← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.

стр. 8471

• قوله: (فَمَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢) يَقُولَانِ: إِنْ حَفَرَهُ بِحَيْثُ أَنْ يَكُونَ حَفْرُهُ تَعَدِّيًا ضُمِّنَ مَا تَلِفَ فِيهِ وَإلَّا لَمْ يُضَمَّنْ). ومعهم أحمد (٣)، إذًا فمذهب جمهور العلماء هو إن كان الحفر تعدِّيًا فإنه يضمن، أو لو حفر في ملكه ولم يقصد الإضرار؛ فإنه لا يضمن، فصاحب البستان يحفر بئرًا في مزرعته، وربما يحفر بِرْكةً في طريق الناس، ثم يتركها هكذا، فيأتي فيقع فيها آخر؛ فيكون قد تسبب في ذلك وإن لم يكن مباشرًا، فهو ما أخذ ذلك الإنسان أو ذلك الحيوان فألقاه، لكنه تعدى بحفر في طريق المسلمين. • قوله: (وَيَجِيءُ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُضَمَّنُ فِي مَسْأَلَةِ الطَّائِرِ (٤). وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْمُبَاشَرَةِ الْعَمْدُ أَوْ لَا يُشْتَرَطُ؟).

стр. 8472

ولذلك، نرى أن إنسانًا قد يُكره على أمر (١)، لكن المكره ليس كل شيء يفعله بإكراه، فقد يكره بأن ينطق بكلمة الكفر وهو مخير في هذه الحالة بين أن ينطق بها أو لا ينطق، شريطة أن يكون مطمئن القلب بها (٢)، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. لكن لو جاء شخص ليُكره آخر على أن يزني بامرأةٍ؛ فليس له أن يفعل ذلك (٣)، ويترتب عليه جزاء، ولو جاء آخر وأكرهه على أن يشهد شهادة زور (٤)، فليس له ذلك، وبخاصة إذا كان يترتب عليها القصاص، أما أن يكرهه على أخذ مال، أو أن يقذف إنسانًا، فهنا قال العلماء: له ذلك؛ لأنه إذا أتلف المال يعود ويضمنه، ولو قذف إنسانًا سيرجع ويبين الحق فيه (٥).

стр. 8473

إذًا، ليس الإكراه على بابه، ولا على إطلاقه، كما أن حالات المكره أيضًا تختلف، والله قد جعل عذرًا للناسي، والجاهل، والمكره، لكن المسألة فيها تفصيل. • قوله: (فَالْأَشْهَرُ أَنَّ الْأَمْوَالَ تُضَمَّنُ عَمْدًا وَخَطَأً، وَإِنْ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَسَائِلَ جُزْئِيَّةٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ). نعم، الأصل في الأموال أنها تضمن عمدًا وسهوًا. مثال: لو أن إنسانًا أشعل كبريتًا بجوار مال في مكان فاشتعل، فهو ما قصد أن يحرق المال، لكنه تسبب فيه؛ فهنا يضمن. قوله: (وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا؟). هذا ما أشرنا إليه في المكره. فبعض العلماء لم يفرقوا بينهم، بل يقولوا: المكره ليس له أن يفعل ذلك، وبعض العلماء يفصل؛ وهو أولى؛ لأن الإكراه أنواع، فمجرد أن يأتي إنسان فيهدد شخصا إما أن يفعل كذا وإلَّا ضربه؛ فهنا لا ينبغي أن التعدي على حق مسلم، لكن لو وضع السيف على رقبته، وغلب على ظنه أنه يريد أن ينفذ؛ حينئذٍ يفعل ما يجوز، ويترك ما لا يجوز. مثال: قال إنسان: اقتل هذا وإلَّا قتلتك. هنا ليس لك أن تقتله؛ لأن هذا دم مسلم، وأيضًا إن قتلك فستنال جزاء ذلك من الله فإنَّ المقتول يأتي يوم القيامة ورأسه بيده، فيقول: "يا رب، سل هذا فيم قتلني" (١)، لكن لا يمكن أن تدفع عن نفسك القتل فتقتل غيرك، ولا أن تدفع عن نفسك الأذى فتشهد شهادة زور فتذهب بها نفس مؤمن، فالمسألة هنا فيها تفصيل.

стр. 8474

• قوله: (فَالْمَعْلُومُ عند الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا (١)، وَلذَلِكَ رَأَى عَلَى الْمُكْرَهِ (٢) الضَّمَانَ (أَعْنِي: الْمُكْرَهُ عَلَى الْإِتْلَافِ)). هناك أناس رُفع عنهم القلم، كما جاء في الحديث الصحيح: "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يبلغ" (٣)، فهؤلاء لهم أحكام تخصهم. أيضًا هناك أحكام تُذكر فيما يتعلق بالناسي، والمكره، والجاهل. فالجاهل لو وقع في خطإ، فإنه في بعض الأحيان يُرفع عنه الإثم، أو لا يُعذَر. مثال: لو أن إنسانًا نسي صلاة الفجر ونام عنها، فهنا يجب عليه أن يؤديها متى ما قام من النوم؛ لأن الرسول ﷺ قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها متى ذكرها، فإنه لا كفارة له إلا ذلك" (٤)، أما مَن يسهر ليله، فإذا قارب الفجر نام؛ فهذا لا يُعذر بل يأثم؛ لأنه خرج عن الوقت، وكما هو معلوم أن الوقت شرط في صحة الصلاة، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، أي: مفروضًا في الأوقات. أما جهل الإنسان بحقوق أحد فلا يسقط عنه الحكم، ولا سيما الأمور المتعلقة بحقوق الناس. قوله: (الرُّكْنُ الثَّانِي، وَأَمَّا مَا يَجِبُ فِيهِ الضَّمَانُ فَهُوَ كُلُّ مَالٍ أُتْلِفَتْ عَيْنُهُ). فلو أن إنسانًا غصب مالك وتعدَّى عليه بغير حق، يبقى هنا قضية

стр. 8475

مهمة جدًّا، وتتردد في أذهان كثير من الناس؛ فلو كان مماطلًا؛ فيسر الله أن ظفرت بالمال أو شيء منه، فهل لك أن تأخذه؟ هذه مسألة اختلف فيها العلماء، فبعضهم يقولون: جائز لأنه محض حق، وهذا رجل امتنع أن يؤدي حقي فلي أن آخذ ذلك الحق الذي هو محض حقي من ذلك الإنسان الذي يعتبر غاصبًا ومتعديًا ومماطلًا، والرسول ﷺ يقول: "مطل الغني ظلم" (١). إذًا، استدلوا بما أجازوا ذلك بقصة هند زوجة أبي سفيان عندما شكت إلى رسول الله ﷺ حالها وقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وأولادي بالمعروف، فقال لها رسول الله ﷺ : "خُذِي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٢) وهو لا يعلم بذلك، وهذا حق لها، أما لو كانت المرأة تزيد عن حقها في المصروف وعن حق أولادها فلا يجوز، لكنها قالت: رجل شحيح، إذًا هو يقصر عليهم في النفقة، ولا يعطيهم ما يكفيهم، فالرسول ﷺ أذن لها أن تأخذ ما يكفيها وولدها لا أن تزيد على ذلك. وهكذا، لو قُدر أن إنسانًا وقف على حقه فله أن يأخذه عند هؤلاء. وبعضهم يقول: لا يجوز؛ لأنه لو علم لَمَا أذن؛ فلا يجوز. فالمسألة فيها خلاف، وهي من المسائل التي لو تعذر الإنسان أن يصل إلى حقه فوقع في يده فأخذه، فنرجو من الله ألا يكون عليه إثم في ذلك؛ لأنه ما أخذ مما يستحق. • قوله: (وَأَمَّا مَا يَجِبُ فِيهِ الضَّمَانُ فَهُوَ كُلُّ مَالٍ أُتْلِفَتْ عَيْنُهُ أَوْ تَلِفَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ عَيْنُهُ). يعني أخذ ثيابًا فأحرقها، أو أخذ بضاعةً فأغرقها، إذًا أخذ هذا المال فأتلفه فهنا يضمن، وربما لم يتلفها لكنها تلفت عنده، كمَن دخل

стр. 8476

مكانًا فيه دواب فغصب شيئًا منها، ثم أبقاها عنده ثم تلفت، فإن أتلفها ضمن، وكذلك أيضًا إن تلفت عنده؛ ضمن؛ لأنه متعدٍّ. وإذا كان الرسول ﷺ يقول في العارية: "العارية مؤداة" (١)، أي: تجب عليه، وكذلك في قصة المرأة المخزومية التي كانت تستعير، وكانت تبقي تلك الحلي عندها لا تردها، فأمر الرسول ﷺ بقطع يدها، وحاول أن يشفِّع فيها البعض، فقال رسول الله ﷺ : "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (٢)؛ لأن الغصب نوع من السرقة، والسارق غاصب، والله تعالى يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾. فالسارق هو من يأخذ المال خفية، إذًا هو يعاقَب، ويُطبق في حقه ما يستحق، هذا أيضًا نوع من الغصب؛ ولذلك يذكر العلماء هذه الآية دليلًا من أدلة الغصب. قوله: (بِأَمْرٍ مِنَ السَّمَاءِ، أَوْ سُلِّطَتِ الْيَدُ عَلَيْهِ وَتُمُلِّكَ). نفترض أنه أخذ عروض تجارة، فأمطرت السماء فتأثرت، هذه ربما تتلف كُلِّيًّا، وربما تنقص قيمتها، ورُبما أخذ شيئًا فغرق، جاءت السيول فجرفت هذه الأموال التي سرقها واغتصبها؛ فحينئذ تلفت بسببه، فالأمر لا يخلو من أمرين: إما أن يكون بسبب من السماء، أيْ: بإرادة الله . وإما أن يكون بسبب الإنسان، بسببه، كحرق هذه البضاعة. ولذلك، لمَّا مر معنا في (كتاب الثمار)، إذا باع إنسان من أخيه ثمرة فأصابتها جائحة فإن الرسول ﷺ أرشد البائع إلى أن يواضع من اشترى منه، وأن يرفق بحاله، وقال: "بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟ " (٣).

стр. 8477

قوله: (وَذَلِكَ فِيمَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ بِاتِّفَاقٍ) (١). فالمملوكات مرت بنا، وكما جاء في الحديث المتفق عليه: "من ابتاع شيئًا فلا يبعه حتى يستوفيه" (٢). وفي بعض الروايات خارج "الصحيحين": "حتى يقبضه" (٣). إذًا، فالمغصوب لا يخلو من كونه: إما أن يكون منقولًا، أو غير منقول. فالمكيل، والموزون، وعروض التجارة، والحبوب بأنواعها من الثمار وغير ذلك فكل هذه تنقل، وتؤخذ من مكان إلى مكان، لكن هناك أمور لا تنقل؛ ولذلك فقد مرَّ معنا أنه يتم تسلمها برفع يد البائع عنها ووضع يد المشتري عليها، أيْ يتخلى عنها البائع ثم يتركها؛ إذًا فغير المنقول هي الأراضي، سواءً كانت دورًا مبنية أو أراضي بساتين، وربما تكون فيها مَبانٍ، أو بئر مملوكة؛ فيأتي إنسان فيستولي عليها، إلى غير ذلك. • قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ مِثْل الْعَقَارِ). إذا قيل: (العقار)، فيقصد به مطلق العقار، فيشمل الأرض البيضاء، الحيطان التي هي المزارع، والبساتين، كذلك الدور والحوانيت. • قوله: (قَالَ الْجُمْهُورُ (٤): إِنَّهَا تُضَمَّنُ بِالْغَصْبِ - أَعْنِي أَنَّهَا إِنِ

стр. 8478

انْهَدَمَتِ الدَّارُ ضُمِّنَ قِيمَتهَا -، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُضَمَّنُ (١)). بمعنى: إنسان استولى على دار، فتهدمت، فحينئذ يضمنها، على رأي الجمهور؛ لأنه غصبها ومنع صاحبها من الاستفادة بها، أما ما حصل فيها من عيب أو خلل فإنه يضمنه كذلك. سبب الخلاف: كون يد الغاصب على العقار مثل كون يده على ما ينقل ويحول؛ لأن أبا حنيفة يرى أن الدار مستقرة، بمعنى أن الدار لو تسبب في هدمها يضمن لا شك. لكن كلام أبي حنيفة بمرور الوقت بها وانهدامها، ففي الحالة لا يضمن، أما الجمهور يقولون: حبس مصالحها ومنع صاحبها من الاستفادة بها، فمضت مدة فأدت إلى أن تهدمت، ولو كان صاحبها فيها فإنه حينئذٍ سيقوم برعايتها والعناية بها ومتابعتها، وأي شيء يتركه الإنسان قد ينتهي إذا هجره إلى أن يذهب. وهناك فرق بين بيت يكون فيه صاحبه ويتابعه، فيظل مدة طويلة، لأنه يعالج أي خلل إذا حصل في الأثاثات ونحو ذلك، لكن لو أهمل ذلك المكان قد ينتهي به الأمر إلى أن يتهدم. فهذا إنسان جاء فتعدى، فمنع صاحب الحق من الاستفادة به، ومن التصرف به؛ فأدى ذلك إلى أن تهدم ذلك البيت، أو الدكان أو الحائط؛ فالجمهور يقولون: هو متعد فعليه أن يضمن، كما مرَّ معنا.

стр. 8479

الرُّكْنُ الثَّالِثُ: (وَهو الواجب في الغصب). والواجب في الغصب: يعني إنسان غصب شيئًا، فترتب عليه التلف، وربما لا يتلف؛ فالواجب عليه أن يرده إلى صاحبه إن كانت العين باقية. مثال: إنسان غصب ثوبًا، أو سيارةً، أو سلعةً من السلع، وبقيت على حالتها التي كانت عليها، فهي عينها باقية، فما الذي يجب عليه؟ أن يردها إلى صاحبها دون تردد؛ عملًا بقوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤديها" (١)، فهذه اليد التي تطاولت وامتدت إلى حق الغير، وبقي عندها محفوظة؛ فإنها ترده إلى صاحبه؛ لأن الرسول ﷺ قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤديها"، فما دام قد غصب هذا الحق فإنه يرده إلى صاحبه. • قوله: (وَالْوَاجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ إِنْ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا عِنْدَهُ بِعَيْنِهِ لَمْ تَدْخُلْهُ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ أَنْ يَرُدَّهُ بِعَيْنِهِ). يعني يطلق المال، ويدخل فيه العملات المعروفة (الدراهم، والريالات، والدنانير، والدولارات)، وغير ذلك، ويدخل في ذلك أيضًا عروض التجارة؛ لأنها تدخل في المال. إذًا إن كانت العين باقية بحالها، فتُرَد، بخلاف ما لو طرأ نقص أو زيادة، فهذه مسألة سيتكلم عنها المؤلف. • قوله: (وَهَذَا لَا اختلَافَ فِيهِ، فَإِذَا ذَهَبَتْ عَيْنُهُ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَنَّ عَلَى الْغَاصِب الْمِثْلَ). إذًا، إذا جاء صاحب الحق، وأُرِيدَ رد الحق إليه سواء كان ذلك حكم حاكم، أو سلطة أقوى منه، أو رجع هو إلى ضميره وحاسب نفسه، وأحس بعظم الذنب، وأن الغصب كبيرة من الكبائر" وأراد أن يتخلص من ذلك الذنب، فإنه في هذه الحالة يرد العين إلى صاحبها إن كانت على ما كانت عليه، فإن تغيرت العين فهي لا تخلو: إما أن تكون مَكيلًا وموزونًا،

стр. 8480

وإما غير ذلك؛ لأن هذه العين قد تكون مما يكال ويوزن، كالحبوب والثمار، وربما يكون من السائل مما يشرب كالعسل والدُّهن، فهذا قد يُوزن أو يُكال. إذًا إن كان مما يُكال ويُوزن فله حُكم، وإن كان مما لا يُكال ولا يوزن فلا يخلو مما لو كان متماثلًا، أو متماثلًا في الصِّفة لكنه يخالفه في بعض أجناسه، أو مثله في الجنس وخالفه في بعض الصفات. • قوله: (أَعْنِي: مِثْلَ مَا اسْتَهْلَكَ صِفَةً وَوَزْنًا). لكن قد يختلف في بعض الأجناس ونحو ذلك، فإن كانت يسيرة فذلك يغتفر. • قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْعُرُوضِ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْضَى فِي الْعُرُوضِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ إِلَّا بِالْقِيمَةِ يَوْمَ اسْتُهْلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَدَاوُدُ: الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ المِثْل وَلَا تَلْزَمُ الْقِيمَةُ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ). قد يسأل سائل ويقول: العلماء اتفقوا إن وُجدت العين المغصوبة، يعني وجدت بعينها؛ تُرَد دون تغيير أو تبديل؛ لأن فيها نصًّا: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه ولم تتغير ولم تتبدل" (١)، لكن إن كانت هذه العين مكيلًا أو موزونًا، فاتفقوا على أنَّ فيها المثل؛ لأن الكيل والوزن يضبطها، وعرفتم قيمة الكيل والوزن، يعني الكيل يضبط الوزن وكذلك مثله الميزان. لكن إن كانت مما يكال ولا يوزن، فلا تخلو من أن تكون دراهم، أو دنانير، أو ريالات إلى غيرها، فهذه أيضًا فيها المثل، يعني يرد مثلها؛ لأن هذه تنضبط.

стр. 8481

وإن كانت غير هذه ففيها خلاف بين العلماء، وسبب الخلاف هنا هو أنه جاءت في ذلك أحاديث، فبعضهم أخذ بهذا وبعضهم أخذ بهذا، ولهذا نرى بأن الخلاف يقع بين العلماء عندما تأتي أدلة قد تختلف في مدلولاتها أو ربما يختلف العلماء في مفهومها، أو ربما يرى بعضهم أن هذه أقوى من جانب وهذه من جانب آخر، وربما يكون لصاحب هذا القول دليل آخر يقوي ما ذهب إليه أو يقوي به هذا الدليل، وهذا الدليل قد يكون من السنة، وربما يكون أيضًا من القياس. • قوله: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَشْهُورُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا (١) لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي قِيمَةَ الْعَدْلِ" (٢)، الْحَدِيثَ). معنى هذا الحديث: أولًا: فيه حضٌّ على إعتاق الرقاب، - وكما هو معلوم - أن وضع اليد والملك إنما هو بسبب الكفر، وإذا استولى المسلمون وأسروا أسيرًا كافرًا؛ فإنه يبقى بعد ذلك مملوكًا، وحتى وإن أسلم، لكن هذه الشريعة الإسلامية الغراء التي ما طرق العالم مثلها أرادت أن تقرب بين نفوس المؤمنين، وتنشر المحبة والمودة والألفة بينهم. والأدلة كثيرة جدًّا في الحض على العتق، مثل: "من أعتق شقصًا". وفي بعض الروايات: "من أعتق شركًا له في عبد قوم عليه بنصيب شريكه". فالقصد، أنه إذا وُجِد عبدٌ مملوكٌ بين اثنين، فأراد أحدهما أن يعتق نصيبه، فما الحكم في هذه الحالة؟

стр. 8482

هذا فيه غاية الدلالة على حض الإسلام وترغيبه في العتق، فإذا وُجد مملوك بين اثنين، فأراد أحدهما أن يتقرب إلى الله بذلك العمل، - وكما هو معروف - فهو مِن أجَلِّ القُرَب التي يتقرب المؤمن إلى الله تعالى، أن يعتق رقبة عبد مؤمن، فإن هذا مما حضت عليه الشَّريعة الإسلامية، وترون أن في الكفارات إعتاق رقبة، فإنه إذا أعتق نصيبه يسري إلى نصيب غيره. فإن كان عند المُعتَق مالًا فإنه يدفع لشريكه نصيبه ويعتقه، فإذا لم يكن عنده ما يكفي لنصيب شريكه؛ حينئذٍ يعطى المملوك الفرصة بأن يستسعى ذلك الاستسعاء (١)، بأن يشري نفسه على أقساط، وهذا ترغيب آخر في ذلك، وما أفضل أن يكون الشريك الآخر يندفع فيعتق ذلك القسط. • قوله: (وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُلْزِمْهُ الْمِثْلَ وَأَلْزَمَهُ الْقِيمَةَ). هو أعتق نصيبة وبقي نصيب الآخر، فما طلب عنه بأن يأتي برقبة أخرى أو مماثلة، ولكن أن يدفع لشريكه القيمة حتى يصبح هذا المملوك حُرًّا حريةً مُطْلقة، هذا هو المراد. • قوله: (وَعُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ). أبو حنيفة، والشافعي، ومن معهم. • قوله: (قَوْله تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]؛ وَلأَنَّ مَنْفَعَةَ الشَّيءِ قَدْ تكُونُ هِيَ الْمَقْصُودَةَ عِنْدَ الْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ). إذا رأيتم الفريق الأوَّل استدل بقصة المملوك، وأنَّ الرسول ﷺ أمر بدفع القيمة، وفي الحديث الآخر: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.

стр. 8483

• قوله: (وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ مَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ) (١). والبخاري (٢). • قوله: (مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ جَارِيَةً بِقَصْعَة لَهَا فِيهَا طَعَامٌ، قَالَ: فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ). وفي رواية البخاري: "فضربت يد الخادم فسقطت الصحفة؛ فانفلقت" (٣)، يعني انكسرت، وجاء في بعض الروايات تسميتها بعائشة ﵂، ومن التي أرسلت الطعام، هل هي زينب بنت جحش، أو هي حفصة؟ هذا فيه خلاف للعلماء. • قوله: (فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الْكَسْرَتَيْنِ فَضَمَّ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى وَجَعَلَ فِيهَا جَمِيعَ الطَّعَامِ وَهو يَقُولُ: غَارَتْ أُمُّكُمْ كُلُوا كُلُوا، حَتَّى جَاءَتْ قَصْعَتُهَا الَّتِي فِي بَيْتِهَا، وَحَبَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا). المراد بالقصعة هي الصحفة، كما جاءت ذكرها في "صحيح البخاري". • قوله: (فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الرَّسُولِ، وَحَبَسَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِهِ". وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: "أَنَّ عَائِشَةَ كانَتْ هِيَ الَّتِي غَارَتْ وَكَسَرَتِ الْإِنَاءَ، وَأَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَا كفَّارَةُ مَا صَنَعْتُ؟ قَالَ: "إِنَاءٌ مِثْلُ إِنَاءٍ، وَطَعَامٌ مِثْلُ طَعَامٍ"").

стр. 8484

وهذه الرواية الثانية عند أحمد (١)، وأبي داود (٢)، وبعض أصحاب السنن (٣)، وغيرهم، وهي رواية صحيحة (٤). * * * [البَابُ الثَّانِي: الطَّوَارِئِ على الْمَغْصُوبِ بالزِيَادَةِ أو النقْصَان] قال المصنف رحمه الله تعالى: (البَابُ الثَّانِي: فِي الطَّوَارِئِ) بعد أن عرفنا حكم الغصب وأنه حرام وعرفنا دليل تحريمه من الكتاب والسنة والإجماع ورأينا ما يتعلق من ذلك بمسائل. فهذا المغصوب قد تطرأ عليه أشياء: إما بزيادة وإما بنقص؛ أي: يتأثر بها نقصًا، فما الحكم في ذلك؟ هل يرد المغصوب بحاله أو أنه يرد مع الزيادة والنقص أيضًا، بمعنى: أنَّه يضمنه الغاصب؟ هذا هو الذي سيتحدث عنه المؤلف، وهو بلا شكٍّ فيه خلاف بين العلماء، لكنَّ المؤلف لم يستوعب آراء العلماء؛ كعادته وربما لاحظنا أنه كلما تقدم في الكتاب قلَّ نقلُه عن المذاهب تفصيلًا كما كان يفعل في بداية الكتاب وفي وسطه.

стр. 8485

• قوله: (وَالطَّوَارِئُ عَلَى الْمَغْصُوبِ إِمَّا بِزِيَادَةٍ وإمَّا بِنُقْصَانٍ، وَهَذَان إِمَّا مِنْ قِبَلِ الْمَخْلُوقِ، وإمَّا مِنْ قِبَلِ الْخَالِقِ). هذه الزيادة أو النقص قد تكون من الخالق ، كأن ينزل مطرًا فتتبلل الحنطة أو غيرها، فهذا من السماء ولا علاقة للغاصب به، وهناك أمور أخرى قد يتسبب بها الإنسان الغاصب، فربما يتصرف بالسلعة فيتلفها أو يلحقُها ضرر. • قوله: (فَأَمَّا النُّقْصَانُ الَّذِي يَكُونُ بِأَمْرٍ مِنَ السَّمَاءِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ نَاقِصًا، أو يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْغَصْبِ). كسبب لا إرادة للغاصب فيه، لكن لا ننسى أن الغاصب متعدٍ، ولذلك اختلف العلماء في هذا الحكم، فحين لا يكون للغاصب سبب مباشر في هذا الأمر، بأن كان السبب خارجًا عن إرادته، لكنه غاصب والغاصب متعدٍّ؛ لذلك وقع اختلاف العلماء في حكمه، وإذا كان الأمر من السماء هل يضمنه أو لا يضمنه؟ (١). • قوله: (وَقِيلَ إِنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَه وَيُضَمَّنُ الْغَاصِبُ قِيمَةَ الْعَيْبِ). إذن هناك من يقول: لا يضمنه وهو المعروف في مذهب الإمام أحمد ﵀، وهو القول الذي حكاه المؤلف أيضًا عن بعض المالكية،

стр. 8486

لكن لم يُشرْ إلى الأقوال الأخرى (١). • قوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ النَّقْصُ بِجِنَايَةِ الْغَاصِبِ، فَالْمَغْصُوبُ مُخَيَّرٌ فِي الْمَذْهَبِ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْغَصْبِ أَوْ يَأْخُذَهُ). المؤلف ﵀ خرج هنا عن قاعدته المعروفة، فقد كان يجمل الآراء ولا يدخل في التفصيلات في المذهب، لكنه بدأ منذ مدة بالتوغَّل والتفصيل في مذهب الإمام مالك، ويُغفل كثيرًا المذاهب الأخرى، فلم يُشر في هذه المسألة إلى مذاهب الأئمة (أبي حنيفة والشافعي وأحمد)، والشافعيُّ وأحمد يلتقيان في هذه المسألة، وأبو حنيفة يُوافقهم في جانب ويخالفهم في جانب آخر. وهذا النقص الذي حصل لا يخلو عند الشافعية والحنابلة فإما أن يكون عيبًا مستقرًّا، أي: النقص نقصًا مستقرًّا ثابتًا لا يزيدُ، وإما أن يكون غير مستقرٍّ. فإن كان مستقرًّا، كثوب تخرق، أو إناء تكسر، أو طعام تسوس، فهذا عند الإمامين الشافعي (٢)، وأحمد (٣) يجب فيه قيمة النقص، وهو ما يعرف عند الفقهاء بأرش النقص.

стр. 8487

وأرشُ النقص: هو أن تُقوَّم هذه السلعة صحيحةً، وتقدر قيمتها معيبة فيُقدَّر الفرق بين الصحيح والمعيب، فإن تبيَّن دفع حينئذٍ للمالك فترد إليه السلعة (العين التي غصبها الغاصب) ومعها أيضًا أرش النقص (١). ووجهة الإمامين الشافعي (٢) وأحمد (٣): أن العين لم تتعيب تعيُّبًا كاملًا، وإنما العيب في قدرٍ منها فهي باقية، فيكون مقابل ذلك هو أرش النقص فيُعطَى صاحبها هذا هو قول الإمامين.

стр. 8488

وأما الإمام أبي حنيفة ﵀: فقد فصل القول في ذلك، فقال: هذا النقص لا يخلو: - من أن يكون يسيرًا أو غير يسير؛ فإن كان يسيرًا كخرق قليل في ثوب، فإنه في هذه الحالة يدفع الأرش مع رد الثوب (١)، فهو يلتقي مع الشافعية والحنابلة في هذا الجانب، أما إذا كان كثيرًا فإنَّه بذلك يخالفهم ويرى أن المالك الذي غصب حقه بين أمرين (٢): إما أن يأخذ المعيب مع الأرش، فيكون كمذهب الشافعية والحنابلة. أو أنه يأخذ القيمة، وهذا قريب من مذهب المالكية. أما الشافعية (٣)، والحنابلة (٤) فإذا لم يكن العيب مستقرًا، أي: غير

стр. 8489

ثابت مثل: طعام ابتُلَّ بالمطر، أو تطرَّقَ إليه شيء من الفساد أو العفن، فهذا - كما هو معلوم - لا يستقرُّ على حالة؛ لأن العفن يزداد، والفساد ربما يزداد، فهذا يختلف فيه المذهبان. • قوله: (مَا نَقَصَتْهُ الجِنَايَةُ يَوْمَ الجِنَايَةِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ (١)، وَعِنْدَ سَحْنُونِ مَا نَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ يَوْمَ الْغَصْبِ (٢). وَذَهَبَ أَشْهَبُ (٣)). أشهب من المالكية. • قوله: (إِلَى أَنَّهُ مُخَيَّر بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ الْقِيمَةَ أو يَأْخُذَهُ نَاقِصًا). هذه أقوال ثلاثة ذكرها للمالكية، وقد بيَّنا رأي المذاهب الأخرى في هذه المسألة. قوله: (وَلَا شَيءَ لَهُ فِي الْجِنَايَةِ، كَالَّذِي يُصَابُ بِأَمْرٍ مِنَ

стр. 8490

السَّمَاءِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْمَوَّازِ (١)). من المالكية أيضا. قوله: (وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّ مَنْ جَعَلَ الْمَغْصُوبَ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْغَصْبِ جَعَلَ مَا حَدَثَ فِيهِ مِنْ نَمَاءٍ أو نُقْصَانِ، كَأَنَّهُ حَدَثَ فِي مِلْكٍ صَحِيحٍ). الذين جعلوا المغصوب مضمونًا على الغاصب بالقيمة وقت الغصب أو ثمن الغصب هم المالكية؛ كأنه حدث في ملك صحيح؛ لأنهم وضعوا مقياسًا دقيقًا، حيث جعلوا المقياس في ذلك أن يُقدَّر الغصب بقيمته يوم الغصب؛ أي: تُؤخذ قيمتُه يوم الغصب، فكأنه إذن أصبح في ملك صحيح؛ لأن المغصوب، أي: الملك الذي غصب حقه قد ضمن له أن يعود له الحق. قوله: (فَأَوْجَبَ لَهُ الْغَلَّةَ وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ فِي النُّقْصَانِ شَيْئًا سَوَاءٌ أكَانَ مِنْ سَبَبِهِ أو مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ (٢). وَبِالْجُمْلَةِ

стр. 8491

فَقِيَاسُ قَوْلِ مَنْ يُضمِّنُهُ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْغَصْبِ فَقَطْ، وَمَنْ جَعَلَ الْمَغْصُوبَ مَضْمُونًا عَلَى الغَاصِبِ بِقِيمَتِهِ فِي كُلِّ أَوَانٍ كَانَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ آخِذَةً بِأَرْفَعِ الْقِيَمِ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ رَدَّ الْغَلَّةِ وَضَمَانَ النُّقْصَانِ، سَوَاءٌ أكَانَ مِنْ فِعْلِهِ أو مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أو قِيَاسُ قَوْلِهِ (١). وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْجِنَايَةِ الَّتِي تَكُونُ مِنَ الْغَاصِبِ، وَبَيْنَ الْجِنَايَةِ الَّتِي تَكُونُ بِأَمْرٍ مِنَ السَّمَاءِ - وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ (٢).

стр. 8492

وأحمد (١) أيضًا. • قوله: (وَابْنِ الْقَاسِمِ -فَعُمْدَتُهُ قِيَاسُ الشَّبَهِ (٢)). إذن التفريقُ بين الجناية التي تكون سببها من السماء وغيرها مشهور مذهب مالك ومشهور مذهب أحمد.

стр. 8493

• قوله: (لِأَنَّهُ رأى أَنَّ جِنَايَةَ الْغَاصِبِ عَلَى الشَّيءِ الَّذِي غَصَبَهُ هُوَ غَصْبٌ ثَانٍ مُتَكَرِّرٌ مِنْهُ، كمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مِلْكِ صَاحِبِهِ). الغاصب قد غصب هذا الحقَّ ثم تعدَّى عليه فكان التعدى الثاني هو جناية أخرى، وهذا هو مرادُ المؤلف؛ فإذا غصب إنسان آخر عينًا ثم أتلفه أو تسبب في نقصه فهذه جناية أخرى تُضاف إلى الأول. • قوله: (فَهَذَا هُوَ نُكْتَةُ الِاخْتِلَافِ فِي هَذَا الْبَابِ فَقِفْ عَلَيْهِ). نكتة الخلاف - هذا الذي أشار إليه - من قياس الشبه أو غيره. • قوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عِنْدَ الْغَاصِبِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ الْغَاصِبِ). إذن فقد غصب وجنى في المرة الأولى؛ غصب سلعة وجنى وتعدى عليها فتسبب بوجود عيب فيها، فاجتمعت جنايتان جنايةُ الغصب، وجناية التعدِّي الأخرى. أمَّا إن لم يتعدَّ، ولكنَّه غصب العين وأبقاها عنده، ولم يتعرَّضْ لها بجناية أخرى، وحصل العيب فيها وهي عنده فما الحكم هنا؟ • قوله: (فَالْمَغْصُوبُ مُخَيَّر بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْغَصْبِ وَيُتْبعَ الْغَاصِبَ الْجَانِيَ، وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ الْغَاصِبَ وَيَتْبَعَ الْجَانِيَ بِحُكْمِ الْجِنَايَاتِ (١)، فَهَذَا حُكْمُ الْجِنَايَاتِ عَلَى الْعَيْنِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ).

стр. 8494

كمن غصب عينًا كثوب أو غيره، وأبقاه عنده ثُمَّ جاء شخص آخر وتعدَّى عليه، فحرق هذا الثوب أو أحرق جزءًا منه فالمتعدي ليس الغاصب فما الحكم في هذه القضية؟ يقول المؤلف: للمغصوب منه؛ أي: لصاحب الحق، أن يتبعَ الغاصبَ فيأخذ حقَّه منه وله أن ينتقل مباشرة إلى المتلف فيطالبه، لكنه لو أخذ حقَّه من الغاصب فللغاصب أن يتبع الجاني الذي أتلف الثوب مثلًا، ويطالبه بقيمة الإتلاف، وهذا هو المعروف في الجنايات كما سيأتي في بابها. قوله: (وَأَمَّا الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَغْصِبَهَا غَاصِبٌ). كسلعة عندك في مكان ثم تعدَّى عليها إنسان فأحرقها أو أغرقها أو غير ذلك من الأسباب، فهذا لم يغصب لكنه تعدَّى. وكمن يأتي ويصدم سيارتك وهي واقفة فهذا قد تعدَّى عليها، فهو المتعدي دون أن يكون هناك غصب، فما الحكم هنا خرجنا عن كتاب الغصب إلى الجنايات. • قوله: (فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ عِنْدَ مَالِكٍ إِلَى قِسْمَيْنِ: ١ - جِنَايَةٌ تُبْطِلُ يَسِيرًا مِنَ الْمَنْفَعَةِ). كما لو كان الخرقُ يسيرًا في الثوب، كحرق طرفه وقمح أصاب بعض أطرافه بلل. قوله: (وَالْمَقْصُودُ مِنَ الشَّيءِ بَاقٍ، فَهَذَا يَجِبُ فِيهِ مَا نَقَصَ يَوْمَ الْجِنَايَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَوَّمَ صَحِيحًا وَيُقَوَّمَ بِالْجِنَايَةِ، فَيُعْطَى مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ) (١).

стр. 8495

وهذا القول ليس قول مالك وحده، وإنما قول الجمهور من الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، وأيضًا الحنفية (٣) فيما أقل كما عرفنا. • قوله: (٢ - وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مِمَّا تُبْطِلُ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ). كعبدٍ شُلَّ" فأصبحت مصالحه معطلة.

стр. 8496

قوله: (فَإِنَّ صَاحِبَهُ يَكُونُ مُخَيَّرًا إِنْ شَاءَ أَسْلَمَهُ لِلْجَانِي وَأَخَذَ قِيمَتَهُ، وإِنْ شَاءَ أَخَذَ قِيمَةَ الْجِنَايَةِ (١)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣): لَيْسَ لَهُ إِلَّا قِيمَةُ الْجِنَايَةِ).

стр. 8497

وأحمد كذلك (١). قوله: (وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ الِالْتِفَاتُ إِلَى الْحَمْلِ عَلَى الْغَاصِبِ، وَتَشْبِيهُ إِتْلَافِ أَكْثَرِ الْمَنْفَعَةِ بِإِتْلَافِ الْعَيْنِ). كأنَّ المؤلف ﵀ توقَّع أن يرد سؤالٌ هنا فيقال: ما مناسبة أن يأتي المؤلف بهذه المسألة في باب الغصب!، فهذا رجل جنى على عين عند آخر جناية خارجة عن الغصب فما فائدة ذكرها هنا؟ أليس اللائقُ أن تُذكَر في الجنايات؟ فذكر السبب: أن هذا يقاس على الغصب؛ فهناك وجه يجمع بينهما؛ والغاصب تعدَّى على حقِّ غيره، وهذا الجاني أيضًا تعدَّى على حقِّ غيره فهناك شبهٌ بينهما. قوله: (وَأَمَّا النَّمَاءُ فَإِنَّهُ عَلَى قِسْمَيْنِ (٢): أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِفِعْلِ اللَّهِ؛ كَالصَّغِيرِ يَكْبَرُ، وَالْمَهْزُولِ يَسْمَنَ وَالْعَيْبِ يَذْهَبُ).

стр. 8498

فقد يكون بفعل الله فيسمَنُ، وربما يضعف، والسمن قد يكون فيه مصلحة، وقد يكون العكس، إذن ليست على إطلاقها، وربما أيضًا يمرضُ، وربما يصيبه الهزال، وربما تتقدم به السن. قوله: (وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِمَّا أَحْدَثَهُ الْغَاصِبُ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَإِنَّهُ لَيْسَ بِفَوْتٍ. وَأَمَّا النَّمَاءُ بِمَا أَحْدَثَهُ الْغَاصِبُ فِي الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ، فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إِلَى قِسْمَيْنِ). هنا يُفَصَّل في مذهب المالكية ثم بعد أن يمر بمراحل يشير إلى مذهب الشافعي وهو مذهب أحمد. قوله: (أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَ فِيهِ مِنْ مَالِهِ مَا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَة كَالصِّبْغِ فِي الثَّوْبِ وَالنَّقْشِ فِي الْبِنَاءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ). إذن هذا الغاصب قد يُحدِث في المغصوب شيئًا، وهذا الحدث قد يكون زيادة فيها مصلحة كأن يأتي إلى بيت فيحسِّنه، ويدهنه إلى غير ذلك من الأشياء الكثيرة، وربما لا يضيف إليه شيئًا، لكنه يعمل فيه عملًا؛ كأن يجد مثلًا ألواحًا من الخشب فيصنع منها توابيت؛ أي: صناديق، وربما يصنع منها أبوابًا فتغيرت، أو يجد قطعة قماش فيخيطها، يصبغ الثوب، والغالب أنه يرفع سعره، لكنه ربما يُنقِصُه؛ لأنه قد يأتي في أمر غير مناسب، إلى غير ذلك من الأشياء. قوله: (وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ جَعَلَ فِيهِ مِنْ مَالِهِ سِوَى الْعَمَلِ؛ كَالْخِيَاطَةِ وَالنَّسْجِ وَطَحْنِ الْحِنْطَةِ وَالْخَشَبَةِ يَعْمَلُ مِنْهَا تَوَابِيتَ).

стр. 8499

الثاني: أن لا يُضيف إليه شيئًا جديدًا، لكنه يضيف إليه عملًا فيخيط الثوب، وينسج القطن، ويصنع ثوبًا أو غزلًا، أو كذلك عنده قمح فيطحنه، فهنا لم يُضف إليه شيئًا، وهذا العمل ربما يقوم به بنفسه، وربما يستأجر من يقوم به، وبعض العلماء يرى أنه في حالة الرَّد يُنظر إلى الأجرة، وبعضهم يرى أن الغاصب لا يأخذ شيئًا؛ لأنه تعدَّى. قوله: (فَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ -وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ فِيهِ مِنْ مَالِهِ مَا لَهُ عَيْن قَائِمَة- فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِمَّا يُمْكِنُهُ إِعَادَتُهُ عَلَى حَالِهِ كَالْبُقْعَةِ يَبْنِيهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) (١).

стр. 8500

البقعةُ معناها (١): القطعة من الأرض الخالية، فيأتي ويبنيها، أي: يأتي إلى قطعة أرض فيغصبها، ثم يبني فيها بيتًا أو دكانًا أو غير ذلك، فإذا ما رجع الحق إلى صاحبه يطالبه بإزالة ما في هذه البقعة، فيجب عليه أن يزيل ذلك، إلا لو اتفق مع المالك بأن يأخذها بثمنها، أو يتنازل الغاصب، وربما يصرُّ المغصوب له على إزالة ذلك، وهنا يقف العلماء فيقولون إن كانت في إزالتها مصلحة أنه يستجيب للمغصوب منه، وإن لم تكن هناك مصلحة فلا؛ لأن ذلك يترتب عليه ضرر بالنسبة للغاصب، والقصد من رد المغصوب إلى صاحبه رفع الضرر، والضرر لا يزال بالضرر. فإذا قال: اهدم هذا البناء وخذ أنقاضه، أو: اخلع هذا الغرس من أرضي وخذ هذا الغرس معك، وعليك أن تهدم الحفر وتساوي الأرض، فله أن يطالب بذلك الغاصب؛ لأنه تعدَّى على حقَّه وملكه، وتصرفاته فيه بما لم يأذن به. بعض العلماء يفصل فيقول: إذا كان قد استأجر على هذه الأشياء فإنَّه يأخذ من المالك الأجرة، وإن لم يكن استأجر فلا، وعند الشافعية والحنابلة لا يأخذ شيئًا؛ لأن يد الغاصب يد تعدٍّ، والمتعدي ليس له شيء.

стр. 8501

قوله: (وَالثَّانِي: أَلَّا يَقْدِرَ عَلَى إِعَادَتِهِ كَالثَّوْبِ يَصْبُغُهُ وَالسَّوِيقِ بَلُتُّهُ) (١). وأمَّا- عند الشافعية (٢)، والحنابلة (٣) - فلو أصرَّ المالك على أن يزيل

стр. 8502

الصبغة أزالها، حتى قالوا: وإن تأثر الثوب كمن ذهب إلى إزالة الصبغ بنحوه وأثر ذلك على الثوب فإن المالك يرجع على الغاصب بالنقص أيضًا، والفقهاء يدقِّقون في هذه المسألة (١). قوله: (فَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ، فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْمُرَ الْغَاصِبَ بِإِعَادَةِ الْبُقْعَةِ عَلَى حَالِهَا وَإِزَالَةِ مَا لَهُ فِيهَا مِمَّا جَعَلَهُ مِنْ نَقِيضٍ أو غَيْرِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يُعْطِيَ الْغَاصِبَ قِيمَةَ مَالِهِ فِيهَا مِنَ النَّقْضِ مَقْلُوعًا بَعْدَ حَطِّ أَجْرِ الْقَلْعِ، وَهَذَا إنْ كَانَ الْغَاصِبُ مِمَّنْ لَا يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَسْتَأْجِرُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَا يَحُطُّ مِنْ ذَلِكَ أَجْرَ الْقَلْعِ، هَذَا إِنْ كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ لَمْ يَكُنْ لِلْغَاصِبِ عَلَى الْمَغْصُوبِ فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مِنْ حَقِّ الْمَغْصُوبِ أَنْ يُعِيدَ لَهُ الْغَاصِبُ مَا غَصَبَ مِنْهُ عَلَى هَيْئَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يُطَالِبْهُ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَقَالٌ) (٢).

стр. 8503

إذا لم يطالبِ المالكُ الغاصب بشيءٍ، وقال له: اخرُج وتركه، فهذا لا يضرُّ. قوله: (وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي، فَهُوَ فِيهِ مُخَيَّر بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ قِيمَةَ الصِّبْغِ وَمَا أَشْبَهَهُ وَيَأْخُذَ ثَوْبَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ الثَّوْبِ يَوْمَ غَصْبِهِ، إِلَّا فِي السَّوِيقِ الَّذِي يَلُتُّهُ فِي السَّمْنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الطَّعَامِ) (١). "السَّويق " (٢): هو ذلك الشعير الذي يُطحَن، ثم بعد ذلك يُخلط بالسمن. قوله: (فَلَا يُخَيَّرُ فِيهِ لمَا يَدْخُلُهُ مِنَ الرِّبَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ فَوْتًا يَلْزَمُ الْغَاصِبَ فِيهِ الْمِثْلُ، أو الْقِيمَةُ فِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ). يخيَّر فيه خشية وقوع التفاضل، أي: ربا الفضل. قوله: (وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي مِنَ التَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ -وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ أَحْدَثَ الْغَاصِبُ فِيمَا أَحْدَثَهُ فِي الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ سِوَى الْعَمَلِ- فَإِنَّ ذَلِكَ أيضًا يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ (٣)؛ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَسِيرًا لَا يَنْتَقِلُ بِهِ الشَّيْءُ عَنِ اسْمِهِ بِمَنْزِلَةِ الْخِيَاطَةِ فِي الثَّوْبِ أو الرُّفُولَةِ (٤)). "الرفولة" (٥): رفا أو يرفو الثوب بمعنى: أصلحه، فقد يكون فيه

стр. 8504

عيب؛ كأن يكون طويلًا فيقصه، فهنا لم يضف إليه شيئًا من عنده ولكنَّه أدخل عليه إصلاحًا، وهذا الإصلاح عن طريق العمل، وأمَّا عن الخيط الذي خاط به ذلك الثوب فهذا يسير لا ينظر إليه. قوله: (الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ كَثِيرًا يَنْتَقِلُ بِهِ الشَّيْءُ الْمَغْصُوبُ عَنِ اسْمِهِ، كَالْخَشَبَةِ يَعْمَلُ مِنْهَا تَابُوتًا) (١). كمن عنده لوحٌ كبير من الخشب فصنعَ منه دكانًا من الخشب، أو صنعَ بابًا أو تابوتًا (وهو الصندوق)؛ فتغير ففارق بين أن تقصَّ الثوب وبين أن تأتي بالخشب فتصنع منه بابًا أو تابوتًا، فإنَّه يحتاج إلى نشرِ وتجميع الخشب، وإلى مسامير وأشياء كثيرة جدًّا، وإلى جهدٍ من العمل. قوله: (وَالْقَمْحِ يَطْحَنُهُ، وَالْغَزْلِ يَنْسِجُهُ، وَالْفِضَّةِ يَصُوغُهَا حُلِيًّا أو دَرَاهِمَ). كلُّ ذلك تغيرت حالته؛ لأن فيه جهدًا واضحًا وبارزًا؛ لأن العمل ليس يسيرًا. قوله: (فَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: فَلَا حَقَّ فِيهِ لِلْغَاصِبِ، وَيَأْخُذُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الشَّيْءَ الْمَغْصُوبَ مَعْمُولًا). ليس في هذا الوجه خلاف بين العلماء (٢).

стр. 8505

قوله: (وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي فَهُوَ فَوْتٌ يُلْزِمُ الْغَاصِبَ قِيمَةَ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ يَوْمَ غَصْبِهِ أو مِثْلَهُ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ، هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِ

стр. 8506

ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا الْمَعْنَى (١). وَأَشْهَبُ يَجْعَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْمَغْصُوبِ (٢)، أَصْلُهُ مَسْأَلَةُ الْبُنْيَانِ فَيَقُولُ: إِنَّهُ لَا حَقَّ لِلْغَاصِبِ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنَ الصِّبْغِ وَالرفولةِ وَالنَّسْجِ وَالدِّبَاغِ وَالطَّحِينِ). أي: فوت صورة الثوب، هذا الثوب قد يكون أبيض فيأتي فيصبغه فيجعله أحمر أو أسود أو غير ذلك وصاحبه لا يريد ذلك اللون ففوَّت عليه المصلحةَ التي كان يريدها، وصبغ الثوب أحيانًا يغيره، فقطعة القماش تصبغ فترتفع قيمتها فبدل أن تكون قيمة الثوب مثلًا عشرة تكون عشرين، فما الحكم هنا؟ قوله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الصَّبْغَ تَفْوِيتٌ يَلْزَمُ الْغَاصِبَ فِيهِ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْغَصْبِ (٣). وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُمَا يَكُونَافي شَرِيكَيْنِ، هَذَا بِقِيمَةِ الصَّبْغِ، وَهَذَا بِقِيمَةِ الثَّوْبِ إِنْ أَبَى رَبُّ الثَّوْبِ أَنْ يَدْفَعَ قِيمَةَ الصَّبْغِ، وَإِنْ أَبَى الْغَاصِبُ أَنْ يَدْفَعَ قِيمَةَ الثَّوْبِ (٤)، وَهَذَا الْقَوْلُ أَنْكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي

стр. 8507

الْمُدَوَّنَةِ فِي كتَابِ اللُّقَطَةِ، وَقَالَ: إِنَّ الشَّرِكَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِيمَا كلانَ بِوَجْهِ شُبْهَةٍ جَلِيَّةٍ (١). وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الصَّبْغِ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إِلَّا أَنَّهُ يُجِيزُ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمَا). بعد كلامٍ كثير جدًّا أشار إلى مذهب الشافعي (٢)، ومعه الإمامان الشافعيُّ، وأحمد (٣) يجيزان الشركة فلو قُدِّر أنه أخذ الصوف صدقة ولكن

стр. 8508

ينظر إلى الثوب؛ لأنه ربما تزيد قيمته فإن نقصت القيمة فإنَّه يطالب الغاصب، وربما ترتفع قيمته فتكون قيمته قبل الصبغ خمسين ريالًا، وبعد الصبغ أصبح مائةً، فما الحكم هنا؟ تجوز الشركةُ عند الإمامين؛ فهذا يأخذ خمسين، وهذا يأخذ خمسين. أو تكون قيمته قبل الصبغ خمسين وبعد الصبغ سبعين، فيأخذ الغاصب عشرين والآخر يأخذ خمسين، فيقولون ليس لصاحب الحق أن يتجاوز حدَّه، وإن علم أن هذا غاصب فليس له أن يأكل حق غيره بغير حق؛ لأن هذا الصبغ الذي أُدخل عليه زاد من قيمته. ويفرقون أيضًا بين أن يكون الصبغ الذي صبغ به من مال الغاصب، وربما يكون من مال المغصوب، وحينئذ لا أثر للغاصب، إن كان الصبغ من مال المغصوب منه فالغاصب لا شيء له، لكن هذا الكلام لو كان الصبغ من مال الغاصمب وربما يكون من مال غيرهما أيضًا (١).

стр. 8509

قوله: (وَيَقُولُ: إِنَّهُ يُؤْمَرُ الْغَاصِبُ بِقَلْبِ الصَّبْغِ إِنْ أَمْكَنَهُ وَإِنْ نَقَصَ الثَّوْبُ) (١). هذا إن طلب المغصوب منه أن يزيل ذلك فله حتى وإن نقص الثوب عن قيمته، يأخذ النقص من الغاصب وهذا أيضًا قول أحمد (٢). قوله: (وَبَضْمَنُ لِلْمَغْصُوبِ مِقْدَارَ النُّقْصَانِ، وَأُصُولُ الشَّرْعِ تَقْتَضِي أَنْ لَا يُسْتَحَلَّ مَالُ الْغَاصِبِ مِنْ أَجْلِ غَصْبِهِ). يقول المؤلف: أن أصول الشرع تقتضي أن لا يكون سبب الغصب مبررًا أو وسيلة أن يستحل مال الغاصب فالظلم لا يُعالَج بظلم، ولا التعدي يُعالَج بالتعدي، وإنما الإنسان يأخذ حقَّه وله أن يطالبَ به. قوله: (وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَنْفَعَةً أو عَيْنًا، إِلَّا أَنْ يَحْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِهِ

стр. 8510

-﵊: "ليْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ" (١) لَكِنَّ هَذَا مُجْمَلٌ). هذا الحديث عام، وهو حديث حسن، والحديث جاء بألفاظ عدَّة، والعِرق: هو ذلك الجذور التي تمتدُّ في الأرض، قال كثير من العلماء (٢): إن في الحديث حذفًا، "لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِم حَقٌّ"؛ أي: ليس لصاحب عِرق ظالم حَقٌّ، فيكون الوصف لصاحب العرق إلا أن يكون ذلك من باب المجاز، وقضية المجاز محل خلاف بين العلماء، فمن العلماء من يجيز المجاز مطلقًا في الكتاب والسُّنة، وفي لغة العرض ومنهم من يمنع ذلك في الكتاب ويجيزه في غيره، ومنهم مَن يمنعه في الكتاب وغيره، ويقول: ليس مجازًا وإنما هو مجاز بالحذف. قوله: (وَمَفْهُومُهُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ ليْسَ لَهُ مَنْفَعَةٌ مُتَوَلِّدَةٌ بَيْنَ مَالِهِ وَبَيْنَ الشَّيْءِ الَّذِي غَصَبَهُ (أَعْنِي: مَالَهُ الْمُتَعَلِّقَ بِالْمَغْصُوبِ)، قَهَذَا هُوَ حُكْمُ الْوَاجِبِ فِي غَيْرِ الْمَغْصُوبِ تَغَيَّرَ أو لَمْ يَتَغَيَّرْ. وَأَمَّا حُكْمُ غَلَّتِهِ). الواجب على مَن غصب شيئًا أن يردَّه إلى صاحبه، فإن بقي على حاله أعاده؛ وإن تغير فهناك خلاف بين العلماء هل يأخذ مثله إذا تلفت العين، أو يأخذ القيمة؟ عرفنا في الكيل والوزن وكذلك النقود أخذ المثل، أما في عروض التجارة فقد نرى الخلاف فيها ودليل كلِّ قول.
следующие страницы →