الغصب، حتى بعض الكتب الموسَّعة لا يذكرونها إلا في باب الغصب.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَزُفَرُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: يُؤَدِّي الأَصْلَ، وَيَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ) (١).
وهذه روايةٌ للإمام أحمد كذلك (٢).
قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: لِرَبِّ الوَدِيعَةِ الأَصْلُ وَالرِّبْحُ).
وهذا هو الرأي المشهور عند الحنابلة (٣).
قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الأَصْلِ وَالرِّبْحِ، وَقَالَ قَوْمٌ: البَيْعُ الوَاقِعُ فِي تِلْكَ التِّجَارَةِ فَاسِدٌ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ أَوْجَبُوا التَّصَدُّقَ بِالرِّبْحِ إِذَا مَاتَ، فَمَنِ اعْتَبَرَ التَّصَرُّفَ، قَالَ: الرِّبْحُ لِلْمُتَصَرِّفِ، وَمَنِ اعْتَبَرَ الأَصْلَ، قَالَ: الرِّبْحُ لِصَاحِبِ المَالِ، وَلذَلِكَ لَمَّا أَمَرَ عُمَرُ ﵁ ابْنَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ وَعُبَيْدَ اللَّهِ أَنْ يَصْرِفَا المَالَ الَّذِي أَسْلَفَهُمَا أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ مِنْ بَيْتِ المَالِ، فَاتَّجَرَا فِيهِ فَرَبِحَا، قِيلَ لَهُ: لَوْ جَعَلْتَهُ قِرَاضًا، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ (٤)؛ لأنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لِلْعَامِلِ جُزْءٌ، وَلصَاحِبِ المَالِ جُزْءٌ، وَأَنَّ ذَلِكَ عَدْلٌ).
стр. 8437
هذا الأثرُ ثابتٌ عن عمر ﵁، وقد مرَّ ذكره، ومع ذلك ذكره المؤلف، وقد أوردتُهُ في كتاب القراض؛ لأنَّ هذا هو محله، وهذه قصة معروفة، أن عبد اللّه وعبيد اللّه ابني عمر بن الخطاب ﵃ جميعًا- خرجوا في جيش إلى العراق، فأتيا أبا موسى الأشعري ﵁، وكان واليًا عليها، فتسلَّفا منه مبلغًا، فاشتريا به متاعًا، فأتيا المدينة فباعاه، فربحا، فبلغ ذلك عمر ﵁، وعمر ﵁ من أحرص الناس على مثل هذه الأمور، فلا يُفرِّق بين ولدٍ وغَيْره، فأراد أن يأخذ رأس المال والربح؛ لأن هذا المال الذي أسلفهما أبو موسى الأشعري كان من بيت المال حيث كان واليًا على العراق، فَرَدَّ عليه أحدهما قائلًا: لو تلف أولسنا كنا نضمنه؟ فكذلك أيضًا لنا ربحه، فتكلم أحد الحاضرين فقال: لو جعلته قراضًا. قال: قد جعلته، فأخذ نصف الربح، يعني: القراض المراد به المضاربة، فإنها تُعْرف بالقراض عند أهل الحجاز، وتُعْرف بالمضاربة عند أهل العراق (١)، وهذه آخر مسألة في هذا الباب.
стр. 8438
[كِتَابُ العارِيَّة]
الكتاب الذي تُذكر فيه تلك الأركان التي تقوم عليها العارية، وما يُذكر فيه من أحكام كليةٍ أو جزئية، وإن كان في الغالب يقف في مباحثه عند الكليات، إلا أنه قد يعرض كما عرض في هذا الكتاب وغيره إلى بعض المسائل الجزئية.
العارية لغةً: مصدر (عارَ) أيْ: ذهب الشيء وعاد، وهذا هو شأن العارية، فإن الإنسان يقدمها تبرعًا لأخيه المسلم؛ لينتفع بها مما يتعلق بأثاث البيت أو نحوه من المنافع، ثم يعيدها إليه (١).
العارية في الاصطلاح الفقهي (٢): إباحة منافع عين من أعيان المال
стр. 8439
مما يجوز أن يعار (١).
فهو يدخل في تعريف العارية كما ذكر الصحابة من الحلي والدلو، وما يتعلق بالحيوان والسيارات في هذا الزمان، فإن للإنسان أن يعير أخاه المسلم ويسد حاجته في ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَالنَّظَرِ فِي العارِيَّة فِي أَرْكَانِهَا وَأَحْكَامِهَا. وَأَرْكَانُهَا خَمْسَةٌ: الْإِعَارَةُ).
"الإعارة": هي الفعل الذي يقوم به الإنسان، فيعطي أخاه شيئًا لينتفع به ويرده إليه.
قوله: (وَالْمُعِيرُ).
الذي يعطي.
قوله: (وَالْمُسْتَعِيرُ).
أخر العاردة.
قوله: (وَالْمُعَارُ).
هو الشيء الذي يعطيه شخص لآخر لينتفع به على أن يرده.
стр. 8440
قوله: (وَالصِّيغَةُ).
هل هناك صيغة معينة؟ هل يكتفي على لفظ أعرتك، أو هذه إعارة أقدمها لك؟ أو إنها تجوز بأي لفظ يدل عليها؟
قوله: (أَمَّا الْإِعَارَةُ: فَهِيَ فِعْلُ خَيْرٍ وَمَنْدُوبِ إِلَيْهِ (١)، وَقَدْ شَدَّدَ فِيهَا قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ الْأَوَّلِ (٢)).
بعض السلف يرون أنها واجبة، وحجتهم في ذلك، قول الله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]، ويأخذون أيضًا بعموم قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها … " (٣)، وهو حديث طويل ومعروف، وقد مر بنا في أبواب الزكاة، وتكلمنا عنه.
ولما سئل رسول الله ﷺ عن حقها أشار إلى أنه إعطاء الدلو (٤)، أي: إعارته، وكذلك إطراق الفحل، ومنحة اللبن؛ فهذه من الأمور الطيبة التي أشار إليها الحديث.
стр. 8441
وقد أجاب الجمهور -ومنهم الأئمة الأربعة (١) - عمن يرَوْنَ بأن العارية ليست بواجبة وإنما هي جائزة بل مستحبة، فأجابوا عن ذلك بأنه جاء في الحديث: "ليس في المال حق سوى الزكاة" (٢).
وفي قصة الأعرابي الذي جاء إلى رسول الله ﷺ يسأله عما فرضه الله عليه، فذكر له الركنين الأولين، ثم بعد ذلك ذكر الشهادتين، ثم الركن الثاني الصلاة، ثم قال له: "إيتاء الزكاة"، قال: هل علَيَّ غيرها؟ قال: "لا، إلَّا أن تتصدق" (٣)؛ فدل ذلك على أنها ليست بواجبة، لكنها عمل طيب يتقدم بها الإنسان ليعين أخاه.
стр. 8442
قوله: (رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ (١)، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ (٢) أَنَّهُمَا قَالَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٧] أَنَّهُ مَتَاعُ الْبَيْتِ الَّذِي يَتَعَاطَاهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ مِنَ الْفَأْسِ وَالدَّلْوِ وَالْحَبْلِ وَالْقِدْرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ).
جاء في قولهم: "هي العواري "، جمع عارية، وجاء هذا التفسير الذي ذكره المؤلف، وذكر أيضًا غير ذلك كالميزان، وأشياء كثيرة أُثِرَت عن السلف ﵁ بعضها، كما ذكر عن عبد اللّه ابن مسعود، وعبد اللّه بن عباس ﵁ وبعضها أيضًا عن عبد اللّه بن عمر (٣)، وبعضها أيضًا عن بعض التابعين (٤)؛ كل ذلك ورد عن هؤلاء.
قوله: (وَأَمَّا الْمُعِيرُ: فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إِلَّا كَوْنه مَالِكًا لِلْعَارِيَةِ).
ونضيف إلى شرط كونه مالكًا أمرًا مهمًّا، وهو أن يكون جائز التصرف؛ لأنه إذا كان مجنونًا، أو صغيرًا، أو محجورًا عليه فليس له أن يتصرف في ماله، فإذا جاز له التصرف في البيع لأنه مال فكذلك له أن يتصرف في العارية؛ لأنه يملكها، وقد تكون هذه السلعة لطفل أو لمجنون، أو تكون لإنسان لا يصلح له أن يتصرف؛ فيكون عليه وليًّا.
стр. 8443
إذًا، لا بد أن يكون جائز التصرف، أو أن يكون ذلك بموافقة ولي أمره، كاليتيم.
قوله: (إِمَّا لِرَقَبَتِهَا وَإِمَّا لِمَنْفَعَتِهَا).
"رقبتها" كالقِدْر أو الدلو، "وإما لمنفعتها" وهو الإنسان الذي يستعير شيئًا فَيُعار.
أما مَن حصل على العارلة فيجوز له أن يقدمها لغيره، ويتصرف فيها، ولكن في ذات نفسه، ولوكيله إذا كان له وكيل؛ لأنه يقوم عنه.
واختلفوا في نقله السلعة التي استعارها إلى شخص آخر ليتصرف فيها، مع أنه لا يملكها، فبعضهم أجاز ذلك، وهم: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعي (٣)، ومنهم من منع ذلك كالحنابلة (٤)، والقول الثاني في مذهب الشافعي (٥)، وغيرهم.
стр. 8444
قوله: (وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا لَا تَصلح مِنَ الْمُسْتَعِيرِ (أَعْنِي: أَنْ يُعِيرَهَا".
المؤلف يميل إلى أنها لا تصح، وهذا رأي الأكثر.
قوله: (وَأَمَّا الْعَارِيَةُ فَتَكُونُ فِي الدُّورِ وَالأرَضِينَ وَالْحَيَوَانِ).
للإنسان أن يعير أخاه دارًا ليسكنها، أو أرضًا ليزرعها أو يبني عليها، أو يستفيد بها في أمر من الأمور، وله أن يعطيه حيوانًا يعيره إياه، أو سيارة، أو ثلاجة، أو دلوًا، وغير ذلك؛ شرط أن تكون مما يجوز إعارتها، أما ما لا تجوز إعارته فلا يجوز.
قوله: (وَجَمِيعِ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ إِذَا كَانَتْ مَنْفَعَتُهُ مُبَاحَةَ الِاسْتِعْمَالِ، وَلذَلِكَ لَا تَجُوزُ إِبَاحَةُ الْحِوَارِي لِلِاسْتِمْتَاعِ. وَيُكْرَهُ لِلِاسْتِخْدَامِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ ذَات مَحْرَمٍ).
لا يجوز -مثلًا- أن يعير عبده لكافر؛ لأنه كما نعلم أن هذه ولاية، والكافر ليس له ولاية على مسلم.
قوله: (وَأَمَّا صِيغَةُ الْإِعَارَةِ: فَهِيَ كُلُّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ).
المؤلف عدَّد الأركان التي أشار إليها، فأخذها واحدةً واحدة، إلى أن جاء إلى الصيغة في العارية، -وكما هو معلوم هناك صيغ لا يجوز للإنسان أن يتجاوزها كما مرَّ في أحكام المعاملات، وهناك بعض العقود لها بعض الصيغ، ينوب بعضها عن بعض-، والصحيح أنها تجوز بكل لفظٍ يؤدي المعنى المطلوب.
قوله: (وَهِيَ عَقْدٌ جَائِزٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (١)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٢).
стр. 8445
وأحمد (١)، إذًا هي بعقد جائز لا واجب.
قوله: (أَيْ لِلْمُعِيرِ أَنْ يَسْتَرِدَّ عَارِيَتَهُ إِذَا شَاءَ).
العارية ليست من العقود الواجبة، بل هي من العقود الجائزة، فالمستعير له أن يردها متى شاء، لكن ليس على إطلاقه -كما ذكر المؤلف-، فلنفترض أنه أعطاه عاربةً لمدة معينة، ثم أعطاه أرضًا فبنَى عليها وغرس؛ هنا له أن يأتيه ليستردها في أي وقت شاء شريطة ألَّا يتضرر المستعير بطلب الإعادة، إلا أن يكون قيد ذلك في وقتٍ فتجاوزه المستعير إلى وقتٍ آخر.
قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ: لَيْسَ لَهُ اسْتِرْجَاعُهَا قَبْلَ الِانْتِفَاعِ (٢)).
عرفنا أن الأئمة الثلاثة يرون أنها ليست بواجبة، ومالك معهم، لكن المؤلف أفرده بقول ليس له أن يسترجعها، فخالفهم في هذه الجزئية، والكل متفقون على أنها ليست بواجبة، فإن وجدت بينهم مدة فإنها تلزم؛ لأن "المؤمنون عند شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا" (٣)، فإذا وُجد شرط بينهم فإنه يحسن الالتزام به.
стр. 8446
• قوله: (وَإِنْ شَرَطَ مُدَّةً لَزِمَتْهُ مِنَ الْمُدَّةِ مَا يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ مُدَّةٌ لِمِثْلِ تِلْكَ الْعَارِيَةِ) (١).
يشير المؤلف إلى العُرف، وهناك قاعدة فقهية معروفة: "المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا" (٢).
وهي قاعدة اشتهرت بين الفقهاء، لا سيما في مذهب الإمام مالك ﵀ (٣).
وكذلك ربما يشير إلى قاعدة العادة، وهى من القواعد الكبرى المعروفة: "العادة محكمة" (٤).
ودليلها، أثر عبد الله بن مسعود ﵁: "ما رأى المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئًا، فهو عند الله سيئ" (٥).
• قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ مَا يُوجَدُ فِيهَا مِنْ شَبَهِ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ وَغَيْرِ اللَّازِمَةِ).
سبب الخلاف: هل هي لازمة أو غير لازمة؛ لأنها في بعض الأمور تشبه العقود اللازمة في بعض التصرفات، وفي بعضها تشبه العقود غير اللازمة، أي: الجائزة.
стр. 8447
• قوله: (وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَكَثِيرَةٌ، وَأَشْهَرُهَا هَلْ هِيَ مَضْمُونَةٌ أَوْ أَمَانَةٌ؟).
هذه مسألة مهمة، هل العارية مضمونة، أي: تضمن؟ وإذا وُجِدَ ضمانٌ فهل هناك فرق بين التعدي وغيره؟
ذهب الأئمة الأربعة ما عدا أبا حنيفة إلى أنها مضمونة، سواء فرَّط المستعير أو لم يفرِّط، سواء كان ذلك بفعل منه أو بأمر خارج عن إرادته.
مثال: لو أخذ صحنًا استعارة، وسقط منه فانكسر؛ فإنه يضمنه حتى لو أُسْقِط بريحٍ أو غيرها فإنه يضمنه.
• قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا مَضْمُونَةٌ وَإِنْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى تَلَفِهَا).
هي مضمونة في الحالتين، سواء فرط المستعير أو لم يفرط، سواء كان ذلك بفعل منه أو بأمر خارج عن إرادته؛ لأن ذلك حق لغيره، وأخذها للاستفادة به والانتفاع دون مقابل.
• قوله: (وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ (١)، وَالشَّافِعِيِّ (٢)).
وأحمد (٣).
• قوله: (وَأَحَدُ قَوْلَي مَالِكٍ) (٤).
стр. 8448
إذًا، هذا هو القول المشهور بأن العارية مضمونة مطلقًا، سواء فرط المستعير أو لم يفرط.
قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ نَقِيضَ هَذَا، وَهُوَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَضْمُونَةً أَصْلًا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ (١)).
جمهور العلماء يذهبون إلى أن العارية مضمونة مطلقًا، وأبو حنيفة يرى أنها لا تضمن، وسيذكر المؤلف سبب الخلاف، ودليل كل منهم.
قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُضَمَّنُ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى التَّلَفِ بَيِّنَةٌ، وَلَا يُضَمَّنُ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَلَا فِيمَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى تَلَفِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ الْمَشْهُورُ، وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ (٢)).
هذا قول المالكية، فيقولون: هناك فرق بين ما يغاب عن عين الإنسان، وبين ما يراه، فما يغاب يتهم فيه الإنسان الذي يوجد عنده هذا الشيء، وما لم يغاب فأمرٌ مُشاهَد، يصعب على الإنسان أن يفرط فيه.
• قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ تَعَارُضُ الآثَارِ فِي ذَلِكَ).
إذًا، هناك قولان في المسألة:
стр. 8449
قول يذهب إلى أنها مضمونة مطلقًا.
وآخر يرى أنها غير مضمونة.
والمالكية في روايةٍ توسَّطُوا في ذلك كما مرَّ، فما يحصل فيه غيب عن الأنظار يضمنه الإنسان مطلقًا.
• قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ وَوَدَ فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ).
وضع المؤلف منهجًا يسير عليه بالنسبة للحديث، فكان يقوله: (إذا قلت: الحديث المشهور، أعني به الحديث المتفق عليه)، وهذا ليس المصطلح الذي نعرفه، (وإذا قلت: الحديث الثابت، فأعني به ما أخرجه أحد الشيخين)، يعني البخاري أو مسلمًا، لكن هنا المؤلف خرم قاعدته، وربما ظن أن هذا في أحد "الصحيحين"، والحديث ليس في أحد "الصحيحين"، بل هو في "السنن" عند النسائي (١)، والبيهقي (٢)، وأحمد (٣)، وغيرهم، فهذا حديث قد اشتهر، وهو معروف، لكنه ليس في "الصحيحين".
قوله: (أَنَّهُ قَالَ ﵊ لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ: "بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ مُؤَدَّاةٌ" (٤) وَفِي بَعْضِهَا "بَلْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ" (٥).
стр. 8450
حديث صفوان بن أمية، أن رسول الله ﷺ استعار منه أدرعًا يوم حنين، جاء في بعض الروايات: "إنها ثمانين"، بالإضافة إلى السلاح، فقال لرسول الله ﷺ : غصب يا محمد، أم عارية؟ فقال له رسول الله ﷺ : "بل عارية مضمونة" (١).
هذا هو لفظ الحديث، وفي بعض الروايات: "أن بعض الأدرع فُقِدت، فأراد الرَّسول أن يضمنها له، فأشار إلى رغبته في الإسلام" (٢)، وهذه الرواية تحتاج إلى التثبت من صحتها.
• قوله: (وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ضَمَانٌ" (٣).
جاء في بعض الروايات عند الدارقطني: "ليس على المستعير غير المغل" (٤).
"المغل": هو الجاني المتعدي، أي: ليس على المستعير غير المغل ضمان.
• قوله: (فَمَنْ رَجَّحَ وَأَخَذَ بِهَذَا أَسْقَطَ الضَّمَانَ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ بِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ أَلْزَمَهُ الضَّمَانَ، وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْجَمْعِ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَبَيْنَ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ).
стр. 8451
هذا الرأي الثاني عند المالكية، لكن هل نعتبر هذا التعليل سببًا للجمع.
* فائدة:
الجمع - كما هو معلوم - من أحسن ما يسلكه المرجح؛ لأنه أسهل وأولى طريق؛ لأنك لو جمعت بين الأدلة، فقد عملت بها جميعًا، لكن عندما ترجح بعضها على بعض، فمعنى ذلك أنك أعملت بعضها وتركت البعض الآخر.
ويكون الجمع عندما تتساوى الأدلة في الصِّحة، وإن اختلفت حقيقة درجاتها، وإن كان أحيانًا ارتفاع درجة بعض الأحاديث يكون سببًا من أسباب الترجيح.
أما التوازن الجمع بين حديثين أحدهما صحيح والآخر ضعيف؛ فهذا غير وارد.
إذًا، لا بد من البحث عن مرجح آخر أو أدلة أخرى، ثم يُنظر فيها.
إذًا، الحنفية لهم فهم لبعض الأدلة في كلمة "مؤداة"، حيث فهموها أنها كالوديعة، ولكن الوديعة لا تضمن، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
فهل هذا المفهوم الذي سلكه الحنفية، وحاولوا أن يرجحوا به ما ذهبوا إليه يكون مقومًا لهم؟ أو أن دليل الجمهور صحيح الدلالة على المدعي؟
• قوله: (فَحَمَلَ هَذَا الضَّمَانَ عَلَى مَا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَالْحَدِيثَ الآخَرَ عَلَى مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ "لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ضَمَانٌ" غَيْرُ مَشْهُورٍ).
لا يجوز للمؤلف أن يقوله: (غير مشهور)، فالحديث قد يكون مشهورًا وهو ضعيف، وما أكثر الأحاديث المشهورة وهي ضعيفة، لكن كان ينبغي أن يقوله: (غير صحيح)؛ لأن الحديث سواء ما رواه
стр. 8452
الدارقطني؛ ففيه ضعيفان (١)، أو البيهقي (٢)؛ كل الطرق التي جاءت فيها ضعف.
إذًا، كيف يعارض به حديثًا صحيحًا؟!
• قوله: (وَحَدِيثُ صَفْوَانَ صَحِيحٌ، وَمَنْ لَمْ يَرَ الضَّمَانَ شَبَّهَهَا بِالْوَدِيعَةِ).
ومن لم ير الضمان، وهم الحنفية شبهوها بالوديعة، لكن لم يذكر لنا وجه الشبه، فوجه الشبه إذًا:
أولًا: أخذوا من بعض الروايات: "العارية مؤداة".
ثانيًا: أخذوا هذا اللفظ فقاسوه على الوديعة، - والوديعة كما ذكرنا مؤداة -؛ لأنها أمانة في يد المودع ليس عليه ضمان إلا لو تعدى، وإلَّا لو ابتعد الناس عن الأمانات، ورفضوا الودائع.
ثالثًا: ثم قالوا إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، وبما أن الوديعة أمانة، والله أمر بأدائها؛ إذًا العارية مؤداة فتكون أيضًا كالوديعة، فلا يكون فيها ضمان. وهذا اجتهادٌ وفَهْم منهم.
• قوله: (وَمَنْ فَرَّقَ، قَالَ: الْوَدِيعَةُ مَقْبُوضَة لِمَنْفَعَةِ الدَّافِعِ، وَالْعَارِيَةُ لِمَنْفَعَةِ الْقَابِضِ).
بدايةً، لا نظن أن هذا الضمان لازم لا بد منه، بل هذا إذا طالب صاحب الحق به، لكن الكلام إذا طالب صاحب العارية بالضمان، فهل له ذلك أو لا؟
الوديعة مقبوضة لمنفعة الدافع، والعارية لمنفعة القابض، والوديعة عندما تأخذها عندك تحفظها لمصلحة غيرك.
стр. 8453
مثال: أحيانًا يذهب النوم عن عينيك؛ لأنك تخاف، أو أن الإنسان ربما لا يهتم بحقه كما يهتم بحق الآخرين، أو أن الإنسان في بيته مال يحرص عليه لكن لو كان عند حق غيره فإنه يحرص عليه أكثر مما يحرص على نفسه.
إذًا، العارية تختلف تمامًا عن الوديعة؛ لأنها حق خالص لك، أعطيته آخر للانتفاع به، أما الوديعة أعطيتها غيرك ليحفظها لك، والنفع يعود لك، وهو لا يأخذ عليها أجرًا.
قوله: (وَاتَّفَقُوا فِي الْإِجَارَةِ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ (أَعْنِي: الشَّافِعِيَّ (١) وَأَبَا حَنِيفَةَ (٢) وَمَالِكًا) (٣)).
"الإجارة": إذا استأجر إنسان شيئًا فحصل فيه تلف أو عيب دون تفريط؛ فهو لا يضمنه، كالدار التي يستعيرها الإنسان، ثم يحصل فيها عيب، ولا يكون للمستأجر أي أثر في ذلك، ولا يكون له دخل في ذلك، كأن يستأجر دارًا تنزل عليها أمطار كبيوت الطين، فحصل عيب، فلا يقال بأن هذا فرط أو عيب جَدَّ وأنت موجود في الدار.
стр. 8454
قوله: (وَيُلْزِمُ الشَّافِعِيُّ إِذَا سَلَّمَ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ أَنْ لَا يَكُونَ ضَمَانٌ فِي الْعَارِيَةِ إِنْ سَلَّمَ أَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ هُوَ الِانْتِفَاعُ).
هذا فرق بين ذاك وذاك؛ لأن الإجارة تستأجرها، وهي ملك المنافع، لكن الفرق بينها وبين البيع: أن البيع ملك للأعيان، والإجارة ملك للمنافع.
مثال: دار اشتريتها فملكت عينها، وإذا استأجرتها فملكت منفعتها تلك المدة المحددة، ثم إذا انتهت المدة، عادت إلى صاحبها كما كانت؛ هذا الفرق بينهما.
وإن كان بعض العلماء يقول يجواز إطلاق لفظ البيع على الإجارة، كما هو عند الحنابلة، - وهذا فقط ضرب للمثال -، لكن هذه العين التي استأجرتها لم تكن مقابل منفعة دفعتها إلى المؤجر؛ لأن الأمر هنا يختلف، فعين دفعتها لآخر ليستفيد بها، فكيف يلزم الإمام الشافعي في أمر غير لازم؟!
• قوله: (لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُضَمَّنْ حَيْثُ قَبَضَ لِمَنْفَعَتِهِمَا فَأَحْرَى أَنْ لَا يُضَمَّنَ حَيْثُ قَبَضَ لِمَنْفَعَتِهِ إِذَا كَانَتْ مَنْفَعَةُ الدَّافِعِ مُؤَثِّرَةً فِي إِسْقَاطِ الضَّمَانِ. وَاخْتَلَفُوا إِذَا شُرِطَ الضَّمَانُ (١)، فَقَالَ قَوْمٌ: يُضَمَّنُ (٢)،
стр. 8455
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُضمَّنُ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ (١)).
الأولى أن يقوله: (إن شرط نفي الضمان)، فنعود مرة أخرى نقول: لا اعتبار له عند من قال بالضمان؛ فهو الأولى أن يذكر هنا.
• قوله: (وَيجِيءُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ إِذَا اشْتُرِطَ الضَّمَانُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يجِبُ فِيهِ عَلَيْهِ الضَّمَانُ أَنْ يَلْزَمَ إِجَارَةُ الْمِثْلِ فِي اسْتِعْمَالِهِ الْعَارِيَةَ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ يُخْرِجُ الْعَارِيَةَ عَنْ حُكْمِ الْعَارِيَةِ إِلَى بَابِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ إِذَا كَانَ صَاحِبُهَا لَمْ يَرْضَ أَنْ يُعِيرَ إِلَّا بِأَنْ يُخْرِجَهَا فِي ضَمَانِهِ، فَهُوَ عِوَضٌ مَجْهُولٌ فَيَجِبُ أَنْ يُرَدَّ إِلَى مَعْلُومٍ (٢). وَاخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ إِذَا غَرَسَ الْمُسْتَعِيرُ وَبَنَى ثُمَّ انْقَضَتِ المُدَّةُ الَّتِي اسْتَعَارَ إِلَيْهَا).
стр. 8456
استعار أرضًا، ثم غرس فيها، أو بنَى أو زرع، إن كان هناك زرع فينتظر حتى يحصده، لكن ربما يغرس فيها شجرًا أو نخلًا، وربما يبني عليها بناءً أو عدة أبنية، فالحكم هنا، هل يقال له: اقلع غرسك، أو انقض ما بنَيْتَه؟ أو عليه أن يتولى ذلك صاحب الإعارة، أو يشتريها؟
هذه مسألة فيها خلاف مشهور بين العلماء، وهي شبيهة بالغَصب.
• قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: الْمَالِكُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَخَذَ الْمُسْتَعِيرَ بِقَلْعِ غِرَاستِهِ وَبِنَائِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ قِيمَتَهُ مَقْلُوعًا إِذَا كَانَ مِمَّا لَهُ قِيمَة بَعْدَ الْقَلْعِ (١)، وَسَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ الْمَحْدُودَةُ بِالشَّرْطِ أَوْ بِالْعُرْفِ أَوِ الْعَادَةِ (٢)).
كأنْ يَقُول العرف والعادة؛ لأن العرف هو العادة، وإن كان هناك نوع من التفريق لكن المراد هنا هو شيء واحد - كما هو معلوم -، فالعرف أو العادة اعتبرت في كثير من الأحكام، وقد كان الأئمة - رحمهم الله تعالى - يلجؤون إلى النساء فيما يتعلق بأحكام الحيض والنفاس كما مر بنا في بعض المسائل في الصناعة.
стр. 8457
إذًا، العادة محكمة، ولذلك وضعوا القاعدة المعروفة - وهي مشهورة عند المالكية - "المشروط شرطًا كالمعروف عرفًا".
"فالمشروط شرطًا"، أي: المعروف عرفًا أصبح عادةً كالمشروط شرطًا، وهذا أشار إليه المؤلف، وهو في مذهب مالك كما تقدم.
• قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِ الْقَلْعُ فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْقَلْعِ، بَلْ يُخَيَّرُ الْمُعِيرُ بِأَنْ يُبْقِيَهُ بِأَجْرٍ يُعْطَاهُ، أَوْ يُنْقَضَ بِأَرْشٍ، أَوْ يُتَمَلَّكَ بِبَدَلٍ، فَأَيُّهَا أَرَادَ الْمُعِيرُ أُجْبِرَ عَلَيْهِ الْمُسْتَعِيرُ، فَإِنْ أَبَى كُلِّفَ تَفْرِيغَ الْمِلْكِ) (١).
لم يذكر مذهب الإمام أحمد (٢) هنا؛ فهو ليس بعيدًا عن الشافعي، لكن فيه شيء من الخلاف، وهو أن مذهب الحنابلة في هذه الحالة إذا بنى أو غرس ثم انتهت المدة فهو لا يخلو مِن أنْ يأتي المستعير فيقلع الغرس ويزيل البناء، ثم بعد ذلك لا يلزمه إصلاح ما ترتب على القلع وإزالة البناء من فساد وغيرها، وهذا هو المشهور في المذهب، وهناك من يرى أنه يلزمه الأمر الآخر.
стр. 8458
وإذا أبي أن يفعل ذلك المستعير؛ فحينئذٍ يعرض عليه المعير واحدًا من أمرين:
إما أن يقلعه هو له ويسلمه إياه ويتحمل أرش النقص، أو يشتري منه البناء والغرس، وإن أبي المستعير؛ فإنه يجبر في هذه الحالة.
إذًا، ففي هذا شبه وقرب من مذهب الإمام الشافعي.
• قوله: (وَفِي جَوَازِ بيعه لِلنَّقْضِ عِنْدَهُ خِلَافٌ؛ لِأَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلنَّقْضِ. فَرَأَى الشَّافِعِيُّ أَخْذَهُ الْمُسْتَعِيرَ بِالْقَلْعِ دُونَ أَرْشٍ هُوَ ظُلْمٌ).
أخذه، أيْ: ألزمه، وقصده به أن يأخذ المستعير بإلزامه بالنقض.
قوله: (وَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ عَلَيْهِ إِخْلَاءَ الْمَحَلِّ، وَأَنَّ الْعُرْفَ فِي ذَلِكَ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الشُّرُوطِ).
لأن بعضهم يرى أن ذلك ينزل منزلة الغاصب، وفي الحديث: "ليس لعرق ظالم حق" (١)؛ لأنك إنسان استعرت أرضًا لمدة محددة، لماذا تبني وتغرس فيها؟ وإنْ قُدِّرَ وفعلتَ؛ فعليك أن تخليها!، لكن أن تبقى وتمتنع عن إخلائها؛ تكون قد تعديت، فبعضها - كما ذكرنا - شبيهة بمسألة الغصب.
قوله: (وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ إِنِ اسْتَعْمَلَ الْعَارِيَةَ اسْتِعْمَالًا يُنْقِصُهَا عَنِ الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ ضُمِّنَ مَا نَقَصَهَا بِالِاسْتِعْمَالِ (٢). وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الرَّجُلِ يَسْأَلُ جَارَهُ أَنْ يُعِيرَهُ جِدَارَهُ لِيَغْرِزَ فِيهِ خَشَبَةً).
стр. 8459
هذه مسألة مهمة جدًّا، ولذلك شدد فيها أبو هريرة ﵁ في الحديث الصحيح.
فالمسألة ذُكِرَت في الفقه، ويذكرونها أيضًا من المسائل المهمة التي تذكر عند قاعدة: "الضرر يزال".
مثال: لو أنَّ إنسانًا أراد أن يضع أو يغرس خشبة على جدار جاره؛ فإن كان هناك ضرر، فلا يجوز، وإن لم يكن هناك ضرر، فاختلفوا في استئذانه وموافقته.
• قوله: (لِمَنْفَعَتِهِ وَلَا تَضُرُّ صَاحِبَ الْجِدَارِ، وَبِالْجُمْلَةِ فِي كلِّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْتَعِيرُ وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْمُعِيرِ فِيهِ، فَقَالَ مَالِكٌ (١) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢): لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ إِذِ الْعَارِيَةُ لَا يُقْضَى بِهَا).
وهو القول الصحيح للشافعي (٣)، ولذلك أخفى المؤلف ووضعه مع أحمد، مع أن القول الصحيح للإمام الشافعي مع هؤلاء.
стр. 8460
• قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١) وَأَحْمَدُ (٢)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٣)، وَدَاوُدُ (٤) وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ: يُقْضَى بِذَلِكَ (٥)).
أهل الحديث عمومًا، ومعهم بعض الفقهاء، ذهبوا بأنَّ ذلك واجب
стр. 8461
إذا لم يلحق الجار ضرر؛ فإنه يلزمه أن يتقبل ذلك العمل.
الدليل: حديث أبي هريرة ﵁: "لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره" (١).
قوله: (وَحُجَّتُهُمْ مَا خَرَّجَهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَمْنَعُ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ") (٢).
يقوله: (خرَّجه مالك)، ونعلم بأن المؤلف نقل كثيرًا عن "الاستذكار" لابن عبد البر، ولذلك كنا نرى في هذا الكتاب لم يذكر الإمام أحمد على أنه ينص، لكن كان يذكره أحيانًا، ثم بعد ذلك تغيَّر أسلوبه، فهو يراه محدثًا وفقيهًا، وليس كما يدعي البعض بأن ابن عبد البر ما ذكره في كتاب آخَر، أو أن المؤلف هنا لا يراه، ولذلك عد مرتين في مباحث قريبة مِن فقهاء الأمصار، فذكر منهم الإمام أحمد، إذًا هو ينقل من كتاب "الاستذكار" لابن عبد البر.
• قوله: (ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مَعْرِضِينَ، وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ) (٣).
في بعض الروايات جاء: "والله، لأرمينَّ بها بين أكتافكم"، وفي بعضها: "أكنافكم" (٤).
• قوله: (وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَاقَ خَلِيجًا لَهُ مِنَ الْعَرِيضِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَمُرَّ بِهِ فِي
стр. 8462
أَرْضِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَأَبَى مُحَمَّدٌ، فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ: أَنْتَ تَمْنَعُنِي وَهُوَ لَكَ مَنْفَعَةٌ، تَسْقِي مِنْهُ أَوَّلًا وَآخِرًا وَلَا يَضُرُّكَ؟ فَأبَى مُحَمَّدٌ، فَكَلَّمَ فِيهِ الضَّحَّاكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَدَعَا عُمَرُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ).
هذا دليل آخر حجة للذين يقولون بوجوب وضع الخشب على جدار الجار، أو نحوه، أو إمرار الماء، أو نحو ذلك.
قوله: (قَالَ مُحَمَّدٌ: لَا، فَقَالَ عُمَرُ: لَا تَمْنَعْ أَخَاكَ مَا يَنْفَعُهُ وَلَا يَضُرُّكَ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ وَلَوْ عَلَى بَطْنِكَ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَمُرَّ بِهِ، فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ) (١).
إذًا، عمر ﵁ ألزم محمد بن مسلمة بإمرار الماء عن طريق بستانه؛ لأن فيه نفعًا له، وفي نفس الوقت لا يضر به، وفيه منفعة لأخيه، لكن الآخرين الذين قالوا بعدم وجوب ذلك، قالوا بأنَّ محمد بن مسلمة صحابيٌّ وخالف عمر؛ فالمسألة فيها خلاف، ولا يعتبر حقيقة الموضوع جازم.
كذلك، حاولوا حمل حديث أبي هريرة على الندب، لكن أبا هريرة شدد في ذلك، وقال: "ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم".
وقالوا أيضًا بأنَّ من قالوا بعدم الوجوب لو كان الأمر قد ظهر لهم؛ لَما توقَّفوا في الأمر، ولا نزلوا عند قول أبي هريرة، لكن كونهم توقفوا فلا شك أن الأظهر أنه لا يجوز للمسلم أن يمنع أخاه من أن يحقق منفعة له علاقة بها دون أن يلحقه ضرر في ذلك.
стр. 8463
قوله: (وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ فِي حَائِطِ جَدِّي رَبِيع لعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ).
القصد بالربيع هو الجدول الذي نسميه الساقي التي تمشي، وهو معروف اليوم، إذن هذا الجدول أو الساقي يمر به، فأراد أن يمنع ذلك.
• قوله: (فَأَرَادَ أَنْ يُحَوِّلَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْحَائِطِ، فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْحَائِطِ).
(الذي كلمه هو عبد الرحمن بن عوف).
• قوله: (فَكَلَّمَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَضَى لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِتَحْوِيلِهِ (١) وَقَدْ عَذَلَ الشَّافِعِيُّ مَالِكًا لِإِدْخَالِهِ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ فِي مُوَطَّئِهِ، وَتَرْكِهِ الأخْذَ بِهَا).
"عذَلَ" (٢)، أيْ: لَامَ، لكن المالكية ما سلموا هذا العذل، فقد قالوا: إن الإمام الشافعي عذل، أي: لام، وكذا الإمام مالك، كيف يخرج الأثرين في كتابه ولا يعمل بهما؛ لأنه ما قال بالوجوب، وإنما قال بالندب.
إذًا، هناك اختلاف بين روايته - أي: ما قاله - وخرجه في "موطئه"، وبين ما قال به.
وأجاب المالكية عن ذلك بأن القضية ليست قضية مسلمة، فمحمد بن مسلمة خالف في هذا الأمر، وتأوَّلوا أيضًا حديث أبي هريرة بأن أولئك الأقوام توقفوا، ولم ينفذوا ما قاله أبو هريرة مع تشديده في ذلك الأمر.
• قوله: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
стр. 8464
وَالسَّلَامُ -: "لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ") (١).
هذا الحديث قد مرَّ بنا في أبواب كثيرة، وهو حديث أخرجه البيهقي والدارقطني وغيرهما، لكنه حديث عام، وما معنا خاص: "لا يحل مال امرئٍ مسلم إلا عن طيب نفس منه"؛ هذا هو التعدي أن تأخذ حق أخيك بغير سبب، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
أمَّا أن تكون لك مصلحة في جدار دارك أو مزرعة جارك ولا يلحقه أي ضرر، بل ربما يستفيد هو، فهذا هو الذي جاء في حديث أبي هريرة وفي الأثرين في قصة عمر ﵁.
وأما الذي يتضمنه هذا الحديث: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه"، أنه لا يجوز للمسلم أن يأخذ حق أخيه المسلم تعَدٍّ.
• قوله: (وَعِنْدَ الْغَيْرِ أَنَّ عُمُومَ هَذَا مُخَصَّص بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَبِخَاصَّةٍ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ، وَأَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ مُخْتَصَّةً وَأَنْ تَكُونَ عَلَى النَّدْبِ فَحَمْلُهَا عَلَى النَّدْبِ أَوْلَى؛ لأنَّ بِنَاءَ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ إِنَّمَا يَجِبُ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ بَيْنَهُمَا جَمْعٌ وَوَقَعَ التَّعَارُضُ. وَرَوَى أَصْبَغُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِقَضَاءِ عُمَرَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي الْخَلِيجِ، وَيُؤْخَذُ بِقَضَائِهِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي تَحْوِيلِ الرَّبِيعِ (٢)، وَذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى أَنَّ تَحْوِيلَ الرَّبِيعِ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ عَلَيْهِ بِطَرِيقٍ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ، وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ بِحَسَبِ غَرَضِنَا).
стр. 8465
قصده بأن الربيع كان موجودًا عنده، ولكن أراد أن ينقله من جهة أبعد عن مزرعته وعن بستان عبد الرحمن بن عوف إلى ما هو أقرب وأنفع له، فهو لا يُدخل عليه شيء جديد، لكنه أراد التحويل من مكان إلى مكان.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
* * *
стр. 8466
(كِتَابُ الْغَصْبِ) (١)
يعني هذا كتاب الغصب، أو هذا كتاب يذكر فيه الغصب، قال:
• قوله: (وَفِيهِ بَابَانِ، الْأَوَّلُ: فِي الضَّمَانِ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ).
المؤلف لم يعرِّف الغصب، والغصب في الحقيقة عرَّفه العلماء بأنه: أخذ مال الغير بغير حق.
وبعضهم يتوسع، فيقول: هو أخذ حق الغير بغير حق، فيدخل ما كان مغالًا وما لم يكن أيضًا مما يتمول، مما هو حق للغير؛ فلا يجوز للإنسان أن يعتدي عليه، قال:
стр. 8467
• قوله: (الْأَوَّلُ: الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ).
والموجب للضمان هنا: إذا تعدى إنسان على آخر فأخذ دارًا له، أو دكانًا، أو بضاعةً من البضائع، أو دخل على مزرعته، فاستولى على جريرٍ من القمح، أو غير ذلك، فما حكمه؟
• قوله: (وَالثَّانِي: مَا فِيهِ الضَّمَانُ).
ما هو الذي فيه الضمان؟ هل كل شيء يضمن أو لا؟ فهناك شيءٌ يُرد إن كان موجودًا بعينه، وهناك شيء يُضمن، وهل يضمن بالمثل أو يضمن بقيته؟ في المسألة أيضًا تفصيل.
• قوله: (وَالثَّالِثُ: الْوَاجِبُ).
أيضًا ما هو الواجب على إنسان غصب شيئًا؟
• قوله: (وَأَمَّا الْبَابُ الثَّانِي: فَهُوَ فِي الطَّوَارِئِ عَلَى الْمَغْصُوبِ).
يعني ما يطرأ على المغصوب، فقد تطرأ عليه زيادة، كأن يكون عبدًا فيثمن، أو يتعلم صنعة، أو جارية فتلد، أو غير ذلك، وربما يحدث فيه نقص، هذا هو ما يطرأ عليه.
قوله: (الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي الضَّمَانِ: الرُّكنُ الْأَوَّلُ وَأَمَّا الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ، فَهُوَ إِمَّا الْمُبَاشَرَةُ لِأخْذِ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ أَوْ لِإِتْلَافه).
إذًا، هناك طرق للغصب أيضًا؛ لأنها إما أن تكون بالمباشرة، كأنْ يأتِيَ إنسان فيغصب غيره الحق، وربما لا يأخذه ولكنه يأتي فيتلفه، فيدخل مزرعته ليتلف له قمحًا، أو مستودعًا، أو دكانًا" فيتلف ما فيه مِن البضائع؛ فهذا تعَدٍّ؛ ويكن الفاعل معتدٍ.
• قوله: (وَإِمَّا الْمُبَاشَرَةُ لِلسَّبَبِ الْمُتْلِفِ، وَإِمَّا إِثْبَاتُ الْيَدِ عَلَيْهِ).
إذًا، الأمور أربعة: إمَّا أنه يغصب ذلك المال ويأخذه، أو إمَّا أن يتلفه، أو يتسبب في إتلافه؛ فيكون سببًا.
стр. 8468
مثال: دابة مربوطة في مكانها، فيأتي إنسان فيطلق قيدها، ثم تتلف الدابة؛ هذا تسبب بلا شك، فهل يضمن أو لا يضمن؟ هناك تفصيل في المسألة سيأتي.
إذًا، الثالث أن يتسبب في هذا، والرابع وضع اليد عليه، فيأتي يضع يده على أرض إنسان؛ لأنه أقوى منه.
ولذلك قال العلماء: الغاصب ارتكب معصيتين:
المعصية الأولى: أنه أخذ حق غيره بغير حق.
المعصية الثانية: أنه بارَزَ اللهَ ؛ لأن الله تعالى نهى عن الغصب، ونهى عن الظلم، وهذا قد تعدَّى؛ فكأنه بارز الله وحاربه في ذلك، وهو في النهاية خاسر بلا شك، إن لم تنزل به العقوبة في الدنيا، فسينالها بلا شك في الآخرة.
• قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي يَحْصُلُ بِمُبَاشَرَتِهِ الضَّمَانُ إِذَا تَنَاوَلَ التَّلَفَ بِوَاسِطَةِ سَبَبٍ آخَرَ، هَلْ يَحْصُلُ بِهِ ضَمَان أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَفْتَحَ قَفَصًا فِيهِ طَائِرٌ فَيَطِيرُ بَعْدَ الْفَتْحِ).
أيْ: إنسان له طائر، فوضعه في قفصٍ فى صندوق، وأغلق عليه وحفظه فيه، فجاء آخر ففتح هذا الصندوق، ثم ترتب عليه أن طار هذا الطائر، إذًا ذهب عليه كأنه أتلفه، فهل يضمن أو لا؟
من العلماء من قال: يضمن. قولًا واحدًا دون تفصيل (١).
ومنهم مَن فرَّق بين أن يهيجها أو لا يهيجها. أيْ: أنْ يُثير تلك الدابة أو ذلك الطائر، بمعنى يثيره فيطير، لكن ربما لو فتحه وتركه فقد يبقى في ذلك المكان؛ لأنه تعوَّد عليه، لكن ربما يتخذ من الوسائل ما يدفعه إلى الخروج من مكانه ثُم الذهاب أو التلف أو الضياع.
стр. 8469
قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ) (١).
وأحمد (٢).
قوله: (يُضَمَّنُهُ، هَاجَهُ عَلَى الطَّيَرَانِ أَوْ لَمْ يَهِجْهُ).
إذًا، مَن وجد طائرًا مملوكًا في قفص فرفع عنه ذلك القيد؛ فإنه يضمن عند الإمامين مالك وأحمد؛ لأنه تسبب في ذلك، هذا إذا طار الطائر وترتب عليه التلف أو طار ولم يَعُد، أما لو بقي مكانه أو طار وعاد؛ فهذا لا يدخل في هذا الموضوع.
• قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُضَمَّنُ عَلَى حَالٍ) (٣).
لأنه في هذه الحالة ما أتلفه، لكن أولئك قالوا: ذكر سببًا مباشرًا، وهو: أنه تسبب؛ فترتب على فتح ذلك الصندوق أو إطلاق قيد تلك الدابة أن تلف ذلك الحيوان وذلك الطائر.
• قوله: (وَفَرَّقَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ أَنْ يَهِيجَهُ عَلَى الطَّيَرَانِ أَوْ لَا يَهِيجُهُ) (٤).
أيْ: يُحَرِّضه أو يدفعه على الطيران أو لا، أما لو فتح ولم يهيجه
стр. 8470
فإنه في هذه الحالة لا يضمن، ولكن الظاهر أن مذهب الإمامين مالك وأحمد أقوى في هذه المسألة؛ لأنه لو لم يحصل فك القيد، ولو لم يحصل فتح ذلك الصندوق أو ذلك القفص لمَّا طار الطائر، ولما ذهبت الدابة؛ فهو تسبب وإن لم يتلف هو نفسه، لكنه تناول ذلك بسبب مباشر، وهذا فيه مصلحة سد الذرائع (١)، و"درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" (٢).
إذًا، لو لم يُجازَ مثل هؤلاء ويُعاقبون ويُغرمون، ربما تكون هذه وسيلة لمن يتَلاعبون بحقوق الناس، فيتجرؤون على دوابٍّ فيطلقونها، ونحو ذلك.
• قوله: (فَقَالَ: يُضَمَّنُ إِنْ هَاجَهُ، وَلَا يُضَمَّنُ إِنْ لَمْ يَهِجْهُ).
لأن الشافعي يرى أنه إن هاجه كأنه قرب من المباشرة، يعني قرب من الإتلاف؛ لأنه فتح الصندوق، ثم أيضًا حركه ودفعه ليطير، فشبهه بمن أتلفه، ولكن الفريق الأول كما ترون قالوا: لو لم يفك القفص أو القيد؛ لبقي الطائر أو الحيوان في مكانه.
• قوله: (وَمِنْ هَذَا مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَسَقَطَ فِيهِ شَيءٌ فَهَلَكَ).
تعلمون قد يحفر إنسان بئرًا، وهذه البئر قد تقع في طريق أو يحفرها في ملكه، أو يحفرها ويحتاط فيها، فالصورة تختلف هنا، لكن لو حفر البئر فجاء إنسان فوقع فيها؛ فإنه يكون متسببًا في ذلك على تفصيل في المسألة.
стр. 8471
• قوله: (فَمَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢) يَقُولَانِ: إِنْ حَفَرَهُ بِحَيْثُ أَنْ يَكُونَ حَفْرُهُ تَعَدِّيًا ضُمِّنَ مَا تَلِفَ فِيهِ وَإلَّا لَمْ يُضَمَّنْ).
ومعهم أحمد (٣)، إذًا فمذهب جمهور العلماء هو إن كان الحفر تعدِّيًا فإنه يضمن، أو لو حفر في ملكه ولم يقصد الإضرار؛ فإنه لا يضمن، فصاحب البستان يحفر بئرًا في مزرعته، وربما يحفر بِرْكةً في طريق الناس، ثم يتركها هكذا، فيأتي فيقع فيها آخر؛ فيكون قد تسبب في ذلك وإن لم يكن مباشرًا، فهو ما أخذ ذلك الإنسان أو ذلك الحيوان فألقاه، لكنه تعدى بحفر في طريق المسلمين.
• قوله: (وَيَجِيءُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُضَمَّنُ فِي مَسْأَلَةِ الطَّائِرِ (٤). وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْمُبَاشَرَةِ الْعَمْدُ أَوْ لَا يُشْتَرَطُ؟).
стр. 8472
ولذلك، نرى أن إنسانًا قد يُكره على أمر (١)، لكن المكره ليس كل شيء يفعله بإكراه، فقد يكره بأن ينطق بكلمة الكفر وهو مخير في هذه الحالة بين أن ينطق بها أو لا ينطق، شريطة أن يكون مطمئن القلب بها (٢)، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
لكن لو جاء شخص ليُكره آخر على أن يزني بامرأةٍ؛ فليس له أن يفعل ذلك (٣)، ويترتب عليه جزاء، ولو جاء آخر وأكرهه على أن يشهد شهادة زور (٤)، فليس له ذلك، وبخاصة إذا كان يترتب عليها القصاص، أما أن يكرهه على أخذ مال، أو أن يقذف إنسانًا، فهنا قال العلماء: له ذلك؛ لأنه إذا أتلف المال يعود ويضمنه، ولو قذف إنسانًا سيرجع ويبين الحق فيه (٥).
стр. 8473
إذًا، ليس الإكراه على بابه، ولا على إطلاقه، كما أن حالات المكره أيضًا تختلف، والله قد جعل عذرًا للناسي، والجاهل، والمكره، لكن المسألة فيها تفصيل.
• قوله: (فَالْأَشْهَرُ أَنَّ الْأَمْوَالَ تُضَمَّنُ عَمْدًا وَخَطَأً، وَإِنْ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَسَائِلَ جُزْئِيَّةٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ).
نعم، الأصل في الأموال أنها تضمن عمدًا وسهوًا.
مثال: لو أن إنسانًا أشعل كبريتًا بجوار مال في مكان فاشتعل، فهو ما قصد أن يحرق المال، لكنه تسبب فيه؛ فهنا يضمن.
قوله: (وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا؟).
هذا ما أشرنا إليه في المكره.
فبعض العلماء لم يفرقوا بينهم، بل يقولوا: المكره ليس له أن يفعل ذلك، وبعض العلماء يفصل؛ وهو أولى؛ لأن الإكراه أنواع، فمجرد أن يأتي إنسان فيهدد شخصا إما أن يفعل كذا وإلَّا ضربه؛ فهنا لا ينبغي أن التعدي على حق مسلم، لكن لو وضع السيف على رقبته، وغلب على ظنه أنه يريد أن ينفذ؛ حينئذٍ يفعل ما يجوز، ويترك ما لا يجوز.
مثال: قال إنسان: اقتل هذا وإلَّا قتلتك.
هنا ليس لك أن تقتله؛ لأن هذا دم مسلم، وأيضًا إن قتلك فستنال جزاء ذلك من الله فإنَّ المقتول يأتي يوم القيامة ورأسه بيده، فيقول: "يا رب، سل هذا فيم قتلني" (١)، لكن لا يمكن أن تدفع عن نفسك القتل فتقتل غيرك، ولا أن تدفع عن نفسك الأذى فتشهد شهادة زور فتذهب بها نفس مؤمن، فالمسألة هنا فيها تفصيل.
стр. 8474
• قوله: (فَالْمَعْلُومُ عند الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا (١)، وَلذَلِكَ رَأَى عَلَى الْمُكْرَهِ (٢) الضَّمَانَ (أَعْنِي: الْمُكْرَهُ عَلَى الْإِتْلَافِ)).
هناك أناس رُفع عنهم القلم، كما جاء في الحديث الصحيح: "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يبلغ" (٣)، فهؤلاء لهم أحكام تخصهم.
أيضًا هناك أحكام تُذكر فيما يتعلق بالناسي، والمكره، والجاهل.
فالجاهل لو وقع في خطإ، فإنه في بعض الأحيان يُرفع عنه الإثم، أو لا يُعذَر.
مثال: لو أن إنسانًا نسي صلاة الفجر ونام عنها، فهنا يجب عليه أن يؤديها متى ما قام من النوم؛ لأن الرسول ﷺ قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها، فإنه لا كفارة له إلا ذلك" (٤)، أما مَن يسهر ليله، فإذا قارب الفجر نام؛ فهذا لا يُعذر بل يأثم؛ لأنه خرج عن الوقت، وكما هو معلوم أن الوقت شرط في صحة الصلاة، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، أي: مفروضًا في الأوقات.
أما جهل الإنسان بحقوق أحد فلا يسقط عنه الحكم، ولا سيما الأمور المتعلقة بحقوق الناس.
قوله: (الرُّكْنُ الثَّانِي، وَأَمَّا مَا يَجِبُ فِيهِ الضَّمَانُ فَهُوَ كُلُّ مَالٍ أُتْلِفَتْ عَيْنُهُ).
فلو أن إنسانًا غصب مالك وتعدَّى عليه بغير حق، يبقى هنا قضية
стр. 8475
مهمة جدًّا، وتتردد في أذهان كثير من الناس؛ فلو كان مماطلًا؛ فيسر الله أن ظفرت بالمال أو شيء منه، فهل لك أن تأخذه؟
هذه مسألة اختلف فيها العلماء، فبعضهم يقولون: جائز لأنه محض حق، وهذا رجل امتنع أن يؤدي حقي فلي أن آخذ ذلك الحق الذي هو محض حقي من ذلك الإنسان الذي يعتبر غاصبًا ومتعديًا ومماطلًا، والرسول ﷺ يقول: "مطل الغني ظلم" (١).
إذًا، استدلوا بما أجازوا ذلك بقصة هند زوجة أبي سفيان عندما شكت إلى رسول الله ﷺ حالها وقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وأولادي بالمعروف، فقال لها رسول الله ﷺ : "خُذِي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٢) وهو لا يعلم بذلك، وهذا حق لها، أما لو كانت المرأة تزيد عن حقها في المصروف وعن حق أولادها فلا يجوز، لكنها قالت: رجل شحيح، إذًا هو يقصر عليهم في النفقة، ولا يعطيهم ما يكفيهم، فالرسول ﷺ أذن لها أن تأخذ ما يكفيها وولدها لا أن تزيد على ذلك.
وهكذا، لو قُدر أن إنسانًا وقف على حقه فله أن يأخذه عند هؤلاء.
وبعضهم يقول: لا يجوز؛ لأنه لو علم لَمَا أذن؛ فلا يجوز.
فالمسألة فيها خلاف، وهي من المسائل التي لو تعذر الإنسان أن يصل إلى حقه فوقع في يده فأخذه، فنرجو من الله ألا يكون عليه إثم في ذلك؛ لأنه ما أخذ مما يستحق.
• قوله: (وَأَمَّا مَا يَجِبُ فِيهِ الضَّمَانُ فَهُوَ كُلُّ مَالٍ أُتْلِفَتْ عَيْنُهُ أَوْ تَلِفَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ عَيْنُهُ).
يعني أخذ ثيابًا فأحرقها، أو أخذ بضاعةً فأغرقها، إذًا أخذ هذا المال فأتلفه فهنا يضمن، وربما لم يتلفها لكنها تلفت عنده، كمَن دخل