فالمصنف ﵀ يصرح هنا أنَّ الوكالة عقد جائر لا إلزام فيه، فكأنَّه يحترز بهذا التصريح عن قوله: (يلزم) الوارد في تعريفه لها.
قوله: (عَلَى مَا نَقُولُهُ فِي أَحْكَامِ هَذَا العَقْدِ).
وربما يأتي تفصيل ذلك بعد قليل، وربما لا يذكر المؤلف ذلك، ولو ادعى شخص فقال: وكلتني فقال الآخر: لم أوكلك فيؤخذ بقول الموكِل؛ لأنه ادعاء عليه في بيع وشراء يحتاج إلى إثبات فالقول إذًا قول الموكل، ويبدو أن المؤلف لم يعرض لذلك.
قوله: (وَهِيَ ضَرْبَانِ عِنْدَ مَالِكٍ: عَامَّةٌ، وَخَاصَّةٌ).
ليس عند مالك وحده بل عند عامَّةِ العلماء، وهو معروف ومشاهد في معاملات الناس، فالإنسان قد يوكِّل إنسانًا توكيلًا عامًّا، وربما يوكِّله توكيلًا خاصًّا فيحدِّد له ما ينوب عنه فيه (١).
وعدم الجواز هو قول أبي حنيفة (١)، وأحمد (٢) كذلك.
قوله: (وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْهَا مَا سُمِّيَ وَحُدِّدَ وَنُصَّ عَلَيْهِ).
إذًا فلا بد من تحديد وتسمية الوكالة عند الأئمة الثلاثة: (أبي حنيفة والشافعي وأحمد). وأما مالك فأجازها عامَّة، ولا شكَّ أن الأقرب للصواب هو مذهب الجمهور.
قوله: (وَهُوَ الأَقْيَسُ).
هذا ترجيح المصنف ﵀ أن الصواب في مذهب الجمهور دون قول المالكية. وهذه من إنصاف المؤلف ﵀ وحُسن قصده في طلب العلم، فهو لا يتعصب لمذهبه؛ بل ما يرى أنه الحق والراجح يصدع به وإن خالف ذلك مذهبه، وهذا هو شأن طالب العلم، فينبغي أن يكون دائمًا منصفًا وأن تكون غايته ومراده الوصول إلى القول الذي يؤيِّده الدليل من الكتاب أو السنة.
قوله: (إِذْ كَانَ الأَصْلُ فِيهَا المَنْعُ، إِلَّا مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الإِجْمَاعُ).
إذًا الأصل هو المنع إلا ما وقع عليه الإجماع، فينبغي أن يوقف عند ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 8334
(الْبَابُ الثَّانِي فِي الْأَحْكَامِ)
قوله: (وَأَمَّا الْأَحْكَامُ: فَمِنْهَا أَحْكَامُ الْعَقْدِ، وَمِنْهَا أَحْكَامُ فِعْلِ الْوَكيلِ، فَأَمَّا هَذَا الْعَقْدُ فَهُوَ كَمَا قُلْنَا عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ).
هنا المصنف ﵀ يكرر ما ذكره من كون عقد الوكالة غير واجب؛ لأن العقود في شريعة الإسلام بعضها واجب وبعضها غير واجب. فهو يبيِّن حكم هذا العقد ومنزله من الوجوب أو عدمه.
قوله: (لِلْوَكيلِ أَنْ يَدَعَ الْوَكَالَةَ مَتَى شَاءَ عِنْدَ الْجَمِيعِ).
وللموكِّل أيضًا أن يعزله (١).
قوله: (لَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) يَشْتَرِطُ فِي ذَلِكَ حُضُورَ الْمُوَكَّلِ، وَللْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَهُ مَتَى شَاءَ).
стр. 8335
ولم يوافقه غيره.
قوله: (قَالُوا: إِلَّا أَنْ تَكُونَ وَكالَةً فِي خُصُومَةٍ).
أما الجمهورُ فلا يشترطون ذلك كما هو معلوم.
قوله: (وَقَالَ أَصْبَغُ: "لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُشْرِفْ عَلَى تَمَامِ الْحُكْمِ" (١)، وَلَيْسَ لِلْوَكيلِ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْزِلَهُ الْمُوَكِّلُ (٢).
مثاله: أن يكون الوكيل قد وُكِّل في قضية فيها خصومة فيأتي قبل انقضائها فيعزل نفسه، ويقول: لا أريد إتمام هذه الوكالة. ونحوه.
قوله: (وَلَيْسَ مِنْ شُرُوطِ انْعِقَادِ هَذَا الْعَقْدِ حُضُورُ الْخَصْمِ عِنْدَ مَالِكٍ (٣)، وَالشَّافِعِيِّ) (٤).
هذه المسألة عليها شبه اتِّفاق بين أهل العلم، فالأئمة أبو حنيفة (١) والشافعي (٢) وأحمد (٣) والمشهور من روايتي مذهب مالك كلهم متفقون في هذه المسألة، وأن الوكالة تنفسخ بموت الموكل.
ومع هذا أورد المصنف ﵀ هذه المسألة على أنها مسألة خلافية، كأنه لا اتِّفاق فيها، واكتفى بذكر أن فيها قولين لأصحاب مالك.
قوله: (فَإِذَا قُلْنَا تَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ كَمَا تَنْفَسِخُ بِالْعَزْلِ).
وهذا هو مذهب الأئمة الثلاثة أبي حنيفة والشافعي وأحمد أنها تنفسخ بالموت كما أنها تنفسخ بالعزل، أي: إذا عزل الموكل وكيله انفسخت الوكالة وانتهت.
стр. 8338
قوله: (فَمَتَى يَكُونُ الْوَكِيلُ مَعْزُولًا، وَالْوَكَالَةُ مُنْفَسِخَةً فِي حَقِّ مَنْ عَامَلَهُ فِي الْمَذْهَبِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ؛ الْأَوَّلُ: أَنَّهَا تَنْفَسِخُ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ بِالْمَوْتِ وَالْعَزْلِ) (١).
أي: تنفسخ مطلقًا، وهذا أيضًا قول للشافعي (٢) وأحمد (٣).
قوله: (وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَنْفَسِخُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْعِلْمِ).
معنى قوله: "بالعلم"، أي: إذا بلغه العلم بالموت أو العزل يحصل الفسخ. وهو أيضًا قول للإمام الشافعي (٤)، ورواية للإمام أحمد (٥).
стр. 8339
قوله: (فَمَنْ عَلِمَ انْفَسَخَتْ فِي حَقِّهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ لَمْ تَنْفَسِخْ فِي حَقِّهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا تَنْفَسِخُ فِي حَقِّ مَنْ عَامَلَ الْوَكِيلَ بِعِلْمِ الْوَكِيلِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هُوَ).
هذا التعليلُ عند المالكية، وقوله: "وإن لم يعلم هو" يعني: الوكيل.
قوله: (وَلَا تَنْفَسِخُ فِي حَقِّ الْوَكيلِ بِعِلْمِ الَّذِي عَامَلَهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْوَكِيلُ، وَلَكِنْ مَنْ دَفَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا بَعْدَ الْعِلْمِ بِعَزْلِهِ ضَمِنَهُ (١)، لِأَنَّهُ دَفَعَ إِلَى مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَكيلٍ).
يعني: لو أن إنسانًا دفع لهذا الوكيل الذي عُزل شيئًا، فإنه يضمنه؛ لأنه عُزِل وهو غير مسؤول، ولهذا قال المصنف معلِّلًا عدم ضمانه: (لِأَنَّهُ دَفَعَ إِلَى مَنْ يَعْلَمُ … ).
قوله: (وَأَمَّا أَحْكَامُ الْوَكيلِ فَفِيهَا مَسَائِلُ مَشْهُورَةٌ).
ثم شرع المصنف ﵀ في ذكر أحكام الوكيل، وينبغي التنبيه على أن المصنف ﵀ سيذكر بعض الأحكام وشرك بعضها.
стр. 8340
ومن الأحكام التي لم يذكرها:
١ - الاختلاف في ثبوت الوَكالة، فلو ادَّعى شخص على آخر بأنه وكَّله، وقال: لم أوكِّلْك. فالقول للموكِّل؛ لأن هذا ادعاء عليه ويفتقر إلى إثبات، ولا إثبات عنده، وعليه فإنه في هذه الحالة لم يوكِّله (١).
٢ - الاختلاف فيما يتعلَّق بالبيع، فلو قال له: وكلتني بأن أبيع هذه الدار. فقال الموكل: بل وكلتك لتبيع دارًا غيرها. أو قال: وكلتني لأبيع مثلًا بألف. فباع بألفين فهذه يُقبل فيها قول الموكل (٢).
فهاتان مسألتان مهمتان لم يعرض لهما المصنِّف ﵀.
قوله: (أَحَدُهَا: إِذَا وُكِّلَ عَلَى بَيْعِ شَيْءٍ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ لِنَفْسِهِ؟).
стр. 8341
وهاهنا مسألة مهمة من أحكام الوكيل، وهي إذا وكَّل إنسان آخرَ في بيع شيء فهل له أن يبيعه لنفسه؟ وأن يشتريه هو؟ كأن يوكِّل إنسان آخر، ليبيع له دارًا، فهل له أن يشتري تلك الدار لنفسه؟ سيأتي ذكر الخلاف في هذه المسألة.
قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: "يَجُوزُ") (١).
وهي كذلك رواية للإمام أحمد (٢)، لكن الإمام أحمد قيَّد ذلك بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون المنادي غير هذا الوصي، والمراد بالمنادي، أي: مَن يعلن عن البيع ويعرض السلعة للبيع، فكأنه كالذي ينادي على السلعة: من يشتري هذه السلعة؟
الشرط الثاني: أن يشتريها بثمن أكثر من ثمنها وقت الإعلان عنها، أي: وقت النداء؛ حتى لا يتهم بأنه بر نفسه بذلك.
قوله: (وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ: لَا يَجُوزُ (٣)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "لَا يَجُوزُ" (٤)).
стр. 8342
وهو قول أبي حنيفة (١)، وهي الرواية المشهورة عن الإمام أحمد (٢).
إذًا القول الثاني هو قول الجمهور، أنه لا يجوز للموكَّل أن يشتري لنفسه، حتى لو توفَّر الشرطان المذكوران آنفًا؛ قالوا: لأن شراءه لنفسه محل تُهمة وينبغي للمسلم أن يترفع عنها، وأن يتوقَّى مواطن الريبة لقول النبيِّ ﷺ : "دَعْ ما يُريبك إلى ما لا يُريبك" (٣)، فينبغي ألَّا يوقع المسلم نفسه في مثل هذا الأمر.
قوله: (وَكَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ) (٤).
فالوصيُّ مثل الوكيل تمامًا عند الإمام أحمد (٥).
لكن أبا حنيفة رحمه الله تعالى خالفَ في الوصيِّ ولم يجعله كالوكيل، فجوَّز أبو حنيفة ﵀ لوصيِّ اليتيم أن يشتري لنفسه ما يبيعه
стр. 8343
لمصلحة وصيِّه إذا أتى بثمن أكثر؛ لأنه في مصلحة اليتيم (١).
فالله حذَّر من الاقتراب من مال اليتيم إلا بما فيه مصلحته، ولا شكَّ أنه إذا اشترى السِّلعة التي هي حق اليتيم بأكثر من ثمنها، أنه يكون خيرًا لليتيم وأنفع له وأجدى عليه، فيكون ذلك موافقًا لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ولا شكَّ أن هذا تعليل طيِّب.
قوله: (وَمِنْهَا إِذَا وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ وَكَالَةً مُطْلَقَةً لَمْ يَجُزْ لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَبِيعَ إِلَّا بِثَمَنِ مِثْلِهِ نَقْدًا بِنَقْدِ الْبَلَدِ، ولَا يَجُوزُ إِنْ بَاعَ نَسِيئَةً، أَوْ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ، أَوْ بِغَيْرِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَهُ فِي الشِّرَاءِ).
هذا عند الجمهور: كمالك (٢)، والشافعي (٣)، ....................
стр. 8344
وأحمد (١).
قوله: (وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِمُعَيَّنٍ، فَقال: "يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ أَنْ يَبِيعَ بِغَيْرِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَأَنْ يَبِيعَ نَسِيئَةً، وَلَمْ يَجُزْ إِذَا وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ إِلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ نَقْدًا" (٢)).
لأن أبا حنيفة يرى بأن الوكيل حلَّ محلّ الموكِّل، فله أن يتصرَّف كما يتصرف موكِّلُه.
والجمهور يرون أنه لا يتصرف إلا في حدود ما تعاقدَا عليه، ليس له أن يتصرف في مزيدٍ عليه، فالبيع نسيئة ليس كالبيع نقدًا، والبيع بنقد مختلف ليس كالبيع بنقد البلد؛ لأن هذا فيه مخالفة، فما دام الوكيل لم يأذن له فلا يجوز.
قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْوَكَالَةِ عَلَى
стр. 8345
شِرَاءِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ حُجَّتِهِ أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَبِيعُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ وَنَسَاءً لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا فِي ذَلِكَ كلِّهِ، كَذَلِكَ حُكْمُ الْوَكيلِ؛ إِذْ قَدْ أَنْزَلَهُ مَنْزِلَتَهُ).
هذا ما ذكرناه آنفًا، من كونه يرى أن الوكيل حلَّ محله وقام مقامه، فيجوز أن يتصرف بحسب ما يراه أصلح وأنفع.
لكن الجمهور قالوا بعدم الجواز، فالوكيل فرع والموكِّل أصل، وهذا نائب وذاك هو صاحب الحق وتصرفه أوسَع، فما دام لم يأذن له في ذلك فليس له أن يفعل. ولا شكَّ أن مذهب الجمهور أقوى وكذلك هو أحوط.
قوله: (وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ أَبْيَنُ).
وفيه ترجيح المصنف قولَ الجمهور على ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله تعالى.
قوله: (وَكُلُّ مَا يَعْتَدِي فِيهِ الْوَكِيلُ ضُمِّنَ عِنْدِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ تَعَدَّى) (١).
إذا ثبت تعدِّيه فإنه يضمن، وإلا فلا؛ لأن الأصل في الوكيل أنه أمين، وكذلك صاحب الوديعة؛ إذ لو كان الوكيل أو المودع عنده سيضمن ما يحصل دون أن يتعدَّى ويفرِّط تفريطًا ظاهرًا؛ فحينئذ سيتهرب الناس من الوكالات ومن تحمل الأمانات، وحينئذٍ تتوقَّف مثل هذه الأبواب ويفوت العبادَ مصالحُ كثيرة ومنافع متعددة بتوقفها.
стр. 8346
ولكي تحصل المصلحة المرجوَّة من الوكالة فلا بد أن يكون الوكيل أمينًا (١)، وكذلك الأصل في الموكِّل ألا يختار إلا إنسانًا معروفًا بأمانته، موثوقًا به عند الناس، صاحب دين وخلق، أما إن وكَّل من لا تتوفر فيه مثل هذه الصفات؛ فهو حينئذٍ لا يبعد أن يحصل شيء من التفريط أو التعدِّي.
قوله: (وَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ شَيْئًا وَأُعْلِمَ أَنَّ الشِّرَاءَ لِلْمُوَكِّلِ فَالْمِلْكُ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُوَكِّلِ) (٢).
стр. 8347
وهو كذلك عند الشافعي (١) وأحمد (٢)، فهو رأي الجمهور.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): "إِلَى الْوَكيلِ أَوَّلًا ثُمَّ إِلَى الْمُوَكِّلِ").
يعني: أن أبا حنيفة يرى أنه يمرُّ بمرحلتين، فهو اشترى هذه السلعة فينبغي أن تكون له أولًّا ثم تنتقل للموكل.
والجمهور يقولون: إن ذلك ليس صحيحًا، فهو إنما يتصرف في حقِّ الموكِّل، وقد اشترى للموكل لا لنفسه، فحينئذ لا حاجة لهذه الواسطة.
قوله: (وَإِذَا دَفَعَ الْوَكيلُ دَيْنًا عَنِ الْمُوَكِّلِ وَلَمْ يُشْهِدْ فَأَنْكَرَ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ الْقَبْضَ؛ ضَمِنَ الْوَكيلُ) (٤).
стр. 8348
يعني: لو أن الوكيل دفع دينًا لشخص له حق على الموكِّل فينبغي عليه أن يأخذ وثيقة على ذلك، أو أن يُشهد، فإن لم يفعل فقد فرَّط وضيَّع حق موكّله، فلو أنكر الدائن أنه استوفى حقَّه؛ فحينئذِ يضمن الوكيل لكونه فرط.
قال المصنف ﵀:
(الْبَابُ الثَّالِثُ: مُخَالَفَةُ الْمُوَكِّلِ لِلْوَكيلِ)
(وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْوَكيلِ مَعَ الْمُوَكِّلِ).
ثم شرع المصنف ﵀ في ذكر المسائل التي يختلف فيها الموكل مع الوكيل، ونشيرُ إلى أنه لم يورد المسألتين اللتين سبق أن ذكرناهما مما يختلف فيه الموكل مع وكيله، وهما:
١ - الاختلاف في ثبوت الوكالة.
стр. 8349
٢ - والاختلاف فيما يتعلق بالمبيع.
قوله: (قَدْ يَكُونُ فِي ضَيَاعِ الْمَالِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عِنْدَ الْوَكيلِ).
وضياع المال قد يكون عن طريق تعريضه للتَّلف، والتلف قد يحصل نتيجة تفريط وإهمال، كأن تكون للموكل رؤوسًا من بهيمة الأنعام ثم يهملها الوكيل دون أن يقوم على شأنها ويهيئ لها ما يصلحها كأن يجلب لها الأكل والشرب، فحينئذٍ قد يهلك بعضها، فهذا من ضياع المال الناتج عن إهمال الوكيل الذي أدَّى إلى تلفه.
وربما كان أيضًا بتفريط من الوكيل، والتفريط قد يكون أنه لم يضعْه في الحرز الذي ينبغي أن يوضع فيه مثله، أو وضعه حيث يسهل التوصل إليه، فحينئذ يكون مفرطًا.
وربما يكون أيضًا في الضياع، وهذا الضياع أيضًا هل حصل فيه تفريط أو لا؟
قوله: (وَقَدْ يَكُونُ فِي دَفْعِهِ إِلَى الْمُوَكِّلِ).
وربما يكون دفع المال إلى الموكِل، وقال: لم يصلني، فمن يقبل قوله في هذا؟
قوله: (وَقَدْ يَكُونُ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ أَوِ اشْتَرَى إِذَا أَمَرَهُ بِثَمَنٍ مَحْدُودٍ).
كأن يقول له: أذنت لك أن تشتري بخمسة آلاف. فاشترى بعشرة.
قوله: (وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَثْمُونِ).
يعني: الاختلاف في السلعة التي دُفع الثمن فيها، فقد يقول: ما طلبت هذه السلعة، إنما طلبت غيرها.
قوله: (وَقَدْ يَكُونُ فِي تَعْيِينِ مَنْ أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ).
كأن يكون عيَّن شخصًا بأن يدفع إليه مبلغًا أو حقًّا، ثم هو غيَّر ذلك.
وهو مذهب جماهير العلماء. فالأئمة كلُّهم متَّفقون على هذا؛ لأن الأصل في الوكيل أنه أمين، فينبغي أن يُصدَّق؛ لأن الموكل عندما اختاره كان واثقًا به، وغلب على ظنه كونه أمينًا، ودفع إليه ماله، فلا ينبغي أن يضيق به، ويحمله ضمان ماله ما دام لم يتعد أو يفرط.
قوله: (فإِنْ كَانَ الْمَالُ قَدْ قَبَضَهُ الْوَكيلُ مِنْ غَرِيمِ الْمُوَكِّلِ وَلَمْ يُشْهِدِ الْغَرِيمُ عَلَى الدَّفْعِ لَمْ يَبْرَأ الْغَرِيمُ بِإِقْرَارِ الْوَكيلِ عِنْدَ مَالِكٍ (١) وَغَرِمَ ثَانِيَةً، وَهَلْ يَرْجِعُ الْغَرِيمُ عَلَى الْوَكيلِ؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَإِنْ كانَ قَدْ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ بَرِئَ وَلَمْ يَلْزَمِ الْوَكِيلَ شَيْءٌ، وَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَا فِي الدَّفْعِ، فَقَالَ الْوَكِيلُ: دَفَعْتُهُ إِلَيْكَ، وَقَالَ الْمُوَكِّلُ: لَا، فَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكيلِ، وَقِيلَ: القَوْلُ قَوْلُ المُوَكِّلِ، وَقِيلَ: إِنْ تبَاعَدَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيل).
وهذا هو رأي جمهور العلماء؛ لأنه كما قلنا أمينٌ في مثل هذه الأمور فينبغي أن يُصدَّق، ما لم يُعرف عنه تلاعب أو تعدٍّ.
стр. 8352
قوله: (وَأَما اخْتِلَافِهِمْ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ الَّذِي بِهِ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ (١): "إِنْ لَمْ تَفُتِ السِّلْعَةُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، وَإِنْ فَانَتْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ ").
يعني: إذا فوَّضه بأن يشتري فقال له: اشترِ بألف. فاشترى بألفين، فالجمهور على أن القول قول الموكل هنا.
قوله: (وَقِيلَ: يَتَحَالَفَانِ، وَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ وَيَتَرَاجَعَانِ، وَإِنْ فَاتَتْ بِالْقِيمَة. وَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ فِي الْبَيْعِ، فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ (٢) أَنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ).
وهذا أيضًا هو قول أكثر العلماء (٣)، ...........................
[كِتَابُ اللُّقَطَةِ] (١)
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَالنَّظَرُ فِي اللُّقَطَةِ فِي جُمْلَتَيْنِ؛ الْجُمْلَةُ الْأُولَى: فِي أَرْكَانِهَا. وَالثَّانِيَةُ: فِي أَحْكَامِهَا).
هذا كتاب جديد، عُنوِن له بـ (كتاب اللقطة)، والمشهور أن يقال (اللقَطة) بالفتح، وهناك من يقول (اللقْطة) (٢)، ويراد بها: المال أو العروض الذي ضاع من صاحبه فأخذه غيره.
стр. 8355
أما إن كانت في حيوان فتسمى (ضالة)؛ فإن رسول الله ﷺ لما سُئل عن ضالة الغنم قال: "هي لك أو لأخيك أو للذئب "، ولما سئل عن ضالة الإبل قال: "ما لك ولها، معها سقائها وحذائها" (١)، وسوف يأتي الكلام عن هذا الحديث.
قوله: (الْجُمْلَةُ الْأُولَى وَالْأَرْكَانُ ثَلَاثَةٌ: الِالْتِقَاطُ، وَالْمُلْتَقِطُ، وَاللُّقَطَةُ).
"الالتقاط ": بمعنى أخَذَ اللقطة، أيْ: وجدَ ضالة دراهم فأخذها.
"وَالْمُلْتَقِطُ " الذي يأخذ ذاك الشيء.
"وَاللُّقَطَةُ" هي الضالة التي وُجِدَت.
قوله: (فَأَمَّا الِالْتِقَاطُ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هُوَ أَفْضَلُ أَمِ التَّرْكُ؟) (٢).
مثل مَن وجَد مالًا أو سلعةً سواءً كان في الصحراء أو في أرضٍ عامرة، كالمدن والقُرى، فهل له أن يلتقط ذلك أم يتركه أفضل، بل هل يجب الالتقاط أم يُكره؟
فَمِن العلماء من كره -كما سيذكر المؤلف- كمالك وأحمد، ومنهم من استحب ذلك وهم الحنفية والشافعية، ولكل منهم أدلة وحُجَج يتمسك بها.
قوله: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): الْأَفْضَلُ الِالْتِقَاطُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْوَاجِبِ
стр. 8356
عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَحْفَظَ مَالَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (١)).
قالوا: ولاية المؤمن على المؤمن أن يحافظ على الحقوق، ويأتي المال في مقدمة الحقوق، فإذا وجدت مالًا ساقطًا على الأرض، وتجد في نفسك الأمانة والحفاظ عليه؛ فخُذْهُ، وجوبًا على مذهب الشافعي في رواية، وليس أبا حنيفة.
قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ (٢) وَجَمَاعَةٌ بِكَرَاهِيَةِ الِالْتِقَاطِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (٣) وَابْنِ عَبَّاسٍ (٤)، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (٥)).
انقسم العلماء قسمين: ففريق يرى أفضلية الالتقاط، وآخر يرى الكراهة، وسبب الخلاف هو الحق الضائع الذي تراه على الأرض، كيف تتركه لغيرك ممن قد يكون غير أمين؛ فيستولي عليه!
стр. 8357
قوله: (وَذَلِكَ لِأَمْرَيْنِ).
يعود ذلك للفريق الأخير الذين قالوا بالكراهة.
قوله: (أَحَدُهُمَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَرْقُ النَّارِ").
هذا الحديث رواه أبو داود (١)، والترمذي (٢)، وابن ماجه (٣)، وأخرجه النسائي بإسناد صحيح (٤)؛ فهو حديث صحيح، لكن الحديث له مناسبة؛ لأن الطحاوي -رحمه الله تعالى- في كتابه "شرح معاني الآثار" جاء بهذا الحديث وساق الروايات الأخرى، وربما تكون بعض الروايات تُبيِّن السبب، مثلما جاء في حديث: "إن ضالة المؤمن حرق النار"، فهذه رواية تمسك بها الفريق الآخر، وهي تدل على تحذير مَن أخَذَ الضالة.
لكن جاء في روايات أخرى، منها ما في "معاني الآثار" (٥) عن الجارور العبدي -وهو الذي روى نفس الحديث-، قال: "أتينا رسول الله ﷺ ومعنا إبل عجاف -أيْ: هزيلة وضعيفة-، فسألنا رسول الله ﷺ وقلنا: يا رسول الله، إنَّا نأتي إلى الجرف المعروف بالمدينة، فنجد فيه الإبل فنركبها. فقال الرسول ﷺ : "ضالة المؤمن حرق النار"".
إذًا، هُم كانوا يأخذون الإبل لا ليعرفوها، وإنما ليركبوها، فلمَّا عَلِمَ الرسول ﷺ منهم أنهم يأخذونها للانتفاع دون أن يؤدوا حقها؛ بيَّن لهم خطورة ذلك.
стр. 8358
كان هذا جواب الفريق الأول عن الحديث المتقدم.
قوله: (وَلِمَا يُخَافُ أَيْضًا مِنَ التَّقْصِيرِ فِي الْقِيَامِ بِمَا يَجِبُ لَهَا مِنَ التَّعْرِيفِ وَتَرْكِ التَّعَدِّي عَلَيْهَا).
في هذا دليل تعليلي -تعليل معقول المالكية والحنابلة ومَن معهم ممن قالوا بالكراهة، إلى جانب الحديث الذي ذكرنا- حيث يقولون: إن هذه أمانة، فهل نفسك إذا أخذتها ستضمنها وتحافظ عليها، أو أنَّ النفس ستضعف، ويدفعها الشيطان للطمع، فيغريها ويعلقها بها، فيأخذها دون أن يؤدي حقها، كالتعريف بها؛ فيكون بذلك قصَّر؛ فقالوا إذًا: الأوْلَى اجتناب ذلك.
أما الفريق الأول الذين قالوا بالجواز فلهم أدلة كثيرة، يأتي في مقدمتها حديث أُبَيِّ بن كعب، حيث قال: وجدت على عهد رسول الله ﷺ صرَّة بمئة دينار، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "عرفها حولًا" (١)، وسيأتي الكلام عن مدة التعريف.
فهذا دليل على أنه أخذها، وأن المسألة فيها خلاف.
ومن حديث زيد بن خالد الجهني، أن رسول الله ﷺ لما سئل عن اللقطة بيَّن أن الإنسان "يعرفها حولًا، فإن جاء صاحبها وإلا فاستنفقها" (٢)
стр. 8359
أو "فاستعملها" (١) في بعض الروايات.
وسئل عن ضالة الغنم فقال: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب" (٢).
وفي بعض الروايات قال: "خذها، فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب" (٣).
ولما سئل عن ضالة الإبل قال: "ما لك ولها … "، وسيأتي هذا الحديث والكلام عنه.
حكم التعريف:
ذهب بعض العلماء إلى وجوبه، سواء أخذها الإنسان ليحفظها حتى يأتي صاحبها، أو أخذها ليعرفها ثم بعد ذلك يتملكها، وهذا قول الحنابلة (٤)، ووافقهم الشافعية (٥) فيما إذا أخذها بقصد الحفظ، لكنهم قالوا باستحباب تعريفها ثم تملُّكها.
مدة التعريف:
سيأتي الكلام لاحقًا، وعلى كلٍّ؛ فالمشهور أنه سَنة، وذلك لأنه ربما تعود الرواحل بعد حولٍ أو ربما يأتي صاحبها، ومعلوم بأنَّ اللقطة حتى إن استنفذتها أكلتها إن كانت شاة، أو صرفتها إن كانت مالًا، فإن جاء صاحبها؛ فهو يستحقها.
стр. 8360
زمان التعريف:
يُعرفها نهارًا لا ليلًا؛ لأن الناس تجتمع في النهار، لكننا نقول في هذا الزمان أصبح الناس يجتمعون في الليل والنهار، والمهم هو قصد الأماكن التي يكثر فيها الناس، وعندما يعرِّفها لا بد أن يُبين جنسها، إذا كانت ذهبًا أو شاةً أو مالًا.
قوله: (وَتَأَوَّلَ الَّذِينَ رَأَوْا لِالْتِقَاطَ أَوَّلَ الْحَدِيثِ، وَقَالُوا: أَرَادَ بِذَلِكَ الِانْتِفَاعَ بِهَا لَا أَخْذَهَا لِلتَّعْرِيفِ).
هذا كما وضحنا في رواية الطحاوي أنهم أخذوها ليركبوها لا ليعرفوها، ولذلك نهاهم الرَّسول ﷺ بقوله: "ضالة المؤمن حرق النار" (١).
قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ لَقْطُهَا وَاجِبٌ) (٢).
هذه روايةٌ عن الإمام الشافعي، لكن لقطها واجب إذا خشي عليها من الضَّياع، فإنه يلزمه في هذه الحالة أن يلتقطها.
стр. 8361
قوله: (وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ إِذَا كَانَتِ اللُّقَطَةُ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُوبينَ وَالْإِمَامُ عَادِلٌ).
هذه التعليلات التي سيذكرها المؤلف من تعليلات المالكية واستحساناتهم، وإلَّا فالأدلة ليس فيها حقيقة شيء من ذلك، بل هي مطلقة.
قوله: (قَالُوا: وَإِنْ كَانَتِ اللُّقَطَةُ بَيْنَ قَوْمٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ عَادِلٌ فَوَاجِبٌ الْتِقَاطُهَا).
لأنك إذا لم تلتقطها أيها الأمين سيأتي إنسان غير أمين، فيستولي عليها؟ فأنت بذلك تكون قد أضعت حق أخيك المسلم، ولم تحفظه.
قوله: (وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ جَائِرٌ، فَالَأَفْضَلُ أَنْ لَا يَلْتَقِطَهَا، وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ غَيْرُ عَادِلٍ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بِحَسَبِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ سَلَامَتِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ).
هذه تعليلات للمالكية تتعلق بالمصالح والاستحسان، لم ترد بها أدلة.
قوله: (وَهَذَا كُلُّهُ مَا عَدَا لُقَطَةَ الْحَاجِّ).
وسبب استثنائه لقطة الحاج، أنه جاء حديث في "صحيح مسلم" (١): "أن النبي ﷺ نهى عن لقطة الحاج "؛ لأن الإنسان إذا التقطها فربما يعود الحاج إلى المكان فلا يجدها، وسيأتي الكلام عن لقطة الحاج، ولقطة الحرم.
قوله: (فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا (٢) عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا؛ لِنَهْيِهِ
стр. 8362
-﵊ عَنْ ذَلِك، وَلُقَطَةُ مَكَّةَ أَيْضًا لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ؛ لِوُرُودِ النَّصِّ فِي ذَلِكَ).
لأن الرسول ﷺ قال، كما في الأحاديث المتفق عليها: "إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليهم رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من النهار … "، إلى أن قال: "لا تحل ساقطتها إلا لمنشد" (١).
وفي حديث آخر: "إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض … "، إلى أن قال: "لا تحل لقطتها إلا لمنشد" (٢).
стр. 8363
هل قول رسول الله ﷺ : "لا تحل ساقطتها إلا لمنشد" (١) يدل على أنه لا يجوز للإنسان أن يأخذها إلا أن يعرِّفها، أو أنها أيضًا كاللقطة في غير الحرم؟
هذه المسألة فيها خلاف، وأكثر العلماء -مالك (٢)، وأبو حنيفة (٣)، وأحمد (٤) - يقولون هي كغيرها، أيْ: للإنسان أن يلتقطها ويعرِّفها، فإذا أدى ما عليه حينئذٍ تكون له، يتملكها إذا لم يجد صاحبها.
أما الإمام الشافعي (٥) فمنع مِن لقطة الحرم، وهي إحدى الروايات للإمام أحمد (٦)، فلماذا إلا لمنشد؟
قالوا: لأنَّ لقطة الحرم القصد منها الحس، التعريف، ومتابعة ذلك؛ لأن الناس يسافرون وربما كان الغالب أن هذه اللقطة ليست لأهل مكة، أما أن يمنع من ذلك فلا.
стр. 8364
ومِن العلماء مَن منعوا، وقالوا: إن الرسول أجاز فقط أن يأخذها الإنسان بقصد الإعلان عنها، ومهما بقيت لا يجوز له أن يستعملها، بل يحفظها.
قوله: (وَالْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ لَفْظَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا تُرْفَعُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ. والثَّانِي: لَا يَرْفَعُ لُقَطَتَهَا إِلَّا منْشِدٌ، فَالْمَعْنَى الْوَاحِدُ أَنَّهَا لَا تُرْفَعُ إِلَّا لِمَنْ يُنْشِدُهَا، وَالْمَعْنَى الثَّانِي لَا يَلْتَقِطُهَا إِلَّا مَنْ يُنْشِدُهَا لِيُعَرِّفَ النَّاسَ. وَقَالَ مَالِكٌ (١): تُعَرَّفُ هَاتَانِ اللُّقَطَتَانِ أَبَدً).
هما لقطة الحاج، ولقطة الحرم، تعرفان دائمًا.
قوله: (فَأَمَّا الْمُلْتَقِطُ فَهُوَ كلُّ حُرٍّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ).
يذهب المؤلف بأن المسألة متفق عليها، وليس الأمر كذلك؛ فقوله: (كل حر مسلم بالغ) هذا عند المالكية (٢)، أما عند الحنفية (٣)،
стр. 8365
والحنابلة (١)، فيلتقط المملوك، والصبي، والفاسق، والذمي، والكافر، وفي المذهب الشافعي خلاف (٢)، أما إذا كان قصد المؤلف (كل حر مسلم بالغ) أنه لا خلاف فيه؛ كان مقبولًا.
بمعنى إذا كان الملتقط حُرًّا غير مملوك، أو مسلمًا غير ذمي، أو بالغًا؛ فالأولَى أن يكون مكلفًا، غير صغير، أو مجنون، وبعضهم أيضًا فيه خلاف عنده، إنْ أراد أنَّ هؤلاء لهم أنْ يلتقطوا بلا خلاف؛ فنعم، أما إذا أراد أن لا يجوز عند غيرهم؛ فلا.
قوله: (وَاخْتُلِفَ عَنِ الشَّافِعِيِّ (٣) فِي جَوَازِ الْتِقَاطِ الْكَافِرِ).
الشافعيُّ نُقِل عنه قولان: قول بالجواز، وقول بالمنع.
قوله: (قَالَ أَبُو حَامِدٍ).
الغزالي (٤).
стр. 8366
"قوله: (وَالْأَصَحُّ جَوَازُ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ).
وهذا هو الصحيح، وهو يؤيد ذلك، وهو مذهب الحنابلة، أيْ: لا يشترط أن يكون الملتقط مسلمًا، بل لو الْتقَط كافر لصح ذلك.
قوله: (قَالَ: وَفِي أَهْلِيَّةِ الْعَبْدِ وَالْفَاسِقِ لَهُ قَوْلَانِ).
فهي جائزة عند الحنابلة (١)، لكن الخلاف فيما لو أفناها العبد وأنفقها، فمن المسؤول عنها؟
قوله: (فَوَجْهُ الْمَنْعِ عَدَمُ أَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ عُمُومُ أَحَادِيثِ اللُّقَطَةِ).
يرى هؤلاء يدهم من فوقهم، ليس لهم ولاية على أحد، فكيف لا يتصرفون بأنفسهم، وفي شؤون غيرهم، لكن هذه لقطة ضاعت؛ فهو يأخذها وإن لم يكن كفئًا وأهلًا، فإن كان عبدًا، فسَيِّدُه يتولى ذلك، وإن كان صغيرًا فولي أمره يقوم بذلك.
стр. 8367
قوله: (وَأَمَّا اللُّقَطَةُ بِالْجُمْلَةِ: فَإِنَّهَا كُلُّ مَالٍ لِمُسْلِمٍ مُعَرَّضٍ لِلضَّيَاعِ).
هنا يريد أن يعطينا تعريفًا جامعًا تدخل تحته جميع الجزئيات، فيشمل النقدين، والعروض، والحيوان.
قوله: (كَانَ ذَلِكَ فِي عَامِرِ الْأَرْضِ أَوْ غَامِرِهَا).
إذا كان بمكان عامر يعمر بأهله، أو في مكان غامر بمعنى خَرِب، وبعضهم يطلق ذلك على الأرض التي لا زَرْعَ ولا نباتَ فيها، لكن الأقرب الأرض الخربة، والمهجورة كالصحراء التي لا تحيى بأحد.
قوله: (وَالْجَمَادُ وَالْحَيَوَانُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِلَّا الإبل بِاتِّفَاقٍ (١). وَالْأَصْلُ فِي اللُّقَطَةِ حَدِيثُ زَيد بْن خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ).
стр. 8368
أخرجه الشيخان البخاري (١) ومسلم (٢)، وهو أيضًا في السُّنن (٣) وعند أحمد (٤) والبيهقي (٥).
قوله: (أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ).
جاء في غير "الصحيحين"- السنن والمسانيد- بأن الرجل هو عقبة بن سويد الجهني (٦)(٧).
قوله: (فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ).
أي: عن حكمها.
قوله: (فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا) (٨).
والعفاص: هو الوعاء الذي توضع فيه.
стр. 8369
قوله: (وَوِكَاءَهَا) (١).
والوكاء: الحبل الذي تربط به.
قوله: (ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً).
القصد: إذا وجد إنسانٌ لقطةً فعليه أن يعرِّف أوصافها تمامًا، ثم بعد ذلك يعرِّفها المدة المطلوبة، ثم بعد ذلك يتصرَّف فيها، ولا بد أنْ يعرِّف أوصاف جنسها سواءٌ كانت ذهبًا، أو فضة، وكم عددها، ونوع الوعاء الذي وُجِدت فيه، وهل كانت مربوطة أو غير مربوطة، إلى غير ذلك من الصفات؛ لأنه لو جاء إنسان يدَّعي أنها له فإنه يطالبه بذكر أوصافها.
قوله: (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا، قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟).
إن اللقطة -كما قلنا- تُطلق على غير الحيوان، أما ما يخص الحيوان فيسمى ضالة.
قوله: (قَالَ: هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ).
عليك أن تأخذها؛ فهي ضعيفة لا تستطيع أن تحمي نفسها إذا تعرض لها الذئب أو السباع، فإذا أخذتها فإنك تأكلها، أو تبيعها، وتحفظ ثمنها لصاحبها حتى يعود، وسيأتي الخلاف في ذلك، وأن مالكًا ﵀ خالف العلماء في هذه المسألة، بأنه لا ضمان على أكل الشاة (٢).
قوله: (قَالَ: فَضَالَّةُ الإبل؟ قَالَ: "مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا").
стр. 8370
"معها سقاؤها" (١)، وهو المكان الذي يجتمع فيه الماء في بطنها أو سنامها، معها "حذاؤها" (٢) وهو الخُف، وينزل منزلة الحذاء؛ لِمَا اتُّصِف به مِن القوة، ونعلم بأن الله قد خص هذا الحيوان بخصائص كثيرة، منها: قوة الصبر، والتحمل على رفع الأثقال، والجلَد، وأعطاه عنقًا طويلًا يتناول به الأشجار، ووضع بها ما يدفع عنها أثر الشوك، وغير ذلك من مزايا كثيرة جدًّا.
قوله: (وَهَذَا الْحَدِيثُ يَتَضَمَّنُ مَعْرِفَةَ مَا يُلْتَقَطُ مِمَّا لَا يُلْتَقَطُ).
هذا الحديث بيَّن ما يُلتقط وما لا يلتقط بالنسبة للنقدين أو لضالة الغنم كذلك، أما الإبل، فقال: "ما لك ولها … "، وبيَّن العِلَّة.
قوله: (وَمَعْرِفَةَ حُكْمِ مَا يُلْتَقَطُ كيْفَ يَكُونُ فِي الْعَامِ وَبَعْدَهُ وَبِمَاذَا يَسْتَحِقُّهَا مُدَّعِيهَا. فَأَمَّا الإبل فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تُلْتَقَطُ).
هذا الكلام -حقيقةً- غير محرَّر، فأبو حنيفة (٣) ﵀ يرى أنها تُلتقط مطلقًا وتُعرَّف، وقاس ذلك على الغنم، ورد عليه الجمهور، كما سيأتي في هذا الحديث وغيره، والشافعية (٤) يقولون بجواز التقاطها بقصد