يعني أن يكون راضيًا بذلك، فلا يصح ضمان إنسان دون أن يرضى، وهو مذهب جمهور العلماء.
قوله: (وَمَالِكٌ (١) لَا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ. وَلَا تَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٢) كَفَالَةُ الْمَجْهُولِ).
فالشيء المجهول لا تجوز كفالته عند الشافعي وبعض الأئمة، أما جمهور الأئمة الثلاثة (أبو حنيفة (٣) ومالك (٤) وأحمد (٥))، فهُم يجيزون كفالة المجهول.
قوله: (وَلَا الْحَقُّ الَّذِي لَمْ يجِبْ بَعْدُ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَازِمٌ وَجَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ (٦)، وَأَصْحَابِهِ).
стр. 8298
وأيضًا عند أبي حنيفة (١) وأحمد (٢).
ونُبين هنا: لماذا اختلف العلماء في هذه المسألة، ولماذا انفرد الإمام الشافعي ﵀ بقوله: "لا تصح كفالة المجهول؟ ".
أما الشافعيُّ: فقد علَّلَ بأنه مالٌ لازم، ولا يصح أن يكون مجهولًا كالبيع؛ لأنه هنا الْتزَم بمال؛ فَلا يصح أن يكون مجهولًا قياسًا على البيع.
وأمما جمهور العلماء: فاحتجوا بقول الله : ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢].
وجه الدلالة من ذلك: أنَّ حمل البعير مقدر تقديرًا دقيقًا؛ وهذا هو محل الخلاف.
فجمهور العلماء يقولون: حمل البعير غير معلوم القدر تمامًا، ثم إن أحمال الإبل تختلف، فربما يكون هذا البعير حِمْله أكثر، وربما يكون هذا دون ذلك وهذا يكون متوسطًا؛ لذلك فالأمر غير منضبط، وهو مجهول في الحقيقة.
فجوَّزوا أن يكون مجهولًا، ولأنه أيضًا الْتِزام في الذمة، أيْ: إنسانٌ التزم حقًّا في ذمته، وكان من غير عِوَض؛ فجاز أيضًا أن يكون مجهولًا قياسًا على النظر؛ لأن الإنسان عندما يقول: "نَذَرْتُ أن أتصدَّق" لم يحدده، وكذلك أيضًا في الإقرار.
стр. 8299
ثم بعد ذلك يذكرون مثالًا يُلزمون به الشافعية، فيقولون: لو أن إنسانًا قال لآخَر: "ألق متاعك في البحر وأضمن لك قيمته"، فقالوا: هذا يجوز بما في ذلك الشافعية، فقد سلَّمُوا بذلك؛ لأنه مجهول والمتاع غير معروف.
قوله: (وَأَمَّا مَا تَجُوزُ فِيهِ الْحَمَالَةُ (١) بِالْمَالِ مِمَّا لَا تَجُوزُ).
والحمالة هي الكفالة.
قوله: (فَإِنَّهَا تَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ (٢) بِكُلِّ مَالٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ إِلَّا الْكِتَابَةَ).
وعند غير مالكٍ (٣) أيضًا، تجوز الكفالة بكل مالٍ ثابتٍ ومُستَقِرٍّ في
стр. 8300
ذمة إنسان آخر، لكن لو كان حقًّا غير ثابت، فلا يصح فيه الكفالة في أمر غير ثابت.
قوله: (وَمَا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّأْخِيرُ).
وهذا عليه شبه اتفاق بين العلماء.
قوله: (وَمَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا فَشَيْئًا).
يعني إنسان له حق على آخر ويدفعه نجومًا -أي: تقسيطًا-؛ فلآخر أن يضمنه.
قوله: (مِثْلَ النَّفَقَاتِ عَلَى الْأَزْوَاجِ، وَمَا شَاكَلَهَا).
الزوج في اللغة (١): تقال على الرجل والمرأة.
أما زوجة، اصطلح عليها أهل الفرائض؛ لكي يفرِّقُوا بين الذكر والأنثى، وإلا فالأصل هو: "زوج" كما جاءت في كتاب الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾ [الذاريات: ٤٩]، وفي قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
стр. 8301
[كِتَابُ الْحَوَالَةِ] (١)
قوله: (وَالْحَوَالَةُ مُعَامَلَةٌ صَحِيحَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ مِنَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ).
الحوالة في اللغة: مأخوذة مِن التحويل؛ لأن ما في ذِمَّة المحيل ينتقل إلى ذِمَّة المحال، فهي تحوُّل من ذمة إلى ذمة.
وفي المصطلح الفقهي: نَقْل دَيْن مِن ذمة إلى ذمة.
حكمها: مشروعة في سُنة رسول الله ﷺ ، وبالإجماع (٢).
دليلها من السُّنة: جاء في الحديث المتفق عليه أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع" (٣).
أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على مشروعية الحوالة من حيث الجملة؛ لأن هناك مسائل داخلها محل خلاف بين الفقهاء، لكن هذه الحوالة التي أشار إليها المؤلف تُعد دَيْنًا عند إنسان عليه حق لشخص، وله حق على آخر، ويريد أن ينقل هذا الذي له حق إلى الشخص الذي عليه
стр. 8302
حق، وهذا يشبه بيع الدَّين بالدَّين، وقد جاء النهي عن بيع الكال بالكال (١)(٢)، أو هو عقد استيفاء أو هو عقد إرفاق مستقل.
فمن العلماء من قال: إنه بيع دَين بدَيْن (٣) ولكنه خُص بالدليل، أي: إنه خصص هذا الحديث مِن النهي.
ومِن العلماء من قال: إنه عقد إرفاق مستقل (٤).
ومنهم من قال (٥): إنه عقد استفادة؛ لأنك تستفيد من الحق الذي عند غيرك، فتحول من له حق عليك إليه، لكن عندما ننظر نظرة عامة لا شك أن نجد عقد الحوالة يشتمل على الإرفاق؛ لأن فيه إرفاقًا بالناس، وتيسيرًا عليهم.
مثال: إذا كان لأحد عليك حق، ولك حق على آخر؛ فلك أن تحيل هذا الذي لك حق عليه على ذاك الذي له حق عليك، وهذا نوع من الإرفاق والتيسير.
стр. 8303
شرح الدليل: "مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع " (١).
المطل في اللغة (٢): له عدة معانٍ، منها المَد، وهو المراد، كأنه يمدد لصاحب الحق، ولكن الرسول ﷺ قيده بالغَنِي، فليس كل مطل يسمى ظلمًا.
والإنسان الذي ليس عنده شيء لا يسمى مماطلًا، ولكن الإنسان الغني هو الذي يسمى مماطلًا.
وقيل: المماطلة من المدافعة (٣).
قوله: "الغَنِي" (٤): ليس المقصود منه صاحب المال، لكنه الذي يحال عليه وعنده الحق الذي يستطيع به أن يسدده للمحال الذي يحيل عليه.
ففي هذا الحديث التشديد والتحذير من الرَّسول ﷺ على كل من عليه حق ألا يماطل فيه، وهذا ليس في الدين وحده، بل في الرجل مع نفقة زوجته، أو ملبس لها، أو أي شيء يمكن أن يماطل فيه، كمماطلة المملوك كذلك.
مسألة: لا يجوز للغني أن يماطل؛ فيؤخر الحق الذي عليه والعكس، ولا يكون مبررًا لمن عليه حق إذا كان المحال عليه غنيًّا يماطل به.
стр. 8304
فليس من الحق أن يقال: هذا إنسان مليء ليس له حاجة؛ لأن هذا ما أعطاه ، وهو لا يطلب منك إلا حقًّا؛ إذًا، فعليك أن تسدده.
قوله: (لِقَوْلِهِ ﵊: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى غَنِيٍّ فَلْيَسْتَحِلْ ". وَالنَّظَرُ فِي شُرُوطِهَا وَفِي حُكْمِهَا).
أيْ: النظر في شروط الحوالة؛ لأنهم اشترطوا فيها تماثُل الحَقَّين في الجنس، والصِّفة، والحلول، والأجَل، وأن يكون أيضًا الدَّين مستقرًّا، وأن يكون بمال معلوم، وأن يكون برِضَا المحيل.
ورضا المحيل مجمع عليه من العلماء، لكن الخلاف في المحال والمحال عليه.
قوله: (فَمِنَ الشُّرُوطِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي اعْتِبَارِ رِضَا الْمُحَالِ، وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ).
لم يتكلم عن المحيل؛ لأنه محل إجماع، وكان من المفترض أن يشير إليه بأنه مجمع عليه؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يجبر على أن يحيل؛ لأنه حق له.
يبقى الخلاف في رضا المحال والمحال عليه هل هذا شرط أم لا؟
بعض العلماء يشترط هذا، أما أبو حنيفة (١) فيقول بأنه لا بد من رضا المحال والمحال عليه؛ لأن هذا سينتقل من شخص إلى آخر، وأنَّ حقه
стр. 8305
في ذمة ذلك الإنسان؛ فلا يلزم بنقل مَا لهُ من حقوق إلى ذمة شخصٍ آخر؛ لأن حقه قد ثبت في ذمة ذلك الإنسان، وهذا يرجع إلى رضاه.
ومن العلماء من قال بعكس ذلك، وهم الحنابلة (١) فقالوا بعدم اعتبار رضا المحال ولا المحال عليه، بل الأمر هنا: "وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع" (٢)، إذن المحال هنا ملزم، ومثله المحال عليه؛ لأنه كيف يلزم الَّا يكون الطرف الآخر ملزمًا.
ومنهم من قال: إن رضا المحتال -أي: المحال- مطلوب، وأما المحال عليه فلا يشترط، وهم المالكية (٣)، والشافعية (٤).
ومنهم من عكس ذلك وهم أهل الظاهر (٥)، وكل خلاف العلماء يدور حول هذا الحديث.
стр. 8306
قوله: (فَمِنَ النَّاسِ مَنِ اعْتَبَرَ رِضَا الْمُحَالِ وَلَمْ يَعْتَبِر الْمُحَال عَلَيْهِ، وَهُوَ مَالِكٌ).
(والشافعي).
قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنِ اعْتَبَرَ رِضَاهُمَا مَعًا).
وهو (أبو حنيفة).
قوله: (ومِنَ النَّاسِ مَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ رِضَا الْمُحَالِ، وَاعْتَبَرَ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَهُوَ نَقِيضُ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ (١)).
(وأهل الظاهر).
قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّهَا مُعَامَلَةٌ اعْتَبَرَ رِضَا الصِّنْفَيْنِ).
من رأى أنها معاملة من المعاملات، كعقد البيع؛ فإنه لا بد فيها من رضا الطرفين.
قوله: (وَمَنْ أَنْزَلَ الْمُحَالَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُحَالِ مَنْزِلَتَهُ مِنَ الْمُحِيلِ لَمْ يَعْتَبِرْ رِضَاهُ مَعَهُ كَمَا لَا يَعْتَبِر مَعَ الْمُحِيلِ إِذَا طَلَبَ مِنْهُ حَقَّهُ وَلَمْ يُحِلْ عَلَيْهِ أَحَدًا. وَأَمَّا دَاوُدُ: فَحُجَّتُهُ ظَاهِرُ قَوْلِهِ ﵊: "إِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ" (٢). وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ).
فداود الظاهري أخذ بظاهر الحديث، حيث لا يشترط رضا المحال.
стр. 8307
إذًا، "إذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع" (١)، أيْ: فليقبل الحوالة، فَهُم وقفوا عند ما ورد في النص.
أما الحنابلة قالوا: لا إذا لم يشترط رضا المحال، فكذلك المحال عليه؛ لأن هذا لا يتم إلا بهذا.
إذًا، الحنابلة وأهل الظاهر قالوا بالوجوب، والجمهور، والمالكية، والشافعية قالوا بالاستحباب؛ لقوله: "فليتبع" (٢) فالأمر هنا للاستحباب.
قوله: (وَبَقِيَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ على الْأَصْلِ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ اعْتِبَارِ رِضَاهُ).
المحال عليه، لا يشترط ذلك أهل الظاهر، لكن الحنابلة قالوا هذا يلزم منه أيضًا؛ لأنه إذا ألزم المحال فكذلك المحال عليه، وإلا كيف يتم ذلك؟
قوله: (وَمِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي اتُّفِقَ عَلَيْهَا فِي الْجُمْلَةِ: كَوْنُ مَا عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ مُجَانِسًا لِمَا عَلَى الْمُحِيلِ قَدْرًا وَوَصْفًا).
شروط اتُّفق عليها، لكن عند التفصيل نجد خلافًا بين العلماء، لا بد أيضًا من اتفاق الحقَّين في الجنس والوصف، وأن يكون الدَّين بمال معلوم، ودَينا مستقِرًّا، ورضا المحيل، وهذا محل إجماع.
قوله: (إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهَا فِي الذَّهَبِ وَالدَّرَاهِمِ فَقَطْ، وَمَنَعَهَا فِي الطَّعَامِ).
من العلماء من قصَرَ الحوالة على النقدين، لكنهم لم يجوِّزوا الطعام فيه.
стр. 8308
قوله: (وَالَّذِينَ مَنَعُوهَا فِي ذَلِكَ رَأَوْا أَنَّهَا مِنْ بَابِ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفي، لِأَنَّهُ بَاعَ الطَّعَامَ الَّذِي كانَ لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ بِالطَّعَامِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ).
ولكن الذين أجازوا ذلك قالوا: إن هذا عقد مستثنًى، ظاهره أنه بيع دَيْن بدِيْن، فجاءت السنة فخصصته؛ فأصبحت الحوالة مخصصة من المنع على القول بيع دين بدين، أو هو عقد إرفاق، والإرفاق يقوم على التيسير.
قوله: (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ غَرِيمِهِ؛ وَأَجَازَ ذَلِكَ مَالِكٌ (١) إِذَا كَانَ الطَّعَامَانِ كلَاهُمَا مِنْ قَرْضٍ إِذَا كَانَ دَيْنُ الْمُحَالِ حَالًّا. وَأَمَّا إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ سَلَمٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الدَّيْنَانِ حَالَّيْنِ؛ وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ (٢) يَجُوزُ ذَلِكَ إِذَا كانَ الدَّيْنُ الْمُحَالُ بِهِ حَالًّا؛ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ (٣)، لِأَنَّهُ كَالْبَيْعِ فِي ضَمَانِ
стр. 8309
الْمُسْتَقْرِضِ. وَإِنَّمَا رَخَّصَ مَالِكٌ فِي الْقَرْضِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُ بَيْعُ الْقَرْضِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفى. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ (١): فَأَجَازَ الْحَوَالَةَ بِالطَّعَامِ، وَشَبَّهَهَا بِالدَّرَاهِمِ، وَجَعَلَهَا خَارِجَةً عَنِ الْأُصُولِ (٢) كَخُرُوجِ الْحَوَالَةِ بِالدَّرَاهِمِ).
الأصول هي التي انتهت إلى وجود الربا فيها، فقال إن الحديث: "إذا أحيل أحدكم على مليء فليتبع" (٣)، فقيل: إنه ورد في النقدين، ومعروف أنهم الأصل، فلا يجوز فيهم الربا أيضًا، ونقيس عليهم الطعام.
قوله: (وَالْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ مَا شَذَّ عَنِ الْأُصُولِ هَلْ يُقَاسُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟).
الذي ورد فيها النص هو ما يتعلق بالنقدين مما يتعلق بالحوالة، وتلحق الأطعمة بها على قول أبي حنيفة بإلحاق الأطعمة بها؛ لأنها كانت معها في الربا، وهى حوالة.
قوله: (وَالْمَسْأَلَةُ مَشْهُورَةٌ فِي أُصُولِ الفِقْهِ، وَلِلْحَوَالَةِ عِنْدَ مَالِكٍ (٤) ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ دَيْنُ الْمُحَالِ حَالًّا).
стр. 8310
وهذا الشرط موضع اتفاق بين العلماء، أن يكون دين المحال حالًّا هنا وهناك أيضًا، لا تحل على إنسان الدين، فلا تزال عليه مدة باقية حتى يستحق.
قوله: (لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَالًّا كلانَ دَيْنًا بِدَيْنٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الَّذِي يُحِيلُهُ بِهِ مِثْلَ الَّذِي يُحِيلُهُ عَلَيْهِ فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ).
الدَّين الذي يحيل به مثل الدَّين مساوٍ له في القدر، والصفة والجنس، ذهب بذهب، فضة بفضة، صحيحة بصحيحة، ولا بد من التساوي في القدر.
قوله: (لِأَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَا فِي أَحَدِهِمَا كَانَ بَيْعًا وَلَمْ يَكُنْ حَوَالَةً، فَخَرَجَ مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ إِلَى بَابِ الْبَيْعِ، وَإِذَا خَرَجَ إلى بَابِ الْبَيْعِ دَخَلَهُ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ. وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ الدَّيْنُ طَعَامًا مِنْ يسَلَمٍ أَوْ أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يَحُلَّ الدَّيْنُ الْمُسْتَحَالُّ بِهِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ (١)).
ذكر المالكية هذه الشروط، لكن عندما نرجع إلى الشافعية (٢)
стр. 8311
والحنابلة (١) نجد أنهم قالوا: لا بد من اتفاق الحقين في الجنس، والصفة، والحلول، والأجَل؛ على شرط واحد، فجمعوا الشرط الثاني في أربعة أشياء، أن يكون الحق مستقرًّا في الذمة ثابتًا. الشرط الثالث: أن يكون بمال معلوم ولا يكون مجهولًا. الشرط الرابع: رضا المحيل.
قوله: (وَإِذَا كَانَ الطَّعَامَان جَمِيعًا مِنْ سَلَمٍ فَلَا تَجُوزُ الْحَوَالَةُ بِأَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ، حَلَّتِ الآجَالُ أَوْ لَمْ تَحِلَّ، أَوْ حَلَّ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَحِلَّ الآخَرُ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفى كَمَا قُلْنَا، لَكِنَّ أَشْهَبَ (٢) يَقُولُ: إِنِ اسْتَوَتْ رُؤوسُ أَمْوَالِهِمَا جَازَتِ الْحَوَالَةُ وَكَانَتْ تَوْلِيَةً).
стр. 8312
التولية (١): أن يخبر البائعُ المشترِيَ برأس قيمة السلعة، أيْ: يخبره برأس مالها، ويبيع له السلعة بنفس رأس المال دون ربح.
قوله: (وَابْنُ الْقَاسِمِ (٢) لَا يَقُولُ ذَلِكَ).
كلام المصنف ﵀ متعلق بالشرط الثالث حيث قال: والشرط الثالث: ألَّا يكون الدين طعامًا من سلم أو أحدهما، ولم يحل الدين المستحال به على مذهب ابن القاسم، وإذا كان الطعامان جميعًا من سلم فلا تجوز الحوالة بأحدهما على الآخر، حلَّت الآجال أو لم تحل، أو حلَّ أحدهما ولم يحلَّ الآخر؛ لأنه يدخله بيع الطعام قبل أن يستوفى كما قلنا.
لكن أشهب يقول: إن استوت رؤوس أموالهما جازت الحوالة وكانت تولية، وابن القاسم لا يقول ذلك …
ومعنى كونها تولية، أي: بيع بمثل الثمن.
وعلة منع ابن القاسم ذلك؛ لأنه يدخله بيع الطعام قبل أن يستوفى (٣).
стр. 8313
قوله: (كَالْحَالِ إِذَا اخْتَلَفَتْ).
يعني: إذا اختلفت رؤوس أموالهما.
قوله: (وَيَتَنَزَّلُ الْمُحَالُ فِي الدَّيْنِ الَّذِي أُحِيلَ عَلَيْهِ مَنْزِلَةَ مَنْ أَحَالَهُ، وَمَنْزِلَتَهُ فِي الدَّيْنِ الَّذِي أَحَالَ بِهِ، وَذَلِكَ فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ بَدَلَهُ مِنْهُ أَوْ يَبِيعَهُ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ أَعْنِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا يَجُوزُ لَهُ مَعَ الَّذِي أَحَالَهُ وَمَا يَجُوزُ لِلَّذِي أَحَالَ مَعَ الَّذِي أَحَالَهُ عَلَيْهِ. وَمِثَالُ ذَلِكَ: إِنِ احْتَالَ بِطَعَامٍ كَانَ لَهُ مِنْ قَرْضٍ فِي طَعَامٍ مِنْ سَلَمٍ، أَوْ بِطَعَامٍ مِنْ سَلَمٍ فِي طَعَامٍ مِنْ قَرْضٍ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ احْتَالَ بِطَعَامٍ كَانَ مِنْ قَرْضٍ فِي طَعَامٍ مِنْ سَلَمٍ: نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْمُحِيلِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ مَا عَلَى غَرِيمِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ لِكَوْنِهِ طَعَامًا مِنْ بَيْعٍ، وَإِنْ كَانَ احْتَالَ بِطَعَامِ مِنْ سَلَمٍ فِي طَعَامٍ مِنْ قَرْضٍ: نَزَلَ مِنَ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ مَنْزِلَتَهُ مَعَ مَنْ أَحَاُلهُ -أَعْنِي: أَنَّهُ مَا كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ عَلَى كَرِيمِهِ الْمُحِيلِ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ، كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الطَّعَامَ الَّذِي أُحِيلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كانَ مِنْ قَرْضٍ، وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ-).
هذا استثناء، على قول بيع دَين بدين، أما على قول إنه عقد إرفاق مستقل؛ فلا يشمله هذا الكلام.
والكلام من المصنف بيِّنٌ، وخلاصته: أن المحال لا يحل له إلا ما كان يحل لأصله؛ فإنه قائم مقامه، ومثل لذلك بطعام من دين سلم، فلا يجوز بيعه قبل قبضه؛ لأنه لا يجوز لصاحب الدين أن يفعل ذلك؛ فكذلك من أحاله.
قوله: (وَأَدِلَّةُ هَذِهِ الْفُرُوقِ ضَعِيفَةٌ).
مسائل تكون متشابهة في الظاهر، لكنها تختلف في الحُكم.
стр. 8314
قوله: (وَأَمَّا أَحْكَامُهَا: فَإِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ ضِدُّ الْحَمَالَةِ) (١).
الحمالة: هي الكفالة؛ لأن الكفيل يتحمل، ويسمى أيضًا غارمًا.
قوله: (فِي أَنَّهُ إِذَا أَفْلَسَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ).
مثل إنسان أحال إنسانًا إلى آخر ثم أفلس المحال عليه، فهل يرجع إلى المحيل أم لا يرجع؟ هذه مسألة جوهرية في الحوال، وتحتاج إلى تفصيل، هل الإفلاس قبل الإحالة أو بعد ذلك، هل عنده علم أم ليس عنده علم؟
قوله: (لَمْ يَرْجِعْ صَاحِبُ الدَّيْنِ عَلَى الْمُحِيلِ بِشَيْءٍ. قَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ (٢): إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُحِيلُ غَرَّهُ فَأَحَالَهُ عَلَى عَدِيمٍ).
стр. 8315
جمهور العلماء والفقهاء يرَوْن أنه إذا أحيل إنسان على آخر ثم أفلس المحال عليه فليس له أن يرجع، بعكس الكفالة التي هي الحمَالة؛ فتختلف لأن الشخص صاحب الحق له أن يرجع إلى الكفيل أو على المكفول به، فهنا ليس له ذلك، وهى روايةٌ للإمام أحمد (١)، لكن لو تبين أنه غرَّ به أن المحيل غرر به أو أخفي عليه الأمر؛ حينئذٍ على مذهب مالك (٢) ورواية للإمام أحمد (٣) له أن يرجع على المحيل، ويطالبه بحقه؛ لأنه غرر به.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): يَرْجِعُ صَاحِبُ الدَّيْنِ عَلَى الْمُحِيلِ إِذَا مَاتَ عَلَيْهِ مُفْلِسًا، أَوْ جَحَدَ الْحَوَالَةَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ).
стр. 8316
أبو حنيفة يتوسع إذا وجد الإفلاس أو جحودًا؛ فأصبح الوصول إلى الحق غير ممكن، بل يرجع إلى الذمة الأصلية التي كان حقه ثابتًا فيها، أما الجمهور يقولون: لا؛ فهذه الذمة فرغ حقه منها وانتقل، فأصبحت خالية من حق المحتال، وانتقلت إلى ذمة المحال عليه.
قوله: (وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ (١)، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ (٢)، وَجَمَاعَةٌ (٣). وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُشَابَهَةُ الْحَوَالَةِ لِلْحَمَالَةِ).
مشابهة الحوالة للحمالة؛ كونها تشبة الكفالة، فله أن يرجع، كما أنه إذا لم يأخذ حقه من المكفول؛ فإن له أن يرجع إلى الكفيل، ويطالبه بحقه، وقد عرفنا الخلاف بين كفالة المال وكفالة النفس.
стр. 8317
[كِتَابُ الْوَكَالَةِ (١)]
والوكالة من العقود التي أباحها الله ﵎ تخفيفًا على المكلفين؛
стр. 8318
فلا يستطيع كل أحد القيام بكل شؤونه؛ فلذا قد يحتاج إلى تفويض غيره، لذلك أباح الله ﵎ له أن يستنيب غيره. وهي جائزة إجماعًا في الجملة؛ قال ابن قدامة: "وأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة" (١).
* * *
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَرْكانِ الوَكَالَةِ]
قوله: (وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ؛ البَابُ الأَوَّلُ: فِي أَرْكَانِهَا، وَهِيَ النَّظَرُ فِيمَا فِيهِ التَّوْكيلُ).
قوله: "وهي النظر فيما فيه التوكيل" أي: محل الوكالة؛ فهل تجوز في كل المعاملات والعبادات؟ سيوضح ذلك بعد هذا المدخل مباشرة.
* قوله: (وَفِى المُوَكِّلِ (٢)).
ذكر هنا ركنًا آخر، وهو: "المُوكِّل" بالكسر، أي: الأصيل الذي سيفوض غيره.
стр. 8319
قوله: (والثَّانِي: فِي أَحْكَامِ الوَكَالَةِ. وَالثَّالِثُ: فِي مُخَالَفَةِ المُوكِّلِ لِلْوَكِيلِ).
بهذا ينتهي التمهيد الذي بيَّن لنا به المصنف ﵀ خريطة هذا الباب، ثم شرع في الركن الأول.
قوله: (البَابُ الأَوَّلُ: فِي أَرْكانِهَا، وَهِيَ النَّظَرُ فِيمَا فِيهِ التَّوْكِيلُ، وَيي المُوكلِ، وفي المُوكل. الرُّكنُ الأَوَّلُ: فِي المُوكلِ).
ثم شرع في الركن الأول، -وهو النظر فيما فيه التوكيل- وقد لخصه ابن رشد (الجد)؛ فقال: "فالوكالة نيابة عن الموكل، فهي لا تكون إلا فيما تصح فيه النيابة مما يلزم الرجل القيام به لغيره، أو يحتاج إليه لمنفعة نفسه" (١).
ثم مثَّل للأول؛ فقال: "فأما الوكالة فميا يلزم الرجل القيام به لغيره فكتوكيل الأوصياء والوكلاء المفوض إليهم مَن ينوب عنهم فيما يلزمهم لمن وكَّلهم، أو لمن إلى نظرهم، وكاستخلاف الإمام على ما يلزمه القيام به من أمر المسلمين ".
ثم بيَّن الصورة الثانية؛ فقال: "وأما الوكالة فيما يحتاج إليه الرجل لمنفعة نفسه فذلك كتوكيله على البيع والشراء والنكاح والحدود والخصام وما أشبه ذلك من كلِّ أمر مباح أو مندوب إليه أو واجب تعبد به الإنسان في غير عينه؛ لأن ما تعبد به في عينه كالوضوء والصلاة والصيام لا يصحُّ أن ينوب عنه في ذلك غيره ".
وقد اختصر المصنف ﵀ هذا القدر؛ فكتابه موضوع للقواعد دون التفاصيل، فذكر بعض الصور المختلف فيها.
قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى وَكَالَةِ الغَائِبِ وَالمَرِيضِ وَالمَرْأَةِ المَالِكَيْنِ لِأُمُورِ أَنْفُسِهِمْ).
لم يختلف الفقهاء ﵏ في جواز التوكيل مع غياب المُوكِل،
стр. 8320
أو عجزه كالمريض؛ لأن هذا هو محل الرخصة، وإنما اختلفوا في توكيل الذكر الحاضر مع وجوده، وقد أبان المصنف ﵀ عن سبب الخلاف بعدُ.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي وَكَالَةِ الحَاضِرِ الذَّكَرِ الصَّحِيحِ. فَقَالَ مَالِكٌ (١): "تَجُوزُ وَكَالَةُ الحَاضِرِ الصَّحِيحِ الذَّكَرِ"، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): "لَا تَجُوزُ وَكَالَةُ الصَّحِيحِ الحَاضِرِ، وَلَا المَرْأَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ برزَة").
ثم لمَّا أبان عن المذاهب علل ذلك؛ فقال:
(فَمَنْ رَأَى أَنَّ الأصْلَ (٣) لَا يَنُوبُ فِعْلُ الغَيْرِ عَنْ فِعْلِ الغَيْرِ إِلَّا مَا دَعَتْ إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ وَانْعَقَدَ الإِجْمَاعُ عَلَيْهِ قَالَ: لَا تَجُوزُ نِيَابَةُ مَنِ اخْتُلِفَ فِي نِيَابَتِهِ. وَمَنْ رَأَى أَنَّ الأَصْلَ هُوَ الجَوَازُ قَالَ: الوَكَالَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ جَائِزَةٌ إِلَّا فِيمَا أَجْمَعَ عَلَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ فِيهِ مِنَ العِبَادَاتِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا).
وخلاصة تعليله: أن من رأى أن الوكالة رخصة على خلاف الأصل جعل الأصل فيها المنع، فلم يُرخص في أيِّ صورة مما سبق، بينما من رأى أن الوكالة على وفق القياس رخَّص في جميع ذلك.
قوله: (الرُّكْنُ الثَّانِي: فِي الوَكِيلِ. وَشَرْطُ الوَكِيلِ أَنْ لَا يَكُونَ
стр. 8321
مَمْنُوعًا بِالشَّرْعِ مِنْ تَصَرُّفِهِ فِي الشَّيْءِ الَّذِي وُكِّلَ فِيهِ، فَلَا يَصِحُّ تَوْكيلُ الصَّبِيِّ وَلَا المَجْنُوفي وَلَا المَرْأَةِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ (١) عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ).
الوكيل قائمٌ مقام الأصيل (المُوكِّل) فالأصل أنه لا يملك أكثر مما كان يملك موكله؛ فما كان الأصيل ممنوعًا منه -ككون المجنون أو الصبي أو المرأة وليًّا في نكاح-، لا يجوز بالأولى أن يُوكِّل فيه.
قوله: (أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٢) فَلَا بِمُبَاشَرَةٍ وَلَا بِوَاسِطَةٍ (٣): أَيْ بِأَنْ تُوَكلَ هِيَ مَنْ يَلِي عَقْدَ النِّكَاحِ وَيَجُوزُ عَنْ مَالِكٍ بِالوَاسِطَةِ الذَّكَرِ (٤)).
فلا يجوز عند الشافعية أن تكون المرأة وكيلة في النكاح.
وأما عند مالك؛ فإذا زوَّجت عبدها أو يتيمها -لا أمتها- أن إليها
стр. 8322
إذا كانت وصيًّا اختيار الأزواج، ولها أن تفرض الصداق ثم يعقِد النكاح أولياؤها أو السلطان، وعلى هذا أكثر علماء أهل المدينة من أصحاب مالك وغيرهم.
* * *
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الرُّكْنُ الثَّالِثُ: فِيمَا فِيهِ التَّوكِيلُ)
قوله: (وَشَرْطُ مَحَلِّ التَّوْكِيلِ أَنْ يَكُونَ قَابِلًا لِلنِّيَابَةِ) (١).
قد سبق بيانُ أنه يجوز للإنسان أن يوكِّلَ غيرَه في كلِّ ما يجوز أن يفعله مما تدخله النيابة، أما ما لا تدخله النيابة، فلا يجوز.
стр. 8323
قوله: (مِثْلُ الْبَيْعِ وَالْحَوَالَةِ وَالضَّمَانِ وَسَائِرِ العُقُودِ وَالفُسُوخِ وَالشَّرِكَةِ) (١).
هذا من فضل الله ﵎ ويُسْر هذه الشريعة المباركة أن أكثر المعاملات التي يجوز فيها التوكيل، مثل المعاملات المذكورة، وكذلك الشركة بأنواعها، والمساقاة والمزارعة على الخلاف في جواز التوكيل فيها، وغير ذلك.
قوله: (وَالوَكَالَةِ وَالمُصَارَفَةِ وَالمُجَاعَلَةِ وَالمُسَاقَاةِ وَالطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالخُلْعِ وَالصُّلْحِ).
стр. 8324
"المُجاعلة" المراد بها: الجعالة، وأكثر هذه الأحكام التي ذكرها المؤلف قد سبق بيانها.
قوله: (وَلَا تَجُوزُ فِي العِبَادَاتِ البَدَنِيَّةِ) (١).
كالصلاة مثلًا، فلا يجوز لأحد أن ينيب غيره في الصلاة، ولا ينفعه ذلك ولا يُسقط عنه وجوبها؛ لأنَّ هذه واجبات على الأعيان، يجب على الإنسان أن يؤدِّيَها بنفسه على حسب استطاعته وتمكنه من أدائها، فيصلي قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنب (٢)، فإذا عجز
وهذا النوع من العبادات تجوز فيه النيابة، فيجوز للإنسان أن ينيب غيره في أداء الزكاة لتفريقها، وفي الحجِّ إذا لم يكن مطيقًا مستطيعًا لأداء الحج ببدنه، لكن لو كان قادرًا ببدنه وبماله فليس له أن ينيب.
قوله: (وَتَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الخُصُومَةِ عَلَى الإِقْرَارِ وَالإِنْكَارِ) (١).
يعني: تجوز الوكالة في الأمور التي فيها خصومات، فيوكِّل الإنسانُ مَن يحلُّ محله في الخصومات على الإقرار، عند الإمام مالك، ووافقه فيه الإمام أحمد (٢).
стр. 8327
قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ (١): "لَا تَجُوزُ عَلَى الإِقْرَارِ، وَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ وَالأَيْمَانِ").
وهو قول أبي حنيفة أيضًا (٢)، وشبَّه الإقرار بالشهادة؛ لأن الشهادةَ متَّفق على عدم جواز النيابة فيها، وهو قول الشافعي وأحمد.
قوله: (وَتَجُوزُ الوَكَالَةُ عَلَى اسْتِيفَاءِ العُقُوبَاتِ عِنْدَ مَالِكٍ (٣)، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَعَ الحُضُورِ قَوْلَانِ).
وتجوز كذلك عند الشافعيِّ (٤) وأحمد (٥)؛ لورود النصِّ بجوازها،
стр. 8328
للحديث الوارد في "الصحيحين" أنه ﷺ أناب أحدَ أصحابه في استيفاء حدِّ الرجم، وذلك في قوله ﵊: "وَاغْدُ يَا أُنَيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" (١).
قوله: (وَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الوَكالَةَ تَجُوزُ عَلَى الإِقْرَارِ اخْتَلَفُوا فِي مُطْلَقِ الوَكالَةِ عَلَى الخُصُومَةِ هَلْ يَتَضَمَّنُ الإِقْرَارَ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ (٢): "لَا يَتَضَمَّنُ ". وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): "يَتَضَمَّنُ ").
ووافق مالكًا فيه الشافعيُّ (٤) وأحمدُ (٥).
стр. 8329
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الرُّكنُ الرَّابِعُ: مَعْنَى الوَكالَةِ)
قوله: (وَأَمَّا الوَكَالَةُ فَهِي عَقْدٌ يَلْزَمُ بِالإِيجَابِ وَالقَبُولِ كَسَائِرِ العُقُودِ) (١).
стр. 8330
إذًا فالوكالة هي عقد كسائر العقود، يتمُّ فيها تعيين المتعاقدين، وتعيين المتعاقَدِ عليه، وأجَل العقد، ونحو هذا، فلا بد من تعيين هذه الأشياء حتى يرتفع الخلافُ.
وقوله: (يَلْزَمُ بِالإِيجَابِ وَالقَبُولِ … ).
ليس معناه الوجوب، فالوَكالة في الأصل عقد جائز، ويجوز لكلِّ واحد من الطرفين أن يفسخه -إلا أن تكونَ الوَكالة في خصومة قد شارفت على الانتهاء فلا يجوز فسخها قبل انقضاء الخصومة والفصل فيها، فهذه مسألة يستثنيها العلماء- وإنَّما يعني بقوله: (يلزم) أنها لا تصحُّ إلا بإيجاب وقبول، فلا يصحُّ أن يوكِّل إنسان آخر دون أن يحصل منه إيجاب ولا أن يتوكل إنسان عن آخر دون أن يحصل منه قبول على الوكالة.
قوله: (وَلَيْسَتْ هِيَ مِنَ العُقُودِ اللَّازِمَةِ بَلِ الجَائِزَةِ) (١).
стр. 8331
فالمصنف ﵀ يصرح هنا أنَّ الوكالة عقد جائر لا إلزام فيه، فكأنَّه يحترز بهذا التصريح عن قوله: (يلزم) الوارد في تعريفه لها.
قوله: (عَلَى مَا نَقُولُهُ فِي أَحْكَامِ هَذَا العَقْدِ).
وربما يأتي تفصيل ذلك بعد قليل، وربما لا يذكر المؤلف ذلك، ولو ادعى شخص فقال: وكلتني فقال الآخر: لم أوكلك فيؤخذ بقول الموكِل؛ لأنه ادعاء عليه في بيع وشراء يحتاج إلى إثبات فالقول إذًا قول الموكل، ويبدو أن المؤلف لم يعرض لذلك.
قوله: (وَهِيَ ضَرْبَانِ عِنْدَ مَالِكٍ: عَامَّةٌ، وَخَاصَّةٌ).
ليس عند مالك وحده بل عند عامَّةِ العلماء، وهو معروف ومشاهد في معاملات الناس، فالإنسان قد يوكِّل إنسانًا توكيلًا عامًّا، وربما يوكِّله توكيلًا خاصًّا فيحدِّد له ما ينوب عنه فيه (١).
وعدم الجواز هو قول أبي حنيفة (١)، وأحمد (٢) كذلك.
قوله: (وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْهَا مَا سُمِّيَ وَحُدِّدَ وَنُصَّ عَلَيْهِ).
إذًا فلا بد من تحديد وتسمية الوكالة عند الأئمة الثلاثة: (أبي حنيفة والشافعي وأحمد). وأما مالك فأجازها عامَّة، ولا شكَّ أن الأقرب للصواب هو مذهب الجمهور.
قوله: (وَهُوَ الأَقْيَسُ).
هذا ترجيح المصنف ﵀ أن الصواب في مذهب الجمهور دون قول المالكية. وهذه من إنصاف المؤلف ﵀ وحُسن قصده في طلب العلم، فهو لا يتعصب لمذهبه؛ بل ما يرى أنه الحق والراجح يصدع به وإن خالف ذلك مذهبه، وهذا هو شأن طالب العلم، فينبغي أن يكون دائمًا منصفًا وأن تكون غايته ومراده الوصول إلى القول الذي يؤيِّده الدليل من الكتاب أو السنة.
قوله: (إِذْ كَانَ الأَصْلُ فِيهَا المَنْعُ، إِلَّا مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الإِجْمَاعُ).
إذًا الأصل هو المنع إلا ما وقع عليه الإجماع، فينبغي أن يوقف عند ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 8334
(الْبَابُ الثَّانِي فِي الْأَحْكَامِ)
قوله: (وَأَمَّا الْأَحْكَامُ: فَمِنْهَا أَحْكَامُ الْعَقْدِ، وَمِنْهَا أَحْكَامُ فِعْلِ الْوَكيلِ، فَأَمَّا هَذَا الْعَقْدُ فَهُوَ كَمَا قُلْنَا عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ).
هنا المصنف ﵀ يكرر ما ذكره من كون عقد الوكالة غير واجب؛ لأن العقود في شريعة الإسلام بعضها واجب وبعضها غير واجب. فهو يبيِّن حكم هذا العقد ومنزله من الوجوب أو عدمه.
قوله: (لِلْوَكيلِ أَنْ يَدَعَ الْوَكَالَةَ مَتَى شَاءَ عِنْدَ الْجَمِيعِ).
وللموكِّل أيضًا أن يعزله (١).
قوله: (لَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) يَشْتَرِطُ فِي ذَلِكَ حُضُورَ الْمُوَكَّلِ، وَللْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَهُ مَتَى شَاءَ).
стр. 8335
ولم يوافقه غيره.
قوله: (قَالُوا: إِلَّا أَنْ تَكُونَ وَكالَةً فِي خُصُومَةٍ).
أما الجمهورُ فلا يشترطون ذلك كما هو معلوم.
قوله: (وَقَالَ أَصْبَغُ: "لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُشْرِفْ عَلَى تَمَامِ الْحُكْمِ" (١)، وَلَيْسَ لِلْوَكيلِ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْزِلَهُ الْمُوَكِّلُ (٢).
مثاله: أن يكون الوكيل قد وُكِّل في قضية فيها خصومة فيأتي قبل انقضائها فيعزل نفسه، ويقول: لا أريد إتمام هذه الوكالة. ونحوه.
قوله: (وَلَيْسَ مِنْ شُرُوطِ انْعِقَادِ هَذَا الْعَقْدِ حُضُورُ الْخَصْمِ عِنْدَ مَالِكٍ (٣)، وَالشَّافِعِيِّ) (٤).