مِنْ دَمِ الحَيَوَانِ غَيْرِ البَحْرِيِّ، فَقَالَ قَوْمٌ: دَمُ السَّمَكِ طَاهِرٌ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ (١)، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ) (٢).
هَذِهِ مسألةٌ تحتاج إلى تحريرٍ، ففي مذهب الشافعي قوله: (ومذهب الشافعي)، هذا يعتبرونه الشافعية وجهًا في المذهب، أي: أنَّ هذا القول للشافعية، وهناك قولٌ للشافعية آخَر أنه ليس بطاهر (٣)، وأظنه للحنابلة في المشهور عنهم (٤).
قوله: (وَقَالَ قَوْمْ: هُوَ نَجِسٌ عَلَى أَصْلِ الدِّمَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي المُدَوَّنَة (٥)، وَكَذَلِكَ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّ قَلِيلَ الدِّمَاءِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: بَلِ القَلِيلُ مِنْهَا وَالكَثِيرُ حُكْمُهُ وَاحِدٌ، وَالأَوَّلُ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي دَمِ السَّمَكِ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَيْتَتِهِ، فَمَنْ جَعَلَ
стр. 877
مَيْتَتَهُ دَاخِلَةً تَحْتَ عُمُومِ التَّحْرِيمِ، جَعَلَ دَمَهُ كَذَلِكَ، وَمَنْ أَخْرَجَ مَيْتَتَهُ أَخْرَجَ دَمَهُ قِيَاسًا عَلَى المَيْتَةِ، وَفِي ذَلِكَ أَثَرٌ ضَعِيفٌ (١)، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: الجَرَادُ وَالحُوتُ، وَالكَبِدُ وَالطَّحَالُ " (٢).
يَعْني: كلَام المؤلف في هذه المسألة يدور حول دم الحيوان البحري، وهو السمك، هل يلحق بالبري؛ فيقال عنه بأنه نجسٌ، أو يلحق بميتته؛ فيقال: إنه طاهر؟ فالعلماء مُخْتلِفُون في ذلك، وفي كل مذهب من المذاهب تجد رأيين أو أكثر.
قال: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي كَثِيرِ الدَّمِ وَقَلِيلِهِ، فَسَبَبُهُ اخْتِلَافُهُمْ فِي القَضَاءِ بِالمُقَيَّدِ عَلَى المُطْلَقِ، أَوْ بِالمُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ).
هذ مسألةٌ أشَار إليها المؤلف، وَسَبق أَنْ قلنا: إنَّ مَذْهبَ جَمَاهير العلماء أصولًا وفقهًا أنهم يُقيِّدون المطلق؛ فيَروْن أنَّ المقيد يُقدَّم عليه، وهُناك رأيٌ لابن حزم (٣)، وهو الذي يشير إليه ويكرِّره في هذا الكتاب،
стр. 878
وقد لا ننتبه له؛ فهو يذهب إلى عكس ذلك، ويرى أن المطلقَ فيه زيادة معنًى، وهذا المعنى قَدْ يكون حكمًا؛ فينبغي أن نَقِفَ عنده ونقدمه علَىِ المقيَّد؛ لأن المقيدَ جاء ببعض، والمطلق زاد علَى ذلك؛ فَيَنْبغي أن نأخذَ بما فيه زيادةٌ، وهذا غير صَحِيح؛ لأنَّه يأتي الشَّيء مطلقًا؛ فيقيد، وقَدْ يأتي عامًّا ويُخصَّص كما رَأينا في آيًة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، فإنها قصت بعدَّة أَدلَّةٍ فِي الكتَاب والسُّنَّة.
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ تَحْرِيمُ الدَّمِ مُطْلَقًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، وَوَرَدَ مُقَيَّدًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]).
نَرَى هنا قَوْله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، وجاء مقيدًا بقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥].
قوله: (فَمَنْ قَضَى بِالمُقَيَّدِ عَلَى المُطْلَقِ وَهُمُ الجُمْهُورُ قَالَ: المَسْفُوحُ (١) هُوَ النَّجِسُ المُحَرَّمُ فَقَطْ).
هذه عبارته "قَضَى"، يَعْني: قدَّم أو أخَذ بالمقيد، وقدَّمه علَى المطلق، أو العكس، فَهو يريد أن يقولَ: هل نقيد المطلق بالمقيد أو نتركه على إطلاقه؟ وكلمة "قضَى"، أي: حكم به، فإنْ حَكَمنا بالمقيَّد علَى المطلق فنقيده، وهذا رأي جماهير العلماء؛ فنقتصر على الحكم الذي وَرَد في المقيد، وإِنْ قلنا: لا نأخذ بالمقيد، فنتركه على إطلاقه.
стр. 879
قوله: (وَمَنْ قَضَى بِالمُطْلَقِ عَلَى المُقَيَّدِ؛ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً قَالَ: المَسْفُوحُ وَهُوَ الكَتِيرُ، وَغَيْرُ المَسْفُوحِ وَهُوَ القَلِيلُ، كُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَأَيَّدَ هَذَا بِأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ نَجِسٌ لِعَيْنِهِ فَلَا يَتَبَعَّضُ).
يَعْني: يريد ما هو نجسٌ لعينه، فلا يتبعض، فالخنزير نجس كله، ولا نقول: "بعضُهُ طاهر، وبعضه نجس "، وكذلك الكلب نجس بعينه؛ فهذا هو مراد المؤلف.
وَقَدْ يسأل سَائلٌ: ما هو دليل استثناء جلد الكلب، على قول مَنْ قالوا: ما دام الكلب نجسًا في حياته، فمن باب أولى أن يكون نجسًا بعد مماته؟
فَالجَوابُ أن نقولَ: استدلُّوا على أن الكلب نجس بقوله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسله سبعًا، أولاهن بالتراب " (١)، وذكرنا رأي الإمام الشافعي في ذلك، وأن العلة إنما هي في لُعَاب الكلب، وقد ذكرنا ما ذَكَره الأطِبَّاءُ أن فيه مادَّة لا يزيلها إلا التُّراب، وَسَبق الكلام عنه في أحكام الطَّهارة والوضوء.
وبَعْضهم -كما بينَّا سابقًا- يَقُول: ورد التنصيص على الخنزير بأنه رجسٌ، فألحقوا الكلب فيه؛ لأنه يُشْبهه في النجاسة.
قوله: (المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ ابْنِ آدَمَ وَرَجِيعِهِ) (٢).
هذَا أَمْرٌ مرَّ بنا الحديث عنه، فقَدْ رأينا أن نجاسةَ البول ثبتت بالنَّصِّ
стр. 880
والإجماع، ومِنَ النُّصُوص الَّتي وردت في ذلك: حديث صاحِبَيِ القبر عندما مر الرسول ﷺ بقبرين فقال: "إنَّهُمَا ليُعذَّبان وما يُعذَّبان في كبِيرٍ، أمَّا أحدُهُما: فكان يمشي بالنميمة، وأمَّا الآخر: فكان لا يَسْتنزه من بَوْله" (١).
وفي روايةٍ: "لا يَسْتبرئ من البول " (٢).
أمَّا الغَائط أيضًا ففيه قَوْل الله : ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣ والمائدة: ٦]، وقَدْ ثبت إجماع العلماء على تحريم البول والرَّجيع بالنسبة لبني آدم (٣).
قوله: (إِلَّا بَوْلَ الصَّبِيِّ الرَّضِيعِ).
" إلا بول الصبي الرضيع "، هذه ربما يُفهَم منها أن بول الصَّغير الرضيع طاهر، ولكن ليس الأمر كذلك؛ لأنَّ العلماء يقسمون بول الآدمي إلى أقسام ثلاثة:
القسم الأول: الكبير.
القسم الثاني: الصبي الصغير الذي يطعم، وهذا يلحقونه بالكبير.
القسم الثالث: الصغير الذي يشرب اللبن، ولا يطعم.
فهل حُكْمُ الأخير هو نفس حكم الكبير في النجاسة، أو أن نجاسته دون ذلك؟
أقول: العلماء من حيث الجملة متفقون على نجاسته، فنجد أن
стр. 881
الشافعية (١)، والحنابلة (٢) يقولون بنجاسته، لكنهم يقولون بأنه يقتصر في تطهيره على النضح، أي: على الرَّسِّ بالماء، وذلك للأحاديث الواردة، كقصة الصغير الَّذي أُتِيَ به إلى رسول الله ﷺ فحنَّكَه، فبال عليه الصَّبيُّ، فدعا بماءٍ فَرشَّ أو نضحه (٣)، لكن الحنفية (٤) يرَوْن أنَّ بول الرضيع يُغسَل كغيره.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الحَيَوَانِ).
نأتي في هذا المقام إلى الكلام عن الحيوان، ولعل المسألة تتكرَّر معنا؛ لأن مسائلَ الفقه تتكرَّر وتُفصَّل وتتفرع، حتى إنَّ في "صحيح البخاري" قد يورد الحديث مرتين وثلاثًا وأربعًا وخمسًا وستًّا، وربما أكثر، وذَلكَ بحسب المسائل والمناسبات؛ كذلك هنا قد تأتي مسائل معنا وتتكرَّر، وتكرارها هذا فيه زيادةُ فَائدَةٍ.
المقصود، أن الحيوان ليس نوعًا واحدًا كما بيَّنا سابقًا، فهناك مأكول اللحم، وهناك غير مأكول اللحم، وقد بينَّا أن غير المأكول له أقسام.
ثم نأتي إلى الحيوان مأكول اللحم، فهو أيضًا فيه خلاف بين
стр. 882
العلماء، فَدمُهُ نجس كما عرفنا، لكن الخلاف في روثه وبوله، هل هو نجسٌ أو لا؟
إذًا، المؤلف هنا أشَار إلى أَمْرٍ سَبَق أنْ فرغنا منه، وهو بول ابن آدم ورجيعه، ثمَّ أشار إلى بول الصبي، ونَبَّهنا عليه، والكلام هنا عن بول الحيوان وروثه، والحيوان إما أن يكون مأكولًا أو غير مأكول، فمن العلماء مَنْ يحكم بنجاسة الكُلِّ، ولا يفرق بين مأكولٍ وغيره، ومنهم مَنْ يحكم بطهارتها جميعًا، ومنهم مَنْ يُفصِّل القول في ذلك، فيقول بطهارة بول وروث مأكول اللحم دون غيره، وسيذكر المؤلف ذلك، وربما ننبِّه أنَّ الذين قالوا بنجاسة بول وروث كل حيوان هم الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والذين قالوا بطهارة ذلك مطلقًا منهم داود الظاهري (٣)، ونُسِبَ إلى إبراهيم النخعي (٤)، وَهَذا أَمْرٌ يحتاج إلى تَحْقيقٍ؛ لأنَّ العلماءَ مختلفون في تحقيق نِسْبتِهِ إليه، لكن دَاود الظاهري نصَّ على أن هذا هو قوله، وذَهَب بعد
стр. 883
ذلك المالكية (١)، والحنابلة (٢) إلى التفريق بين مأكول اللحم وبين غيره، فقالوا: ما كان مأكول اللحم فبوله وروثه طاهرٌ، وغير المأكول بخلافه، وأدلة هؤلاء سننبه عليها لاحقًا؛ لأن المؤلف ربما لا يستوعب ذلك.
قوله: (فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهَا كلَّهَا نَجِسَةٌ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى طَهَارَتِهَا بِإِطْلَاقٍ أَعْنِي: فَضْلَتَيْ سَائِرِ الحَيَوَانِ: البَوْلَ وَالرَّجِيعَ).
إذًا، الذي بيَّنتُه أنَّ قول دَاود (٣) لم ينبه علَيه المؤلف، ونُسِبَ إلى إبرَاهيم النَّخعي، مع أنَّ إبراهيم النخعي (٤) له روايةٌ أيضًا مع المالكية والحنابلة في هَذِهِ المسألة.
قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: أَبْوَالُهَا وَأَرْوَاثُهَا تَابِعَةٌ لِلُحُومِهَا).
كَأنَّ المُؤلِّفَ هنا وضع قاعدةً لمَّا قال: "أبوالها وأرواثها تابعة للحومها"، حيث جعل البول والروث تابعَين للحيوان، فمَا كان مأكول اللحم، فبولُهُ وروثه طاهر، وما كَانَ غير مأكولٍ، فبَوْله وروثه غير طاهرين.
стр. 884
قوله: (فَمَا كَانَ مِنْهَا لُحُومُهَا مُحَرَّمَةً، فَأَبْوَالُهَا وَأَرْوَاثُهَا نَجِسَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَمَا كَانَ مِنْهَا لُحُومُهَا مَأْكُولَةً، فَأَبْوَالُهَا وَأَرْوَاثُهَا طَاهِرَةٌ، مَا عَدَا الَّتِي تَأْكُلُ النَّجَاسَةَ).
الحَيوانَاتُ أحيانًا تأكُلُ مَا ترَاه دون أن تتوَقَّى النجاسة، كالإبل الجلَّالة (١)، والدجاج الذي يأكل النجاسات، وذكر العلماء الهرَّة (٢) أيضًا.
стр. 885
كمَا ذكر العلماء حُكْمَ الوضوء من سؤر ما يبقى من الهرَّة عند شربها الماءَ، وكنَّا قد أشرنا إلى هذا فيما مضى، ولكن ما هي المدة الكافية لكي يزول ذلك عن الماء فيتوضأ بسؤرها، هل هو غيابها، أو بأن تستخدم شيئًا آخر يزول … هذا كله فيه تفصيل عند العلماء.
قوله: (وَمَا كانَ مِنْهَا مَكْرُوهًا، فَأَبْوَالُهَا وَأَرْوَاثُهَا مَكْرُوهَةٌ).
أيْ: أنَّ هناك حيَوانات يَجُوز أَكْل لَحْمها، لكنها تُكْره من حيث إنَّ الطباع لا تريدها، ولا تَسْتسيغها.
قوله: (وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ).
بهذا قال مالك وأحمد، وقولهما متقاربٌ، وأظنها في مسألة آتية، وربما في هذا ما يتعلق بالدم.
قوله: (كمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِذَلِكَ فِي الأَسْآرِ).
ولا يريد أن يقولط: إن أبا حنفية معهم، لكنَّ أبا حنيفة هناك له قاعدٌ ومنهجٌ في الأسآر، ويريد أيضًا أن يقول: إن مالكًا وأحمدَ كذلك قالا بهذا الأمر.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ "الإِبَاحَةِ الوَارِدَةِ فِي الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ "، "وَإِبَاحَتِهِ ﵊ لِلْعُرَنِيِّينَ شُرْبَ أَبْوَالِ الإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا" (١)، وَفِي مَفْهُومِ "النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ " (٢).
стр. 886
الظَّاهر هنا أنَّ المؤلف لن يأتي بالمسألة مفصَّلة أو مُسْتوعبة؛ لأنه بدَأ بمَرَابض الغنَم، وهذا لا شكَّ دليلٌ من أدلة الذين قالوا بطهارة بول وروث ما يُؤْكل لحمه، لكن أوَّل دَلِيلٍ لهؤلاء يستدلُّون به هو حديث العُرَنيين الَّذي مرَّ بنا سابقًا، وهو "أنَّ جماعةً مِنْ عرين أو عُكْلٍ قدموا المدينة، فَاسْتَوْخموها، فأَمَرهم الرَّسول ﷺ أن يلحقوا بإبل الصدقة، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها" (١).
وَالشَّاهد هنا أنَّهم شَربوا مِنْ أبوال الإبل، فقال هؤلاء العلماء: إنه لو كانت نجسةً، لَمَا أَذِنَ لهم الرَّسُول ﷺ بذلك، ولَيْسَ في الحَديث ما يدل على أن الأمر خاصٌّ بهم، وإنما هو أمر أباحه الرسول ﷺ لهم، أو أَذِنَ لهم في ذلك؛ فبقي ذَلكَ على إطلاقه، ولم يَرد ما يُقَيده أو يخصصه، وهذا حكمٌ عامٌّ لهم ولغَيرهم.
إذًا، هذا دليل صريح عندهم في أبوال الإبل، وقاسوا عليها غيرها مِنَ الغنَم، وهي أخف منها، حيث قالوا: إذا كان ذلك في الإبل، فالغَنمُ من باب أوْلَى، ولذلك الدليل الآخر الذي يستدلُّون به هُوَ الحَديث الذي ذكَره المؤلف، وهو أنَّ الرَّسول ﷺ قال: "صلُّوا في مَرَابض الغنَم" (٢).
وفي بعض الروايات: "صَلُّوا في مرَابض الغنَم، ولَا تصلُّوا في معَاطن الإبل" (٣).
وَأيضًا ورَد في حَدِيثٍ من طريق جابر بن عبد الله، ومن طريق صحابيٍّ آخر أن الرسول ﷺ قال: "لا بأس ببول ما يؤكل لحمه" (٤).
стр. 887
وَالحَديثان ضَعيفان، لكن حديث العرنيين حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في "الصحيحين "، كذلك حديث: "صلوا في مرابض الغنم "، فبعض رواياته في "الصحيحين " (١).
إذًا، الذين قالوا بالتفريق، استبدلوا بحديث العُرَنيين وألحَقه غيره به، وكذَلك حديث: "صلُّوا في مرابض الغنم "، وقَالوا: لَوْ كَانت أبوالها وأرواثها نجسةً، لما صلى … وهكذا كما سبق وبينَّا.
أَمَّا مَرَابض الغنم (٢)، فهي الأماكن التي تأوي إليها، فتَربض فيها وتنام، وهي لا شكَّ لا تخلو من روثٍ أو بولٍ؛ لأن هذه أمور يصعب الاحتراز منها؛ ولذلك نجد أن مِنَ الشافعية مَنْ خالف الإمام الشافعي في هذا المسلك، فنجد ممَّن خالفه: ابن المنذر (٣) الإمام المحقق، وابن خزيمة المحدث (٤)، وَكَذلك أيضًا ابن حبان المحدث (٥)، وَكلُّهم من الشافعيَّة؛ بل قَالَ بعضهم: إنَّ الذي انفرَد فِي ذَلكَ في مَنْع الصَّلاة في مرَابض الغنم إنَّما هو الإمام الشافعي؛ وقال حتى تُنَقَّى، رُغْم أنَّه ليس في الحديث أنها تُنقَّى!
إذًا، محل الشاهد من هذا أنَّ الرَّسول ﷺ قد صلَّىٍ، وقال: "صلُّوا فِي مرَابض الغنم "، قالوا: فلو كان أبوالها وأرواثها نجسةً لَمَا صلَّى، ولَمَا
стр. 888
أَذِنَ في الصلاة فيها؛ فدلَّ فعلُهُ وقولُهُ بذلك على أنَّ أبوالَها وأروَاثها طاهرة.
يُضَاف إلى ذلك حديث العرنيين، وهو نص في المسألة.
ويبقى معنا أن نتساءل: ما دَليل الذين قالوا: إن أبوال وروث ما يؤكل لحمه نجسة؟
الجواب: إنهم يستدلون بحديث صاحِبَي القبر الذي ورد في "الصحيحين"، وقَدْ جاء فيه أنَّ الرَّسُول ﷺ قال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما: فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر: فكان لا يستبرئ من البول" (١)، فأطلق البول، والبول هنا يشمل بول بني آدم وغيره؛ فلا نخصُّهُ ببول بني آدَم، وهذا أول دَلِيلٍ للفريق الآخر (الشافعية والحنفية).
وَاستدلُّوا أيضًا بقول الله : ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، حيث قالوا: إن الروث والبول مستخبثان، والعرب تستخبث ذلك وتستقذره، ونحن أيضًا نرجع إلَى لغة العرب في مثل ذلك المقام.
إذًا، هذا أمرٌ مستخبث ومستقذر عند الناس، وهذا دليل على النجاسة.
وهنا نتساءل: هل كل مستقذر (٢) نجس؟
الجواب: لا، فهناك بُصَاق يستقذره الإنسان، وهناك نُخَامة يستقذرها الإنسان، بل وقد منع الرسول ﷺ الرجلَ منها إلى أن قال: "في طرف ثوبك" (٣)، فبصق في طرف ثوبه، وكان الصحابة أيضًا يبتدرون نخامةَ
стр. 889
رسول الله ﷺ أيام الخندق، فلا تقع إلَّا في يدي واحدٍ فيمس بها وجهه (١)، وكلُّ ذَلكَ وَرد، فليسَ كلُّ ما يَسْتقذره الإنسان يكون نجسًا، وَإنْ كانت نُخَامة الرسول ﷺ لا تدخل في ذلك أصلًا؛ لأنه ﵊ ليس فيه شيءٌ مستقذرٌ، لكن ما يهمنا هنا أن المخاط -وكذلك البصاق- تستقذره النفس؛ وعلى هذا فليس كلُّ ما تستقذره النفس يكون نجسًا.
الخُلَاصة: أنَّ الفريقَ الأوَّل (المالكية والحنابلة) آراؤهم صحيحةٌ، وأدلتهم كذلك صحيحة وصريحة، ولا تحتمل تأويلًا، ولا تحويلًا.
وَممَّا يُردُّ به على أدلة الفريق الآخَر أيضًا: أن في حديث البخاري الذي استدلوا به وهو: "كان لا يستنزه من بوله" أنه ﷺ أضاف الضمير إلى الإنسان، فدل على أن المراد به بول الإنسان.
وَأَمْرٌ آخَر أيضًا يُجَاب به: أنه في قوله: "كان لا يستنزه من البول"، قالوا: و"أل" في البول إنما هي للعهد، وهذا معروفٌ في لغة العرب، يَعْني: البول المعروف المَعهود، أَيْ: بوله الَّذي يعهده، وهو أيضًا يخص منه؛ إذن فدلَّ ذلك أنَّ الإجابة عن الآية: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] أنها عامة، وهذه أدلة تُخصِّصها؛ فلا يستدل بدليلٍ عامٍّ على أدلة خاصة هي نص في المدعى.
بذلك ننتهي إلى أن الصحيح في ذلك أنَّ ما يؤكل لحمه، فروثه وبوله طاهر.
قوله: (وَالسَّبَبُ الثَّانِي: اخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِ سَائِرِ الحَيَوَانِ فِي ذَلِكَ عَلَى الإِنْسَانِ، فَمَنْ قَاسَ سَائِرَ الحَيَوَانِ عَلَى الإِنْسَانِ، وَرَأَى أَنَّهُ مِنْ
стр. 890
بَابِ قِيَاسِ الأَوْلَى وَالأَحْرَى، لَمْ يَفْهَمْ مِنْ إِبَاحَةِ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ طَهَارَةَ أَرْوَاثِهَا، وَأَبْوَالِهَا، وَجَعَلَ ذَلِكَ عِبَادَةً).
رأيت أكثر مَنْ ناقش هذه المسائل فيما أعرف، ودقَّق النظر فيها، وجمع أدِلَّتها: الشافعي، وما رأيت هذا القياس الذي ذكر المؤلف، ولكن المعروف أنهم يستدلون -كما ذكرت- في حديث: "لا يستبرئ من البول "، وآية: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وبقياسها على الحيوانات الأُخرى، لكنه قياس مع الفارق، والفارق معروف؛ فالآدمي معروف من أنَّ بوله ورجيعه يعني: غائطه نجاسات مغلظة تختلف عن غيرها.
أَيْ: كيفَ نقيس علَيه قياس الأَوْلَى، وبالنسبة لبول ابن آدم ورجيعه إلى جانب أن النص مجمع عليه؛ فكيف نقيس أمرًا مختلَفًا فيه، بل ما هو مختلف بأدلة صحيحة صريحة تدلُّ على طهارته؟ فنقيس على أمرٍ إلى جانب أدلَّته الصحيحة من الكتاب والسُّنة، ومجمع على نجاسته، فكيف نقول: هذا قياس! فالمؤلف مر عليه مرور الكرام؛ لأنه لا يحتاج إلى بحثٍ، وليس محل نقاشٍ ولا خلافٍ بين العلماء؛ فهو إلى جانب النصوص فيه، مجمع عليه.
قوله: (وَمَنْ فَهِمَ مِنَ "النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ (١) " النَّجَاسَةَ، وَجَعَلَ إِبَاحَتَهُ لِلْعُرَنِيِّينَ أَبْوَالَ الإِبِلِ لِمَكَانِ المُدَاوَاةِ عَلَى أَصْلِهِ فِي إِجَازَةِ ذَلِكَ).
هذا الَّذي ثار في ذهن المؤلف ربما -والله أعلم ولست أدري مثلًا العلة في ذلك- أنه ربما شك ما دام العرنيون قد شربوا من أبوال الإبل، فلماذا نُهي عن الصلاة في معاقل الإبل، ورُخِّص في الصلاة في مرابض الغنم؟
стр. 891
الجواب عن ذلك: أنَّ الغنم عُرفت بالهدوء والمسالمة، أما الإبل فإنها تؤذي المصلي؛ لذلك ذكر العلماء هذه العلة، وفي بعض الأحاديث: "أنها خلقت من الجن والشياطين" (١)، وقد تكلمنا عن ذلك سابقًا، وبيَّنا أن بعض العلماء ترك النصَّ على ظاهره، وبعضهم تأولها أنها ليست من الشياطين، ولكن من جنس الشياطين، أي: أنها توافقها في صفاتها؛ لأن فيها نفورًا، وهذا النفور من صفات الإبل اللازمة، والمصلي لا يحتاج أن يصلي في مكان يشوَّش عليه فيه، لكن الغنم ليس من طبيعتها النفور؛ فاختلف في هذا، ولذلك تفرق العلماء، وليس كما ذكر المؤلف، بل حديث العرنيون نصٌّ، وكونه نُهِيَ عن الصلاة في معاقل الإبل؛ ذكر الحكم مقرونًا بعِلَّته، هذه العلة أنها خُلقَت من الشياطين.
قوله: (وَجَعَلَ إِبَاحَتَهُ لِلْعُرَنِيِّينَ أَبْوَالَ الإِبِلِ لِمَكَانِ المُدَاوَاةِ عَلَى أَصْلِهِ فِي إِجَازَةِ ذَلِكَ)، هذا يرده قوله ﷺ : "إنَّ الله لَمْ يجعل شِفَاءَكم فيما حرَّم عليكم" (٢)، فلو كانت نجسةً؛ لمَا أرشدهم الرسول ﷺ إلى أن يشربوا منها، وكونه نهى عن الصلاة في مَعَاطن الإبل، فليس ذلك دليلًا على نجاسة ما يخرج من الإبل إلا الدم؛ فهذا أمرٌ مجمعٌ عليه ومعروفٌ.
قوله: (قَالَ: كلُّ رَجِيعٍ وَبَوْلٍ فَهُوَ نَجِسٌ، وَمَنْ فَهِمَ مِنْ حَدِيثِ "إِبَاحَةِ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ" طَهَارَةَ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا، وَكذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ العُرَنِيِّينَ وَجَعَلَ "النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ" عِبَادَةً أَوْ لِمَعْنًى غَيْرِ مَعْنَى النَّجَاسَةِ).
قوله: (عبادة) يعني: أمرًا تعبديًّا، أو لمعنًى غير معنى النجاسة،
стр. 892
وهذا هو الظاهر، وهي العلة التي ذكرناها، وهو أنها تشوِّش على المصلي، يعني: يتأذى بها؛ فهي تَخْتلف عن الغنَم.
قوله: (وَكَانَ الفَرْقُ عِنْدَهُ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَبَهِيمَةِ الأَنْعَامِ أَنَّ فَضْلَتَيِ الإِنْسَانِ مُسْتَقْذَرَةٌ بِالطَّبْعِ).
فبجانب كَوْنها مستقذرةً، هي أيضًا مسألة ليست محل خلافٍ، ولا نقاشٍ، أيْ: كما قلنا: نصوصها صحيحة وصريحة، وإجماع العلماء قام عليها؛ فليست محلَّ نِقَاشٍ، ولا يمكن أن نقيس أمرًا محل خلاف وفيه نصوصٌ تدلُّ على عدم نجاسته على أمرٍ مجمعٍ على نجاسته؛ هذا قياس نسميه مع الفارق.
قوله: (وَكَانَ الفَرْقُ عِنْدَهُ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَبَهِيمَةِ الأَنْعَامِ أَنَّ فَضْلَتَيِ الإِنْسَانِ مُسْتَقْذَرَةٌ بِالطَّبْعِ)، هذا التعليل أيضًا الذي ذكره، هو مستقذرٌ، لكن ليسَ هو السبب، وهي مستقذرةٌ لا شك، ولكن فرق بين عذرة الإنسان (أيْ: غائطه)، وبين ما يخرج من الدواب.
قوله: (وَفَضْلَتَيَ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، جَعَلَ الفَضَلَاتِ تَابِعَةً لِلُّحُوم، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ قَاسَ عَلَى بَهِيمَةِ الأنْعَامِ غَيْرَهَا جَعَلَ الفَضَلَاتِ كُلَّهَا مَا عَدَا فَضْلَتَيِ الإِنْسَانِ غَيْرَ نَجِسَةٍ، وَلَا مُحَرَّمَةٍ).
هنا يشير إلى المذهب الثالث، ولكن الذي قلناه قبلُ هو رأي داود، ويُنْسب إلى النخعي، وهما ومَن تبعهما الذين قالوا بطهارة جميع بول وروث الحيوان، حيث قاسوا غير مأكول اللحم على المأكول، فقالوا بجامع أن كلًّا منها حيوان، فلا نفرق بين أنَّ هذا حيوان وهذا حيوان، وهذا بول وهذا بول، وهذا رجيع وهذا رجيع.
قوله: (وَالمَسْأَلَةُ مُحْتَمِلَةٌ).
من الأدلة التي استدل بها الآخرون ممن يقولون بنجاسة رَوَث بهيمة
стр. 893
الأنعام، لكنه ليس بدليلٍ صحيحٍ: حديث عبد الله بن مسعود ﵁: "أن الرسول ﷺ أمره أنه يأتيه بثلاثة أحجار، فجاءه بحجرين وروث، فأخذ الحجرين وألقى الروث، وقال: "إنها رجسٌ" (١)، فهل كونها رجسًا دليل على نجاستها؟
أما علة النهي عن الاستنجاء بالعظم، أنه ورد أنه "طعام إخوانكم الجن" (٢) " لذلك أيضًا نهي عن أن يستجمر به الإنسان.
قوله: (وَلَوْلَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِحْدَاثُ قَوْلٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ فِي المَشْهُورِ، وَإِنْ كَانَتْ مَسْأَلَةً فِيهَا خِلَافٌ لَقِيلَ إِنَّ مَا يَنْتُنُ مِنْهَا ويُسْتَقْذَرُ بِخِلَافِ مَا لَا يَنْتُنُ وَلَا يُسْتَقْذَرُ).
القَوْل الَّذي أشَار إليه المؤلف لو أُخِذَ به، لقُلْنا: لماذا لا يجتهد في المسائل، فهو يريد أن يقول: ولولا أنه لا يجوز أن يخترع، أو أن يقال قولٌ لم يسبق إليه، نعم عندما تستقر أقوال العلماء أو يلتقون عند أمور فنعم؛ أما في مسائل الاجتهاد فمسائل الاجتهاد واسعة، ومعلوم ما يتعلق بغلق باب الاجتهاد؛ فذلكم مما ذهب إليه أكثر العلماء، والَّذين درسوا ما يُسمَّى بـ "تاريخ التشريع" يعرفون ذلك الأمر، فإن مِن العلماء مَن يرى الاجتهاد، أو أن الاجتهاد وقف عند ابن جرير الطبري، المتوفَّى سنة عشر وثلاثمائة من الهجرة (٣)، وإنَّما توقَّف العلماء بعد ذلك، وذكروا أن الهمم
стр. 894
قد قصرت، وأنه لا ينبغي الاجتهاد في المسائل، وإنما ينبغي أن نشتغل في أقوال العلماء، وأن نحررها … إلى غير ذلك.
وَلكن مِنَ العلماء مَنْ خالف في ذلك، وممن خالف في ذلك، ولم يرَ غلق باب الاجتهاد: الحنابلة، ولا شك أن منهجهم هذا رشيد، وطريق حكيم؛ لأنه لو قيل بغلق باب الاجتهاد، فكم من المسائل قد جدَّتْ! وكم مِن المسائل قد حدثت! وكم مِن الوقائع قد وقعت! وما أكثر الوقائع التي حصلت في زمَنِنا هذا! فإذا وقعت وقائع، قيل: يجتهد فيها، ألَا نردها إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ ، ثم ننظر في مقاصد هذه الشريعة، فنربط تلك الحوادث بها، وننتهي فيها إلى حكمٍ، ونخرج لأقوال العلماء الذين لهم أصول استنبطوها واستخرجوها ودوَّنوها؛ فَلَنا أن نخرج كما خرج الذين قبلنا على أصول أولئك الأئمة.
ولذلك، نرَى فيما يتعلق بالقواعد الفقهية أنها من المواد الخصبة التي تخدم الفقه الإسلامي، وتُيَسِّره، وفيها مجالٌ واسعٌ ورَحْبٌ لمَنْ يريد أن يربطَ المسائل بعضها ببعضٍ، ويلحق بعضها ببعضٍ، وهكَذا.
قوله: (وَلَوْلَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِحْدَاثُ قَوْلٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ فِي المَشْهُورِ، وَإِنْ كَانَتْ مَسْأَلَةً فِيهَا خِلَافٌ) (١).
стр. 895
قيد بالمشهور، وغير المشهور هو الصحيح الواقع.
قوله: (وَإِنْ كلانَتْ مَسْأَلَةً فِيهَا خِلَافٌ):
فائدة:
بعض الأئمة المتأخرين كشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو إمامٌ اجتهدَ في مسائل، وخالف في بعضها الأئمة، ومخالفته للأئمة لم تكن عن هوًى ورَغْبةٍ في المخالفة، بل لأنه وجد من الأدلة ما يسير معها.
أما مَنْ خالف عن هوًى، فلا يُسمَّى عالمًا؛ لأنه يردُّ قول رسول الله ﷺ ، ويأخذ بالرأي، لكن قَدْ يأخذ بالرأي لضعف الأحاديث والأدلة؛ وهذا شأنٌ آخر بشرط أن يكون من أهل هذا الفن والمعرفة به، أما أنْ يكون من أهل الجهل بمعرفة الجرح والتعديل، والحكم على الأحاديث، ثم يضعف الأدلة، فهذا ليس بعالم، بل صاحب هوى.
وهناك فئةٌ من الناس تتطاول على أحاديث رسول الله ﷺ ، وربما ردوها؛ لأنها لا تتفق مع بعض أهوائهم، أو لأن فكرهم يختلف عنها، أو لأن ما ورد في الأحاديث أمور مستقذرة؛ فهذا في الحقيقة جهل منهم.
قال الإمام الشافعي ﵀: "أَجْمَعت الأمة على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ ، ليس له أن يدعها لقول أحدٍ" (١).
стр. 896
فما نسبة هؤلاء بالنسبة للإمام الشافعي؟ ماذا يساوي هؤلاء بالنسبة لذلكم الإمام الجليل الذي ضُرِبت إليه أكباد الإبل (١) مِن كل محلٍّ؟ فقد كان الإمام أحمد يأخذ بيد إسحاق، ويذهبان يتعلمان منه.
فالذي يسلك مسلك رد الأحاديث أو التطاول عليها؛ يُخشَى عليه، لكن إن تُرك الحديث لضعفه من عالمٍ مَلَك أدوات العلم؛ فهذا مجتهد، وقد مَرَّ أن الإمام الشافعي (٢) لم يأخذ بحديث عمَّار المتفق عليه بالنسبة لضربة واحدة في التيمم، وأخذ بحديثٍ آخَر صَحَّ عنده، وصح أيضًا عند غيره؛ لأن فيه زيادة: "أنه يمسح بيده إلى المرفقين"، ولم يقتصر على مسح الوجه والكفين فقط، بل قال بمسح الوجه واليدين إلى المرفقين وبضربتين، فهنا خالف لأن له دليلًا، لكن أنْ يصح الدليل ويُرَد، فهذا هوًى أو جهلٌ بهذه الشريعة.
فائدة:
هناك ما يُسمى بـ "الفقه الواقع"، والفقه الواقع عادةً يُسمَّى: التقدير، مثل السؤال عما لم يقع، فقد كان السلف يتورعون، ولا يحبون ولا يرون
стр. 897
أن يسأل الإنسان عن أمرٍ لم يقع؛ لأن هذا مخالف لهدي السلف ﵃ (١).
والرسول ﷺ حذَّر من ذلك، ونهى مَنْ سأل عن أمر لم يُحَرَّم؛ فحُرِّم مِن أجل مسألته (٢).
فالعلماء وضعوا حدودًا وضوابطَ لمثل هذه الأمور؛ لأن الشريعة ليس لأحدٍ أن يتطاول عليها، ولا أن يتجاوزها؛ خاصةً إذا وُجِدَ أمر عن الله ، وعن رَسُولِهِ ﷺ .
قوله: (لَقِيلَ إِنَّ مَا يَنْتُنُ مِنْهَا وَيُسْتَقْذَرُ بِخِلَافِ مَا لَا يَنْتُنُ وَلَا يُسْتَقْذَرُ).
فائدة:
كما سبق وقلنا: هناك مسائل تكلم عنها ابن تيمية وخالف فيها الأئمة؛ فلا نقول: إنه بهذا قد خرج عن الطريق، بل كثير من تلكم المسائل محررة، وتلتقي مع روح الشريعة، وَوُجِدَ في ذلك العصر مَنْ يؤيد، ولذلك نجد أنه عندما شُكلت لجنة في أواخر الدولة العثمانية لوضع مجلة "الأحكام العدلية"؛ اجتهدوا في مسائل، فلم يقتصر على مذهب أبي حنيفة، مع أنه كان المعمول به، بل انتقلوا إلى آخَر، وأخذوا
стр. 898
بكثيرٍ من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ودَوَّنوها؛ لأنها ظَهرتْ حكمتُهَا وفَائدَتها.
إذًا، باب الاجتهاد كان ولا يزال مفتوحًا، ولذلك من العلماء مَنْ تكلم عن ذلك العالم الجليل، وَعدَّه في مَصاف العلماء، وقالوا: هَلْ هو مجتهدٌ مطلقٌ أو لا، فمنهم مَنْ قال: هو مجتهدٌ مطلقٌ، ولأنه اجتهد في المسائل، وعنده من الأدلة والأقْيِسَةِ ما عند غيره من الأئمة، وبعضهم قال: هو إمام اجتهد والتزم بأصول الإمام أحمد، فهو مجتهد مقيد بالمذهب.
وقَدْ ضربنا به مثلًا؛ لأنه معروف عند كثيرٍ من طلاب العلم، ولأنه خاض في كل العلوم، فلم يكن متخصصًا في علم واحد، كابن حجر مثلًا اشتهر بعلم الحديث، لكن ابن تيمية تجده في الحديث، والتفسير، والعقيدة، والفقه، والأصول، والمنطق … وما درَسَ علمًا إلَّا فاق أهله فيه، وما ناظر أحدًا وانقطع على كثرة المناظرات التي تجاوزت ربما الألف مناظرة، كل مناظرة كان ينتصر فيها على غيره! وذلك لأنه كان يريد الوصولَ إلى الحق، وهكذا كل طالب حقٍّ، إذا أراد الوصول إليه، فإن الله يعينه ويُسَدِّده.
إذًا، دعوى أنَّ هذا الحديث فيه وفيه … ليست المسألةُ مسألةَ تَشَهٍّ أو رغبةٍ لبعض الناس أن يصرفوا الأحاديث على رغباتهم، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].
قوله: (وَبِخَاصَّةٍ مَا كَانَ مِنْهَا رَائِحَتُهُ حَسَنَةً؛ لاتِّفَاقِهِمْ عَلَى إِبَاحَةِ العَنْبَرِ وَهُوَ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ فَضْلَةٌ مِنْ فَضَلَاتِ حَيَوَانِ البَحْرِ، وَكلذَلِكَ المِسْكُ، وَهُوَ فَضْلَةُ دَمِ الحَيَوَانِ الَّذِي يُوجَدُ المِسْكُ فِيهِ فِيمَا يُذْكرُ).
لَكن هذَا في حيوان البحر، ونحن نتكلَّم عن حيوان البر.
стр. 899
قوله: (المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قَلِيلِ النَّجَاسَاتِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ).
انتهى المؤلف من بحثِ أمرٍ هامٍّ، ألا وهو النجاسة غير القليلة، أو النجاسة الكثيرة، ونحن عرفنا أن النجاسات على نوعين:
* نجاسة مغلظة: كالبول والغائط والدم المسفوح، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وهي أمور مجمع على نجاستها إلى جانب النصوص التي وردت، ولا داعي أن نعيد تفصيل ذلك.
*نجاسة مخففة: وهَذِهِ هي التي لم يتكلم المؤلف عنها، وهي قليل النجاسة، وليست أيضًا محل اتفاق بين العلماء، ولم يكن العلماء متفقين على أن قليل النجاسة معفوٌّ عنه، فمنهم مَنْ يعفو عن قليل النجاسة وخاصة في الدم.
وهناك أمرٌ هامٌّ يُسْتحسن أن ننبِّه عليه، وهو أن النجاسة المخففة تدور في أمور ثلاثة:
الأول: إما أن يكون سببها الضرورة.
الثاني: أو أن يكون سببها ما تعم به البلوى.
الثالث: أو أن يكون تخفيفها لصعوبة الاحتراز منها.
فهذه الأمور الثلاثة تُسَمى: "عِلَل النجاسة".
وَمِنْ أدلَّة تلك الأمور: أنه قد يأتي الإنسان فيستخدم النجاسة، يَقُولُ الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، ثم قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]، أي: أن الإنسان الذي جاع وخشي على نفسه الهلاك، ولم يجد إلَّا ميتًا، أي: اضطر في مخمصةٍ
стр. 900
إلى أكل الميت؛ فهو يأكل منها، مع أنها نجسة، لكن هذا باب من أبواب الضرورات (١).
وقَدْ يكون التخفيف لعموم البلوى، وقد مر بنا أن من أسباب التخفيف: عموم البلوى (٢)، كما نجد في الطين الذي في الشوارع، وما نجده أيضًا بالنسبة للمرأة المستحاضة، وكذلك مَنْ به سَلَس البول.
وهناك نجاسات يَصعُب التَّحَرُّز منها، هذه أيضًا مما يدخل فيه التخفيف.
إذًا، التخفيف قَدْ يكون لضرورةٍ، وقَدْ يكون لصعوبة التحرُّز من النجاسة ولمشقَّته، وقد يكون لعموم بلوى ابتلي بها الإنسان، كمَنْ به سَلَس البول، أو امرأة مستحاضة، وأمثال هؤلاء.
стр. 901
قوله: (فَقَوْمٌ رَأَوْا قَلِيلَهَا وَكثِيرَهَا سَوَاءً، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ الشَّافِعِيُّ" (١).
القَضيَّة فيها تفصيلٌ، فربما اعتقد المؤلف أنه نبَّه إلى قليل النجاسة، فيختلف أيضًا، أى هناك مَنْ لا يرى أصلًا الفرقَ بين قليل النجاسة وكثيرها من أيِّ نوعٍ كان، لا يُفرِّق، وبعضهم يفصل القول في ذلك، فيفرق بين البول وبين غيره، بل بعضهم ينص بأَنْ لو كان البول مثل رأس الإبرة لا يتجاوز عنه (٢)، لكن المد يتجاوز عنه؛ لأنهم قالوا بأن الدم فيه مشقة، فيصعب هذا التحرز منه، أما البول فالتحرز منه سهل.
مثال: بعض الناس يَخْرج الدم من فمهم، ومن أنوفهم، وربما يوجد في بعض الناس مَنْ في أجسامهم حبوب وبُثُور … إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة التي تظهر على جسم الإنسان.
بَلْ يُذْكر أنَّ مِنَ الصحابة مَنْ كان يبصق الدم ويُصلِّي (٣)، ومنهم مَنْ كان يُدْخل أصبعيه في أنفه ويخرج دمًا فيصلي أيضًا (٤)، ومنهم أيضًا مَن
стр. 902
وُجِدَت فيه بثرة، فَعَصرها وصلَّى (١).
وَالَّذي نُقِلَ عنه التشدُّد في ذلك أنه كان يتوضأ مِنْ قليل الدم وكثيره (٢) هو عبد الله بن عمر، لكن صح عنه من طريقٍ آخر أيضًا أنه صلَّى وفي يديه دمٌ من شقوقٍ كانت مَوْجودةً في يديه (٣)، ولذلك فَإنَّ مِنَ الفقهاء مَنْ يقول بثُبُوت ذلك عن الصَّحابة، واعتبروا ذلك بمثابة الإجماع؛ على أساس أن ابن عمر له رواية أُخرى تلتقي معهم.
كانت هذه مقدمة قدمت بها الكلام عن هذه المسألة.
قوله: (وَقَوْمٌ رَأَوْا أَنَّ قَلِيلَ النَّجَاسَاتِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَحَددوهُ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ البَغْلِيِّ).
" الدرهم البَغْلي" هو درهمٌ يُشبه الدائرة السوداء التي في ذراع البغل.
وهذا ليس بمذهب للحنفية، لكنه عند الشافعية كما ذكر المؤلف، وأيضًا في فقه المالكية (٤) والحنابلة (٥)، …
стр. 903
وبعض الفقهاء (١) يقولون: الدرهم فقط، ولا يُقيِّدونه بالبغل.
إذًا، القيد بذلك ووصفه بالبغل تشبيهًا له، والقصد من ذلك أنه أقرب إلى المخرج، وهذا تقدير للنجاسة.
واختلفوا في قليل النجاسة وكثيرها، منهم مَنْ قال بمقدار الدرهم البغلي كما سبق، ومنه ما يُردُّ إلى نفسك، أيْ: ما فَحُشَ في نفوسهم (٢)؛ "فاستفتِ قلبَك وإن أفتوك" (٣)، فما ترى في نفسك كالذي يخرج مِن أنفك مِن دم قليل أو من فمك قدِّرْه، ولنتذكر قول الرسول ﷺ : "دَعْ مَا يَريبك إلَى ما لا يريبك" (٤)، فكلُّ أمرٍ تَشكُّ فيه، خاصَّةً في أمور العبادة؛ فعليك أن تطرح ذلك الشَّكَّ، وحِينَئذٍ تسلك مسلك اليقين، لكن ليس معنى هذا
стр. 904
أنه كلما أتت مسألة، وذَكَر العلماء فيها أدلةً صحيحةً وصريحةً أن نتركها لوُجُود مُخَالِفٍ فيها، فلربما هذا المخالف كان في رأيه نظرٌ أو شكٌّ، كما مر معنا في قول داود (١) في المسألة التي مضت؛ فهو قول شاذ ضعيف، حيث يرى أن كل الحيوانات طاهرةٌ أبوالُهَا، وهذا غير صحيح.
لذلك، يجب ألَّا ننظر إلى هذا القول، أو كل رأي مخالف، والأصل عندنا هي الأدلة.
قوله: (وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا القَوْلِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَشَذَّ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ فَقَالَ: إِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ رُبُعَ الثَّوْبِ فَمَا دُونَهُ، جَازَتْ بِهِ الصَّلَاةُ) (٢).
كَانَ مُحمَّد بْن الحسن أيضًا يقصد بذلك النجاسة المخففة، لكن ربع الثَّوب ليس بقليل، بل كبير، ولذلك وَرَد أن الثوبَ يُغسَل مِنَ المَذْي، والمَذْيُ لا ينتشر بهذا الحجم، وإنْ كان البعض يختلف أيضًا في غسله، لَكن وَرَد أيضًا غسل الثوب منه.
قوله: (وَقَالَ فَرِيقٌ ثَالِثٌ: قَلِيلُ النَّجَاسَاتِ وَكثِيرُهَا سَوَاءٌ إِلَّا الدَّمَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ).
هَذَا هو مذهب الإمامَيْن مالك وأحمد، وفي نظري أن هذا هو أوسط المذاهب وأقربها لروح الشريعة، لا لأنه مذهب مالك وأحمد، فالرجال لا يُتَّبعون على أسمائهم، وإنما نأخذ بالأقوال كلما وجدناها أقرب إلى قول الله سُبْجانه وتعالى، وإلى قول رسوله، وإلى ما هو أقرب لروح هذه الشريعة، وما هو ألصق بقواعدها.
ولا شك أننا عندما نعيد النظرَ وندقق تتضح الأمور، وقد مرَّ بنا ما
стр. 905
حصل من الصحابة ممن صلَّى والدَّمُ يسيل من أنفه أو فمه، أو بصق دمًا وصلى … إلخ، وَوَجدنا أيضًا أنَّ هناك أدلة تُقوِّي هذين المذهبين (مذهبي المالكية والحنابلة)؛ فلا فرق بين نجاسةٍ ونجاسة، ولا يمكن أن نسَوِّي بين نجاسة مغلظة شديدة وَرَدَ التأكيدُ والإجماعُ عليها كالبول، وبين الدم، فهناك فرقٌ بينهما كبيرٌ.
وَكَذلك لا ننسى أن البولَ مما تعم به البلوى، أو ممَّا يصعب التحرُّز منه بخلاف الغائط، فالاحتياط فيه ميسور وسهل عن البول بخلاف الدم الذي تكون مخارجُهُ متعددةً، فقَدْ يُصَاب إنسانٌ بحبوب في مَكَانٍ من جسمه لا يدركها، فالأمثلةُ كثيرةٌ جدًّا؛ لذَلكَ العلماء يتكلَّمون عن القيح والصديد، ويُلْحِقُونه بالدم، بَلْ بعضهم يرى أنه أخفُّ، لكن المؤلف هنا لا يَسْتوفي كل المسائل.
قوله: (وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ (١)، وَعَنْهُ فِي دَمِ الحَيْضِ رِوَايَتَانِ" (٢).
أي: أنَّ مَذْهبهما متقارب جدًّا في هذه المسألة.
قوله: (وَالأَشْهَرُ مُسَاوَاتُهُ لِسَائِرِ الدِّمَاءِ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِ قَلِيلِ النَّجَاسَةِ عَلَى الرُّخْصَةِ الوَارِدَةِ فِي الاسْتِجْمَارِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ هُنَاكَ بَاقِيَةٌ، فَمَنْ أَجَازَ القِيَاسَ عَلَى ذَلِكَ، اسْتَجَازَ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ، وَلذَلِكَ حَددهُ بِالدِّرْهَمِ قِيَاسًا عَلَى قَدْرِ المَخْرَجِ).
هناك حديثٌ لعائشة ﵂، وهو حديث صحيح: "ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد، فإذا حاضت فيه، فوقع فيه شيءٌ من الدم … " (٣).
стр. 906
ومعنى الحديث: لم يكن لإحدانا إلا ثوب واحد، وكانت تحيض فيه، ويصيب شيءٌ من دم الحيض ثوبها، فتبله بريقها، ثم بعد ذلك تدلكه بظُفْرها وتُفرِّقه، وفي بعض الرِّوايات: "تقصعه"، لكنِّي جئتُ بما يُفسِّره "بظفرها"، يعني: تُفرِّقه، وهذا هو دَليل الحنفية في هذه المسألة.
قوله: (وَمَنْ رَأَى أَنَّ تِلْكَ رُخْصَةٌ، وَالرُّخَصُ (١) لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا، مَنَعَ ذَلِكَ).
كمَا هو ظاهرٌ لدينا أن مما يُؤْخذ على المؤلف في هذا الكتاب من الناحية الحديثة أنه لا يستقصي، فهناك أدلةٌ كثيرةٌ تفوت المؤلف، لَكن ليس معنى هذا أن نُقَلِّلَ مِن قِيمَةِ الكتاب، بل نحن نَسْتفيد من طريقة منهجه في اختياره للمسائل، وفي فَوَائده المتعددة.
إذًا، مِنْ أمثلة مشكلاتِهِ أنه أحيانًا يقول: "لو صح الحديث"، وهو صحيح، وأحيانًا يناقش المسألة مناقشةً عقليَّةً مع وجود أدلة فيها … كلُّ هذه قضَايا من مسؤولية مَنْ يقوم بتدريس الكتاب أن يبينها، وغيره قَدْ يبني على الأحداث التي حَصَلتْ من الصحابة، والوقائع التي أَجْمَعوا عليها، بل وَصَل ذلك إلى أن قالوا: لو رجعتم مثلًا لـ "المغني" لوجدتم أنه نصَّ على الإجماع في ذلك، أي: يَقْصدون أنه ما دَامت هذه أقوال الصحابة وحصلت قضايا ولم تنكَر من أحدٍ؛ فيكون ذلك إجماعًا أو بمثابة إجماع.
قوله: (وَأَمَّا سَبَبُ اسْتِثْنَاءِ مَالِكٍ مِنْ ذَلِكَ الدِّمَاءَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ، وَتَفْصِيلُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّجَاسَاتِ عِنْدَهُ تَنْقَسِمُ إِلَى مُغَلَّظَةٍ وَمُخَقَّفَةٍ) (٢).
стр. 907
بالنِّسبة للدِّماء، فقد مرَّ بنا حديث أسماء بنت أبي بكرٍ ﵁ المتفق عليه: "إحدانا يصيب ثوبها دم الحيض"، فكيف تصنع؟ فقال ﷺ : "تحتُّه ثم تقرصه ثم تحته بالماء ثم تصلي فيه"، وفي حديث عائشة: "بريقها" (١).
قوله: (وَأَنَّ المُغَلَّظَةَ هِيَ الَّتِي يُعْفَى مِنْهَا عَنْ قَدْرِ الدّرْهَمِ، وَالمُخَفَّفَةَ هِيَ الَّتِي يُعْفَى مِنْهَا عَنْ رُبُعِ الثَّوْبِ، وَالمُخَفَّفَةُ عِنْدَهُمْ مِثْلُ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ).
" المغلظة"، قد ذكرنا أنها في مواضع ثلاثة، اثنان متفق عليهما، والتي هي ما يبقى بعد الاستجمار؛ لأن الاستجمار ينوب عن الماء.
مثال: لو استجمر الإنسان، فلا يمكن أن تنقي الحجارة كما ينقي الماء.
ويَبْقى الأثر المعفوُّ عنه.
مثال: الخف الذي تمشي عليها، أو الحذاء، أو غيرها، فأنت لا تدري ما قد يقع فيه رِجْلُك من نجاسةٍ مغلظةٍ، وحِينَئذٍ هل يكفي فيها الفرك؟
يقول بعض العلماء: نعم، وقد مرت بنا أحاديث في ذلك، وهي كثيرة، ومر بنا أن الرسول ﷺ "كان يصلي بأصحابه، فخلع نعليه، فخلع الصحابة نعالهم"، فالرسول ﷺ ذكَّرهم بذلك، وبيْن "إنَّما أتَانِي جبريلُ،
стр. 908
فَذَكر لي أنَّ فيهما قذرًا، فإذا أتى أحدُكم المسجد فليقلب نعليه، ولينظر فيهما، فَإِنْ وجد فيهما قذرًا أو أذًى، فليمسحهما، ثم ليصلِّ فيه" (١).
وَثَبتَ في "الصحيحين": "أنَّ الرسول ﷺ صلى بالنعلين" (٢)، وعلى هذا فيكون فِعْلهُ ﷺ سُنَّةً؛ لأن أكثرَ أحواله أنه لم يُصَلِّ بالنعلين، فلا ينبغي أن نأتي ونتمسَّك بهذه الأمور، وَنَضعها قواعد ونبني عليها، ثم بعد ذلك نأتي لنجعلها أُسُسًا، ونرى أن مَنْ لم يأخذ بها فقد خالفنا، ونعارض! (٣).
الخلاصة: أنه لا يجوز الصلاة في النعلين إلا بعد أن نتأكَّد من طهارتهما، ولا يلزم الصلاة فيهما؛ لأنه سُنَّة وليس أصلًا، ولذلك فلا ينبغي أن يختلف المسلمون في هذه المسائل، وتؤدي إلى تفرُّقهم، وإنما ينبغي أن يعتني المسلمون بما يقرّب بينهم، وبما يوحِّد بين قُلُوبهم، ويُبْعدهمِ عن الفرقة والاختلاف فيما بينهم، يقول الله ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
قال: (والمخففة)، مثل أرواث الدواب، وما لا تنفكُّ منه الطرق غالبًا، ومرَّ بنا الخلاف أن هناك مَنْ يرَى أنها غير نَجِسَةٍ، وسبق تفصيله وبيانه.
قوله: (وَمَا لَا تَنْفَكُّ مِنْهُ الطُّرُقُ غَالِبًا، وَتقْسِيمُهُمْ إِيَّاهَا إِلَى مُغَلَّظَةٍ وَمُخَفَّفَةٍ حَسَنٌ جِدًّا).
في عصرنا ربما خفَّت الطرق من مثل هذه النجاسات؛ لأنَّ الطرقَ
стр. 909
اليوم -كما نرى- مُعبَّدةٌ، واختلفت عمَّا مضى من العصور، التي كانت الدواب تمشي وَقْتئذٍ وفيها الكلاب تبول، وُيرَى فيها العذرات، فالحمد لله أصبحت الطرق في الغالب نظيفة.
قوله: (المَسْأَلَةُ السَّابعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي المَنِيِّ: هَلْ هُوَ نَجِسٌ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَتْ طَائِفَة، مِنْهُمْ مَالِكٌ (١) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢) إِلَى أَنَّهُ نَجِسٌ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ طَاهِرٌ) (٣).
إذًا، الخلاف في المنيِّ يدور حول أَمْرَين في الأَحَاديث التي وَرَدتْ في ذلك، وغالبها عن طريق عائشة ﵂: منها: "أنَّها كانت تغسل المنيَّ من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان رطبًا، وتَفْركه إذا كان يابسًا" (٤).
ومنها: "أنها كانت تغسله، وكان يخرج، وإنه ليُرَى أثر بقع الماء فيه" (٥).
وأيضًا هناك مَنْ له دليل عقلي أو قياسي فيقولون: إن مخرج المني هو مخرج البول، وهو مخرج المذي والودي، وهذه الثلاثة نجسة، فينبغي أن يكون المنيُّ ملحقًا بها.
وتعريف المذي: ماء لزج يخرج عند الجماع، وهو نجس (٦).
стр. 910
وأما الودي: فهو يخرج بعد البول، وهو ماء أبيض ثخين، وهو نجس أيضًا (١).
فالخلاف -إذًا- بين العلماء فيما يتعلق بالمذي أنه: هَلْ يَكْفي غسل الموضع الَّذي نزل عليه، أو لا بدَّ من غسل الذَّكَر كاملًا، أو لا بدَّ من غسل الذَّكَر مع الأنثيين، ربما يذكر المؤلف هذا، فنُفصِّل القول فيه إن شاء الله.
قوله: (وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَدَاوُدُ) (٢).
نُلَاحظ أن المؤلفَ ليس على نسقٍ واحدٍ، فأحيانًا يذكر أحمد، وأحيانًا لا يذكره، وهُوَ هنا في حديثِهِ عن الفقهاء، فلا يظنُّ البعض أنه لا يرى أحمدَ فقيهًا، فهو أقل من ألَّا يرى أحمد أو غيره من الأئمة، لَكن الكلام هنا أن المؤلِّف لا يبني على النقل عن كتاب "الاستذكار"، وهو نص على ذلك، فإن وجد فيه نقل -وقد يجد في غيره- فينقل ذلك الرأي، فهنا نراه قد ذكره بلا شك كما ذكر مع الإمام الشافعي في المشهور عنه.
قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِيهِ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا: اضْطِرَابُ الرِّوَايَةِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْضِهَا: "كُنْتُ أَغْسِلُ ثَوْبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المَنِيِّ فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَإِنَّ فِيهِ لَبُقَعَ المَاءِ" (٣)، وَفِي بَعْضِهَا: "أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " (٤)، وَفِي بَعْضِهَا: "فَيُصَلِّي فِيهِ" (٥)، خَرَّجَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مُسْلِمٌ).
стр. 911
ليس هناك اضطراب، لكنها قضايا متعددة؛ لأن المنِيَّ ليس في مرةٍ واحدةٍ، بل يحصل ويتكرر من الإنسان، فمرة كذا، ومرة كذا، لكن عائشة ﵂ وضعت مقياسًا ومنهجًا في بعض الأحاديث أنها كانت تغسله إذا كان رطبًا، وتَفْركه إذا كان يابسًا؛ ولذَلكَ فرارًا من الاحتجاج على الحنفيَّة بالفرك، قالوا: لو فركَ من الثوب، فإنه يُصلِّي فيه حتى لا يحتجَّ عليهم بذلك، فهم يَقُولون بنجاسته، لكن الفرك يُطَهِّر عندهم، وسيأتي معنا أن الحنفية يُخَالفون غير ما ظن في المسألة، والبَاب الَّذي بعد هذا، وَيتَوسَّعون فيما تُزَال به النجاسة.
قال الجمهور: لا يُزال إلَّا بالماء، وسيأتي حديث عائشة الذي ذكَرنا أنها بلَّت مكان دم الحيض في ثوبها فَقَعصته، أي: فركته.
كذلك في المسألة، هناك مِن العلماء كالليث بن سعد (١) وهو من الأئمة المشهورين، وإمام مصر قبل الشافعي، وكان بمنزلة مالكٍ، وربما البعض يعرف الرسائل التي دارت بينه وبين الإمام مالك ﵏.
قوله: (وَالسَّبَبُ الثَّانِي: تَرَدُّدُ المَنِيِّ بَيْنَ أَنْ يُشَبَّهَ بِالأَحْدَاثِ الخَارِجَةِ مِنَ البَدَنِ، وَبَيْنَ أَنْ يُشَبَّهَ بِخُرُوجِ الفَضَلَاتِ الطَّاهِرَةِ كَاللَّبَنِ وَغَيْرِهِ، فَمَنْ جَمَعَ الأَحَادِيثَ كُلَّهَا بِأَنْ حَمَلَ الغَسْلَ عَلَى بَابِ النَّظَافَةِ، وَاسْتَدَلَّ مِنَ الفَرْكِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَعَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الفَرْكَ لَا يُطَهِّرُ نَجَاسَةً، وَقَاسَهُ عَلَى اللَّبَنِ وَغَيْرِهِ مِنَ الفَضَلَاتِ الشَّرِيفَةِ -لَمْ يَرَهُ نَجِسًا، وَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ الغَسْلِ عَلَى الفَرْكِ، وَفَهِمَ مِنْهُ النَّجَاسَةَ، وَكانَ بِالأَحْدَاثِ عِنْدَهُ أَشْبَهَ مِنْهُ ممَّا لَيْسَ بِحَدَثٍ - قَالَ: إِنَّهُ نَجِسٌ، وَكَذَلِكَ