← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.

стр. 8401

(بَابٌ فِي اللَّقِيطِ) (١) هنا اختلف الأمر، فقد مر معنا ما في اللقطة، وما يجده الإنسان من ذهب أو فضةٍ أو عروض تجارة، أو غير ذلك من الحيوان كما عرفنا، أماً هنا فالكلام عن اللقيط، وهو الطفل المنبوذ، الذي طُرح، فقد يجده إنسان مُلقًى في مكان عند باب مسجدٍ، أو في فَلاة، أو في ساحةٍ أو غير ذلك. حكم الالتقاط: الالتقاط مشروع، وقد استدل أهل العلم على مشروعيته بأدلة من الكتاب، والسنة، والقياس. فمن الكتاب: عموم قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وهذا من باب التعاون على البر والتقوى.

стр. 8402

ومن السنة: قول الرسول ﷺ : "واللهُ في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه " (١). أما القياس: فلأن ذلك الإنسان لو تُرك دون أن يُلتقط لمات؛ ولذلك، فلو كان بحاجة إلى الطعام وجب دفعه إليه؛ لأنه مضطر إلى ذلك، فإذا لم يُعط أدَّى ذلك إلى هلاكه، كما أنه لو كان الإنسان في حالة غرق ووجد من يستطيع أن يخلصه من ذلك فيجب عليه إنقاذه. إذًا، كما أنه يجب على الإنسان أن يُطعم المضطر، ويُخلص الغريق من غرقه إن استطاع؛ كذلك هنا يجب عليه أخذ اللقيط. أما من حيث وجوب ذلك، فهل يكون وجوبًا عينيًّا أو كفائيًّا؛ فالصحيح أنه كفائيٌّ (٢)، لو قام به واحد سقط عن الباقين، ولو تركوه

стр. 8403

جميعًا لأثموا؛ لأنها نَفْسٌ يجب الحرص على إحيائها، فمن ترك هذه النفس تموت فإنه آثم؛ هذا فيما يتعلق بأصل المشروعية. قوله: (وَالنَّظَرُ فِي أَحْكَامِ الِالْتِقَاطِ وَفِي الْمُلْتَقِطِ وَاللَّقِيطِ وَفِي أَحْكَامِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ ضَائِعٍ لَا كَافِلَ لَهُ فَالْتِقَاطُهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ (١)). وهذا أيضًا هو رأي الإمام أحمد (٢).

стр. 8404

قوله: (وَفِي وُجُوبِ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ خِيفَةَ الِاسْتِرْقَاقِ خِلَافٌ) (١). الإشهاد على التقاطه فيه خلاف، وأكثر العلماء لا يرون ذلك؛ لأن المقصود باللقطة حفظ المال فلا يحتاج إلى إشهاد. مثال: إذا ذهبت لتشتري وتبيع، هل تحتاج أن يكون معك شخص ليشهد؟ لا يحتاج الأمر إلى ذلك؛ لأن المقصود حفظ المال، لكن هنا في اللقيط المقصود هو حفظ نسبه وحريته؛ فكان الأمر بالنسبة له آكد وأهم، ولذلك قال بعض العلماء بوجوب الإشهاد، وهما وجهان عند الحنابلة: وجه بوجوب الإشهاد (٢)، وآخر بعدمه، لكنه بلا شك آكد من اللقطة (٣).

стр. 8405

فالذين قالوا: لا إشهاد. قاسوه على اللقطة، لكنه في الحقيقة قياسٌ مع الفارق؛ لأن اللقطة يقصد في الإشهاد هو حفظ المال والمحافظة عليه، وبالنسبة للقيط هو حفظ نسبه وحريته، فهو أشبه بالنكاح، فكما أن النكاح لا يجوز إلا بولي وشاهدي عدل، كذلك أيضًا قالوا هنا: لا بد من الإشهاد. قوله: (وَالْخِلَافُ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاخْتِلَافِ في الْإِشْهَادِ عَلَى اللُّقَطَةِ. وَاللَّقِيطُ: هُوَ الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ غَيْرُ الْبَالِغِ). وبعض العلماء يسميه: الطفل المنبوذ، وقد جاء في بعض الآثار تسميته بالمنبوذ (١). قوله: (وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا، فَفِيهِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ تَرَدُّدٌ (٢) وَالْمُلْتَقِطُ: هُوَ كُلُّ حُرٍّ عَدْلٍ رَشِيدٍ).

стр. 8406

"الحر"، يخرج من ذلك العبد، والمكاتِب، والمدبر، فيخرجون لأن العبد لا يلتقط، لكن مِن العلماء من قال: إذا لم يوجد غيره فإنه يلتقط (١)؛ لأن في ذلك حفظًا للنفس حتى لا تموت؛ إذًا، هو ليس له أن يلتقط لأنه ليس من أهل الولاية، والالتقاط ولاية؛ لأنه إذا التقطه سيتولى أمره، كما أنَّ العبد لا يتولى أمر نفسه، فكيف يتولى أمر غيره؟! لكن إذا لم يوجد ملتقط غيره من الأحرار، فإنه يلتقط في هذه الحال حفاظًا على حياة ذلك الطفل الملقى. "العدل "، يخرج الفاسق، معنى هذا بأن الفاسق لا يلتقط؛ لأنه ليس

стр. 8407

من أهل الولاية، فهو مُخِلٌّ فيما يتعلق بذاته في دينه، فكيف يؤمن على شخص معه؟! فإن أخذه فاسق غير أمين عليه؛ فإنه يُنزع من يده. "رشيد"، يخرج السفيه؛ لأن السفيه (١) هو الذي يبذِّر، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾، وإذا كان السفيه يُحْجَر عليه في مال نفسه لسوء تصرُّفه، فكيف يولَّى أمر غيره. قوله: (وَلَيْسَ الْعَبْدُ وَالْمَكَاتِبُ بِمُلْتَقِطٍ، وَالْكَافِرُ دُونَ الْمُسلِمِ) (٢). فالكافر يلتقط الكافر، أما أنه يلتقط المسلم، فلا؛ لأن الالتقاط ولاية، والكافر ليس من أهل الولاية، أما المسلم فله أن يلتقط كافرًا؛ لأن الإسلام يعلو ولا يُعلَا عليه. قوله: (وَالْكَافِرُ دُونَ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَيَلْتَقِطُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَيُنْزَعُ مِنْ يَدِ الْفَاسِقِ وَالْمُبَذِّرِ). الفاسق؛ لأنه غير أمين عليه، والمبذر؛ لأنه لا يحسن التصرف. قوله: (وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمُلْتَقِطِ الغِنَى). فالغنى ليس شرطًا؛ لأن الغِنَى لا أثر له في ذلك. قوله: (وَلَا تَلْزَمُ نَفَقَةُ الْمُلْتَقَطِ عَلَى مَنِ الْتَقَطَهُ). مر بنا في باب النفقات أنها تجب لواحد من أربع: القريب الذي تجب النفقة عليه، كالأبناء الصغار، أو الوالدين. ما يتعلق بالنكاح، وهو ما يكون بين الزوجين كنفقة الزوج على زوجته.

стр. 8408

ما يتعلق بالولاء والملك، فالسيد مسؤول عن عبده؛ فيجب عليه أن ينفق عليه. فهؤلاء الذين تجب نفقتهم، وما عدا ذلك فلا، فهذا ليس ولدًا، وليس مما يتعلق بالأمور الأخرى، ولا رق عليه هنا؛ لأنه حر كما سيأتي. قوله: (وَإِنْ أَنْفَقَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ). هذا فيه كلام طويل للعلماء، فبعضهم يُفصِّل ويقول: إن أنفق عليه بإذن الإمام بنِيَّة أن يرجع إليه فإنه يرجع إليه إذا كان أيسر، يعني إذا شب هذا الغلام اللقيط، وكبر وأصبح يعمل، وعنده مال؛ فإنه يطالبه بالنفقة عليه، هذا إذا استأذن الإمام فأذن له (١).

стр. 8409

وأما إذا لم يستأذن الإمام وأنفق عليه؛ فبعض العلماء قال: يرجع على بيت المال كما هو عند الحنابلة، وبعضهم قال: يرجع إليه، وهو شريح وإسحاق، وجمهور العلماء قالوا: لا يرجع عليه بشيء، وأقصد بهم أبا حنيفة، ومالك، والشافعي. قوله: (وَأَمَّا أَحْكَامُهُ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ لَهُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ إِنِ الْتَقَطَهُ فِي دَارِ الْمُسْلِمِينَ) (١). إذا التُقط في دار المسلمين فهو مسلم بلا شك، وإن التُقط في دار فيها مسلمون، فيُحكَم بإسلامه تغليبًا للمسلمين؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلا عليه، بل قال بعض العلماء: لو كان في بلد لا يوجد فيها إلا أسرة واحدة مسلمة؛ فإنه يُحْكَم بإسلامه تغليبًا للإسلام (٢).

стр. 8410

قوله: (وَيُحْكَمُ لِلطِّفْلِ بِالْإِسْلَامِ بِحُكْمِ أَبِيهِ عِنْدَ مَالِكٍ (١)، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِحُكْمِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمَا (٢)). وهذا رأي الجمهور، وهو أولى؛ لأنه ينظر إلى مصلحته، ودائمًا الإسلام يُقدَّم على غيره، فمن يسلم منهما يُلحق به، لكن لو كانا متساويين فإنه يلحق بالأب. قوله: (وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ (٣). وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اللَّقِيطِ (٤) فَقِيلَ إِنَّهُ عَبْدٌ لِمَنِ الْتَقَطَهُ (٥)). هذه مسألة مهمة جدًّا، فهذا اللقيط الذي وُجد منبوذًا مُلقًى على الأرض في فراش ملفوف، أو لفافة، أو غير ذلك من الأمور، حكمه أنه حر، وهذا أُثِر عن الصحابة، والتابعين، والأئمة الأربعة، وغيرهم، ولم يُذكر مَن خالف في ذلك إلَّا الإمام النخعي من التابعين، فإنه قال: يكون عبدًا. بل فصَّل فقال: إن التقطه احتسابًا لوجه الله ؛ يكون حرًّا، وإن التقطه بنية الرِّق يكون رقيقًا (٦).

стр. 8411

وأما الإمام ابن المنذر فقد حكى إجماع العلماء على أنه حر (١)؛ لأن الأصل في بني آدم وذريته أنهم أحرار؛ لأن الله خلق آدم وبَنِيه أحرارًا، والله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، وهذا الرق إنما هو لأمر عارض، ويحصل نتيجة قتال الكفار، وإذا زال هذا العارض زال الرق تباعًا، والإسلام فتح أبوابًا كثيرة في إعتاق الرقيق كما عُرف ذلك ومَر بنا. قوله: (وَقِيلَ إِنَّهُ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لِمَنِ الْتَقَطَهُ). وهذا قول القاضي شريح، وإسحاق بن راهويه (٢). قوله: (وَقِيلَ إِنَّهُ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ). وهذا رأي كافة العلماء، منهم الأئمة الأربعة. أما قول من قال: بأنه حر وولاؤه لمن التقطه؛ فهذا معروف، أيْ: تكون له الولاية عليه أنه يرثه. ومعنى قول جمهور العلماء بأنه حر وولاؤه للمسلمين عامة، أي: أنَّ ميراثه لبيت المال، هذا إن لم يكن له وارث. مثال: لو قُدِّرَ أنه جمع مالًا ولم يتزوج، ولم يكن له أحد؛ فإنه في هذه الحال يكون ولاؤه للمسلمين عمومًا. والتعبير عن المسلمين عمومًا عن بيت المال، أي: يُرَد الميراث إلى بيت المال.

стр. 8412

أما إن كان له وارث كزوجةٍ فإنها تأخذ نصيبها، وإن كان له أولاد يستغرقون الميراث؛ أخذوا، وإن بقي شيء يُرد إلى بيت المال؛ لأن بيت المال هو الذي ينفق عليه، فكذلك أيضًا له أن يرثه، وهذا هو الرأي الصحيح، وهو الأقرب. قوله: (وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ) (١). وأبي حنيفة (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد (٤)، والفقهاء كافة. قوله: (وَالَّذِي تَشْهَدُ لَهُ الْأُصُولُ). يعني ذلك تابع لكلام الجمهور. قوله: (إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ تُخَصَّصُ بِهِ الْأُصُولُ، مِثْلَ قَوْلِهِ ﵊: "تَرِثُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةً: لَقِيطَهَا، وَعَتِيقَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَت عَلَيْهِ" (٥)). الحديث أوله: "تحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها،

стр. 8413

وولدها الذي عنت عنه" (١)، وسيأتي الكلام عنه في (كتاب الفرائض)، لكن هذا الحديث اختلف فيه، وهو حجة للذين يقولون بأن ولاءه لمن التقطه. "المرأة ترث عتيقها": وهذا معروف، وكذلك أيضًا "لقيطها"، وهذه لفظة الشاهد من الحديث، لكن الجمهور اعترضوا عليه بالحديث المتفق عليه: "إنما الولاء لمن أعتق" (٢)، وأجابوا عن أثر عمر - ﵁ - أنه فيه كلام في تصحيحه وتضعيفه؛ فعلى فرضٍ لو سلمنا أنه صحيح، فقول عمر: "وولاؤه لك "، يعني لك الولاية عليه، لا أن القصد بولائه أنه هو مولاه، وهذا الحديث أيضًا قالوا: فيه ضعف؛ لأن الحديث: "المرأة تحوز ثلاثة مواريث" فيه كلام للعلماء، وهو صحيح، فقد أخرجه أصحاب السنن (٣)، ولكن النسائي في "السنن الكبرى" (٤)، وأحمد (٥)، والبيهقي (٦)، وغيرهم (٧)، وضعفه بعضهم (٨)، لكن الجمهور استدلوا بالحديث المتفق عليه: "إنما الولاء لمن أعتق" (٩)، وهذا لم يعتقه، فكيف تكون له الولاية عليه؛ هذا هو جواب الجمهور، وهو أظهر، والله أعلم.

стр. 8414

[كتاب الوديعة] الوديعة في اللغة: فعيلة من ودع الشيء بمعنى: سكن أو ترك؛ لأنها تسكن عن المودع عنه، وأيضًا تُتْرك عنده (١). وفي الاصطلاح: المال الذي يُوضَع عند إنسان أجنبي ليحفظه، أو هي العين التي توضع عند آخر ليقوم بحفظها ورعايتها (٢). وقد أمر الله بأداء الأمانات، وأمر بحفظها، ولا شك أن الوديعة نوع من أنواع الأمانات، يقول : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]. وهذه الآية مع إيجازها قد ألف فيها شيخ الإسلام ﵀ كتابه الموسوم بـ "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية". دليل الوديعة: * قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]. * وقوله : ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].

стр. 8415

*وقوله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾، وإن كانت في الآية الأخيرة هي أعم، لكن الوديعة نوع منها: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢]. *وقال ﵊: "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَن ائْتَمَنَك، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" (١). إذًا، لا شك أن الوديعة أمانة، فهي نوع من أنواع الأمانات، وقد أخبر حذيفة في حديثه الطويل المتفق عليه أن رسول الله ﷺ أخبره بنزول الأمانة في جَذْر قلوب الرجال، وأخبره أيضًا عن ذهاب الأمانة في آخر الزمان (٢). قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَجُلُّ المَسَائِلِ المَشْهُورَةِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ هِيَ فِي أَحْكَامِ الوَدِيعَةِ، فَمِنْهَا: أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا أَمَانَةٌ لَا مَضْمُونَةٌ) (٣)؛ لأن الوديعة إذا تَقبَّلها إنسان، فهو مُحسن بذلك؛ لأن

стр. 8416

مَن أراد أن يضع ماله عند أحد لا بد أن يختار ثقةً يحفظ له ماله، وهذا قليل في هذا الزمان كما سيأتي أنه في آخر الزمان يُسأل عن رجل أمين، فيقال: في قبيلة فلان، أو في بني فلان، فيُقال: ما أعقله! ما أظرفه (١)! إلى آخره، فيُستغرب أن يوجد رجل يحفظ الأمانة في ذلك الزمان، والحمد للّه لا يزال في زماننا هذا كثير من الناس ممن يحفظون الأمانة، ويحافظون عليها، وكثير من الناس في هذا الزمان -بحمد الله- فيهم الخير. إذن، يُختار لحفظ الأمانة إنسان صالح أمين يشتهر بين الناس بتلك الصفات، ولذلك نجد أن رسول الله ﷺ كانت تُوضع عنده الأمانات لمَّا كان بمكة، ولمَّا أراد الهجرة إلى المدينة -كما أخرج ذلك البيهقي في "السنن الكبرى" وغيره- ترك تلك الأمانات التي كانت عنده عند أمِّ أيمن حاضنة رسول الله ﷺ ، وأمر عليَّ بن أبي طالبٍ أن يردها إلى أصحابها (٢). فما أحسن خُلُقه ﵊! قد أُخْرجَ من بلده، واعتُدِيَ عليه، وأُخذَتْ أمواله، وغير ذلك من أنواع الأذى، ومع ذلك وضع الأمانات التي كانت عنده عند أم أيمن، وأمر عليًّا أن يردها إلى أصحابها وهم كفار.

стр. 8417

وقال ﷺ : "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَن ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" (١)، أي: لو خانك إنسان، فلا يجوز لك أن تعامله بمثل معاملته، بل تعامله بالأمانة. قوله: (إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب) (٢)، اتفق العلماء على أن الوديعة أمانة لا تُضْمن إلا إذا حصل فيها تفريطَ، إلا ما أثِرَ عن عمر ﷺ من أنه ضَمَّنَ أنس بن مالك أمانةً كانت عنده خلطها بماله فذهبت، أو ذهبت مع بعض ماله (٣). وقَدْ أجَابَ العلماء بأن ذلك ربما حَصَل بتَفْرِيطٍ من أنسٍ ﵁، وإلا كيف يُضمِّنه عمر والمسألة متفق عليها بين العلماء. إذًا، الأمين المستودع الذي توضع عنده الأمانات لا يُضمَّن إلا إذا فرَّط؛ لأنه لو كان ضامنًا لما أقبل أحدٌ على قبول أمانة أحد؛ لأنه يقدم عملًا طيبًا، وإحسانًا إلى الناس، وبرًّا إليهم، فكيف يضمن أيضًا. قوله: (قَالَ المَالِكِيُّونَ (٤): وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا أَمَانَةٌ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِرَدِّ الأَمَانَاتِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِالإِشْهَادِ)؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، يعني: تردُّوا الأمَانات إلى أهلها؛ لأنه شيءٌ مستأمنٌ يجب ردّهُ لأهله. قوله: (فَوَجَبَ أَنْ يُصَدَّقَ المُسْتَوْدَعُ فِي دَعْوَاهُ رَدَّ الوَدِيعَةِ مَعَ

стр. 8418

يَمِينِهِ إِنْ كذَّبَهُ المُودِعُ)، وقد جاء في حديث: "المستودع لا ضمان عليه" (١)، يعني: من وضعت عنده الوديعة. قوله: (قَالُوا: إِلَّا أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ القَوْلُ قَوْلَهُ، قَالُوا: لِأَنَّها إِذَا دَفَعَهَا إِلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ، فَكَأَنَّهُ ائتَمَنَهُ عَلَى حِفْظِهَا وَلَمْ يَأْتَمِنْهُ عَلَى رَدِّهَا، فَيُصَدَّقُ فِي تَلَفِهَا، وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى رَدِّهَا، هَذَا هُوَ المَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ (٢). لكن خالفه الجمهور في هذا، ومنهم بعض المالكية (٣). قوله: (وَقَدْ قِيلَ عَنِ ابْنِ القَاسِمِ (٤): إِنَّ القَوْلَ قَوْلُهُ وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ (٥) ...........................

стр. 8419

وَأَبُو حَنِيفَةَ (١)). وكذلك الإمام أحمد (٢)، وقيل: هو الرأي الصحيح، وهو رأي جماهير العلماء (٣)، وعندما اختير كان أمينًا ومشتهرًا بين الناس بهذا. فالرجل الذي يشتهر بالأمانة بين الناس، لا يُعرَف عنه الخيانة، وإن وُجد ذلك فهو نادرٌ، بل أندر من النادر، فينبغي أن يكون ذلك الشخص محل ثقة واطمئنان، وإلا إذا صار محل شكٍّ، فإن الناس يتبرؤون من تحمُّل الأمانات، ويتباعدون عنها، والناس بحاجةٍ إلى من يودعون عنده الأمانات. وربما الآن قد حصل تطور في المصارف، وفي حفظ الأمانات، لكننا نتكلم عن الأمانات عمومًا، فبعض الناس لا يريد أن يضع ماله في مصرف أو بنك، وإنما يريد أن يضعها عند ثقةٍ، ثم هذا التطور قد لا يكون متوفرًا في كل مكان، فقد يكون الإنسان في مكانٍ ناءٍ، فيحتاج إلى إنسانٍ يحفظ ماله عنده لعدم وجود مكانٍ آمنٍ عنده يحفظه فيه.

стр. 8420

قوله: (وَهُوَ القِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ التَّلَفِ وَدَعْوَى الرَّدِّ، وَيَبْعُدُ أَنْ تَنْتَقِضَ الأَمَانَةُ). فَلَا يُضَمَّن إذا تلفت عنده بلا تفريطٍ (١)، وكذلك أيضًا هذه المسألة. قوله: (وَهَذَا فِيمَنْ دَفَعَ الأَمَانَةَ إِلَى اليَدِ الَّتِي دَفَعَتْهَا إِلَيْهِ. وَأَمَّا مَنْ دَفَعَهَا إِلَى غَيْرِ اليَدِ الَّتِي دَفَعَتْهَا إِلَيْهِ، فَعَلَيْهِ مَا عَلَى وَلِيِّ اليَتِيمِ مِنَ الإِشْهَادِ عِنْدَ مَالِكٍ وَإِلَّا ضُمِّنَ) (٢). وبعض العلماء يقول باليمين وإلا ضُمِّن (٣). قوله: (يُرِيدُ قَوْلَ اللَّهِ : ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦]). آخر الآيات التي مرَّت بنا وهي قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ

стр. 8421

يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ٦]، إذًا، هذا من باب التوثق. قوله: (فَإِنْ أَنْكَرَ القَابِضُ القَبْضَ، فَلَا يُصَدَّقُ المُسْتَوْدَعُ فِي الدَّفْعِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ (١). وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يَتَخَرَّجُ مِنَ المَذْهَبِ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ أَمَرَ صَاحِبُ الوَدِيعَةِ بِدَفْعِهَا إِلَى الَّذِي دَفَعَهَا أَوْ لَمْ يَأْمُرْ (٢). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): إِنْ كَانَ ادَّعَى دَفْعَهَا إِلَى مَنْ أَمَرَهُ بِدَفْعِهَا، فَالقَوْلُ قَوْلُ المُسْتَوْدَعِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ أَقَرَّ المَدْفُوعُ إِلَيْهِ بِالوَدِيعَةِ، أَعْنِي: إِذَا كَانَ غَيْرَ المُودِعِ). يَقْصد المستودَع الذي عنده الأمانة، وقد ورد في ذلك حديث:

стр. 8422

"المستودَع لا ضمان عليه "، عند البيهقي (١). قوله: (وَادَّعَى التَّلَفَ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ المُسْتَوْدَعُ دَفَعَهَا إِلَى أَمَانَةٍ (وَهُوَ وَكِيلُ المُسْتَوْدَعِ) أَوْ إِلَى ذِمَّةٍ، فَإِنْ كَانَ القَابِضُ أَمِينًا، فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ القَاسِمِ، فَقَالَ مَرَّةً: يُبَرَّأُ الدَّافِعُ بِتَصْدِيقِ القَابِضِ، وَتَكُونُ المُصِيبَةُ مِنَ الآمِرِ الوَكيل بالقَبْض، وَمَرَّةً قَالَ: لَا يُبَرَّأُ الدَّافِعُ إِلَّا بِإِقَامَةِ البَيِّنَةِ عَلَى الدَّفْعِ أَوْ يَأْتِي القَابِضُ بِالمَالِ، وَأَمَّا إِنْ دَفَعَ إِلَى ذِمَةٍ (٢). يعني: الدفع إلى القابض مباشرةً، يدفعها الإنسان، وإلى ذمة إنسان يقبله أن يتسلَّفها. قوله: (مِثْلَ أَنْ يَقُولَ رَجُلٌ لِلَّذِي عِنْدَهُ الوَدِيعَةُ: ادْفَعْهَا إِلَيَّ سَلَفًا، أَوْ تَسَلُّفًا فِي سِلْعَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ). "سلفًا"، أي: يعطيه قصده قرضًا وتسلُّفًا في مقابل سلعة (٣)، لكن هل للأمين أن يتصرف في ذلك؟

стр. 8423

قوله: (فَإِنْ كَانَتِ الذِّمَّةُ قَائِمَةً، بَرِئَ الدَّافِعُ فِي المَذْهَبِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ (١)، وَإِنْ كَانَتِ الذِّمَّةُ خَرِبَةً، فَقَوْلَانِ) (٢). "خربةً"، أيْ: مات صاحبها وزالت، فلم يصبح موجودًا. قوله: (وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ كلِّه أَنَّ الأَمَانَةَ تُقَوِّي دَعْوَى المُدَّعِي حَتَّى يَكُونَ القَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ). يعني: جانب المودع أقوى دائمًا؛ لأنه محل ثِقَةٍ. قوله: (فَمَنْ شَبَّهَ أَمَانَةَ الَّذِي أَمَرَهُ المُودِعُ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَيْهِ (أَعْنِي: الوَكِيلَ) بِأَمَانَةِ المُودِعِ عِنْدَهُ). وَهذه صورةٌ أخرى، أي: أن نفس الذي أودع المبلغ يقول للمودع عنده: ادفعها لفلانٍ، أي: لوكيله في القبض، فهل هذا الذي يُدْفَعُ له المال يُنزَّل منزلة المستودع عنده في الأمانة أو لَا؟ هذه الصورة التي يريد المؤلف أن يتكلم عنها، وهي مسألة أخرى، كأن يقول له: ادفع هذا المال الذي عندك أمانة لفلان، فيدفعها له، فهل هذا الذي يُدفَع له المال (الرجل الثاني) ذمَّته بمثابة ذمة المستودع عنده أو أنها أضعف؟ قوله: (قَالَ: يَكُونُ القَوْلُ قَوْلَهُ فِي دَعْوَاهُ التَّلَفَ، كَدَعْوَى المُسْتَوْدَعِ عِنْدَهُ)، كَمَنْ وضع عند رجلٍ أمانة وقال له: قَبِّضها فلانًا، ثم

стр. 8424

فعل ما أمره، فتلفت عند القابض، فهل يُقْبَلُ قوله كما يقبل قول المودع عنده الأصلي أو لا؟ يقول المؤلف والمالكية (١): إِنْ نزَّلنا ذمة القابض الأخير (الوكيل) في القبض ذمةَ الذي وُضعت عنده الأمانة، فلا ضمان عليه، وإنْ كان دون ذلك، فعليه الضمان. قَوْله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ تِلْكَ الأَمَانَةَ أَضْعَفُ، قَالَ: لَا يُبَرَّأُ الدَّافِعُ بِتَصْدِيقِ القَابِضِ مَعَ دَعْوَى التَّلَفِ. وَمَنْ رَأَى المَأْمُورَ بِمَنْزِلَةِ الآمِرِ قَالَ: القَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ لِلْمَأْمُورِ، كمَا كَانَ القَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ الآمِرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (٢). وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ أَضْعَفُ مِنْهُ، قَالَ: الدَّافِعُ ضَامِنٌ إِلَّا أَنْ يُحْضِرَ القَابِضُ المَالَ، وَإِذَا أَوْدَعَهَا بِشَرْطِ الضَّمَانِ، فَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ (٣)).

стр. 8425

فَمَنْ قال بالضمان، فكلامُهُ غير صحيحٍ، يعني: لو أن إنسانًا جاء بأمانة، وقال: يا فلان، ضَعْها عندك بشرطَ أن تضمنها إن تلفت، فلا ضمان عليه حتى لو وافق على هذا الشرط؛ لأن هذا يعتبر من باب التعسف، واستعمال الحق في غير ما شُرِعَ له. قوله: (وَقَالَ الغَيْرُ: يُضَمَّنُ)، يعني: سيلخص ما مضى سابقًا. قوله: (وَبِالجُمْلَةِ، فَالفُقَهَاءُ يَرَوْنَ بِأَجْمَعِهِمْ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ الوَدِيعَةِ إِلَّا أَنْ يَتَعَدَّى، وَيَخْتَلِفُونَ فِي أَشْيَاءَ، هَلْ هِيَ تَعَدِّ أَمْ لَيْسَ بِتَعَدٍّ؟ فَمِنْ مَسَائِلِهِمُ المَشْهُورَةِ فِي هَذَا البَاب إِذَا أَنْفَقَ الوَدِيعَةَ، ثُمَّ رَدَّ مِثْلَهَا، أَوْ أَخْرَجَهَا لِنَفَقَتِهِ ثُمَّ رَدَّهَا، فَقَالَ مَالِكٌ: "يَسْقُطُ عَنْهُ الضَّمَان بِحَالَةٍ مِثْلِ إِذَا رَدَّهَا" (١)). يعني: أخذ الوديعة ثم أنفقها على بيته، أو أعطاها أحدًا ثم ردَّها ووضعها في مكانها الذي كانت فيه. قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "إِنْ رَدَّهَا بِعَيْنِهَا قَبْلَ أَنْ يُنْفِقَهَا لَمْ يُضَمَّنْ).

стр. 8426

يعني: بمجرد أن أخرجها من الكيس أو الصندوق ثم تدارك وأعادها. قوله: (وَإِنْ رَدَّ مِثْلَهَا ضُمِّنَ" (١)، وَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ (٢) وَالشَّافِعِيُّ (٣): "يُضَمَّنُ فِي الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا"، فَمنْ غَلَّظَ الأَمْرَ ضَمَّنَهُ إِيَّاهَا بِتَحْرِيكِهَا وَنِيَّةِ اسْتِنْفَاقِهَا، وَمَنْ رَخَّصَ لَمْ يُضَمِّنْهَا إِذَا أَعَادَ مِثْلَهَا). وقال عبد الملك والشافعي وأحمد (٤): يضمن على الوجهين معًا؛ سواء أخرجها فأنفقها، أو أعطاها أحدًا فردَّها، أو بمجرد أنْ أخرجها فردها، فإنه يضمن في الجميع؛ لأنه مطالبٌ بأن يبقيها في مكانها، وأن يحفظها؛ لأنه ما المانع أن تقع عليها عين حالَ إخراجها، فيكون ذلك دافعًا إلى الاعتداء عليها. ووجهة مَنْ قال بضمانه: أنهم اعتبروا ذلك تعدِّيًا عليها، فمن أخرجها من حِرْزِهَا، فقد تعدى عليها. وقال الآخرون: إنْ ضاعت بعد إخراجها من حِرْزِهَا ضمنها، أمَّا إن

стр. 8427

أعادها، فلا ضمان عليه، وأكثر الفقهاء يرون بأنه تصرف تصرفًا غير مشروع، فإن تلفت فإنه يضمن. ومنَ المعلوم أن مَنْ وُضِعَتْ عنده أمانة ثم أخرجها فأنفقها، فقد وضع نفسه موضع الشُّبهة، فكونه أنفقها فقد صار محل شبهة، وفي الحديث: "دع ما يَريبك إلى ما لَا يريبك" (١)، وربما يُرَى في حالة إخراجها، فيكون ذلك حافزًا ودافعًا للتعدي عليه. قوله: (وَمِنْهَا: اخْتِلَافُهُمْ فِي السَّفَرِ بِهَا، فَقَالَ مَالِكٌ: "لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا إِلَّا أَنْ تُعْطَى لَهُ فِي سَفَرٍ" (٢)، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِهَا إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا وَلَمْ يَنْهَهُ صَاحِبُ الوَدِيعَةِ") (٣). ويُقيَّد الأَمْرُ عند الإمامين، فيسافر بها إذا كان الطريق آمنًا غير مخوفٍ، أما إذا كان الطريق مخوفًا كأن يكون فيه لصوصٌ أو غير ذلك، فلا ينبغي أن يسافر بها؛ لأنه يعرِّضها بذلك للخطر، ويغامر بها، فعليه أن يردها إلى صاحبها، فإن لَمْ يجد صاحبها، ردَّها إلى وكيله القابض، فإن لم يجده، سلَّمها إلى الحاكم، فإن لم يستطع وضعها عند ثِقَةٍ. قوله: (وَمِنْهَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُودَعِ عِنْدَهُ أَنْ يُودِعَ الوَدِيعَةَ غَيْرَهُ مِنْ

стр. 8428

غَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ فَعَلَ ضُمِّنَ (١)، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ أَوْدَعَهَا عِنْدَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لَمْ يُضَمَّنْ؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِأَهْلِ بَيْتِهِ (٢). "ليس للمودع عنده "، أي: الَّذي وُضِعَتْ عنده الوديعة، أي: الأمانة أن يودعها عند غيره. "ضُمِّنَ "، أيْ: عند جمهور العلماء والأئمة، وهذا القيد الذي وَضَعه أبو حنيفة قيدٌ إضافيٌّ، وإلا فهو معهم في الحقيقة. قوله: (وَعِنْدَ مَالِكٍ: لَهُ أَنْ يَسْتَوْدِعَ مَا أُودِعَ عِنْدَ عِيَالِهِ الَّذِينَ يَأْمَنُهُمْ، وَهُمْ تَحْتَ غَلَقِهِ مِنْ زَوْجٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ أَمَةٍ ومَنْ أَشْبَهَهُمْ (٣)).

стр. 8429

وَبِالجُمْلَةِ فَعِنْدَ الجَمِيعِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْفَظَهَا مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النَّاسِ أَنْ تُحْفَظَ أَمْوَالُهُمْ، فَمَا كَانَ بَيِّنًا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ حِفْظٌ اتُّفِقَ عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ غَيْرَ بَيِّنٍ أَنَّهُ حِفْظٌ اخْتُلِفَ فِيهِ، مِثْلَ اخْتِلَافِهِمْ فِي المَذْهَبِ فِيمَنْ جَعَلَ وَدِيعَةً فِي جَيْبِهِ فَذَهَبَتْ، وَالأَشْهَرُ أَنَّهُ يُضَمَّنُ) (١). "وَالأَشْهَرُ أَنَّهُ يُضَمَّنُ "؛ لأنه ما وضعها في حرزٍ. قوله: (وَعِنْدَ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فِي المَسْجِدِ، فَجَعَلَهَا عَلَى نَعْلِهِ فَذَهَبَتْ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) (٢).

стр. 8430

لأنَّه يرى أن النعل أمامه ويشاهده، فلم يعرضها للخطر بذلك، أمَّا إنْ كان النعل في مؤخرة المسجد وهو في مكانٍ آخر فقد عرَّضها للخطر بذلك، فالقصد في قول ابن وهب إنْ كان يرى ذلك. قوله: (وُيخْتَلَفُ فِي المَذْهَبِ فِي ضَمَانِهَا بِالنِّسْيَانِ، مِثْلَ أَنْ يَنْسَاهَا فِي مَؤضِعٍ أَوْ يَنْسَى مَنْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ (١)، أَوْ يَدَّعِيهَا رَجُلَانِ، فَقِيلَ: يَحْلِفَانِ وَتُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُضَمَّنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (٢). وَإِذَا أَرَادَ

стр. 8431

السَّفَرَ فَلَهُ عِنْد مَالِكٍ أَنْ يُودِعَهَا عِنْدَ ثِقَةٍ مِنْ أَهْلِ البَلَدِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ قَدَرَ عَلَى دَفْعِهَا إِلَى الحَاكِمِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ (١)). يعني: بأَنْ طرَأ عذرٌ من الأعذار منع أو حال بينه وبين بقاء هذه الأمانة عنده؛ كمَنْ أراد السفر أو حُرِقَ بيته، أو انهدم منزله، أو تخرب المكان الذي هي فيه، أو غرق المكان الذي يعيش فيه .. إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة، فبعض العلماء يُفصِّل القول في ذلك فيقول: يجب عليه في هذه الحالة أن يردها إلى صاحبها (صاحب الوديعة) إن كان موجودًا معه في نفس البلد فيردها إليه، وبذلك تبرأ ذمته، وَإنْ لم يكن موجودًا، فإنه يُسَلِّمها للشخص الذي أمره بقبضها، (أيْ: لوَكيله)، فإن لم يكن موجودًا، فيدفعها إلى الحاكم؛ لأنَّ الحاكمَ هو الذي له الولاية والسلطان بعد ذلك، فهو وليُّ مَنْ لا وليَّ له. فَإِنْ لم يتمكَّن من الذهاب إلى الحاكم، فحِينَئذٍ يضعها عند ثقةٍ، وهذا -كما هو معلومٌ- مذهب الشافعية (٢) والحنابلة (٣).

стр. 8432

إذًا، هذا الذي ذكره المؤلف هو مذهب المالكية، أما أكثر الفقهاء فيردها إلى صاحبها أولًا، فإن لم يجده، ردَّها إلى وكيله، فإن لم يجده، سلمها إلى الحاكم، فإن لم يستطع وضعها عند ثِقَةٍ. وبَعْضهم يرى أن له أن يضعها عند ثقة وإنْ لم يرجع إلى الحاكم؛ لأنه ربما يُفضِّل صاحبها أن تكون عند شخص موثوق به. قوله: (وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنْ أَوْدَعَهَا لِغَيْرِ الحَاكِمِ ضُمِّنَ (١). وَقَبُولُ الوَدِيعَةِ عِنْدَ مَالِكٍ لَا يَجِبُ فِي حَالٍ (٢)، وَمِنَ العُلَمَاءِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ وَاجِبٌ إِذَا لَمْ يجِدِ المُودِعُ مَنْ يُودِعُهَا

стр. 8433

عِنْدَهُ (١)). يرى العلماء كافة أنَّ قبول الوديعة ليس واجبًا؛ لأن هذا من أعمال البر والخير، وتفضُّل من الإنسان، فلذلك لا تجب عليه، لكن قول الإمام مالك يُعْنى بالمصالح، فمَنْ معه أمانة يعلم أنها ستضيع من بين يديه، فَعَليه أن ينظر للمصلحة، فيعطيها لغيره حفاظًا عليها؛ لأنه قد يذهب بها إلى مكانٍ يغلب على ظنه أن تتلف فيه، فيرى في هذه الحالة وجوب إعطائها لشخص أمين كي يحفظها حتى تُردَّ لصاحبها. وبَقُولُ الجمهور: كيف يجب على الإنسان أمرٌ لم تُوجبه الشريعة، فهذا من باب التعاون ليس إلا. قوله: (وَلَا أَجْرَ لِلْمُودَعِ عِنْدَهُ عَلَى حِفْظِ الوَدِيعَةِ) (٢). أي: لا يأخذ أجرًا، ولا يسأل عليها أجرًا، وليس القصد ألا يؤجر الثواب من الله ، فإنه سبحانه يجازي كل إنسان على أيِّ عملٍ حتى الكلمة الطيبة، حتى تبسُّمك في وجه أخيك المسلم (٣)، أو التصدق بتمرة واحدة أو بنصف تمرة (٤)، فما من عملٍ -ولو يراه الإنسان بسيطًا-

стр. 8434

إلا ويجازي عليه الله ، لكن القصد هنا ألا أجر له فيما يتعلق بالدنيا. قوله: (وَمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ أَوْ نَفَقَةٍ، فَعَلَى رَبِّهَا (١)، وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي فَرْعٍ مَشْهُورٍ، وَهُوَ فِيمَنْ أُودِعَ مَالًا فَتَعَدَّى فِيهِ، وَاتَّجَرَ بِهِ فَرَبِحَ فِيهِ، هَلْ ذَلِكَ الرِّبْحُ حَلَالٌ لَهُ أَمْ لَا؟). هذه مسألة مهمة جدًّا، وهذا من باب حفظ الأمانات، وهذه المسألة يذكرها العلماء هنا وفي باب الغصب، يعني: لو أن إنسانًا اغتصب مالًا، ثم بعد ذلك اتَّجر به، ثم ردَّه إلى صاحبه، فإما أن يكون الرد عن طريق القوة، أي: أُمِرَ بذلك، أو تصلُح حاله فيرد ذلك الحق إلى صاحبه.

стр. 8435

ولا شكَّ أن التعدي على حقوق الإنسان وأَكْلها بالباطل من أيِّ إنسان كان من أخطر الأمور، وأعظم الذنوب، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وقال ﵊: "من اقتطع شبرًا من أَرْضٍ، طوقه الله سبع أراضين يوم القيامة" (١)، وهذا في الغصب، وهناك شَبهٌ بينه وبين هذه المسألة، فإذا وضع إنسانٌ مبلغًا من المال عند آخر وديعةً، فأخذ الآخر من ذلك المال فاتَّجر به ثم ربح من ذلك المال، ففيها أمران: أصل المال وربحه، فهل يرد أصل المال إلى صاحبه مع أنه تصرف فيه تصرفَ فضوليٍّ دون أن يستأذنه؟ أو يردهما معًا؟ قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٢)، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو يُوسُفَ (٣) وَجَمَاعَةٌ (٤): "إِذَا رَدَّ المَالَ، طَابَ لَهُ الرِّبْحُ، وَإِنْ كَانَ غَاصِبًا لِلْمَالِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَوْدَعًا عِنْدَهُ"). ويشبه الأئمة هذه المسألة بمسألة الغصب كما مرَّ التنبيه عليه، ولذلك بعض العلماء لا يذكر هذه المسألة في هذا الباب، وإنما يَذْكرها في باب

стр. 8436

الغصب، حتى بعض الكتب الموسَّعة لا يذكرونها إلا في باب الغصب. قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَزُفَرُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: يُؤَدِّي الأَصْلَ، وَيَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ) (١). وهذه روايةٌ للإمام أحمد كذلك (٢). قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: لِرَبِّ الوَدِيعَةِ الأَصْلُ وَالرِّبْحُ). وهذا هو الرأي المشهور عند الحنابلة (٣). قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الأَصْلِ وَالرِّبْحِ، وَقَالَ قَوْمٌ: البَيْعُ الوَاقِعُ فِي تِلْكَ التِّجَارَةِ فَاسِدٌ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ أَوْجَبُوا التَّصَدُّقَ بِالرِّبْحِ إِذَا مَاتَ، فَمَنِ اعْتَبَرَ التَّصَرُّفَ، قَالَ: الرِّبْحُ لِلْمُتَصَرِّفِ، وَمَنِ اعْتَبَرَ الأَصْلَ، قَالَ: الرِّبْحُ لِصَاحِبِ المَالِ، وَلذَلِكَ لَمَّا أَمَرَ عُمَرُ ﵁ ابْنَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ وَعُبَيْدَ اللَّهِ أَنْ يَصْرِفَا المَالَ الَّذِي أَسْلَفَهُمَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ مِنْ بَيْتِ المَالِ، فَاتَّجَرَا فِيهِ فَرَبِحَا، قِيلَ لَهُ: لَوْ جَعَلْتَهُ قِرَاضًا، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ (٤)؛ لأنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لِلْعَامِلِ جُزْءٌ، وَلصَاحِبِ المَالِ جُزْءٌ، وَأَنَّ ذَلِكَ عَدْلٌ).

стр. 8437

هذا الأثرُ ثابتٌ عن عمر ﵁، وقد مرَّ ذكره، ومع ذلك ذكره المؤلف، وقد أوردتُهُ في كتاب القراض؛ لأنَّ هذا هو محله، وهذه قصة معروفة، أن عبد اللّه وعبيد اللّه ابني عمر بن الخطاب ﵃ جميعًا- خرجوا في جيش إلى العراق، فأتيا أبا موسى الأشعري ﵁، وكان واليًا عليها، فتسلَّفا منه مبلغًا، فاشتريا به متاعًا، فأتيا المدينة فباعاه، فربحا، فبلغ ذلك عمر ﵁، وعمر ﵁ من أحرص الناس على مثل هذه الأمور، فلا يُفرِّق بين ولدٍ وغَيْره، فأراد أن يأخذ رأس المال والربح؛ لأن هذا المال الذي أسلفهما أبو موسى الأشعري كان من بيت المال حيث كان واليًا على العراق، فَرَدَّ عليه أحدهما قائلًا: لو تلف أولسنا كنا نضمنه؟ فكذلك أيضًا لنا ربحه، فتكلم أحد الحاضرين فقال: لو جعلته قراضًا. قال: قد جعلته، فأخذ نصف الربح، يعني: القراض المراد به المضاربة، فإنها تُعْرف بالقراض عند أهل الحجاز، وتُعْرف بالمضاربة عند أهل العراق (١)، وهذه آخر مسألة في هذا الباب.

стр. 8438

[كِتَابُ العارِيَّة] الكتاب الذي تُذكر فيه تلك الأركان التي تقوم عليها العارية، وما يُذكر فيه من أحكام كليةٍ أو جزئية، وإن كان في الغالب يقف في مباحثه عند الكليات، إلا أنه قد يعرض كما عرض في هذا الكتاب وغيره إلى بعض المسائل الجزئية. العارية لغةً: مصدر (عارَ) أيْ: ذهب الشيء وعاد، وهذا هو شأن العارية، فإن الإنسان يقدمها تبرعًا لأخيه المسلم؛ لينتفع بها مما يتعلق بأثاث البيت أو نحوه من المنافع، ثم يعيدها إليه (١). العارية في الاصطلاح الفقهي (٢): إباحة منافع عين من أعيان المال

стр. 8439

مما يجوز أن يعار (١). فهو يدخل في تعريف العارية كما ذكر الصحابة من الحلي والدلو، وما يتعلق بالحيوان والسيارات في هذا الزمان، فإن للإنسان أن يعير أخاه المسلم ويسد حاجته في ذلك. قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَالنَّظَرِ فِي العارِيَّة فِي أَرْكَانِهَا وَأَحْكَامِهَا. وَأَرْكَانُهَا خَمْسَةٌ: الْإِعَارَةُ). "الإعارة": هي الفعل الذي يقوم به الإنسان، فيعطي أخاه شيئًا لينتفع به ويرده إليه. قوله: (وَالْمُعِيرُ). الذي يعطي. قوله: (وَالْمُسْتَعِيرُ). أخر العاردة. قوله: (وَالْمُعَارُ). هو الشيء الذي يعطيه شخص لآخر لينتفع به على أن يرده.

стр. 8440

قوله: (وَالصِّيغَةُ). هل هناك صيغة معينة؟ هل يكتفي على لفظ أعرتك، أو هذه إعارة أقدمها لك؟ أو إنها تجوز بأي لفظ يدل عليها؟ قوله: (أَمَّا الْإِعَارَةُ: فَهِيَ فِعْلُ خَيْرٍ وَمَنْدُوبِ إِلَيْهِ (١)، وَقَدْ شَدَّدَ فِيهَا قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ الْأَوَّلِ (٢)). بعض السلف يرون أنها واجبة، وحجتهم في ذلك، قول الله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]، ويأخذون أيضًا بعموم قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها … " (٣)، وهو حديث طويل ومعروف، وقد مر بنا في أبواب الزكاة، وتكلمنا عنه. ولما سئل رسول الله ﷺ عن حقها أشار إلى أنه إعطاء الدلو (٤)، أي: إعارته، وكذلك إطراق الفحل، ومنحة اللبن؛ فهذه من الأمور الطيبة التي أشار إليها الحديث.
следующие страницы →