتِ أَيْضًا، وَالفَلَسُ مَا كَانَ بِيَدِهِ) (٣).
نعلم بأنَّه ممكن أنْ يكون هناك عينٌ، وهناك دينٌ، ويقصد بالعين مفرد الأعيان.
قَوْله: (وَاخْتُلِفَ إذَا دَفَعَهُ إِلَى بَائِعِهِ فِيهِ فَفَلَّسَ أَوْ مَاتَ وَهُوَ قَائِمٌ بِيَدِهِ يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ أَحَقُّ بِهِ كَالعُرُوضِ في الفَلَسِ دُونَ المَوْتِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ القَاسِمِ) (٤).
стр. 8240
وهو قول أحمد (١).
قَوْل: (وَقِيلَ: إِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ (٢)، وَالقَوْلَانِ جَارِيَانِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي تَعْيِينِ العَيْنِ. وَأَمَّا إِنْ لَمْ يُعْرَفْ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ فِي المَوْتِ وَالفَلَسِ).
ولذلك، نجد أن العلماء ﵏ يفضلون عندما يباع مال المفلس أن يحضر المفلس، تطييبًا لخاطره، وليقف على البيع حتى لا يحصل الظن في ذلك، وأن يعرف ثمن تلك السلع التي اشتراها، ويفضلون أيضًا أن يحضر الغرماء؛ لأنَّه أطيب لنفوسهم، وليقفوا على البيع، وربما رأوا أن يشتروا، وهذا يزيد في ثمن السلعة، وهم يُفضِّلون حضور المفلس والغرماء، ولا يوجبون.
قوْله: (وَأَمَّا العَمَلُ الَّذِي لَا يَتَعَيَّنُ: فَإِنْ أَفْلَسَ المُسْتَأْجِرُ قَبْلَ أن يَسْتَوْفِيَ عَمَلَ الأَجِيرِ كَانَ الأجِيرُ أَحَقَّ بِمَا عَمِلَهُ فِي المَوْتِ وَالفَلَسِ جَمِيعًا، كَالسِّلْعَةِ إذا كانَتْ بِيَدِ البَائِعِ فِي وَقْتِ الفَلَسِ).
مثال ذلك: إنسان استأجر إنسانًا ليعمل له عملًا أو يحمل له متاعًا، إذا أفلس الإنسان قبل أن يدخل العامل في العمل فله (أي: للمستأجر) أن يُنهي العقد وينتهى الأمر، لكنَّ الخلاف إذا أدى بعضَ العمل؛ كأن حمل المتاع أو قام ببعض العمل الذي طلب منه أو أكمل العمل كاملًا، فهنا
стр. 8241
يحصل الخلاف، قياسًا على السلعة التي بيد البائع في حال الفلس فهو أحق بها، وهذا أيضًا الصنعة بيده، طلب منه أن يصنع له شيئًا، أن يَخِيطَ له ثوبًا، فهو أَحقُّ به أيضًا.
قَوْله: (وَإِنْ كَانَ فَلَسُهُ بَعْدَ أَنِ اسْتَوْفَى عَمَلَ الأَجِيرِ: فَالأَجِيرُ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ بِأُجْرَتِهِ الَّتِي شَارَطَهُ عَلَيْهَا في الفَلَسِ وَالمَوْتِ جَمِيعًا عَلَى أَظْهَرِ الأَقْوَالِ).
وهَذَا هو مذهب الجمهور (١).
قَوْله: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ بِيَدِهِ السِّلْعَةُ الَّتِى اسْتُؤْجِرَ عَلَى عَمَلِهَا، فَيَكُونُ أَحَقَّ بِذَلِكَ فِي المَوْتِ، وَالفَلَسِ جَمِيعًا؛ لِأنَّهُ كَالرَّهْنِ بِيَدِهِ).
إذا لم تخرج السلعة التي عملها العامل أو الصانع من يده، فهو أحقُّ بها قياسًا على البيع، ومذهب الحنابلة قريب جدًّا من هذا (٢).
قوْله: (فَإِنْ أَسْلَمَهُ، كَانَ أُسْوَةَ الغُرَمَاءِ بِعَمَلِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ أَخْرَجَهُ فَيَكُونَ أَحَقَّ بِهِ فِي الفَلَسِ دُونَ المَوْتِ، وَكَذَلِكَ الأَمْرُ
стр. 8242
عِنْدَهُ فِي فَلَسِ مُكْتَرِي الدَّوَابِّ إِنِ اسْتَكْرَى أَحَقُّ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ المَتَاعِ فِي المَوْتِ وَالفَلَسِ جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ مُكْتَرِي السَّفِينَةِ) (١).
إن استكرى فهو أحقُّ.
قوله: (وَهَذَا كلُّهُ شَبَّهَهُ مَالِكٌ بِالرَّهْنِ).
وكذلك الرهن معتبر أيضًا عند الحنابلة، وهذا أظنه رأىِ أكثر الفقهاء.
قوله: (وَبِالجُمْلَةِ: فَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِهِ أَنَّ البَائِعَ أَحَقُّ بِمَا فِي يَدَيْهِ فِي المَوْتِ وَالفَلَسِ).
ومَعه أحمد والشافعيُّ، لكنَّ الشافعيَّ فقط يخالف بالنسبة لمن وجد متاعه بعينه عند رجلٍ قد مات (٢).
قوله: (وَأَحَقُّ بِسِلْعَتِهِ القَائِمَةِ الخَارِجَةِ عَنْ يَدِهِ فِي الفَلَسِ دُونَ المَوْتِ، وَأَنَّهُ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ فِي سِلْعَتِهِ إِذَا فَاتَتْ، وَعِنْدَمَا يُشْبِهُ حَالَ الأَجِيرِ- عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ - (٣) وَبِالجُمْلة البَائِعِ مَنْفَعَةً بِالبَائِعِ الرَّقَبة).
مُرَاد المؤلف ﵀ هنا أنه عند مالكٍ وأصحابه عطفًا على "وبالجملة" ما يَكُون في المنافع يشبهونه بالبيع، وبالجملة كبائع منفعة، كبائع الرقبة التي هي الأصل في البيوع، شبه المنافع بالبيوع.
стр. 8243
قَوْله: (فَمَرَّةً يُشَبِّهُونَ المَنْفَعَةَ الَّتِي عَمِلَ بِالسِّلْعَةِ الَّتِي لَمْ يَقْبِضْهَا المُشْتَرِي، فَيَقُولُونَ: هُوَ أَحَقُّ بِهَا فِي المَوْتِ وَالفَلَسِ).
كالحَال بالنسبة للسلعة التي باعها فوجدها.
قَوْله: (وَمَرَّةً يُشَبِّهُونَهُ بِالَّتِي خَرَجَتْ مِنْ يَدِهِ وَلَمْ يَمُتْ فَيَقُولُونَ: هُوَ أَحَقُّ بِهَا فِي الفَلَسِ دُونَ المَوْتِ، وَمَرَّةً يُشَبِّهُونَ ذَلِكَ بِالمَوْتِ الَّذِي فَاتَتْ فِيهِ، فَيَقُولُونَ: هُوَ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ).
المُرَاد هنا بأنَّه بالنِّسبة للمَنْفَعة كلام أصحاب الإمام مالكٍ كالكلام بالنسبة للمبيع.
قَوْله: (وَمِثَالُ ذَلِكَ: اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنِ اسْتُؤْجِرَ عَلَى سَقْيِ حَائِطٍ، فَسَقَاهُ حَتَّى أَثْمَرَ الحَائِطُ).
يريد أن يعطينا مثالًا تطبيقيًّا للمنفعة؛ إنسانٌ استأجر آخر ليسقي مزرعته، ثم مات المستأجر، إما أن يفلس الرجل قبل أن يحصل سقيًا فينهى العقد، أو يبدأ فيه ثم يحصل الإفلاس أو أن يُتمَّه.
قَوْله: (ثُمَّ أَفْلَسَ المُسْتَأْجِرُ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِيهِ ثَلَاثَةَ الأَقْوَالِ (١). وَتَشْبِيهُ بَيْعِ المَنَافِعِ فِي هَذَا البَابِ بِبَيْعِ الرِّقَابِ هُوَ شَيْءٌ -فِيمَا أَحْسَبُ- انْفَرَدَ بِهِ مَالِكٌ دُونَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ).
لكن بعض الأجزاء يوافقه فيه الأئمة، هذا إذن وضحها أكثر بأنَّهم يقولون بالمنفعة في الأمور التي كانت في بيع الرقبة؛ أيْ: البُيُوع المعروفة
стр. 8244
(بيع السلع)، يقولون ذلك بنَفْس المنفعة، وأما قوله: "فيما أحسب "، فهو لم ينفرد به مالكٌ، فمن العلماء من يلحق ذلك.
قَوْله: (وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ قِيَاسَ الشَّبَهِ المَأْخُوذِ مِنَ المَوْضِعِ المُفَارِقِ لِلأصُولِ يَضْعُفُ).
في الحقيقة رأي ضعيف، أما عند غيري فليس بضعيف، ولعلنا ذكرنا في باب الإجارة أنَّ من العلماء مَنْ قال: يجوز أن يعبر عن الإجارة بالبيع، يقول: بعتك هذه الدار بمعنى أجَّرتك إياها.
وهذا رأي مشهور عند الحنابلة (١) إذًا المسألة ليس كما ذكر المؤلف حينئذٍ، لا يكون القياس قياس شبه؛ ولذلك هو تردد فيه.
قَالَ: (وَلذَلِكَ ضَعُفَ عِنْدَ قَوْمٍ القِيَاسُ عَلَى مَوْضِعِ الرُّخَصِ، وَلَكِنِ انْقَدَحَ هُنَالِكَ قِيَاسُ عِلَّةٍ، فَهُوَ أَقْوَى، وَلَعَلَّ المَالِكِيَّةَ تَدَّعِي وُجُودَ هَذَا المَعْنَى فِي القِيَاسِ، وَلَكِنَّ هَذَا كلَّهُ لَيْسَ يَلِيقُ بِهَذَا المُخْتَصَرِ. وَمِنْ هَذَا البَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي العَبْدِ المُفْلِسِ المَأْذُون لَهُ فِي التِّجَارَةِ: هَلْ يُتْبَعُ بِالدَّيْنِ فِي رَقَبَتِهِ أَمْ لَا؟).
معلوم أن العبد لا يملك؛ كما قال ﷺ : "من ابتاع عبدًا له مال، فماله لسيده إلا أن يشترطه المبتاع " (٢)، فهو لا يملك، وإن كان له مال فهو لسيده.
وَهَذِهِ المسألة هي العبد إذا فوضه سيده؛ أيْ: أعطاه تصريحًا بأن
стр. 8245
يتاجر فيه ثم أفلس، فما الحكم؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوالٍ ثلاثةٍ:
قول انفرد به الإمامان مالك والشافعي، والثلاثة الأقوال كلها لأحمد فيها رواية، كما سيبين المؤلف (١).
وأشار إلى أنَّه يشترط أن يكون هذا العبد مأذونًا له في التجارة، أما بدون إذنٍ، فليس من حقه أن يبيع وأن يشتري، إذا أفلس فهل يتبع بالدين في رقبته يطالب ببيعه أو لا؟
قَوْله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ) (٢).
وَالشَّافعي (٣).
قَوْله: (وَأَهْلُ الحِجَازِ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يُتْبَعُ بِمَا فِي يَدِهِ لَا فِي رَقَبَتِهِ، ثُمَّ إِنْ أُعْتِقَ أُتْبعَ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ، وَرَأَى قَوْمٌ أنه يُبَاعُ).
ورواية عن الإمام أحمد (٤).
قَوْله: (وَرَأَى قَوْمٌ أَنَّ الغُرَمَاءَ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ بَيْعِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَسْعَى
стр. 8246
فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ) (١).
وهي روايةٌ عن الإمام أبي حنيفة (٢)، والإمام أحمد رحمهما الله (٣).
قَوْله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ يَلْزَمُ سَيِّدَهُ مَا عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ).
وهي الرِّواية الثالثة عن الإمام أحمد (٤).
قَوْله: (فَالَّذِينَ لَمْ يَرَوْا بَيْعَ رَقَبَتِهِ قَالُوا: إِنَّمَا عَامَلَ النَّاسَ عَلَى مَا فِي يَدِهِ فَأَشْبَهَ الحُرَّ، وَالَّذِينَ رَأَوْا بَيْعَهُ شَبَّهُوا ذَلِكَ بِالجِنَايَاتِ الَّتِي يَجْنِي، وَأَمَّا الَّذِينَ رَأَوُا الرُّجُوعَ عَلَى السَّيِّدِ بِمَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ: فَإِنَّهُمْ شَبَّهُوا مَالَهُ بِمَالِ السَّيِّدِ إِذْ كَانَ لَهُ انْتِزَاعُهُ).
لأن السيد هو الذي فوَّضه، والمال هو مال السيد، إذن فالذي يطالب هو السيد.
قوْله: (فَسَبَبُ الخِلَافِ هُوَ تَعَارُضُ أَقْيِسَةِ الشَّبَهِ فِي هَذِهِ المَسْأَلة. وَمِنْ هَذَا المَعْنَى: إِذَا أَفْلَسَ العَبْدُ وَالمَوْلَى مَعًا بِأَيِّهما يَبْدَأُ: هَلْ بِدَيْنِ العَبْدِ، أَمْ بِدَيْنِ المَوْلَى؟).
إذا أفلسا معًا يبدأ بالأضعف الذي هو العبد، وهذا رأي الجمهور.
стр. 8247
قوْله: (فَالجُمْهُورُ (١) يَقُولُونَ: بِدَيْنِ العَبْدِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ دَايَنُوا العَبْدَ إِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ ثِقَةً بِمَا رَأَوْا عِنْدَ العَبْدِ مِنَ المَالِ، وَالَّذِينَ دَايَنُوا المَوْلَى لَمْ يَعْتَدُّوا بِمَالِ العَبْدِ، وَمَنْ رَأَى البَدْءَ بِالمَوْلَى قَالَ: لِأَنَّ مَالَ العَبْدِ هُوَ فِي الحَقِيقَةِ لِلْمَوْلَى.
فَسَبَبُ الخِلَافِ: تَرَدُّدُ مَالِ العَبْدِ بَيْنَ أن يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَالِ الأَجْنَبِيِّ، أَوْ حُكْمَ مَالِ السَّيِّدِ، وَأَمَّا قَدْرُ مَا يُتْرَكُ لِلْمُفْلِسِ مِنْ مَالِهِ: فَقِيلَ فِي المَذْهَبِ: يُتْرَكُ لَهُ مَا يَعِيشُ بِهِ هُوَ وَأَهْلُهُ وَوَلَدُهُ الصِّغَارُ الأَيَامَ) (٢).
هذه مسألة مهمة جدًّا في مذهب الإمام مالك؛ لأن الإنسان إذا أفلس وأخذ ماله قد يكون عنده زوجة وأطفال، أو آباء ينفق عليهم، فما الحكم في ذلك؟
لأنه لو حجر عليه ومُنع من التصرف في ماله، فما الذي يفعله طول فترة الحجر؟
هذا يحتاج إلى تفصيل؛ فهذا الذي حجر عليه لا يخلو من أمرين:
* إما أن يكون عنده قدرة على الكسب؛ بأن يكون صاحب صنعة أو حرفة، وعنده القدرة على العمل، فهذا له شأن، فهو يعمل في هذه الصنعة أو الوظيفة أو الحرفة أو غير ذلك، فيكسب وينفق على أولاده، فمثل هذا يكسر على كسبه إلا أن يكون كسبه لا يفي بنفقته ونفقة مَنْ تلزمهم نفقتهم، فقالوا: يعطى من ماله الذي حجر ما يكفي لذلك.
стр. 8248
أما إنْ لم يكن صاحب صنعة، فقال العلماء: ينفق عليه من ماله، وكذلك على زوجتِهِ، وإنْ كان له أولاد شريطَةَ ألا يبالغ في ذلك؛ أي: يصرف عليهم ما يكفيهم أسوةً بأمثالهم.
المؤلف هنا ذكر تفصيلًا لمذهب مالك، والجمهورُ أطلقوا ذلك (١).
قَوْله: (وَقَالَ فِي الوَاضِحَةِ وَالعُتْبِيَّةِ: الشَّهْرَ وَنَحْوَهُ) (٢).
والجمهور- ورأيهم أنصف في نظري - لم يحددوا مدةً، بل قالوا: ينفق عليه طيلة مدة الحجر من ماله وعلى مَنْ تلزمه نفقتهم، ويَسْتدلُّون بقول رسول الله ﷺ : " ابدأ بنفسك ثم بمَنْ تعول " (٣)، فالرسول ﷺ أرشَدَ إلى ذلك، وإذا كان رجلًا عاجزًا أو غير قادر على الكسب والعمل فمن أين ينفق على أولاده.
قَوْله: (وَيُتْرَكُ لَهُ كِسْوَةُ مِثْلِهِ (٤)).
стр. 8249
أيضًا تلزم كسوته عند العلماء.
وتبقى مسألة السكن اختلف فيها العلماء: إذا كان عنده بيتان، فلا خلَافَ بين العلماء (١) أن يُبَاع البيت الآخر، لكن إذا لم يبقَ عنده إلا بيتٌ واحدٌ، فإنَّ الإمامين مالكًا (٢) والشافعي (٣) يقولان: يُبَاع ذلك البيت ويسدد غرمه بالمحاصة كبقية أمواله، وخالف في ذلك الإمامان أبو حنيفة (٤) وأحمد (٥) فقالا: لا يباع، فحاجته إلى السكن كحاجته إلى الطعام، والإمامان الشافعي ومالك قالا: يباع بيته ويستأجر له بيت يسكن فيه.
ودليل الذين قالوا: " يُبَاع بيته ":
قصة الرجل الذي أفلس، فإن الرسول ﷺ أمر ببيع أمواله، وقصة هذا الحديث معروفة (٦).
والذين قالوا: "لا يُبَاع بيته "، قالوا: إنَّ الحاجة للسكن كالحاجة إلى الأكل والشرب لا تَقلُّ منفعةً عنهم، وأجَابوا عن حديث: "خُذُوا ما وجدتم " (٧) احتمال أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "خُذُوا ما وجدتم "؛ أي: خذوا ما وجدتم من الأموال التي تصدق عليكم الناس بها، لا الدار التي يسكنها.
стр. 8250
التَّعْليل الآخَر: أنهم قالوا بأنَّه لم يكن عنده عقارٌ، إذًا المسألةُ فيها خلافٌ، لكن أيهما أرفق بالإنسان، فعلى الأقل يترك له بيت يقيم به مع أولاده، والله يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)﴾ [البقرة: ٢٨٠].
قَوله: (وَتَوَقَّفَ مَالِكٌ (١) فِي كِسْوَةِ زَوْجَتِهِ لِكَوْنِهَا هَلْ تَجِبُ لَهَا بِعِوَضٍ مَقْبُوضٍ - وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِهَا - أو بِغَيْرِ عِوَضٍ. وَقَالَ سَحْنُونٌ (٢): لَا يُتْرَكُ لَهُ كِسْوَةُ زَوْجَتِهِ. وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ لَهُ إِلَّا مَا يُوَارِيِهِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ كنَانَةَ) (٣).
أما جمهور العلماء (٤) فإنهم يرون أن تُكْسَى زوجته؛ لأنَّه يجب كسوتها كوجوب نفقتها، إذًا، أكثر الفقهاء يرونَ أنَّ الكسوةَ لَازمةٌ، لكن الفقهاء يثيرون قضايا كثيرة لم يعرض لها المؤلف إذا كانت الكسوة
стр. 8251
الموجودة عندها أثمانها عالية، فهل تترك لها؟ قالوا: لا تُباَع، ويُشْترى لها ما يكون كأمثالها من الناس، كلُّ ما في ثمنه زيادة، فإنَّه يباع ويشترى ما هو أقل من ذلك.
ومعنى "يواريه "؛ أي: الكفن، وجمهور العلماء يرون أنه يقدم على الدَّين (١).
قَوْله: (وَاخْتَلَفُوا فِي بَيْع كُتُبِ العِلْمِ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى كرَاهِية بَيْعِ كُتُبِ الفِقْهِ، أَوْ لَا كرَاهِية ذَلِكَ).
أكثر العلماء قالوا بأن مالى المفلس يُبَاع كلُّ شيءٍ بسوقه، الأواني تُبَاع في سوق الأواني، والثياب في سوق الثياب، والأثاث في سوق الأثاث، وهكذا أكثر العلماء يَرَون أن تُبَاع الكتب (٢).
стр. 8252
قوْله: (وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الدُّيُونِ الَّتِي يُحَاصُّ بِهَا مِنَ الدُّيُونِ الَّتِي لَا يُحَاصُّ بِهَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ).
يَدْخل المؤلف ﵀ مرةً أخرى في مذهب مالكٍ، فيقسم الدَّين إلى مقبوضٍ وغير مقبوضٍ، أيضًا واجب مقبوض - واجب أي: واجب عليه - وغير وَاجِب عليه؛ لأنَّه أوجبه على نفسه كالصَّدقات، يحاص بها أي: يقتسمها الغًرماء محاصةً؛ لأن بعض الديون لا يقتسمونها إذا اشترى نفقةً لأولاده وزوجته، هل يحاصونها؟ لا، فيه مال لشخص يستحقه هل يحاصُّونها؟ لا، كالحَال بالنسبة لمال السَّلف فهو بالخيار؛ إمَّا أن يرده ويكون مع الغرماء، أو يقول: لا، أنا أحق به. إذًا، ليس كل شيء تحصل فيه المحاصة.
قوْله: (فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ أَوَّلًا إلى قِسْمَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً عَنْ عِوَضٍ).
الذي يجب عن عوضٍ كالسلعة التي يشتريها بمعنى: أن تكون قيمة أجرة .. هذه عن عوض، هو أوجبها على نَفْسه كصدقةٍ تصدق بها، أو عطية أعطاها، أو هبة وهبها، هي غير واجبةٍ عليه، لَكنَّه هو الَّذي أوجبَها على نفسه، إذًا غير مقابل عوض.
قوْله: (وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، فَأَمَّا الوَاجِبَةُ عَنْ عِوَضٍ: فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ إلى عِوَضٍ مَقْبُوضٍ، وَإِلَى عِوَضٍ غَيْرِ مَقْبُوضٍ).
إنْ كان مقبوضًا، فهَذَا الذي يأتي فيه الخلاف، وإن كان غير مقبوضٍ، فَهَذا صَاحبه أحق به.
стр. 8253
قوْله: (فَأَمَّا مَا كَانَتْ عَنْ عِوَضٍ مَقْبُوضٍ، وَسَوَاءٌ أكَانَتْ مَالًا، أو أَرْشَ جِنَايَةٍ: فَلَا خِلَافَ فِي المَذْهَبِ أن مُحَاصَّةَ الغُرَمَاءِ بِهَا وَاجِبَةٌ (١). وَأَمَّا مَا كَانَ عَنْ عِوَضٍ غَيْرِ مَقْبُوضٍ: فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا: أَلَّا يُمْكِنَهُ دَفْعُ العِوَضِ بِحَالٍ كنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ لِمَا يَأْتِي مِنَ المُدَّةِ. وَالثَّانِي: ألَّا يُمْكِنَهُ دَفْعُ العِوَضِ، وَلَكِنْ يُمْكِنُهُ دَفْعُ مَا يُسْتَوْفَى فِيهِ، مِثْلُ أَنْ يَكْتَرِيَ الرَّجُلُ الدَّارَ بِالنَّقْدِ، أَوْ يَكُونَ العُرْفُ فِيهِ النَّقْدَ، فَفَلَّسَ المُكْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَسْكُنَ، أَوْ بَعْدَمَا سَكَنَ بَعْضَ السُّكْنَى، وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ الكِرَاءَ).
هَذا مثل الأجرة؛ إنسان استأجر دارًا، وقبل أن يَسْتفيد منها أو يسكنها بعض المدة أفلس المؤجر، فإذا كان قبل البدء فينفسخ العقد وينتهي، وإذا كان بعد البدء حينئذٍ يفسخ ويدخل الغرماء.
قَوْله: (وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ دَفْعُ العِوَضِ يُمْكِنُهُ وَيَلْزَمُهُ، كَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ إِذَا أَفْلَسَ المُسْلَمُ إِلَيْهِ قَبْلَ دَفْعِ رَأْسِ المَالِ. وَالرَّابع: أَنْ يُمْكِنَهُ دَفْعُ العِوَضِ وَلَا يَلْزَمَهُ، مِثْلُ السِّلْعَةِ إِذَا بَاعَهَا فَفَلَّسَ المُبْتَاعُ قَبْلَ أن يَدْفَعَهَا إِلَيْهِ البَائِعُ).
مثال ذلك: إنسان بَاع سلعةً، ولكنها لا تزَال عنده فأفلس المشتري، حِينَئذٍ البائع هو أحق بها، لكن له أن يسلمها له، ويكون أسوة الغرماء، لكن لو احتفظ بها، فهو أحقُّ، هذا كلُّه إعادةٌ لما مضى.
قَوْله: (وَالخَامِسُ: ألَّا يَكُونَ إِلَيْهِ تَعْحِيلُ دَفْعِ العِوَضِ، مِثْلُ أَنْ
стр. 8254
يُسْلِمَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ دَنَانِيرَ فِي عُرُوضٍ إلى أَجَلٍ فَيُفْلِسَ المُسْلِمُ قَبْلَ أن يَدْفَعَ رَأْسَ المَالِ، وَقَبْلَ أن يَحُلَّ أَجْلُ السَّلَمِ).
معلومٌ أنَه " مَنْ أسلف في شيء، فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " (١)، فهذا إلى أجل، لَكن لو المسلم إليه أراد أن يعجل، يسلمه البضاعة (العروض التي طلبها)، وهذا راجع إليه هو، وأراد أن يكون مع الغرماء من باب التيسير عليه.
(١ - فَأَمَّا الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُ العِوَضِ بِحَالٍ، فَلَا مُحَاصَّةَ فِي ذَلِكَ إِلَّا فِي مُهُورِ الزَّوْجَاتِ إِذَا أفلسَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ (٢). ٢ - وَأَمَّا الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُ العِوَضِ وَيُمْكِنُهُ دَفْعُ مَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ، مِثْلُ المُكْتَرِي يُفْلِسُ قَبْلَ دَفْعِ الكِرَاءِ).
المكتري أفلس ولا يستطيع أن يدفع ثمن الأجرة، فيُسْلم الدار.
قَوْله: (فَقِيلَ: لِلْمُكْرِي المُحَاصَّةُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِسْلَامُ الدَّارِ لِلْغُرَمَاءِ. وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ إِلَّا المُحَاصَّةُ بِمَا سَكَنَ، وَيَأْخُذُ دَارَهُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَسْكُنْ، فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا أَخْذُ دَارِهِ (٣) ٣٠ - وَأَمَّا مَا يُمْكِنُهُ دَفْعُ العِوَضِ وَيَلْزَمُهُ وَهُوَ إِذَا كَانَ العِوَضُ عَيْنًا: فَقِيلَ: يُحَاصُّ بِهِ الغُرَمَاءَ فِي الوَاجِبِ لَهُ بِالعِوَضِ، وَيَدْفَعُهُ، وَقِيلَ: هُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ
стр. 8255
العِوَضِ (١). ٤ - وَأَمَّا مَا يُمْكِنُهُ دَفْعُ العِوَضِ، وَلَا يَلْزَمُهُ، فَهُوَ بِالخِيَارِ بَيْنَ المُحَاصَّةِ، وَالإِمْسَاكِ، وَذَلِكَ هُوَ إِذَا كَانَ العِوَضُ عَيْنًا).
إنسانٌ رابعٌ باعَ سلعةً فأفلس المبتاع؛ أيْ: المشتري، فالبائع أحق بها بلا شكٍّ؛ لأنها عنده لم يسلمها للمفلس، لكن له أن يسلمها، فلو سلمها كان أسوة الغرماء، وله أن يقول: أنا أحق بها، وهذه مسألة ليس فيها خلاف.
قَوْله: (٥ - وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَيْهِ تَعْجِيلُ العِوَضِ مِثْلُ أَنْ يُفْلِسَ المُسْلِمُ قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ رَأْسَ المَالِ، وَقَبْلَ أن يَحِلَّ أَجَلُ السَّلَمِ، فَإِنْ رَضِيَ المُسْلَمُ إِلَيْهِ أَنْ يُعَجِّلَ العُرُوضَ، وَيُحَاصِصَ الغُرَمَاءَ بِرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ إِنْ رَضِيَ بِذَلِكَ الغُرَمَاءُ).
مثال هذه المسألة: إنسانٌ أسلمَ، والمعلوم أنَّ ربَّ السلم يدفع رأس مال السلم مقدمًا، لكنَّ هذا لم يدفع، والمُسْلَم إليه أعدَّ العروض (السلعة المطلوبة)، هل له أن يدفعها؟ هذا تنازل منه؛ لأنَّه أحق بها، ولأنَّه ما أخذ مقابلها، هذا هو مُرَاد المؤلف.
قَوْله: (فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ أَحَدُ الغُرَمَاءِ حَاصَّ الغُرَمَاءَ بِرَأْسِ المَالِ الوَاجِبِ لَهُ فِيمَا وُجِدَ لِلْغَرِيمِ مِنْ مَالٍ، وَفي العُرُوضِ الَّتِي عَلَيْهِ إِذَا حَلَّتْ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَالِ الفَلَسِ، وَإنْ شَاؤُوا أَن يَبِيعُوهَا بِالنَّقْدِ، وَيَتَحَاصُّوا فِيهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ الحُقُوقِ الوَاجِبَةِ عَنْ غَيْرِ عِوَضٍ
стр. 8256
فَإِنَّ مَا كَانَ مِنْهَا غَيْرَ وَاجِبٍ بِالشَّرْعِ، بَلْ بِالِالتِزَامِ كَالهِبَاتِ، وَالصَّدَقَاتِ فَلَا مُحَاصَّةَ فِيهَا).
هذا شيء أوجبه الإنسان على نفسه؛ لأن الإنسان عندما يتصدق أو يعطي أو يهب، فهو لا يأخذ مقابلًا إلا هدية الثواب.
قوله: (وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا وَاجِبًا بِالشَّرْعِ كنَفَقَةِ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ، فَفِيهَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ المُحَاصَّةَ لَا تجِبُ بِهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ القَاسِمِ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا تجِبُ بِهَا إِذَا لَزِمَتْ بِحُكْمٍ مِنَ السُّلْطَانِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ) (١).
والرأي الأول هو الصحيح، وقد مر بنا، وفسرنا القول بما يتعلق بالنفقة وتقسيم المفلس إلى قسمين: مفلس يكتسب، ومفلس غير مكتسب.
قوْله: (وَأَمَّا النَّظَرُ الخَامِسُ (وَهُوَ مَعْرِفَةُ وَجْهِ التَّحَاصِّ): فَإِنَّ الحُكْمَ فِي ذَلِكَ أَنْ يُصْرَفَ مَالُ الغَرِيمِ مِنْ جِنْسِ دُيُونِ الغُرَمَاءِ).
الغُرَمَاء قد تَخْتلف ديونهم؛ بعضهم دَيْنه قرب، وهذا دينه من عروض التجارة، وعروض التجارة أنواع كثيرة جدًّا، فهل يَكُون السداد من نفس النوع أو لا؟ هذا هو مُرَاد المؤلف.
قوْله: (وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَالُ الغُرَمَاءِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ إِذْ كَانَ لَا يَقْتَضِي فِي الدُّيُونِ إِلَّا مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ إِلَّا أَنْ
стр. 8257
يَتَّفِقُوا مِنْ ذَلِكَ عَلَى شَيْءٍ يَجُوزُ) (١).
بشريطة ألَّا يدخل ذلك في أبواب الربا.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي فَرْعٍ طَارِئٍ، وَهُوَ إِذَا هَلَكَ مَالُ المَحْجُورِ عَلَيْهِ بَعْدَ الحَجْرِ، وَقَبْلَ قَبْضِ الغُرَمَاءِ: مِمَّنْ مُصِيبَتُهُ؟).
مال المحجور عليه هلك، والهلاك قد يكون عندَه هو، وبالغَالب يَكُون بِيَدِ أَمِينٍ، يكون بيَدِ إنسانٍ آخر؛ لأنَّه لا يترك عنده، فلو وضع عند أمين، ثم هلك هذا المال، نعلم بأن المبيع إذا هلك قبل أن يستلم أن يقبض المشتري نفس المبيع، فهو من ضمان البائع، ولكن إذا تسلمه يكون من ضمان المشتري، وكل شيءٍ قبضه بحسبه، فالمكيل بالكيل، والموزون بالوزن.
قَوْله: (فَقَالَ أَشْهَبُ: مُصِيبَتُهُ مِنَ المُفْلِسِ) (٢).
وهُوَ أيضًا قول الإمامين؛ الشافعي وأحمد (٣).
قَوْله: (وَقَالَ ابْنُ المَاجِشُونِ: مُصِيبَتُهُ مِنَ الغُرَمَاءِ إِذَا وَقَفَهُ السُّلْطَانُ (٤). وَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ (٥): مَا يُحْتَاجُ إِلَى بَيْعِهِ فَضَمَانُهُ مِنَ الغَرِيمِ؛
стр. 8258
لأنَّه إِنَّمَا يُبَاعُ عَلَى مِلْكِهِ، وَمَا لَا يُحْتَاجُ إلى بَيْعِهِ فَضَمَانُهُ مِنَ الغُرَمَاءِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ المَالُ عَيْنًا، وَالدَّيْنُ عَيْنًا. وَكُلُّهُمْ رَوَى قَوْلَهُ عَنْ مَالِكٍ).
لأن الَّذين قالوا من ضمان المفلس، اعتمدوا على الأصل بأنها لم تُقْبض منه تلك الأموال أو تلك السلع، فيبقى هو المسؤول عنها، لكن لو قبضت وانتقلت تغيَّر الحكمُ.
قَوْله: (وَفَرَّقَ أَصْبَغُ (١) بَيْنَ المَوْتِ وَالفَلَسِ، فَقَالَ: المُصِيبَةُ فِي المَوْتِ مِنَ الغُرَمَاءِ، وَفِي الفَلَسِ مِنَ المُفْلِسِ، فَهَذَا هُوَ القَوْلُ فِي أُصُولِ أَحْكَامِ المُفْلِسِ الَّذِي لَهُ مِنَ المَالِ مَا لَا يَفِي بِدُيُونِهِ، وَأَمَّا المُفْلِسُ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ أَصْلًا، فَإِنَّ فُقَهَاءَ الأَمْصَارِ مُجْمِعُونَ (٢) عَلَى أَنَّ العَدَمَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي إِسْقَاطِ الدَّيْنِ إِلَى وَقْتِ مَيْسَرَتِهِ).
فقهاء الأمصار مجمعون على أنه إذا عُدم المدين أي: لا مال عنده، فهو مفلس، فهذا له حق معتبر شرعًا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
قوله: (إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ (٣): أَنَّ لَهُمْ أَنْ يُؤَاخِرُوهُ، وَقَالَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ (٤)، وَكُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ
стр. 8259
المَدِينَ إِذَا ادَّعَى الفَلَسَ، وَلَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ صِدْقُهُ، أَوْ يُقِرَّ لَهُ بِذَلِكَ صَاحِبُ الدَّيْنِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ خُلِّيَ سَبِيلُهُ) (١).
أنه يحبس حتى يتبيَّن صدقه؛ لأنَّ هذا من باب المصالح المرسلة، فلو أن إنسانًا أخذ حقوق الناس وقد ادعى أنه قد أفلس - أي: لا مال عنده - والناس يريدون حقوقهم، فيتوصل إلى ذلك، وتعرف حقيقة الأمر بأن يحبس المدين حتى يتبين هل هو مفلس حقًّا أو لا؟ هذا هو المراد، وهذا من باب المصلحة؛ لأنَّ في حبسه وإيقافه مصلحة تعود على الغرماء؛ لأنهم أصحاب حق.
قَوْله: (وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّ لِغُرَمَائِهِ أَنْ يَدُورُوا مَعَهُ حَيْثُ دَارَ) (٢).
стр. 8260
هُنَاك أمرَان: المطالبة والملازمة؛ فأبو حنيفة ﵀ مع جمهور العلماء (١) أنَّه إذا ثبت إفلاس المدين، فلا يطالب، لكن محل الخلاف بينهم هل يلازم أو لا؟
الأئمة الثلاثة - بل عامة العلماء (٢) - يقولون: لا يلزم، وأبو حنيفة يرى بأنَّه يلزم، أي: يلازمه الغرماء ويتابعونه حتى إذا أراد أن يدخل بيته إنْ أذن لهم تركوه، وإنْ لم يأذنوا منعوه من دخول البيت خشيةَ أن يفرَّ منهم.
ودليل أبي حنيفة في هذه المسألة: "لصاحب الحق اليد واللسان" (٣)، هذا الحديث أخرجه الدارقطني، ومَعْناه أنَّ لصاحب الحق (الدائن) أن يتكلم بلسانه؛ فيُطَالب هذا الغريم بحقِّه، وله أن يَمْنعَه، وله أن يتابعه.
أما جمهور العُلَماء، فردوا بأنَّه قد عفي عنه بالمطالبة، فكيف يلازمه إذا كانت المطالبة قد سقطت عنه؟! فهو لا يجد شيئًا، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، إذن، هو يُنْظر، فإذا ما عاد إليه المال، فإنَّه حِينَئذٍ تعود المطالبة.
стр. 8261
وأجابوا عن الحديث الذي احتج به أبو حنيفة، وقد أخرجه الدارقطني في "سننه" بأنَّه حديث فيه مقال، قالوا: ولو سلمنا أيضًا لهذا الحديث، فإنَّه يُحْمل على الموسر لا على المعسر - الإنسان الذي يكون عنده مال ويماطل، أي: لا يعطي أصحاب الحقوق حقوقهم - وقَدْ وصفه رسول الله ﷺ بقوله: "مطل الغني ظلم" (١).
إذًا، لا شكَّ أن مذهب جمهور العلماء هو الراجح في هذه المسألة، وهو الذي يلتقي مع روح هذه الشريعة، وهو أيسر.
قَوْله: (وَإِنَّمَا صَارَ الكُلُّ إلى القَوْلِ بِالحَبْسِ فِي الدُّيُونِ، وَإِنْ كانَ لَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ فِي اسْتِيفَاءِ النَّاسِ حُقُوقَهُمْ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى القَوْلِ بِالقِيَاسِ الَّذِي يَقْتَضِي المَصْلَحَةَ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى بِالقِيَاسِ المُرْسَلِ (٢). وَقَدْ رُوِيَ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ حَبَسَ رَجُلًا فِي تُهْمَةٍ "، خَرَّجَهُ فِيمَا أَحْسَبُ أَبُو دَاوُدَ (٣)).
وكذا خرَّجه الترمذي (٤)، وغيرهما.
قوله: (وَالمَحْجُورُونَ عِنْدَ مَالِكٍ: السُّفَهَاءُ) (٥).
والله يقول: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥].
стр. 8262
قوله: (وَالمُفْلِسُونَ، وَالعَبِيدُ).
ويدخل في ذلك المكاتب.
قوله: (وَالمَرْضَى).
المراد: المريض في مرض موته؛ فإنَّه يمنع أن يحجر عليه من الزيادة على الثلث.
قوله: (وَالزَّوْجَةُ فِيمَا فَوْقَ الثُّلُثِ).
فيه خلاف، وقد أشرنا إليه.
قوله: (لأنَّه يَرَى أنَّ لِلزَّوْجِ حَقًّا فِي المَالِ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ الأَكثَرُ، وَهَذَا القَدْرُ كَافٍ بِحَسَبِ غَرَضِنَا فِي هَذَا الكِتَابِ).
قصده: خالفه الأكثر فيما يتعلق بالزوجة لا بقية الأمور، فتنبه.
стр. 8263
[كِتَابُ الصُّلْحِ]
يعقد الفقهاء ﵏ هذا الكتاب لمناقشة جملة من المسائل المتعلقة بالصلح في قضايا الأموال، وإن كان الصلح أعمَّ من ذلك، فهو يشمل الصلح عن دم العمد، وموضعه كتاب الجنايات، وقد يعرض له بعض الفقهاء في أبواب الصلح كأكثر المالكية، ويشمل الصلح بين الزوجين، وموضعه باب عشرة النساء.
وقد كان الصلح في الجملة من مآثر العرب في الجاهلية، حتى إن بعضهم كان يتحمل الحمالات الكبيرة، والديات العظيمة، لأجل أن يصلح بين الناس، وقد اشتهر فيهم خلقٌ بذلك، فحري بالمسلم أن يعتني بهذه الفضيلة، ولذا جاء الإسلام بتعظيم هذا الأمر، وقد تقدم في كتاب الزكاة أن الشرع جعل الغارم للإصلاح بين الناس مستحقًّا للزكاة وإن كان غنيًّا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَالأَصْلُ فِي هَذَا الكِتَابِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]).
فمستند المؤمن في سعيه للصلح بين الناس، هو هذه الآية الكريمة، والأحاديث الواردة في ذلك، التي أفادت أن الصلح في مواطن الشقاق، بتنازل الطرفين أو أحدهما عن شيء من حقوقه، هو خير من الشقاق، والفراق (١).
стр. 8264
قوله: (وَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ: "إِمْضَاءُ الصُّلْحِ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا" (١).
وقوله: "جائز"، أي: ماضٍ = ينفذ، وليست بمعنى الإباحة، بل الصلح قد يكون واجبًا، أو مستحبًّا، وقد يكون محرمًا، أو مكروهًا أو غير ذلك (٢).
وشرط كونه جائزًا ألا يحل حرامًا، أو يُحرِّم حلالًا.
قوله: (وَاتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهِ عَلَى الإِقْرَارِ) (٣).
стр. 8265
أي: مع إقرار كل واحد من الطرفين بما يقوله خصمه؛ كإنسان ادعى على آخر دينًا، فأقرَّ له، ثم اتَّفقَا على المصالحة عليه بعين يدفعها إليه، أو تصالحا على إسقاط بعضه.
فهذا صلح جائز.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ عَلَى الإِنْكَارِ).
صورته: أن يدعي أحد الخصمين على صاحبه شيئًا، فينكر الآخر، فاختلف الفقهاء في حكم الصلح بينهما.
قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢): يَجُوزُ عَلَى الإِنْكَارِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): لَا يَجُوزُ عَلَى الإِنْكَارِ؛ لِأَنَّهُ مَنْ أَكَلَ المَالَ بِالبَاطِلِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ).
أي: أنه لا يصح أن يصالحه؛ لأنه إذا كان أحدهما ينكر أن عليه شيئًا، فإذا صالح الآخر، وأعطاه ما صالحه؛ فهو مقرٌّ على نفسه بأنه أقبضه مالًا بالباطل بغير عوض.
قوله: (وَالمَالِكِيَّةُ تَقُولُ فِيهِ عِوَضٌ، وَهُوَ سُقُوطُ الخُصُومَةِ وَانْدِفَاعُ اليَمِينِ عَنْهُ).
أجاب المالكية بأن العوض موجود، وهو السلامة من الخصومة، وافتداء اليمين، فلا يحتاج إلى أن يقوده خصمُه إلى القاضي، ولا أن يُحلفه.