← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.

стр. 8261

وأجابوا عن الحديث الذي احتج به أبو حنيفة، وقد أخرجه الدارقطني في "سننه" بأنَّه حديث فيه مقال، قالوا: ولو سلمنا أيضًا لهذا الحديث، فإنَّه يُحْمل على الموسر لا على المعسر - الإنسان الذي يكون عنده مال ويماطل، أي: لا يعطي أصحاب الحقوق حقوقهم - وقَدْ وصفه رسول الله ﷺ بقوله: "مطل الغني ظلم" (١). إذًا، لا شكَّ أن مذهب جمهور العلماء هو الراجح في هذه المسألة، وهو الذي يلتقي مع روح هذه الشريعة، وهو أيسر. قَوْله: (وَإِنَّمَا صَارَ الكُلُّ إلى القَوْلِ بِالحَبْسِ فِي الدُّيُونِ، وَإِنْ كانَ لَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ فِي اسْتِيفَاءِ النَّاسِ حُقُوقَهُمْ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى القَوْلِ بِالقِيَاسِ الَّذِي يَقْتَضِي المَصْلَحَةَ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى بِالقِيَاسِ المُرْسَلِ (٢). وَقَدْ رُوِيَ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ حَبَسَ رَجُلًا فِي تُهْمَةٍ "، خَرَّجَهُ فِيمَا أَحْسَبُ أَبُو دَاوُدَ (٣)). وكذا خرَّجه الترمذي (٤)، وغيرهما. قوله: (وَالمَحْجُورُونَ عِنْدَ مَالِكٍ: السُّفَهَاءُ) (٥). والله يقول: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥].

стр. 8262

قوله: (وَالمُفْلِسُونَ، وَالعَبِيدُ). ويدخل في ذلك المكاتب. قوله: (وَالمَرْضَى). المراد: المريض في مرض موته؛ فإنَّه يمنع أن يحجر عليه من الزيادة على الثلث. قوله: (وَالزَّوْجَةُ فِيمَا فَوْقَ الثُّلُثِ). فيه خلاف، وقد أشرنا إليه. قوله: (لأنَّه يَرَى أنَّ لِلزَّوْجِ حَقًّا فِي المَالِ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ الأَكثَرُ، وَهَذَا القَدْرُ كَافٍ بِحَسَبِ غَرَضِنَا فِي هَذَا الكِتَابِ). قصده: خالفه الأكثر فيما يتعلق بالزوجة لا بقية الأمور، فتنبه.

стр. 8263

[كِتَابُ الصُّلْحِ] يعقد الفقهاء ﵏ هذا الكتاب لمناقشة جملة من المسائل المتعلقة بالصلح في قضايا الأموال، وإن كان الصلح أعمَّ من ذلك، فهو يشمل الصلح عن دم العمد، وموضعه كتاب الجنايات، وقد يعرض له بعض الفقهاء في أبواب الصلح كأكثر المالكية، ويشمل الصلح بين الزوجين، وموضعه باب عشرة النساء. وقد كان الصلح في الجملة من مآثر العرب في الجاهلية، حتى إن بعضهم كان يتحمل الحمالات الكبيرة، والديات العظيمة، لأجل أن يصلح بين الناس، وقد اشتهر فيهم خلقٌ بذلك، فحري بالمسلم أن يعتني بهذه الفضيلة، ولذا جاء الإسلام بتعظيم هذا الأمر، وقد تقدم في كتاب الزكاة أن الشرع جعل الغارم للإصلاح بين الناس مستحقًّا للزكاة وإن كان غنيًّا. قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَالأَصْلُ فِي هَذَا الكِتَابِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]). فمستند المؤمن في سعيه للصلح بين الناس، هو هذه الآية الكريمة، والأحاديث الواردة في ذلك، التي أفادت أن الصلح في مواطن الشقاق، بتنازل الطرفين أو أحدهما عن شيء من حقوقه، هو خير من الشقاق، والفراق (١).

стр. 8264

قوله: (وَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ: "إِمْضَاءُ الصُّلْحِ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا" (١). وقوله: "جائز"، أي: ماضٍ = ينفذ، وليست بمعنى الإباحة، بل الصلح قد يكون واجبًا، أو مستحبًّا، وقد يكون محرمًا، أو مكروهًا أو غير ذلك (٢). وشرط كونه جائزًا ألا يحل حرامًا، أو يُحرِّم حلالًا. قوله: (وَاتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهِ عَلَى الإِقْرَارِ) (٣).

стр. 8265

أي: مع إقرار كل واحد من الطرفين بما يقوله خصمه؛ كإنسان ادعى على آخر دينًا، فأقرَّ له، ثم اتَّفقَا على المصالحة عليه بعين يدفعها إليه، أو تصالحا على إسقاط بعضه. فهذا صلح جائز. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ عَلَى الإِنْكَارِ). صورته: أن يدعي أحد الخصمين على صاحبه شيئًا، فينكر الآخر، فاختلف الفقهاء في حكم الصلح بينهما. قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢): يَجُوزُ عَلَى الإِنْكَارِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): لَا يَجُوزُ عَلَى الإِنْكَارِ؛ لِأَنَّهُ مَنْ أَكَلَ المَالَ بِالبَاطِلِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ). أي: أنه لا يصح أن يصالحه؛ لأنه إذا كان أحدهما ينكر أن عليه شيئًا، فإذا صالح الآخر، وأعطاه ما صالحه؛ فهو مقرٌّ على نفسه بأنه أقبضه مالًا بالباطل بغير عوض. قوله: (وَالمَالِكِيَّةُ تَقُولُ فِيهِ عِوَضٌ، وَهُوَ سُقُوطُ الخُصُومَةِ وَانْدِفَاعُ اليَمِينِ عَنْهُ). أجاب المالكية بأن العوض موجود، وهو السلامة من الخصومة، وافتداء اليمين، فلا يحتاج إلى أن يقوده خصمُه إلى القاضي، ولا أن يُحلفه.

стр. 8266

قوله: (وَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ (١) أَنَّ الصُّلْحَ الَّذِي يَقَعُ عَلَى الإِقْرَارِ يُرَاعَى فِي صِحَّتِهِ مَا يُرَاعَى فِي البُيُوعِ، فَيُفْسَدُ بِمَا تَفْسَدُ بِهِ البُيُوعُ مِنْ أَنْوَاع الفَسَادِ الخَاصِّ بِالبُيُوعِ، وَيَصِحُّ بِصِحَّتِهِ، وَهَذَا هُوَ مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ إِنْسَان عَلَى آخَرَ دَرَاهِمَ فَيُصَالِحُهُ عَلَيْهَا بَعْدَ الإِقْرَارِ بِدَنَانِيرَ نَسِيئَةً، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنَ البُيُوعِ الفَاسِدَةِ مِنْ قِبَلِ الرِّبَا وَالغَرَرِ). أفادنا المصنف ﵀ أنه لا يختلف النقل عن مالك في اشتراط شروط البيع في الصلح على إقرار -ويوافقه كثير من العلماء-؛ فلا يجوز أن يصالح على محرم، كخمر أو خنزير، أو يتضمن الصلح معاملة ربوية؛ كالمصالحة على دراهم بدنانير مع عدم تأخير التسليم، وكذلك يُمنع من المصالحة على ما فيه غرر كحمل أمة؛ لأنه غرر، فلا ندري أيخرج حيًّا أم ميِّتًا، سليمًا أم معيبًا، ذكرًا أم أنثى؟! تنبيه: صورة المسألة المذكورة أن زيدًا ادعى على عمرو دراهم، فأقره، وصالحه عليها بدنانير مؤجلة، فهذا ربًا لا يحل. قوله: (وَأَمَّا الصُّلْحُ عَلَى الإِنْكَارِ: فَالمَشْهُورُ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِهِ (٢) أَنَّهُ يُرَاعَى فِيهِ مِنَ الصِّحَّةِ مَا يُرَاعَى فِي البُيُوعِ، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ إِنْسَانٌ عَلَى آخَرَ دَرَاهِمَ فَيُنْكِرُ، ثُمَّ يُصَالِحُهُ عَلَيْهَا بِدَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةٍ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِهِ. وَقَالَ أَصْبَغُ (٣): هُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ

стр. 8267

المَكْرُوهَ (١) فِيهِ مِنَ الطَّرَفِ الوَاحِدِ، وَهُوَ مِنْ جِهَةِ الطَّالِبِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَرِفُ أَنَّهُ أَخَذَ دَنَانِيرَ نَسِيئَةً فِي دَرَاهِمَ حَلَّتْ لَهُ. وَأَمَّا الدَّافِعُ فَيَقُولُ: هِيَ هِبَةٌ مِنِّي). تبيَّن لنا أن مالكًا يُعمل شروط البيع في الصلح على إقرار، وأما الصلح على إنكار، فخالف أصبغ من المالكية، وجوز المصالحة على الدراهم بدنانير نسيئة، وعلل ذلك بأن الواقع أن الدافع للدنانير يدفعها على سبيل الهبة؛ إذ هو يعتقد براءة ذمته من الدراهم المدعاة، بخلاف الطالب؛ فهو يعتقد أنه يصالح عن حال بمؤجل؛ فالمكروه هنا أو موضع الشبهة من طرف الطالب دون الدافع، فلما احتمل أن يكون العقد صحيحًا على ما قاله الدافع اعتبر أصبغ الصحة، وأما مالك فلم يجوزه إلا أن يكون التصرف جائز على دعوى كل من الطرفين (٢)، وسيأتي بمثال له.

стр. 8268

قوله: (وَأَمَّا إِن ارْتَفَعَ المَكْرُوهُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ دَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ فَيُنْكِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ يَصْطَلِحَان عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ قِبَلَهُ إِلَى أَجَلٍ، فَهَذَا عِنْدَهُمْ هُوَ مَكْرُوهٌ. أَمَّا كَرَاهِيَتُهُ: فَمَخَافَةُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَادِقًا، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ أَنْظَرَ صَاحِبَهُ لِإِنْظَارِ الآخَرِ إِيَّاهُ، فَيَدْخُلُهُ أَسْلِفْنِي، وَأُسْلِفْكَ). ثم ذكر صورة من المصالحة على الإنكار، كل من الطرفين لا يلازمه المحظور الربوي؛ لأنه ينكر ما يقول صاحبه (١)، وبالتالي يرى أنه يهبه لا أنه يعاوضه معاوضة ربوية، ومع ذلك، فقد كرهوا هذه المعاملة، ووجه الكراهة: أن فيه شبهًا من تعليق عقد القرض على عقد قرض آخر. ومعلوم أن المالكية أشد المذاهب في منع ذرائع الربا. قوله: (وَأَمَّا وَجْهُ جَوَازِهِ: فَلأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنَّمَا يَقُولُ: مَا فَعَلْتُ إِنَّمَا هُوَ تَبَرُّعٌ مِنِّي، وَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَيَّ شَيءٌ، وَهَذَا النَّحْوُ مِنَ

стр. 8269

البُيُوعِ قِيلَ: إِنَّهُ يَجُوزُ إِذَا وَقَعَ، وَقَالَ ابْنُ المَاجِشُونِ (١): يُفْسَخُ إِذَا وَقَعَ عَلَيْهِ أَثَرُ (٢) عَقْدِهِ، فَإِنْ طَالَ مَضَى). وجه الجواز، بيناه في المسألة السابقة أن كلًّا منهما يعتقد أن يهب صاحبه، فلا يرتكب محظورًا، وللشبهة ومراعاة الخلاف في المسألة قال بعض المالكية: إذا وقع حُكِم بنفاذه. واختار ابن الماجشون أنه يُفسخ إلا إذا طال الزمان، ووجه التفريق ظاهر؛ فإن في فسخ المصالحات المتعاقبة، والغالب تصرف الطرفين فيما صولحوا به فيه مفسدة عظيمة، فدُرِئت بالإمضاء مع ما فيه من شبهة؛ إذ شأن الفقهاء التساهل بعد وقوع العمل (٣). قوله: (فَالصُّلْحُ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِي البُيُوعِ هُوَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ (٤): صُلْحٌ يُفْسَخُ بِاتِّفَاقٍ). هذه العبارة تلخص ما سبق بيانه: فالذي يُفسخ باتِّفاق إذا كان المكروه من الطرفين؛ فهو على دعوى كلٍّ منهما باطل كالصلح على دراهم حالة بدنانير نسيئة مع إقرار الطرفين.

стр. 8270

قوله: (وَصُلْحٌ يُفْسَخُ بِاخْتِلَافٍ). وهو ما كان المكروه فيه من طرف واحد كالصلح على إنكار؛ إذ كان أحدهما يعتقد أنه يهب لا أنه يعاوض بالربا؛ كما في مسألة أصبغ المتقدمة. قوله: (وَصُلْحٌ لَا يُفْسَخُ بِاتِّفَاقٍ إِنْ طَالَ، وَإِنْ لَمْ يَطُلْ فِيهِ اختِلَافٌ). وهو النوع الأخير الذي زال المكروه فيه من الطرفين، وبقيت شبهة: أسلفني وأسلفك، وهي آخر مسألة. والله أعلم. قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 8271

[كِتَابُ الكَفَالَةِ] (١) هذا كتاب مهمٌّ، وموضوعه مما يتم فيه التعاون بين المؤمنين؛ لأن المرءَ مهما كان قليلٌ بنفسه، كثيرٌ بإخوانه، الناس للناس من بدوٍ وحاضرةٍ بعض لبعض وَإنْ لم يشعروا خدم، فإنَّ الإنسانَ لا يَسْتغني عن أخيه المسلم في أيِّ حالٍ من الأحوال. وقَدْ جَاء في "صحيح البخاري" (٢) قصة أذكرها لما لها من مناسبةٍ، في حديث أبي هريرة قال: "ذكر رسول الله ﷺ رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، يعني: يريد أن يقترض منه ألف دينار، فقال له المطلوب الاقتراض منه: ائتني بالشهود، فماذا قال له؟ قال: كفى بالله شهيدًا، فقال: ائتني بكفيلٍ، فقال: كفى بالله كفيلًا، فقال الرجل له: صدقت، يعني: صدق الرجل لما قال له: كفى بالله شهيدًا، ثم أعطاه ألف دينار إلى أجلٍ، ثم إن الرجل انطلق فركب البحر وذهب، فأدَّى الغرض الذي ذهب من أجله، اشتغل بالتجارة وباع حتى شعر بقرب الأجل الذي ضرب بينه وبين الذي أعطاه ذلك الدَّين ألف دينار، فذهب إلى البحر يطلب مركبًا فلم يجد، فَضَاقتْ به الأرض بما رحبت، فما كان

стр. 8272

منه إلا أنْ أخَذ خشبةً فنقرها، أي: حفرها، ثم وضع فيها الألف دينار، ووضع مع ذلك صحيفة أي: رسالة، ثم أغلقها، واختلف العلماء (١) فى كيفية إغلاقها، ثم وضعها في البحر، واتجه إلى الله يدعوه وقال: إنُّ فلانًا طلب مني شهودًا فقلت: كفى بالله شهيدًا، وسألني أن آتي له بكفيل فقلت: كفى بالله كفيلًا، فصدقني فأسألك يارب أن توصلها إليه، أو كلمة نحو ذلك، أو كما قال رَسُولُ الله ﷺ (٢)، فذهبت الخشبة، فَخَرج صاحب الحق إلى البحر ينظر إلى البحر لعلها تأتي سفينة وعليها مَنْ عليه الدين، فوجد الخشبة فأخذها ليوقد عليها النار -وفي بعض الرِّوايات: أنه نشرها. وفي بعض الروايات: إن أهله كسروها- فتناثرت الدنانير، ووجد الرسالة، فأدرك حقيقة الأمر، فوجد الرجل المدين مركبًا، فركب وجاء ومعه ألف دينار أخرى، فجاء إلى الرجل فقال له: هل وصلك ما أرسلت إليك؟ فقال: لا أخبرك حتى تخبرني بحقيقة الأمر، فقص عليه القصة، فقال: لقد أدى الله عنك أمانتك، فما كان منه إلا أن عاد وترك له الألف دينار الأخرى". هذه القصة ذكَرها رسول الله ﷺ لا ليترتب عليها شيء من الأحكام، ولكنَّ رسول الله ﷺ كان كثيرًا ما يذكر أصحابه، وكان يعظهم ويوجههم، ويبين لهم ما يفيدهم في أمور دينهم ودنياهم، وبخاصَّةٍ ما يتعلق بأمور الآخرة، والرسول ﷺ ذكر هذا للاتعاظ والاعتبار، وهذا حديث صحيح، فهي قضية ذكرها رسول الله ﷺ ، وهي في "صحيح البخاري"، وعند

стр. 8273

النسائي (١) وغيرهما، وعند أحمد (٢)، لكنهم يختلفون، وفي بعض الروايات - لكنها ليسمت التي في "صحيح البخاري"-: " إن الرجل الذي أقرض هو النجاشي "، وكونه من بني إسرائيل قالوا: لأنَّه يتبع بني إسرائيل في دينهم (٣). وَالشَّاهد: أنَّ الذي يُسْتفاد من الحديث إنما هو الاتعاظ والعبرة، وفي هذا دلالة على عظم التوكل وفضله، وأن مَنْ توكَّل على الله حقَّ توكله، فإن الله ينصره، يعني: مَنْ توكل على الله صادقًا، فإن الله ينصره ويعينه على تحقيق مراده كما حصل لهذا الرجل. تعريف الكفالة: لغة: الضمان، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]. اصطلاحًا: هي ضم ذمة إلى ذمة في طلب الحق (٤). والأصل: أنَّ الإنسان إذا أراد أن يتوثَّق من حقه، فله ذلك، وهذا هو الأصل؛ لأن الإنسان لا يضمن الموت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].

стр. 8274

وَهَذا من باب التعاون على الخير والبر والتقوى؛ لأن هذا مما يعين فيه المسلم أخاه المسلم، ولذلك عني بها الفقهاء، ووضعوا لها كتابًا مستقلًّا درسوا فيه ما يتعلق بأحكامها. قوله: (وَاخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي نَوْعِهَا وَفِي وَقْتِهَا، وَفِي الحُكْمِ اللَّازِمِ عَنْهَا، وَفِي شُرُوطِهَا، وَفِي صِفَةِ لُزُومِهَا، وَفِي مَحِلِّهَا، وَلَهَا أَسْمَاءٌ: كفَالَةٌ، وَحَمَالَةٌ، وَضَمَانَةٌ، وَزَعَامَةٌ). كثيرًا ما يذكر المؤلف ﵀ الحمالة (١)؛ لأن هذا مشتهر في الفقه المالكي، والمراد بها الكفالة، ومعنى الكفالة: أن يتحمل إنسان عن غيره حقًّا، إذًا هي حمالة، وفي نفس الوقت كفالة، وهي أيضًا ضمان؛ لأنَّه ضمنه أيْ: ضمن له الحقَّ، وتسمى زعامةً أخذًا من الحديث: "العاريَّة مؤداة، والزعيم غارم" (٢)، وهذا جاءت الإشارة إليه في خطبة رسول الله ﷺ في حجة الوداع. قوله: (فَأَمَّا أَنْوَاعُهَا: فَنَوْعَانِ: حَمَالَةٌ بِالنَّفْسِ، وَحَمَالَةٌ بِالمَالِ). حَمَالَةٌ بالنفس: قد يتحمَّل الإنسان بالمال، فيكفل هذا الإنسان، ويكون ضمينًا إذا لم يسدد أو تعذر، فإنَّه يقوم بتسديد ذلك الحق عنه. وهل يَتَرتب على الكفالة بالنفس أن يؤدي عنه؟ سيأتي الخلاف في ذلك. قوْله: (أَمَّا الحَمَالَةُ بِالمَالِ: فَثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ (٣)، وَمُجْمَعٌ عَلَيْهَا مِنَ الصَّدْرِ الأَوَّلِ وَمِنْ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ (٤). وَحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَازِمَةً

стр. 8275

تَشْبِيهًا بِالعِدَّةِ وَهُوَ شَاذٌّ (١)). أمَّا مشروعيَّتها، فَهى ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع؛ ليس كما ذكر المؤلف في السُّنَّة فقط. أما الكتاب، فقول الله تعالى في سورة يوسف: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ [يوسف: ٧٢]. قال عبد الله بن عباس ﵁: "الزعيم الكفيل" (٢). إذًا، هذه الآية دليل على مشروعية الكفالة. وأما السُّنَّة، فالحديث: "الزعيم غارم" (٣)؛ أي: الكفيل غارم .. وأجمعت الأمة على جوازها. وأيضًا الحاجة تقتضي ذلك؛ فإنَّ الناسَ لا يَسْتغنون؛ لأنَّه ليس كل الناس عنده المال المتوفر إليه، فَهُو يحتاج إلى أن يقترض ويشتري أشياء مؤجلة، فيحتاج إلى كفيل وضامن (أخيه المسلم)، فيأتي ويضمنه. قَوْله: (وَالسُّنَّةُ الَّتِي صَارَ إِلَيْهَا الجُمْهُورُ فِي ذَلِكَ هُوَ قَوْلُهُ ﵊: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" (٤)، وَأَمَّا الحَمَالَةُ بِالنَّفْسِ (وَهِيَ الَّتِي تُعْرَفُ بِضَمَانِ الوَجْهِ): فَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ (٥) الأَمْصَارِ عَلَى جَوَازِ وُقُوعِهَا شَرْعًا إِذَا كانَتْ بِسَبَبِ المَالِ).

стр. 8276

قال: "بسبب المال "، قيد ذلك مما يتعلق بالحدود. قوله: (وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ (١) فِي الجَدِيدِ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ (٢)). الشافعية (٣) مذهبهم كمذهب الجمهور، وأحيانًا يقولون بأن هناك قولين: قول بأنها ضعيفةٌ، وقول آخر بأنها صحيحة، إذًا الخلاف موجود في داخل المذهب الشافعي، أما الأئمة: (أبو حنيفة ومالك وأحمد)؛ فقولهم متفق في ذلك، ويرون جوازها، ويستدلون بالآية والحديث (٤). قَوْل: (وَحُجَّتُهُمَا قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩]). هذه حجة مَنْ خالف (٥).

стр. 8277

قوله: (وَلِأَنَّهَا كفَالَةٌ بِنَفْسٍ؛ فَأَشْبَهَتِ الكَفَالَةَ فِي الحُدُودِ. وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَهَا عُمُومُ قَوْلِهِ ﵊: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" (١)، وَتَعَلَّقُوا بِأَنَّ ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ، وَأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنِ الصَّدْرِ الأَوَّلِ). وأيضًا استدلوا بقول الله تعالى في سورة يوسف: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] إذًا، فهذه هي الكفالة بالنفس. قَوْله: (وَأَمَّا الحُكْمُ اللَّازِمُ عَنْهَا: فَجُمْهُورُ القَائِلِينَ بِحَمَالَةِ النَّفْسِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ المُتَحَمَّلَ عَنْهُ إِذَا مَاتَ لَمْ يَلْزَمِ الكَفِيلَ بِالوَجْهِ شَيْءٌ (٢). وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ لُزُومُ ذَلِكَ). جُمْهور القائلين هم أبو حنيفة والشافعي وأحمد على أساس القول عند الشافعي أنه يرى ذلك، وحُكِيَ عن بعضهم لزوم ذلك،

стр. 8278

وهم مَالكٌ (١) واللَّيثُ والحكمُ (٢). قَوْله: (وَفَرَّقَ ابْنُ القَاسِمِ (٣) بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، فَقَالَ: إِنْ مَاتَ حَاضِرًا، لَمْ يَلْزَمِ الكَفِيلَ شَيْ ءٌ، وَإِنْ مَاتَ غَائِبًا نُظِرَ، فَإِنْ كَانَتِ المَسَافَةُ الَّتِي بَيْنَ البَلَدَيْنِ مَسَافَةً يُمْكِنُ الحَمِيلَ). أي: الكفيل. قوْله: (فِيهَا إِحْضَارُهُ فِي الأَجَلِ المَضْرُوب لَهُ فِي إِحْضَارِهِ (وَذَلِكَ فِي نَحْوِ اليَوْمَيْنِ إلى الثَّلاثَةِ)، فَفَرَّطَ: غَرِمَ، وَإِلَّاَ لَمْ يَغْرَمْ). هذا تعليلٌ منه ﵀ يحتاج إلى دليلٍ. قَوْله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا غَابَ المُتَحَمَّلُ عَنْهُ مَا حُكْمُ الحَمِيلِ بِالوَجْهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ). أيْ: غاب ولم يعرف أين هو، فما حكم الكفيل في هذه المسألة، هل هو غارم أو لا؟ فيها ثلاثة أقوال للعلماء، فمالك وأحمد لهما قول،

стр. 8279

والشافعي وأبو حنيفة لهما قول، وهناك قول ثالث ذكره المؤلف ونسبه إلى أبي عبيد القاسم بن سلام (١). قَوْله: (القَوْلُ الأَوَّلُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْضِرَهُ أَوْ يَغْرَمَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٢)). وأحمد أيضًا (٣). قَوْله: (وَأَصْحَابِهِ، وَأَهْلِ المَدِينَةِ. وَالقَوْلُ الثَّانِي: أنه يَحْبِسُ الحَمِيلَ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ أو يَعْلَمَ مَوْتَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ (٤)). والشافعي أيضًا (٥). قوْله: (وَأَهْلِ العِرَاقِ. وَالقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِهِ إِذَا عَلِمَ مَوْضِعَهُ) (٦). هذا القول حدد بأنْ يكون مكانه معروفًا، فيلزمه أن يأتي به، وإنْ لم

стр. 8280

يأت به يحبس، أما إذا لم يكن مكانه معروفًا، فلا يلزمه أن يبحث عنه. قَوْل: (وَمَعْنَى ذَلِكَ أَلَّا يُكَلَّفَ إِحْضَارَهُ إِلَّا مَعَ العِلْمِ بِالقُدْرَةِ عَلَى إِحْضَارِهِ، فَإِنِ ادَّعَى الطَّالِبُ مَعْرِفَةَ مَوْضِعِهِ عَلَى الحَمِيلِ، وَأَنْكَرَ الحَمِيلُ؛ كُلِّفَ الطَّالِبُ بَيَانَ ذَلِكَ. قَالُوا: وَلَا يُحْبَسُ الحَمِيلُ إِلَّا إِذَا كَانَ المُتَحَمَّلُ عَنْهُ مَعْلُومَ المَوْضِعِ، فَيُكَلَّفُ حِينَئِذٍ إِحْضَارَهُ، وَهَذَا القَوْلُ حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ فِي كِتَابِهِ فِي الفِقْهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ وَاخْتَارَهُ) (١). كتابه المعروف في الفقه هو "كتاب في الأموال "، وهو من أَجلِّ الكتب التي أُلِّفت في الشريعة الإسلامية، وتكلم عن كل ما يتعلق بالقسم المالي في الفقه الإسلامي. قَوْله: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ: أَنَّ المُتَحَمِّلَ بِالوَجْهِ غَارِمٌ لِصَاحِبِ الحَقِّ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الغُرْمُ إِذَا غَابَ). هذا الذي يتحمل بالنفس، الذي تحمل أن يحضر الإنسان بنفسه، هل هو ضامن للمال كالحال بالنسبة للقسم الأول الذي اتفق عليه العلماء، أو أنه كفل أن يحضرَه بنفسه. قَوْله: (وَرُبَّمَا احْتَجَّ لَهُمْ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ غَرِيمَهُ أن يُؤَدِّيَ إِلَيْهِ مَالَهُ أَوْ يُعْطِيَهُ حَمِيلًا"). رَجلٌ كان يطلب من آخر دينًا (مالًا)، فأمسك به، ولم يتركه. قوله: (فَلَمْ يَقْدِرْ حَتَّى حَاكَمَهُ إلى النَّبِيِّ ﵊. جاء في بعض الروايات: "عشرة دنانير، وأنَّه أمسك به فلم يفلته حتى رفع ذلك إلى رسول الله ﷺ ، وأن الرسول تحمل فذهب الرجل، فجاء بالمطلوب من معدن، فسأله رسول الله ﷺ "من أين جئت به؟ "

стр. 8281

فقال: من معدن، فقال: " لا حاجة لنا به "، لا خير فيه، ثم إن الرَّسُول ﷺ دفع عنه ذلك القدر من المال ". إذًا، الرَّسول ﷺ تحمل، ثم بعد ذلك دفع عنه، هذا هو وجه الدلالة من هذا الحديث، وهذا الحديث أخرجه أبو داود (١) وابن ماجه (٢) والبيهقي في "السنن الكبرى" (٣)، والحاكم، وصححه (٤) كذلك. قَوْله: (فَتَحَمَّلَ عَنْهُ رَسُولُ الله ﷺ ، ثُمَّ أَدَّى المَالَ إِلَيْهِ" (٥). قَالُوا: فَهَذَا غُرْمٌ فِي الحَمَالَةِ المُطْلَقَةِ). هذا غرم؛ لأنَّه تحمل فدفع عنه، لكن هل ما دفعه الرسول ﷺ كان التزامًا أو أنه تبرع من الرسول ﷺ ؟ هذا فيه كلام للعلماء. قَوْله: (وَأَمَّا أَهْلُ العِرَاقِ (٦) فَقَالُوا: إِنَّمَا يجِبُ عَلَيْهِ إِحْضَارُ مَا تَحَمَّلَ بِهِ، وَهُوَ النَّفْسُ).

стр. 8282

الحنفية يقولون: هو تحمل إحضار النفس لا أنه تحمل أن يدفع أو يغرم المبلغ أي: الحق المستحق للمدين، إذًا، هو أدى ما عليه، فغايته أن يأتى به، ويسلمه لصاحب الحق، لكن لا يدفع عنه؛ لأنَّ هذا يختص بالملتزم مالًا أي: الضامن مالًا، لَكن الكفيل بالنفس لو التزم بأنَّه في حالة عدم دفع المكفول به، فإنَّه يدفع عنه، فَهُوَ حِينَئذٍ يكون ملزمًا بذلك. قوْله: (فَلَيْسَ يَجِبُ أَنْ يُعَدَّى ذَلِكَ إِلَى المَالِ إِلَّا لَوْ شَرَطَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ قَالَ ﵊: " المُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ " (١)، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أن يُحْضِرَ المَالَ أَوْ يُحْبَسَ فِيهِ). أبو حنيفة يقول: إما أن يحضره إلى مَنْ دفع له الحق، وإن لم يحضره، يحبس إلى أن يأتي به. قوْله: (كَذَلِكَ الأَمْرُ فِي ضَمَانِ الوَجْهِ. وَعُمْدَةُ الفَرِيقِ الثَّالِثِ: أَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُهُ إِحْضَارُهُ إِذَا كَانَ إِحْضَارُهُ لَهُ مِمَّا يُمْكِنُ، وَحِينَئِذٍ يُحْبَسُ إِذَا لَمْ يُحْضِرْهُ). يقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فكيف يُكلَّف إنسان بأن يبحث عن إنسانٍ اختفى في زوايا الأرض لا يُدرى أين هو، هذا فيه مشقة، لكن لو كان يعرف مكانه سواء كان في البلد الذي يقيم فيها أو في أخرى، فإن عليه أن يأتي به وَإِنْ لم يفعل يحبس، لكن كونه لا يعرف ذلك، فماذا يفعل؟ هل يقضي زمانه وحياته في البحث عنه. قوله: (وَأَمَّا إذا عَلِمَ أَنَّ إِحْضَارَهُ لَهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ إِحْضَارُهُ كمَا أَنَّهُ إِذَا مَاتَ لَيْسَ عَلَيْهِ إِحْضَارُهُ. قَالُوا: وَمَنْ ضَمِنَ الوَجْهَ

стр. 8283

فَأُغْرِمَ المَالَ، فَهُوَ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ مَغْرُورًا مِنْ أَنْ يَكُونَ غَارًّا، فَأَمَّا إِذَا اشْتَرَطَ الوَجْهَ دُونَ المَالِ، وَصَرَّحَ بِالشَّرْطِ، فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إِنَّ المَالَ لَا يَلْزَمُهُ (١)، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا فِيمَا أَحْسَبُ؛ لِأنَّهُ كَانَ يَكُونُ قَدْ أَلْزَمَ ضِدَّ مَا اشْتَرَطَ، فَهَذَا هُوَ حُكْمُ ضَمَان الوَجْهِ). أكثر خلاف ما اشترطه؛ لأنَّه هو قَالَ: أنا أضمنه إحضارًا، لكن أَنْ أضمن أداء الحق فلا، إذًا هذا اشترطه ووافق عليه من كفل عنده، فحينئذٍ لا يلزمه. قَوْله: (وَأَمَّا حُكْمُ ضَمَان المَالِ: فَإِنَّ الفُقَهَاءَ مُتَّفِقُونَ (٢) عَلَى أَنَّه إِذَا عَدِمَ المَضْمُونُ أَوْ غَابَ أَنَّ الضَّامِنَ غَارِمٌ). إذا عدم المضمون أو غاب، فَهَذا لا خلاف فيه بين العلماء. قَوْله: (وَاخْتَلَفُوا إذا حَضَرَ الضَّامِنُ وَالمَضْمُونُ وَكِلَاهُمَا مُوسِرٌ). إذا حضر معًا الكفيل والمكفول به (الكفيل والمتحمل عنه)، فما الحكم؟ هل يطالبان معًا؟ أو لصاحب الحق أن يطالب أحدهما أو يطالب الذي أخذ الحق منه؟ قوْله: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤)، وَأَصْحَابُهُمَا،

стр. 8284

وَالثَّوْرِيُّ، وَالأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ (١)، وَإِسْحَاقُ (٢): لِلطَّالِبِ أَنْ يُؤَاخِذَ مَنْ شَاءَ مِنَ الكَفِيلِ أَوِ المَكْفُولِ). إذًا، هو بالخيار، له أن يأخذ أو يطالب من هذا أو من الآخر. قَوله: (وَقَالَ مَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الكَفِيلَ مَعَ وُجُودِ المُتَكَفَّلِ عَنْهُ (٣)، وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ مِثْلُ قَوْلِ الجُمْهُورِ) (٤). إذا حضرا معًا (الكفيل والمكفول به)، فهل له أن يطالب أحدهما أو له أن يطالب مَنْ شاء؟ رأي الجمهور في ذلك أن له أن يطالب من شاء منهما؛ لأن الحق متعلق بهما معًا، فله أن يطالب الغارم، وله أن يطالب المكفول في هذه الحالة. قوْله: (وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: الحَمَالَةُ، وَالكَفَالَةُ وَاحِدَةٌ، وَمَنْ ضَمِنَ عَنْ رَجُلٍ مَالًا، لَزِمَهُ وَبَرِئَ المَضْمُونُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَالُ وَاحِدٍ

стр. 8285

عَلَى اثْنَيْنِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ (١)، وَمِنَ الحُجَّةِ لِمَن رَأَى أَنَّ الطَّالِبَ يَجُوزُ لَهُ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ؛ كَانَ المَضْمُونُ عَنْهُ غَائِبًا، أَوْ حَاضِرًا، غَنِيًّا، أَوْ عَدِيمًا: حَدِيثُ قَبِيصَةَ بْنِ المُخَارِقِيِّ). هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" (٢)، وكذلك بعض أصحاب السنن (٣) وأحمد (٤)، وهذا الحديث يتعلق بالمسألة. فقبيصة تحمَّل حمالةً كما جاء في "صحيح مسلم" وغيره قال: "تحملت حمالةً، فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: "قم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها "، قال: ثم قال: "يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحَلَّتْ له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيشٍ - أو قال: سدادًا من عيشٍ - ورجل أصابته فاقة حتى يَقُوم ثلاثةٌ من ذوي الحِجَا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش - أو قال: سدادًا من عيشٍ - فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتًا". قَوله: (قَالَ: "تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: نُخْرِجُهَا عَنْكَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ المَسْأَلة لَا تَحِلُّ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ، وَذَكَرَ رَجُلًا تَحَمَّلَ حَمَالَةَ رَجُلٍ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا"، وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَبَاحَ المَسْأَلَةَ لِلْمُتَحَمِّلِ دُونَ اعْتِبَارِ حَالِ المُتَحَمَّلِ عَنْهُ).

стр. 8286

المُتَحَمل: هو الذي لا يجد ما يدفع ما تحمله، أما الإنسان الموسر فلا يجوز له؛ لأنَّ رَسُول الله ﷺ بَيَّن أنه حتى ينتهي ما به، ثم بعد ذلك يمسك. قوْله: (وَأَمَّا مَحِلُّ الكَفَالَةِ: فَهِيَ الأَمْوَالُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ العِلْمِ) (١). هي الأموال والأنفس أيضًا. قوله: (لِقَوْلِهِ ﵊: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" (٢). هذا نص في هذه المسألة، والآية أيضًا ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ [يوسف: ٧٢]. قوله: (أَعْنِي: كَفَالة المَالِ وَكَفَالَةَ الوَجْهِ). ذكر أيضًا كفالة الوجه التي يعبر بها عن النفس. قوله: (وَسَوَاءٌ تَعَلَّقَتِ الأمْوَالُ مِنْ قِبَلِ أَمْوَالٍ، أَوْ مِنْ قِبَلِ حُدُودٍ، مِثْلُ المَالِ الوَاجِبِ فِي قَتْلِ الخَطَإ). يُقْصَد بالحدود أنها ليست أموالًا تُشْترى بها الحدود، ولكن يجب حدًّا على إنسانٍ من الحدود التي يمكن أن يُصْطلح عليها بالمال؛ كالجرَاحات ونحوها، وكذلك أيضًا القتل - كَمَا هو مَعْلومٌ - بالنسبة لقتل العمد.

стр. 8287

قَوْل: (مِثْلُ المَالِ الوَاجِبِ فِي قَتْلِ الخَطَإِ، أَوِ الصُّلْحِ فِي قَتْلِ العَمْدِ، أَوِ السَّرِقَةِ الَّتِي لَيْسَ يَتَعَلَّقُ بِهَا قَطْعٌ). يَعْني: إذا عَفَا أولياء المقتول عن القتل فيمن يقتل عمدًا، وتنازلوا إلى الدية، فربما يطلبون أموالًا أكثر من الدية ويدفعها الإنسان حفاظًا على رقبته، وكذلك بالنسبة لقتل الخطإ، وقتل الخطإ لا قصاص فيه، تم يأتي بعد ذلك السرقة، لكنها السرقة التي لا تبلغ النصاب، أما إذا بلغت النصاب ففيها الحد إلا أن تكون من غير حرزٍ، فحينئذ يختل الشرط، فلا قطع فيها؛ لأن السرقة أيضًا لها شروط، وهي: أن تبلغ النصاب، وأن تكون من حرزٍ، وكل شيءٍ بحرزه، وأن يكون الذي سرق مكلفًا، وألَّا يكون هناك ضرورة دَعَتْ إلى السرقة، وعمر ﵁ في عام الرمادة أوقف الحد (١). قَالَ: (وَهِيَ مَا دُونَ النِّصَابِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِجَازَةُ الكَفَالَةِ فِي الحُدُودِ وَالقِصَاصِ) (٢). هذه رواية عن أبي حنيفة؛ يجيز الكفالة فيمن عليه حدٌّ أن يكفل. قَوْله: (أَوْ فِي القِصَاصِ دُونَ الحُدُودِ وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ البَتِّيِّ (أَعْنِي كفَالة النَّفْسِ)) (٣).

стр. 8288

إذًا، أبو حنيفة له قولان: في الحدود والقصاص أو في القصاص وحدَه، وخالفه صاحباه في ذلك (١). قوله: (وَأَمَّا وَقْتُ وُجُوبِ الكَفَالَةِ بِالمَالِ، أَعْنِي مُطَالَبَتَهُ بِالكَفِيلِ: فَأَجْمَعَ العُلَمَاءُ (٢) عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ الحَقِّ عَلَى المَكْفُولِ؛ إِمَّا بِإِقْرَارٍ وَإِمَّا بِبَيِّنَةٍ، وَأَمَّا وَقْتُ وُجُوبِ الكَفَالَةِ بِالوَجْهِ، فَاخْتَلَفُوا هَلْ تَلْزَمُ قَبْلَ إِثْبَاتِ الحَقِّ أَمْ لَا). يكون بعد ثبوت الحق لا قبله؛ لأنَّه يطلب الكفيل بعد أن يثبت الحق، وسيأتي الخلاف بالنسبة لكفالة النفس هل يجوز تقديمها أو لا؟ والمؤلف هنا لم يعرض الخلاف إلا في داخل مذهب مالك. قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهَا لَا تَلْزَمُ قَبْلَ إِثْبَاتِ الحَقِّ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ). هذا هو الأصل؛ أنها لا تلزم إلا بعد ثبوت الحق، فإذا ثبت الحق فحينئذٍ يطلب، وبعض العلماء يقولون: هي تطلب قبل ذلك ليتوثق صاحب الحق. قوله: (وَهُوَ قَوْلُ شُرَيْحٍ القَاضِي وَالشَّعْبِيِّ) (٣). الشَّعبيُّ هو أحد التابعين، وهو الذي وجَّه أبا حنيفة ﵀ إلى الاشتغال بالعلم.

стр. 8289

قوله: (وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ) (١). وهي أيضًا روايةٌ عن الإمام أحمد (٢)، وهو رأي الأكثر (٣). قَوْله (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يجِبُ أَخْذُ الكَفِيلِ بِالوَجْهِ عَلَى إِثْبَاتِ الحَقِّ، وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا مَنَى يَلْزَمُ ذَلِكَ؟ وَإِلَى كَمْ مِنَ المُدَّةِ يَلْزَمُ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ أَتَى بِشُبْهَةٍ قَوِيَّةٍ مِثْلِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ لَزِمَهُ أَنْ يُعْطِيَ ضَامِنًا بِوَجْهِهِ حَتَّى يَلُوحَ حَقُّهُ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ الكَفِيلُ إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ بَيِّنَةً حَاضِرَةً فِي المِصْرِ، فَيُعْطِيهِ حَمِيلًا مِنَ الخَمْسَةِ الأَيَّامِ إلى الجُمُعَةِ (٤)). يعني ما بين خمسة أيام إلى أسبوع، هذه كلها تفصيلات في مذهب مالك.

стр. 8290

قوله: (وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ القَاسِمِ (١) مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَقَالَ أَهْلُ العِرَاقِ). ومنهم أبو حنيفة (٢) ﵀. قَوْله: (لَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِمْ حَمِيلٌ قَبْلَ ثُبُوتِ الحَقِّ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ بَيِّنَةً حَاضِرَةً فِي المِصْرِ نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ القَاسِمِ، إِلَّا أَنَّهُمْ حَدُّوا ذَلِكَ بِالثَّلَاثَةِ الأيَّامِ يَقُولُونَ: إِنَّهُ إِنْ أَتَى بِشُبْهَةٍ لَزِمَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ حَمِيلًا حَتَّى يُثْبِتَ دَعْوَاهُ أَوْ تَبْطُلَ، وَقَدْ أَنْكَرُوا الفَرْقَ فِي ذَلِكَ، وَالفَرْقَ بَيْنَ الَّذِي يَدَّعِي البَيِّنَةَ الحَاضِرَةَ وَالغَائِبَةَ، وَقَالُوا: لَا يُؤْخَذُ حَمِيلٌ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَذَلِكَ إلى بَيَانِ صِدْقِ دَعْوَاهُ أَوْ إِبْطَالِهَا. وَسَبَبُ هَذَا الِاخْتِلَافِ: تَعَارُضُ وَجْهِ العَدْلِ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ فِي ذَلِكَ). المؤلف الآن سيَذْكر العلة بعد أن ذكرَ هذه الاختلافات داخل المذهب. قَالَ: (فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِ ضَامِنٌ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَغِيبَ بِوَجْهِهِ فَيَعْنَتَ طَالِبُهُ). يَعْني: إذا لم يؤخذ عليه ضمين بوجه الدعوة أي: كفيل وجه، فإنه ربما يغيب، فربما يكون عنت في البحث عنه ومشقة، إذًا هذا فيه ضرر على صاحب الحق. قَوْله: (وَإِذَا أُخِذَ عَلَيْهِ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى بَاطِلَةً، فَيَعْنَتَ

стр. 8291

المَطْلُوبُ، وَلهَذَا فَرَّقَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ دَعْوَى البَيِّنَةِ الحَاضِرَةِ وَالغَائِبَةِ، وَرُوِيَ عَنْ عَرَاكِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: " أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنَ الأَعْرَابِ مَعَهُمْ ظَهْرٌ، فَصَحِبَهُمْ رَجُلَان فَبَاتَا مَعَهُمْ، فَأَصْبَحَ القَوْمُ وَقَدْ فَقَدُوا كَذَا وَكَذَا مِنْ إِبِلِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: "اذْهَبْ وَاطْلُبْ "، وَحَبَسَ الآخَرَ، فَجَاءَ بِمَا ذَهَبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: "اسْتَغْفِرْ لِي "، فَقَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، قَالَ: "وَأَنْتَ فَغَفَرَ اللَّهُ لَكَ وَقتلَكَ فِي سَبِيلِهِ " (١). ما أعظم أن يقتل الإنسان في سبيل الله، وهو الذي كان يتمناه الشهداء كما هو معلومٌ. و"عرَاك ": تابعيٌّ، ويرفع ذلك إلى الرسول ﷺ ؛ فهذا حديث مرسل، لكنه جاء في الرواية الأخرى موصولًا عن أبي هريرة ﵁، وهذا الحديث ساقه المؤلف ليبين فيه ما يتعلق بالتهمة ليستشهد به. لكن لماذا لمِ يأت المؤلف ﵀ بذكر أبي هريرة، وهل يعدُّ ذلك خطأً؟ لا يُعد خطأ من المؤلف ﵀ لأن المؤلف لم يأت بلفظ أبي داود (٢) أو النسائي (٣) أو الترمذي (٤) أو البيهقي (٥)؛ لأن تلك روايات

стр. 8292

مختصرة، بعضهم ذكرها في الحبس، وبعضهم في السرقه، كما عند النسائي في "سننه "، مما يدل على أن العلماء أشَاروا إلى ما يتعلق بالتهمة، لكن المؤلف ساقه كما أورده أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "الأموال" عن عراك مرسلًا. قَوْله: (خَرَّجَ هَذَا الحَدِيثَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِهِ في الفِقْهِ (١)، قَالَ: وَحَمَلَهُ بَعْضُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَبْسًا قَالَ: وَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ). قصد به من باب الحيطة، وأنتم تعلمون ما يعرف بالمصالح المرسلة، وأيضًا دفع الشبهات، إذًا هذه من الأمور التي ينبغي أن يُحْتاط فيها. قوله: (لأنَّه لَا يَجِبُ الحَبْسُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدِي مِنْ بَابِ الكَفَالَةِ بِالحَقِّ الَّذِي لَمْ يَجِبْ إِذْ كَانَتْ هُنَالِكَ شُبْهَةٌ لِمَكَانِ صُحْبَتِهِمَا لَهُمْ). قوله: (فأَمَّا أَصْنَافُ الْمَضْمُونِينَ: فَلَيْسَ يَلْحَقُ مِنْ قِبَلِ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ مَشْهُورٌ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي ضَمَانِ الْمَيِّتِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً بِدَيْنِهِ). وهذا معروفٌ ومشهور، ويعني كونه إذا مات ميتٌ وعليه دَيْن. وهذا هو منهج رسول الله ﷺ في أول الأمر، حيث كان إذا مات ميتٌ يسأل: "هل عليه دين؟ " فإن قالوا: لا. صلَّى عليه، وإن قالوا: عليه دين. قال: "هل ترك شيئًا؟ " فإن قالوا: نعم. صلى عليه، وإن لم يكن، قال: "صلوا على صاحبكم "، فلما فتح الله عليه البلاد والفتوح قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وترك مالًا فهو لورثته، ومن مات وترك دينًا فأنا أولى به " (٢).

стр. 8293

إذًا، الرسول ﷺ و كان يحتاط. وليس معنى هذا أن الذي عليه دين لا يصلى عليه، لكن هذا يُعْلِمُنا خطورة الدين الذي كثيرًا ما تكلمنا عنه، فالدَّين أمره ليس بسهل. إذًا، الرسول ﷺ كان يتوقف حتى يقال له: لا دين عليه. وتدلُّ على ذلك أيضًا قصة أبي قتادة، فإنه قال: " عليَّ يا رسول الله " (١)، ولذلك طلب منه الرسول ﷺ الوفاءُ فوفي، فقال: " الآن برد جلده " (٢)، وفي بعض الروايات: "برد عليه قبره " (٣). فالأمر شديد، فقد سُدد عنه الدَّين وبرد عليه جلده أو قبره، وهؤلاء مَن كانوا أصحاب رسول الله ﷺ ! فدل هذا على خطورة الدَّين، وعدم التساهل فيه، وبخاصة الذين يأخذون حقوق الناس وبإمكانهم أن يردوها، أما من يكون صاحب عثرة، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. قوله: (فَأَجَازَهُ مَالِكٌ (٤) وَالشَّافِعِيُّ (٥)).

стр. 8294

وأحمد (١). قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): لَا يَجُوزُ. وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ قَبْلُ أَنَّ الضَّمَانَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْلُومٍ قَطْعًا، وَلَيْسَ كذَلِكَ الْمُفْلِسُ. وَاسْتَدَلَّ مَنْ رَأَى أَنَّ الضَّمَانَ يَلْزَمُهُ بِمَا رُوِيَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ حَتَّى يُضْمَنَ عَنْهُ" (٣)). يعني: كان في أول ظهور الإسلام، وأشار المؤلف دون أن يذكر السبب، وهذا الحديث متفق عليه. قوله: (يُضْمَنَ عَنْهُ)، أيْ: يقوم إنسان فيقول: "هو علَيَّ "، أيْ: أضمن سداده، أو أن يكون عنده مما تركه ما يكفي لسداده.

стр. 8295

قوله: (وَالْجُمْهُورُ (١) يَصِحُّ عِنْدَهُمْ كَفَالَةُ الْمَحْبُوسِ وَالْغَائِبِ، وَلَا يَصحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (٢)). أيضًا الجمهور والأئمة الثلاثة ملتقون هنا ومتفقون؛ يرَوْن كفالة المحبوس، وأبو حنيفة لا يرى ذلك.

стр. 8296

قوله: (وَأَمَّا شُرُوطُ الْكَفَالَةِ). هل هناك شروط للكفالة ستأتي معنا؟ قوله: (فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ (١) وَالشَّافِعِيَّ (٢)). وأحمد (٣) أيضًا. قوله: (يَشْتَرِطَانِ فِي وُجُوبِ رُجُوعِ الضَّامِنِ عَلَى الْمَضْمُونِ بِمَا أَدَّى عَنْهُ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ بِإِذْنِهِ).

стр. 8297

يعني أن يكون راضيًا بذلك، فلا يصح ضمان إنسان دون أن يرضى، وهو مذهب جمهور العلماء. قوله: (وَمَالِكٌ (١) لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ. وَلَا تَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٢) كَفَالَةُ الْمَجْهُولِ). فالشيء المجهول لا تجوز كفالته عند الشافعي وبعض الأئمة، أما جمهور الأئمة الثلاثة (أبو حنيفة (٣) ومالك (٤) وأحمد (٥))، فهُم يجيزون كفالة المجهول. قوله: (وَلَا الْحَقُّ الَّذِي لَمْ يجِبْ بَعْدُ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَازِمٌ وَجَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ (٦)، وَأَصْحَابِهِ).

стр. 8298

وأيضًا عند أبي حنيفة (١) وأحمد (٢). ونُبين هنا: لماذا اختلف العلماء في هذه المسألة، ولماذا انفرد الإمام الشافعي ﵀ بقوله: "لا تصح كفالة المجهول؟ ". أما الشافعيُّ: فقد علَّلَ بأنه مالٌ لازم، ولا يصح أن يكون مجهولًا كالبيع؛ لأنه هنا الْتزَم بمال؛ فَلا يصح أن يكون مجهولًا قياسًا على البيع. وأمما جمهور العلماء: فاحتجوا بقول الله : ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]. وجه الدلالة من ذلك: أنَّ حمل البعير مقدر تقديرًا دقيقًا؛ وهذا هو محل الخلاف. فجمهور العلماء يقولون: حمل البعير غير معلوم القدر تمامًا، ثم إن أحمال الإبل تختلف، فربما يكون هذا البعير حِمْله أكثر، وربما يكون هذا دون ذلك وهذا يكون متوسطًا؛ لذلك فالأمر غير منضبط، وهو مجهول في الحقيقة. فجوَّزوا أن يكون مجهولًا، ولأنه أيضًا الْتِزام في الذمة، أيْ: إنسانٌ التزم حقًّا في ذمته، وكان من غير عِوَض؛ فجاز أيضًا أن يكون مجهولًا قياسًا على النظر؛ لأن الإنسان عندما يقول: "نَذَرْتُ أن أتصدَّق" لم يحدده، وكذلك أيضًا في الإقرار.

стр. 8299

ثم بعد ذلك يذكرون مثالًا يُلزمون به الشافعية، فيقولون: لو أن إنسانًا قال لآخَر: "ألق متاعك في البحر وأضمن لك قيمته"، فقالوا: هذا يجوز بما في ذلك الشافعية، فقد سلَّمُوا بذلك؛ لأنه مجهول والمتاع غير معروف. قوله: (وَأَمَّا مَا تَجُوزُ فِيهِ الْحَمَالَةُ (١) بِالْمَالِ مِمَّا لَا تَجُوزُ). والحمالة هي الكفالة. قوله: (فَإِنَّهَا تَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ (٢) بِكُلِّ مَالٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ إِلَّا الْكِتَابَةَ). وعند غير مالكٍ (٣) أيضًا، تجوز الكفالة بكل مالٍ ثابتٍ ومُستَقِرٍّ في

стр. 8300

ذمة إنسان آخر، لكن لو كان حقًّا غير ثابت، فلا يصح فيه الكفالة في أمر غير ثابت. قوله: (وَمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّأْخِيرُ). وهذا عليه شبه اتفاق بين العلماء. قوله: (وَمَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا فَشَيْئًا). يعني إنسان له حق على آخر ويدفعه نجومًا -أي: تقسيطًا-؛ فلآخر أن يضمنه. قوله: (مِثْلَ النَّفَقَاتِ عَلَى الْأَزْوَاجِ، وَمَا شَاكَلَهَا). الزوج في اللغة (١): تقال على الرجل والمرأة. أما زوجة، اصطلح عليها أهل الفرائض؛ لكي يفرِّقُوا بين الذكر والأنثى، وإلا فالأصل هو: "زوج" كما جاءت في كتاب الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾ [الذاريات: ٤٩]، وفي قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
следующие страницы →