← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.

стр. 8366

"قوله: (وَالْأَصَحُّ جَوَازُ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ). وهذا هو الصحيح، وهو يؤيد ذلك، وهو مذهب الحنابلة، أيْ: لا يشترط أن يكون الملتقط مسلمًا، بل لو الْتقَط كافر لصح ذلك. قوله: (قَالَ: وَفِي أَهْلِيَّةِ الْعَبْدِ وَالْفَاسِقِ لَهُ قَوْلَانِ). فهي جائزة عند الحنابلة (١)، لكن الخلاف فيما لو أفناها العبد وأنفقها، فمن المسؤول عنها؟ قوله: (فَوَجْهُ الْمَنْعِ عَدَمُ أَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ عُمُومُ أَحَادِيثِ اللُّقَطَةِ). يرى هؤلاء يدهم من فوقهم، ليس لهم ولاية على أحد، فكيف لا يتصرفون بأنفسهم، وفي شؤون غيرهم، لكن هذه لقطة ضاعت؛ فهو يأخذها وإن لم يكن كفئًا وأهلًا، فإن كان عبدًا، فسَيِّدُه يتولى ذلك، وإن كان صغيرًا فولي أمره يقوم بذلك.

стр. 8367

قوله: (وَأَمَّا اللُّقَطَةُ بِالْجُمْلَةِ: فَإِنَّهَا كُلُّ مَالٍ لِمُسْلِمٍ مُعَرَّضٍ لِلضَّيَاعِ). هنا يريد أن يعطينا تعريفًا جامعًا تدخل تحته جميع الجزئيات، فيشمل النقدين، والعروض، والحيوان. قوله: (كَانَ ذَلِكَ فِي عَامِرِ الْأَرْضِ أَوْ غَامِرِهَا). إذا كان بمكان عامر يعمر بأهله، أو في مكان غامر بمعنى خَرِب، وبعضهم يطلق ذلك على الأرض التي لا زَرْعَ ولا نباتَ فيها، لكن الأقرب الأرض الخربة، والمهجورة كالصحراء التي لا تحيى بأحد. قوله: (وَالْجَمَادُ وَالْحَيَوَانُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إِلَّا الإبل بِاتِّفَاقٍ (١). وَالْأَصْلُ فِي اللُّقَطَةِ حَدِيثُ زَيد بْن خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ).

стр. 8368

أخرجه الشيخان البخاري (١) ومسلم (٢)، وهو أيضًا في السُّنن (٣) وعند أحمد (٤) والبيهقي (٥). قوله: (أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). جاء في غير "الصحيحين"- السنن والمسانيد- بأن الرجل هو عقبة بن سويد الجهني (٦) (٧). قوله: (فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ). أي: عن حكمها. قوله: (فَقَالَ: اعْرِفْ عِفَاصَهَا) (٨). والعفاص: هو الوعاء الذي توضع فيه.

стр. 8369

قوله: (وَوِكَاءَهَا) (١). والوكاء: الحبل الذي تربط به. قوله: (ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً). القصد: إذا وجد إنسانٌ لقطةً فعليه أن يعرِّف أوصافها تمامًا، ثم بعد ذلك يعرِّفها المدة المطلوبة، ثم بعد ذلك يتصرَّف فيها، ولا بد أنْ يعرِّف أوصاف جنسها سواءٌ كانت ذهبًا، أو فضة، وكم عددها، ونوع الوعاء الذي وُجِدت فيه، وهل كانت مربوطة أو غير مربوطة، إلى غير ذلك من الصفات؛ لأنه لو جاء إنسان يدَّعي أنها له فإنه يطالبه بذكر أوصافها. قوله: (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا، قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟). إن اللقطة -كما قلنا- تُطلق على غير الحيوان، أما ما يخص الحيوان فيسمى ضالة. قوله: (قَالَ: هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ). عليك أن تأخذها؛ فهي ضعيفة لا تستطيع أن تحمي نفسها إذا تعرض لها الذئب أو السباع، فإذا أخذتها فإنك تأكلها، أو تبيعها، وتحفظ ثمنها لصاحبها حتى يعود، وسيأتي الخلاف في ذلك، وأن مالكًا ﵀ خالف العلماء في هذه المسألة، بأنه لا ضمان على أكل الشاة (٢). قوله: (قَالَ: فَضَالَّةُ الإبل؟ قَالَ: "مَا لَكَ وَلَهَا مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا").

стр. 8370

"معها سقاؤها" (١)، وهو المكان الذي يجتمع فيه الماء في بطنها أو سنامها، معها "حذاؤها" (٢) وهو الخُف، وينزل منزلة الحذاء؛ لِمَا اتُّصِف به مِن القوة، ونعلم بأن الله قد خص هذا الحيوان بخصائص كثيرة، منها: قوة الصبر، والتحمل على رفع الأثقال، والجلَد، وأعطاه عنقًا طويلًا يتناول به الأشجار، ووضع بها ما يدفع عنها أثر الشوك، وغير ذلك من مزايا كثيرة جدًّا. قوله: (وَهَذَا الْحَدِيثُ يَتَضَمَّنُ مَعْرِفَةَ مَا يُلْتَقَطُ مِمَّا لَا يُلْتَقَطُ). هذا الحديث بيَّن ما يُلتقط وما لا يلتقط بالنسبة للنقدين أو لضالة الغنم كذلك، أما الإبل، فقال: "ما لك ولها … "، وبيَّن العِلَّة. قوله: (وَمَعْرِفَةَ حُكْمِ مَا يُلْتَقَطُ كيْفَ يَكُونُ فِي الْعَامِ وَبَعْدَهُ وَبِمَاذَا يَسْتَحِقُّهَا مُدَّعِيهَا. فَأَمَّا الإبل فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تُلْتَقَطُ). هذا الكلام -حقيقةً- غير محرَّر، فأبو حنيفة (٣) ﵀ يرى أنها تُلتقط مطلقًا وتُعرَّف، وقاس ذلك على الغنم، ورد عليه الجمهور، كما سيأتي في هذا الحديث وغيره، والشافعية (٤) يقولون بجواز التقاطها بقصد

стр. 8371

التعريف، وأما الجمهور فهم لا يرَوْنَ ذلك، وهم: المالكية (١)، والحنابلة (٢) ورواية أخرى للشافعية (٣). قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى الْغَنَمِ أَنَّهَا تُلْتَقَطُ (٤)، وَتَرَدَّدُوا فِي

стр. 8372

الْبَقَرِ (١)، وَالنَّصُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ (٢). وأحمد (٣). قوله: (أَنَّهَا كَالإبل، وَعَنْ مَالِكٍ (٤) أَنَّهَا كَالْغَنَمِ، وَعَنْهُ خِلَافٌ). هنا ما يتعلق بالحيوان، والذي لا يخلو من أن يكون حيوانًا يقوى على الامتناع عن صغار السباع كالذئب، والثعلب، ويستطيع أن يدفع عن نفسه الأذى، ومن هذه الحيوانات: الإبل، والبقر، والخيل، والبغال، وربما يستطيع أيضًا أن يدفع عن نفسه الأذى بالطيران كالطيور، أو يكون سريعًا كالظباء، فهذه كلها ذكرها العلماء جملةً أنها لا تُلتقط؛ لأنها تستطيع أن تجد الماء، وتمنع نفسها من صغار السباع. ومن العلماء من ألحقوا البقر بالغنم حيث لا تُلتقط، مثل الشافعية والحنابلة، واستدلوا بقصة عبد الله بن جرير ﵁ عندما أتت بقرةٌ فانضمت إلى أخرى؛ فأمر بطردها حتى توارت وغابت، ثم قال ﵁:

стр. 8373

سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يأوي الضالة إلا ضال" (١)، وقالوا بأن كثيرًا من الأحكام تُلحق بالإبل لا الغنم، كما عرفنا في كتاب الحج، وكتاب الضحايا بأنها تكفي في الهَدْي والأضحية عن سبع. إذًا، فهي تشبه الإبل، وأما الذين قالوا بأنها تُلتقط فشبَّهوها بالغنم، وقالوا بأنها ليس عندها من التحمل والقوة ما عند الإبل. قوله: (الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: وَأَمَّا حُكْمُ التَّعْرِيفِ). أيْ: كيف يعرِّفها وينشدها؛ لأن الرسول ﷺ قال: "إلا لمنشد"، فأنت مطالَب إذا أخذت اللُّقَطة أن تنشدها، وتنادي بها في الأماكن التي يكثر فيها الناس، كالأسواق، وعند أبواب المساجد لا داخلها؛ حتى يعلم الناس. قوله: (فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَعْرِيفِ مَا كَانَ مِنْهَا لَهُ بَالٌ سَنَةً) (٢). هناك مَن له بال، ومن لا بال له، فتمرةٌ تجدها، أو برتقالة، أو حبل صغير، أو عصًا، أو سَوْطًا، كما في حديث جابر بن عبد الله: "رخَّص لنا رسول الله ﷺ في الحبل، والعصا، والسوط … " (٣)، وما أشبه ذلك، فهي أمور يُتجوَّز عنها؛ ولذلك نجد أن عند المالكية (٤)،

стр. 8374

والحنفية (١)، وضعوا حدًّا لذلك بالقدر الذي تُقطع فيه يد السارق؛ وعللوا ذلك بأن عائشة بيَّنَت بأنهم كانوا لا يقطعون في الشيء التافه (٢). كما أننا نعلم بأن يد السارق تُقطع عند الجموع -ومنهم المالكية- في رُبع دينار (٣). وعند الحنابلة (٤) في عشرة دراهم؛ إذًا فما دون ذلك يعتبرونه تافهًا.

стр. 8375

ويستدلون أيضًا بأثر علِيٍّ ﵁ "أنه وجد دينارًا فتصرَّف به" (١). وكذلك وجدت امرأةٌ تُسمَّى سلمى خاتمًا مِن ذهب، فسألت عائشة، فقالت لها: "تمتعي به" (٢). وأيضًا الرسول ﷺ مرَّ بتمرةٍ، فقال: "لولا أخشى أنها من الصدقة لأكلتها" (٣). قوله: (مَا لَمْ يمُنْ مِنَ الْغَنَمِ). هذا هو الرأي المشهور عند جمهور العلماء. وكونها سنةً أو أكثر أو أقل، فقد وردت عدة آثار عن عمر بن الخطاب (٤)، وعلي بن أبي طالب (٥)، وابن عباس (٦) ﵃، وهو قول الأئمة

стр. 8376

الأربعة (١)، وعدد من التابعين (٢). ففي أثر عمر في روايةٍ أخرى أنه قال: "تعرف ثلاثة أيام" (٣). وفي روايةٍ أخرى قال: "تُعرف ثلاثة أعوام" (٤)، وقد جاء ذكر ثلاثة

стр. 8377

أعوام في حديث أُبَيٍّ الذي سيأتي، لكن الراوي تردَّد فيه، هل هو عامٌ أو ثلاثة، لكن في حديث زيد بن خالد الجهني المتفق عليه: "عرفها حولًا" (١). وبعضهم قالوا: سبعة أيام، واستدلوا بحديث ابن مُرة بأنَّ رسول الله ﷺ قال في الدرهم: "يعرَّف ثلاثة أيام، فما زاد عنه فسبعة أيام" (٢). والمشهور الذي وردت به الأحاديث الصحيحة المشهورة أنها تعرف حولًا، أي: سنةً كاملة. واستثنى الغنم من تلك المدة؛ لأن الغنم إذا وُجدت فالإنسان يأكلها، وبعد ذلك يضمنها، خلافًا لمالِك (٣)، وإما أن يبيعها ويحفظ ثمنها، وإما أن يبقيها عنده وينفق عليها، لكن الإنفاق عليها ليس سهلًا. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهَا بَعْدَ السَّنَةِ، فَاتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ مَالِكٌ (٤) وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٥)، وَالشَّافِعِيُّ (٦)،

стр. 8378

وَأَحْمَدُ (١)، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ إِذَا انْقَضَتْ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْكلَهَا إِنْ كَانَ فَقِيرًا، أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهَا إِنْ كانَ غَنِيًّا (٢). يتصدَّق بها إنْ كان غنيًّا، وهذا عند المالكية والحنفية، أما عند الشافعية والحنابلة فليس كذلك، لكن إذا أراد أن يتصدق بها ثم يضمنها فنَعم. قوله: (فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا كانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يجِيزَ الصَّدَقَةَ فَيَنْزِلَ عَلَى ثَوَابِهَا أَوْ يُضَمِّنَهُ إِيَّاهَا). إذا جاء صاحبها، فيقول له: يا فلان، أنا تصدقت بها عنك، فإذا أردت ذلك فستجد ثواب ذلك عند الله ، وإما أن تأخذ قيمتها، ويكون الثواب لي؛ لأنني أريد الأجر، فيُخَيِّره في ذلك؛ لأنه ليس من حقه أن يلزمه. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْغَنِيِّ هَلْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهَا أَوْ يُنْفِقَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ (٣) وَالشَّافِعِيُّ (٤)).

стр. 8379

وأحمد (١). قوله: (لَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): لَيْسَ لَهُ أن يأكلها أو (٣) يَتَصَدَّقَ بِهَا (٤)، وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ عَنْ عَلِيِّ (٥) وَابْنِ عَبَّاسٍ (٦) وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ (٧). وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِنْ كَانَ مَالًا كَثِيرًا جَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ (٨)).

стр. 8380

هذه المسألة اختلف فيها العلماء، هل تُعطى اللُّقطة للسُّلطان أو يُتصَرَّف فيها، وبخاصة في عروض التجارة التي لم يعرض لها المؤلف؛ لأن من العلماء مَن لا يرى بأنَّ عروض التجارة تُلتقط؛ بدعوى أنها لم تُذكَر، والحقيقة أنها داخلة؛ لأن الرسول ﷺ تكلم عنها. فقد سُئل ﷺ عن الرجل يجد المتاع في الطريق العابر، أو القرية؟ فقال ﷺ : "أخبره أن يأخذها ويُعرفها" (١) كالحال بالنسبة لبقية الأمور. قوله: (وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ (٢) عَنْ عُمَرَ (٣) وَابْنِ مَسْعُودٍ (٤) وَابْنِ عُمَر (٥) وَعَائِشَةَ (٦). وَكُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ (٧) عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَكَلَهَا

стр. 8381

ضَمِنَهَا لِصَاحِبِهَا إِلَّا أَهْلَ الظَّاهِرِ (١). وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ ﵊: "فَشَأْنَكَ بِهَا" وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ. وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢) وَالتِّرْمِذِيُّ (٣) عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ قَالَ: لَقِيتُ أُوَيْسَ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: وَجَدْتُ صُرَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "عَرِّفْهَا حَوْلًا"، فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ ثَلَاثًا فَقَالَ: "احْفَظْ وِعَاءَهَا وَوِكَاءَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا" وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ (٤) وَأَبُو دَاوُدَ (٥): "فَاسْتَنْفِقْهَا"). هذا النصُّ في "الصحيحين"، وعند الترمذي، وأبي داود، وهو حُجة للذين يرون أخذ اللقطة دون كراهة، وعرفنا فيما مضى قول الحنفية والشافعية؛ فاستنفقها ولا حرج. قوله: (فَسَبَبُ الْخِلَافِ مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ لَفْظِ حَدِيثِ اللُّقْطَةِ لِأَصْلِ الشَّرْعِ). نعلم بأن الإنسان لا يأكل مال غيره، إلَّا أن تطيب به نفسه، فلا يجوز لإنسان أن يأخذ حق غيره فيأكله إلا برضاه، ما عدا الثمار، فإن الإنسان يأخذ مِن المتساقط، والشرط أن لا يكون الباب مغلقًا، ومرَّ بنا ذلك.

стр. 8382

قوله: (وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ. فَمَنْ غَلَّبَ هَذَا الْأَصْلَ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ بَعْدَ التَّعْرِيفِ: "فَشَأْنَكَ بِهَا"). "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" (١)، فلا يجوز للإنسان أن يأخذ من حق أخيه المسلم إلا أن تطيب نفس صاحب الحق بذلك، لكن اللقطة لك، أو لأخيك، أو للذئب، ثم إن ذاك الذي يأخذ لقطة أخيه المسلم بغير طيب نفس منه؛ ليأكلها إنما يأخذها ليحفظها له، فإن وُجدت سيردها إليه، فإن تلفت أعطاه القيمة، وإن باعها أعطاه الثَّمَن، وإن كانت عنده سيردها إليه، إذًا هو لم يأكل مال أخيه المسلم في هذه الحالات؛ وهذا لا يعارض ما جاء في الأصول. قوله: (قَالَ: لَا يَجُوزُ فِيهَا تَصَرُّفٌ إِلَّا بِالصَّدَقَةِ فَقَطْ عَلَى أَنْ يُضَمَّنَ إِنْ لَمْ يُجِزْ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ الصَّدَقَةَ، وَمَنْ غَلَّبَ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ وَرَأَى أَنَّهُ مُسْتَثْنًى عنْهُ، قَالَ: تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ الْعَامِ وَهِيَ مَالٌ مِنْ مَالِهِ لَا يَضْمَنُهَا إِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا). هذا الحديث مخصص لذاك العام ولا تعارض بينهما؛ لأن الحالة التي فيها يأخذ اللقطة لا يريد أن يأكل مال أخيه المسلم من غير أن تطيب نفسه، بل أخذ ذلك المال ليحفظه له إن جاء، فإن لم يأت؛ فإنه يجوز له أن يتملكه، ولا يحتاج بأن ينص على تملكه -كما يقول بعض الشافعية (٢) - فيَنوِي أن يتملكه.

стр. 8383

قوله: (وَمَنْ تَوَسَّطَ قَالَ: يَتَصَرَّفُ بَعْدَ الْعَامِ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا عَلَى جِهَةِ الضَّمَانِ). هذا هو مذهب الجمهور، وكان الأول مذهب أبي حنيفة الذي قال ليس له إلا أن يتصدق بها، أما من قال بأكلها ولا ضمان عليه فهم أهل الظاهر، والثالث هو مذهب جمهور العلماء الأئمة الثلاثة. قوله: (وَأَمَّا حُكْمُ دَفْعِ اللُّقَطَةِ لِمَنِ ادَّعَاهَا، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تُدْفَعُ إِلَيْهِ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْعِفَاصَ وَلَا الْوِكَاءَ (١)). فمثلًا جاء إنسان يدعي اللقطة، وقال: وجدت كيسًا فيه مبلغ ألف ريال، وأنواعه مِن نوع الخمس مئة، أو من المئة؛ لأن أي إنسان في نفسه مرض وطمع يقول إنه صاحبها، بل هو يقول مَن ضاعت له دراهم أو دنانير … ، فإذا جاء فوصفها؛ لا تُدفع إليه إذا لم يعرف العفاص ولا الوكاء، وأيضًا العدد؛ لأنه جاء في بعض الروايات الصحيحة، كما عند مسلم (٢)

стр. 8384

وغيره (١)؛ إذًا لا بد وأن يعرف عفاصها. قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا عَرَفَ ذَلِكَ هَلْ يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ أَمْ لَا؟ (٢) فَقَالَ مَالِكٌ (٣)). وأحمد (٤). قوله: (يَسْتَحِقُّ بِالْعَلَامَةِ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥)، وَالشَّافِعِيُّ (٦): لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا بِبَيِّنةٍ). انقسم الأئمة قسمين: قال مالك وأحمد: لا يحتاج الأمر إلى بينة. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا بد من بينة.

стр. 8385

قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ مُعَارَضَةُ الْأَصْلِ فِي اشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى لظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ). الأصل في الشهادات عند الدعاوى: البيِّنة؛ "البينة على المدعي" (١)، وهنا لا يحتاج إلى بينة؛ لأن هذا شيء ضاع من إنسان، فجاء شخص فوصفه؛ فيكفي ذكر العلامات، ولا يُطالب ببينة ولا شهود، أما الفريق الأول فيحتجون بحديث أُبي بن كعب في قصة الصرة التي وجدها (٢)، وقد تقدمت، كذلك يحتجون ببعض الأحاديث التي فيها دفعها لصاحبها إذا جاء. قوله: (فَمَنْ غَلَّبَ الْأَصْلَ قَالَ: لَا بُدَّ مِنَ الْبَيِّنَةِ، وَمَنْ غَلَّبَ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ، قَالَ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ. وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ الشَّهَادَةَ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵊ "اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا؛ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا" (٣)، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِيَدْفَعَهَا لِصَاحِبِهَا بِالْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ (٤)). لئلا تختلط عنده بغيرها، ولكن الرسول ﷺ ذكر ذلك في غاية البيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٥)، فهو قال: "اعرف عفاصها ووكاءها وعددها"؛ إذًا، هذا نص صريح في الأمر.

стр. 8386

قوله: (يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ لِيَدْفَعَهَا لِصَاحِبِهَا بِالْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ، فَلَمَّا وَقَعَ الِاحْتِمَالُ وَجَبَ الرّجُوعُ إِلَى الْأَصْلِ، فَإِنَّ الْأُصُولَ لَا تُعَارَضُ بِالِاحْتِمَالَاتِ الْمُخَالِفَةِ لَهَا إِلَّا أَنْ تَصِحَّ الزِّيَادَةُ الَّتِي نَذْكُرُهَا بَعْدُ. وَعِنْدَ مَالِكٍ (١)). وأحمد (٢). قوله: (وَأَصْحَابِهِ أَنَّ عَلَى صَاحِبِ اللّقَطَةِ أَنْ يَصِفَ مَعَ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ صِفَةَ الدَّنَانِيرِ وَالْعَدَدَ). هذا الحديث في "الصحيحين" (٣) من حديث أُبي بن كعب، أما ذِكر العدد فحديثه عند الترمذي، وأبي داود، والنسائي، والبيهقي، وغيرهم من حديث زيد بن خالد الجهني (٤)، وقد توقف المؤلف إلا لو صحت هذه الزيادة، وقد تبيَّن أنها في "الصحيحين"، و"السنن". قوله: (قَالُوا: وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ،

стр. 8387

وَلَفْظُهُ: "فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَوَصَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعَدَدَهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ " (١). قَالُوا: وَلَكِنْ لَا يَضُرُّهُ الْجَهْلُ بِالْعَدَدِ إِذَا عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ، وَكَذَلِكَ إِنْ زَادَ فِيهِ). هذه مسألة أخرى فيما لو عرف الصفتين؛ لأن هذه من الأمور الدقيقة، فكونه يصف أنها في جلد كذا، ونوع كذا، وينسى العدد؛ فلا يضره. قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِنْ نَقَصَ مِنَ الْعَدَدِ عَلَى قَوْلَيْنِ (٢)، وَكذَلِكَ اخْتَلَفُوا إِذَا جَهِلَ الصِّفَةَ وَجَاءَ بِالْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ (٣). وَأَمَّا إِذَا غَلِطَ فِيهَا فَلَا شَيْءَ لَهُ (٤). وَأَمَّا إِذَا عَرَفَ إِحْدَى الْعَلَامَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَقَعَ النَّصُّ عَلَيْهِمَا وَجَهِلَ الْأُخْرَى فَقِيلَ إِنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ إِلَّا بِمَعْرِفَتِهِمَا جَمِيعًا (٥)، وَقِيلَ يُدْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَقِيلَ إِن ادَّعَى الْجَهَالَةَ اسْتُبْرِئَ، وَإِنْ غَلِطَ لَمْ تُدْفَعْ إِلَيْهِ). الاستبراء يقصد به الطلب إلى آخر الأمر؛ لتقطع الشبهة، كأنه يكرر

стр. 8388

معه، فمثلًا عندما تختبر إنسانًا فتطلب منه أن يذكر لك هذا الأمر، ثم تقول له أَعِد، فإذا ضبط كلامه ولم يتناقض صار استبراءً؛ لأنه لا يوجد غيره مَن ادعى؛ إذًا، مطالبته حتى النهاية لقطع الشبهة. قوله: (وَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ إِذَا أَتَى بِالْعَلَامَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ هَلْ يُدْفَعُ إِلَيْهِ بِيَمِينٍ أَوْ بِغَيْرِ يَمِينٍ؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ). وكذلك الإمام أحمد (١). قوله: (فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِغَيْرِ يَمِينٍ (٢): وَقَالَ أَشْهَبُ: بِيَمِينٍ (٣). وَأَمَّا ضَالَّةُ الْغَنَمِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِوَاجِدِ ضَالَّةِ الْغَنَمِ فِي الْمَكَانِ الْقَفْرِ الْبَعِيدِ مِنَ الْعُمْرَانِ أَنْ يَأْكُلَهَا (٤)؛ لِقَوْلِهِ ﵊ فِي الشَّاةِ: "هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ" (٥) وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُضَمَّنُ قِيمَتَهَا لِصَاحِبِهَا أَمْ لَا؟). هذا هو محل الخلاف، أنهم جميعًا -الأئمة الأربعة- قالوا: يلتقطها. لكن إذا التقطها فأكلها أو باعها واحتفظ بثمنها، وجاء صاحبها هل له أن يضمن هذه الشاة التي أكلها؟

стр. 8389

فالجمهور يقولون: نعم؛ وذلك لروايةٍ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن الرسول ﷺ قال: "رد إلى أخيك ضالته" (١). وقال مالك: لا؛ لأن الرسول ﷺ قال: "هي لك، أو لأخيك، أو للذئب" (٢)، فسوى بينها وبين الذئب، ومعلوم أنَّ الذئب لا يُطالَب بالتعريف والغرم. ولذلك قال ابن عبد البر (٣) -وهو من أئمة المالكية-: لم يوافق مالكًا في هذا القول أحد من فقهاء الأمصار ولا غيرهم. قوله: (فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِنَّهُ يُضَمَّنُ قِيمَتَهَا (٤)، وَقَالَ مَالِكٌ فِي أَشْهَرِ الْأَقَاوِيلِ عَنْهُ: إِنَّهُ لَا يُضَمَّنُ (٥). وَسَبَبُ الْخِلَافِ مُعَارَضَةُ الظَّاهِرِ -كَمَا قُلْنَا- لِلْأَصْلِ الْمَعْلُومِ مِنَ الشَّرِيعَةِ). مخالفة الظاهر لأصل معلوم من الشريعة.

стр. 8390

قوله: (إِلَّا أَنَّ مَالِكًا هُنَا غَلَّبَ الظَّاهِرَ فَجَرَى عَلَى حُكْمِ الظَّاهِرِ، وَلَمْ يَجُزْ كَذَلِكَ التَّصَرُّفُ فِيمَا وَجَبَ تَعْرِيفُهُ بَعْدَ الْعَامِ لِقُوَّةِ اللَّفْظِ هَاهُنَا، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يُضَمَّنُ (١)، وَكذَلِكَ كُلُّ طَعَامٍ لَا يَبْقَى إِذَا خُشِيَ عَلَيْهِ التَّلَفُ إِنْ تَرَكَهُ). إذا كان الطعام يسيرًا فيأخذه الإنسان، وهذا ما رخص فيه، أما إذا كان ذا شأن فإنه يأكل ذلك الطعام، ولكن قد يكون ذلك الطعام مما يمكن معالجته. مثال: إذا كان رطبًا يجففه الإنسان، وإذا كان عنبًا فيجففه حتى يصير زبيبًا؛ فيكون مثل هذا معالجة، أما إذا كان سيفسد فلا بد أن يأكله ويدفع القيمة إذا كان له شأن، أو يبيعه ثم بعد ذلك يعطيه الثمن. قوله: (وتحصيل مَذْهَب مَالِك عِنْدَ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَبْقَى فِي يَدِ مُلْتَقِطِهِ وَيُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَف إِنْ تُرِكَ كَالشَّاةِ فِي الْقَفْرِ، وَالطَّعَامِ الَّذِي يُسْرعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، وَقِسْمٌ لَا يُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَف. فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ مَا يَبْقَى فِي يَدِ مُلْتَقِطِهِ وَيُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ، فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ إلى ثَلَاثَة أَقْسَامِ؛ أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لَا بَالَ لَهُ وَلَا قَدْرَ لِقِيمَتِهِ وَيُعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَطْلُبُهُ لِتَفَاهَتِهِ). كما قلنا في حديث جابر (٢) أن الرسول ﷺ رخص لهم السوط، والعصا، والحبل، وما يشبه ذلك، كبيضة أو برتقالة أو تمرة أو تفاحة ونحو ذلك مما قد يجده.

стр. 8391

قوله: (فَهَذَا لَا يُعَرَّفُ عِنْدَهُ وَهُوَ لِمَنْ وَجَدَهُ). هذا عند الأئمة كلهم (١)، وليس المالكية (٢) وحدهم. قوله: (وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: لَوْلَا أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكلْتُهَا" (٣)). رآها ساقطة في الأرض، فخشي أن تكون من الصدقة، ومعلوم أن الرسول لا يجوز له أن يأكل الصدقة، وإن لم تكن لأخذها وأكلها، وهذا الحديث متفق عليه. قوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا تَعْرِيفًا، وَهَذَا مِثْلُ الْعَصَا وَالسَّوْطِ، وَإِنْ كَانَ أَشْهَبُ قَدِ اسْتَحْسَنَ تَعْرِيفَ ذَلِكَ (٤).

стр. 8392

وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا إِلَّا أَنَّ لَهُ قَدْرًا وَمَنْفَعَةً، فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِي تَعْرِيفِهِ (١)). كأن يكون عشرين دينارًا، أو مئة ريال، أو خمسين، ونحو ذلك. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ مَا يُعَرَّفُ، فَقِيلَ سَنَةً، وَقِيلَ أَيَّامًا). بيَّنا أن القول المشهور هو سَنة، أما عمر بن الخطاب في أثر عنه، وتبعه الجمهور على ثلاثة أيام، وفي أثر آخر عنه على ثلاثة أعوام، وجاءت كذلك ثلاثة أعوام في رواية عن أُبَي، لكنها رواية متردَّد فيها هل قال حول أو قال ثلاثة، لكن في حديث زيد قطع بأنه سَنة؛ فَيُقدَّم. قوله: (وَأَمَّا الثَّالِثُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ كثِيرًا أَوْ لَهُ قَدْرٌ، فَهَذَا لَا اخْتِلَافَ فِي وُجُوبِ تَعْرِيفِهِ حَوْلًا (٢). وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا لَا يَبْقَى بِيَدِ مُلْتَقِطِهِ وَيُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ، فَإِنَّ هَذَا يَأْكُلُهُ غَنِيًّا كَانَ أَمْ فَقِيرًا، وَهَلْ يُضَمَّنُ؟ فِيهِ رِوَايَتَان كمَا قُلْنَا: الْأَشْهُرُ أَنْ لَا ضَمَانَ عليه. وَاخْتَلَفُوا إِنْ وُجِدَ مَا يُسْرعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ فِي الْحَاضِرَةِ، فَقِيلَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَقِيلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ فَلَا يُضَمَّنُ، أَوْ يَأْكُلَهُ فَيُضَمَّنَ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فَهُوَ كَالإبل، أَعْنِي أَنَّ الِاخْتِيَارَ عِنْدَهُ فِيهِ التَّرْكُ لِلنَّصِّ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ). الاختيار عند الإمام مالك ألا تلتقط الإبل، وهذا أيضًا مذهب

стр. 8393

أحمد (١) والشافعي (٢)، أما أبو حنيفة (٣) فيرى أنه يجوز التقاط الإبل مطلقًا، وفي رواية للشافعية (٤) بالتقاطها لأجل التعريف، أما أكثر العلماء فيرون أن الإبل لا تلتقط؛ لحديث: "ما لك ولها معها سقائها وحذائها" (٥). قوله: (فَإِنْ أَخَذَهَا وَجَبَ تَعْرِيفُهَا، وَالِاخْتِيَارُ تَرْكُهَا (٦)، وَقِيلَ

стр. 8394

فِي الْمَذْهَبِ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَزْمنة، وَقِيلَ: إِنَّمَا هُوَ فِي زَمَان الْعَدْلِ، وَأَنَّ الْأفْضَلَ فِي زَمَان غَيْرِ الْعَدْلِ الْتِقَاطُهَا (١)). إذا كان الإنسان يعيش في مكان فيه أمن وعدل؛ فإنه حينئذٍ يتركها، أما إذا كان يخشى فإنه يلتقطها. قوله: (وَأَمَّا ضَمَانُهَا فِي الَّذِي تُعَرَّفُ فِيهِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنِ الْتَقَطَهَا وَأَشْهَدَ عَلَى الْتِقَاطِهَا فَهَلَكَتْ عِنْدَهُ أَنَّهُ غَيْرُ ضَامِنٍ) (٢). الإشهاد شرط إذا أشهد فيه الضمان، وعلى هذا اتفق العلماء، ولكن إذا لم يشهد؟ قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ يُشْهِدْ (٣)، فَقَالَ مَالِكٌ (٤)، وَالشَّافِعِيُّ (٥)).

стр. 8395

وأحمد، فأحمد استحب الإشهاد؛ لأن الحنفية سيستدلون بحديث على الجمهور، والحنابلة جمعوا بين الأدلة، فاعتبروا ذلك استحبابًا؛ إذًا الأئمة الثلاثة لا يشترطون الإشهاد لكن أحمد (١) يستحب ذلك. قولة: (وَأَبُو يُوسُفَ (٢)، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (٣): لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يُضَيِّعْ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤)، وَزُفَرُ (٥): يَضْمَنُهَا إِنْ هَلَكَتْ وَلَمْ يُشْهِدْ. واسْتَدَلَّ مَالكٌ وَالشَّافِعِيُّ بِأَنَّ اللُّقَطَةَ وَدِيعَةٌ فَلَا يَنْقُلُهَا تَرْكُ الْإِشْهَادِ مِنَ الْأَمَانَةِ إِلَى الضَّمَانِ، قَالُوا: وَهِيَ وَدِيعَةٌ بِمَا جَاءَ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ). الحديث جاء من طريق سليمان بن بلال، وليس هو من رواه. قوله: (وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ (٦)).

стр. 8396

الوديعة (١) لا تضمن؛ لأنها أمانة، فلو ضمن أصحاب الودائع دون أن يحصل تفريط أو إهمال منهم، ما أقبل الناس على تحمُّل الأمانات. قوله: (وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ بِحَدِيثِ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوِي عَدْلٍ عَلَيْهَا وَلَا يَكْتُمْ وَلَا يُعْنِتْ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ"). وهذا الحديث أخرجه أيضًا أصحاب السنن (٢)، وأحمد (٣)، وغيرهم (٤)، وهو صحيح، ولذلك قال الإمام أحمد ﵀ باستحباب الإشهاد، لكنهم لا يرونه واجبًا (٥). قوله: (وَتَحْصِيلُ الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ أَنَّ وَاجِدَ اللُّقَطَةِ عِنْدَ مَالِكٍ لَا يَخْلُو الْتِقَاطُهُ لَهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ (٦)، أَحَدُهَا: أَنْ يَأْخُذَهَا عَلَى جِهَةِ الِاغْتِيَالِ لَهَا).

стр. 8397

والاغتيال أي الخفي، يأخذها على غرة؛ ولذلك يقولون في بعض القتل: "قتل الغيلة"؛ لأنه إذا قتل إنسان إنسانًا خفية، أيْ: على غرَّة، خدعة يسمَّى قتل الغيلة. قوله: (وَالثَّانِي: أَنْ يَأْخُذَهَا عَلَى جِهَةِ الِالْتِقَاطِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَأْخُذَهَا لَا عَلَى جِهَةِ الِالْتِقَاطِ وَلَا عَلَى جِهَةِ الِاغْتِيَالِ). بمعنى وجد شيئًا ساقطًا، فظن أنه لأحد أصحابه، أو ممن يكون معه. قوله: (فَإِنْ أَخَذَهَا عَلَى جِهَةِ الِالْتِقَاطِ فَهِيَ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ عَلَيْهِ حِفْظُهَا وَتَعْرِيفُهَا، فَإِنْ رَدَّهَا بَعْدَ أَنِ الْتَقَطَهَا، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُضَمَّنُ (١)). هذا القول ينسبه لأحد المالكية، وهو أيضًا قول الإمامين الشافعي وأحمد، وهذا القول محل اتفاق بين الأئمة، لكن لو أخذ اللقطة ثم ردها إلى مكانها مرة أخرى، فقد قال الجمهور: يضمن (٢)؛ لاحتمال أن يكون صاحبها قد جاء إلى ذلك المكان فبحث عنها فلم يجدها، ثم يردها،

стр. 8398

فيكون صاحبها قد رفع من ذهنه هذا المكان الذي لم يجدها فيه، فكأنه ألحق الضرر بصاحبها، ولذلك قالوا: إن عليه الضمان. قوله: (وَقَالَ أَشْهَبُ (١): لَا يُضَمَّنُ إِذَا رَدَّهَا فِي مَوْضِعِهَا، فَإِنْ رَدَّهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا ضُمِّنَ كَالْوَدِيعَةِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي تَلَفِهَا دُونَ يَمِينٍ إِلَّا أَنْ يُتَّهَمَ. وَأَمَّا إِذَا قَبَضَهَا مُغْتَالًا لَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا، وَلَكِنْ لَا يُعْرَفُ هَذَا الْوَجْهُ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِ). هذا الذي يأخذها خفية ربما يدرك أنه قد أخطأ؛ فحينئذ يضمنها. قوله: (وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ، فَهُوَ مِثْلُ أَنْ يجِدَ ثَوْبًا فَيَأْخُذَهُ، وَهُوَ يَظُنُّهُ لِقَوْمٍ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَسْأَلَهُمْ عَنْهُ، فَهَذَا إِنْ لَمْ يَعْرِفُوهُ وَلَا ادَّعَوْهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ حَيثُ وَجَدَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقٍ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ (٢). وَتَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا، وَهُوَ الْعَبْدُ يَسْتَهْلِكُ اللُّقَطَةَ). هل العبد يلتقط أو لا؟ ربما يقال: كان ينبغي أن يذكر المؤلف الأصل ثم يفرع عليه، لكن الحقيقة أنَّ في مقدمة (كتاب اللقطة) أشار إلى أن العبد لا يلتقط عند أكثر العلماء، وهنا العبد يلتقط؛ إذًا، المسألة فيها خلاف بين العلماء، فبعضهم يرى أنه لا يلتقط، وبعضهم يرى أنه يلتقط، وبعضهم يرى أنه يلتقط إذا أذِنَ له سيده.

стр. 8399

فعلى القول بأنه يلتقط، فإذا أخذها ثم تلفت عنده أو استهلكها، كشاةٍ ذبحها فأكلها؛ فمن المسؤول، العبد نفسه أو سيده؟ قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ) (١). وأحمد (٢). قوله: (إِنَّهَا فِي رَقَبَتِهِ إِمَّا أَنْ يُسَلِّمَهُ سَيِّدُهُ فِيهَا). قال مالكٌ وأحمدُ: إنها في رقبة العبد، فيبقى سيده بين أمرين: إما أن يسلمه، أو يسلمه ليباع، أو أن يدفع عنه ذلك. قوله: (وَإِمَّا أَنْ يَفْدِيَهُ بِقِيمَتِهَا، هَذَا إِذَا كَانَ اسْتِهْلَاكُهُ قَبْلَ الْحَوْلِ، فَإِنِ اسْتَهْلَكَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ كَانَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَلَمْ تَكُنْ فِي رَقَبَتِهِ). فرق بين أن تُستهلك اللقطة قبل الحَوْل؛ لأنها أمانة عنده قبل الحول، فإذا ما انتهى الحول أصبحت ملكًا له، وبما أن العبد لا يملك؛ فإنها تكون ملكًا لسيده؛ لأن ما يملك العبد إلا هو ملك لسيده؛ فتغير الحكم هنا. قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): إِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ السَّيِّدُ فَهُوَ الضَّامِنُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا السَّيِّدُ كَانَتْ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَرْجِعُ الْمُلْتَقِطُ

стр. 8400

بِمَا أَنْفَقَ عَلَى اللُّقَطَةِ عَلَى صَاحِبِهَا أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ (١): مُلْتَقِطُ اللُّقَطَةِ متَطَوِّعٌ بِحِفْظِهَا فَلَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى صَاحِبِ اللُّقَطَةِ). هذا هو رأي الأئمة، أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وهي أيضًا رواية للإمام أحمد، والرواية الأخرى عن الإمام أحمد أنه يرجع. قوله: (وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ إِلَّا أَنْ تَكونَ النَّفَقَةُ عَنْ إِذْنِ الْحَاكمِ (٢)، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ مِنْ أَحْكَامِ الِالْتِقَاطِ، وَهَذَا الْقَدْرُ كافٍ بِحَسَبِ غَرَضِنَا فِي هَذَا الْبَابِ). هم قيدوها بهذا، لكنهم مع الجمهور، وعن إذن الحاكم، وسيأتي في اللقيط وهو الذي ذكر فيه العلماء ما يتعلق باستدان الحاكم في الإنفاق عليه، وهو الذي سيأتي فيه الخلاف. قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 8401

(بَابٌ فِي اللَّقِيطِ) (١) هنا اختلف الأمر، فقد مر معنا ما في اللقطة، وما يجده الإنسان من ذهب أو فضةٍ أو عروض تجارة، أو غير ذلك من الحيوان كما عرفنا، أماً هنا فالكلام عن اللقيط، وهو الطفل المنبوذ، الذي طُرح، فقد يجده إنسان مُلقًى في مكان عند باب مسجدٍ، أو في فَلاة، أو في ساحةٍ أو غير ذلك. حكم الالتقاط: الالتقاط مشروع، وقد استدل أهل العلم على مشروعيته بأدلة من الكتاب، والسنة، والقياس. فمن الكتاب: عموم قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وهذا من باب التعاون على البر والتقوى.

стр. 8402

ومن السنة: قول الرسول ﷺ : "واللهُ في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه " (١). أما القياس: فلأن ذلك الإنسان لو تُرك دون أن يُلتقط لمات؛ ولذلك، فلو كان بحاجة إلى الطعام وجب دفعه إليه؛ لأنه مضطر إلى ذلك، فإذا لم يُعط أدَّى ذلك إلى هلاكه، كما أنه لو كان الإنسان في حالة غرق ووجد من يستطيع أن يخلصه من ذلك فيجب عليه إنقاذه. إذًا، كما أنه يجب على الإنسان أن يُطعم المضطر، ويُخلص الغريق من غرقه إن استطاع؛ كذلك هنا يجب عليه أخذ اللقيط. أما من حيث وجوب ذلك، فهل يكون وجوبًا عينيًّا أو كفائيًّا؛ فالصحيح أنه كفائيٌّ (٢)، لو قام به واحد سقط عن الباقين، ولو تركوه

стр. 8403

جميعًا لأثموا؛ لأنها نَفْسٌ يجب الحرص على إحيائها، فمن ترك هذه النفس تموت فإنه آثم؛ هذا فيما يتعلق بأصل المشروعية. قوله: (وَالنَّظَرُ فِي أَحْكَامِ الِالْتِقَاطِ وَفِي الْمُلْتَقِطِ وَاللَّقِيطِ وَفِي أَحْكَامِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ ضَائِعٍ لَا كَافِلَ لَهُ فَالْتِقَاطُهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ (١)). وهذا أيضًا هو رأي الإمام أحمد (٢).

стр. 8404

قوله: (وَفِي وُجُوبِ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ خِيفَةَ الِاسْتِرْقَاقِ خِلَافٌ) (١). الإشهاد على التقاطه فيه خلاف، وأكثر العلماء لا يرون ذلك؛ لأن المقصود باللقطة حفظ المال فلا يحتاج إلى إشهاد. مثال: إذا ذهبت لتشتري وتبيع، هل تحتاج أن يكون معك شخص ليشهد؟ لا يحتاج الأمر إلى ذلك؛ لأن المقصود حفظ المال، لكن هنا في اللقيط المقصود هو حفظ نسبه وحريته؛ فكان الأمر بالنسبة له آكد وأهم، ولذلك قال بعض العلماء بوجوب الإشهاد، وهما وجهان عند الحنابلة: وجه بوجوب الإشهاد (٢)، وآخر بعدمه، لكنه بلا شك آكد من اللقطة (٣).

стр. 8405

فالذين قالوا: لا إشهاد. قاسوه على اللقطة، لكنه في الحقيقة قياسٌ مع الفارق؛ لأن اللقطة يقصد في الإشهاد هو حفظ المال والمحافظة عليه، وبالنسبة للقيط هو حفظ نسبه وحريته، فهو أشبه بالنكاح، فكما أن النكاح لا يجوز إلا بولي وشاهدي عدل، كذلك أيضًا قالوا هنا: لا بد من الإشهاد. قوله: (وَالْخِلَافُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاخْتِلَافِ في الْإِشْهَادِ عَلَى اللُّقَطَةِ. وَاللَّقِيطُ: هُوَ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ غَيْرُ الْبَالِغِ). وبعض العلماء يسميه: الطفل المنبوذ، وقد جاء في بعض الآثار تسميته بالمنبوذ (١). قوله: (وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا، فَفِيهِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ تَرَدُّدٌ (٢) وَالْمُلْتَقِطُ: هُوَ كُلُّ حُرٍّ عَدْلٍ رَشِيدٍ).
следующие страницы →