← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.

стр. 8506

ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا الْمَعْنَى (١). وَأَشْهَبُ يَجْعَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلْمَغْصُوبِ (٢)، أَصْلُهُ مَسْأَلَةُ الْبُنْيَانِ فَيَقُولُ: إِنَّهُ لَا حَقَّ لِلْغَاصِبِ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنَ الصِّبْغِ وَالرفولةِ وَالنَّسْجِ وَالدِّبَاغِ وَالطَّحِينِ). أي: فوت صورة الثوب، هذا الثوب قد يكون أبيض فيأتي فيصبغه فيجعله أحمر أو أسود أو غير ذلك وصاحبه لا يريد ذلك اللون ففوَّت عليه المصلحةَ التي كان يريدها، وصبغ الثوب أحيانًا يغيره، فقطعة القماش تصبغ فترتفع قيمتها فبدل أن تكون قيمة الثوب مثلًا عشرة تكون عشرين، فما الحكم هنا؟ قوله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الصَّبْغَ تَفْوِيتٌ يَلْزَمُ الْغَاصِبَ فِيهِ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْغَصْبِ (٣). وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُمَا يَكُونَافي شَرِيكَيْنِ، هَذَا بِقِيمَةِ الصَّبْغِ، وَهَذَا بِقِيمَةِ الثَّوْبِ إِنْ أَبَى رَبُّ الثَّوْبِ أَنْ يَدْفَعَ قِيمَةَ الصَّبْغِ، وَإِنْ أَبَى الْغَاصِبُ أَنْ يَدْفَعَ قِيمَةَ الثَّوْبِ (٤)، وَهَذَا الْقَوْلُ أَنْكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي

стр. 8507

الْمُدَوَّنَةِ فِي كتَابِ اللُّقَطَةِ، وَقَالَ: إِنَّ الشَّرِكَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِيمَا كلانَ بِوَجْهِ شُبْهَةٍ جَلِيَّةٍ (١). وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الصَّبْغِ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إِلَّا أَنَّهُ يُجِيزُ الشَّرِكَةَ بَيْنَهُمَا). بعد كلامٍ كثير جدًّا أشار إلى مذهب الشافعي (٢)، ومعه الإمامان الشافعيُّ، وأحمد (٣) يجيزان الشركة فلو قُدِّر أنه أخذ الصوف صدقة ولكن

стр. 8508

ينظر إلى الثوب؛ لأنه ربما تزيد قيمته فإن نقصت القيمة فإنَّه يطالب الغاصب، وربما ترتفع قيمته فتكون قيمته قبل الصبغ خمسين ريالًا، وبعد الصبغ أصبح مائةً، فما الحكم هنا؟ تجوز الشركةُ عند الإمامين؛ فهذا يأخذ خمسين، وهذا يأخذ خمسين. أو تكون قيمته قبل الصبغ خمسين وبعد الصبغ سبعين، فيأخذ الغاصب عشرين والآخر يأخذ خمسين، فيقولون ليس لصاحب الحق أن يتجاوز حدَّه، وإن علم أن هذا غاصب فليس له أن يأكل حق غيره بغير حق؛ لأن هذا الصبغ الذي أُدخل عليه زاد من قيمته. ويفرقون أيضًا بين أن يكون الصبغ الذي صبغ به من مال الغاصب، وربما يكون من مال المغصوب، وحينئذ لا أثر للغاصب، إن كان الصبغ من مال المغصوب منه فالغاصب لا شيء له، لكن هذا الكلام لو كان الصبغ من مال الغاصمب وربما يكون من مال غيرهما أيضًا (١).

стр. 8509

قوله: (وَيَقُولُ: إِنَّهُ يُؤْمَرُ الْغَاصِبُ بِقَلْبِ الصَّبْغِ إِنْ أَمْكَنَهُ وَإِنْ نَقَصَ الثَّوْبُ) (١). هذا إن طلب المغصوب منه أن يزيل ذلك فله حتى وإن نقص الثوب عن قيمته، يأخذ النقص من الغاصب وهذا أيضًا قول أحمد (٢). قوله: (وَبَضْمَنُ لِلْمَغْصُوبِ مِقْدَارَ النُّقْصَانِ، وَأُصُولُ الشَّرْعِ تَقْتَضِي أَنْ لَا يُسْتَحَلَّ مَالُ الْغَاصِبِ مِنْ أَجْلِ غَصْبِهِ). يقول المؤلف: أن أصول الشرع تقتضي أن لا يكون سبب الغصب مبررًا أو وسيلة أن يستحل مال الغاصب فالظلم لا يُعالَج بظلم، ولا التعدي يُعالَج بالتعدي، وإنما الإنسان يأخذ حقَّه وله أن يطالبَ به. قوله: (وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَنْفَعَةً أو عَيْنًا، إِلَّا أَنْ يَحْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِهِ

стр. 8510

-﵊: "ليْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ" (١) لَكِنَّ هَذَا مُجْمَلٌ). هذا الحديث عام، وهو حديث حسن، والحديث جاء بألفاظ عدَّة، والعِرق: هو ذلك الجذور التي تمتدُّ في الأرض، قال كثير من العلماء (٢): إن في الحديث حذفًا، "لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِم حَقٌّ"؛ أي: ليس لصاحب عِرق ظالم حَقٌّ، فيكون الوصف لصاحب العرق إلا أن يكون ذلك من باب المجاز، وقضية المجاز محل خلاف بين العلماء، فمن العلماء من يجيز المجاز مطلقًا في الكتاب والسُّنة، وفي لغة العرض ومنهم من يمنع ذلك في الكتاب ويجيزه في غيره، ومنهم مَن يمنعه في الكتاب وغيره، ويقول: ليس مجازًا وإنما هو مجاز بالحذف. قوله: (وَمَفْهُومُهُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ ليْسَ لَهُ مَنْفَعَةٌ مُتَوَلِّدَةٌ بَيْنَ مَالِهِ وَبَيْنَ الشَّيْءِ الَّذِي غَصَبَهُ (أَعْنِي: مَالَهُ الْمُتَعَلِّقَ بِالْمَغْصُوبِ)، قَهَذَا هُوَ حُكْمُ الْوَاجِبِ فِي غَيْرِ الْمَغْصُوبِ تَغَيَّرَ أو لَمْ يَتَغَيَّرْ. وَأَمَّا حُكْمُ غَلَّتِهِ). الواجب على مَن غصب شيئًا أن يردَّه إلى صاحبه، فإن بقي على حاله أعاده؛ وإن تغير فهناك خلاف بين العلماء هل يأخذ مثله إذا تلفت العين، أو يأخذ القيمة؟ عرفنا في الكيل والوزن وكذلك النقود أخذ المثل، أما في عروض التجارة فقد نرى الخلاف فيها ودليل كلِّ قول.

стр. 8511

قوله: (فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ في الْمَذْهَبِ عَلَى قَوْلَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ حُكْمَ الْغَلَّةِ حُكْمُ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ). ليس هذا الخلاف في مذهب مالك وحده (١)، بل الخلاف موجود في المذاهب الأخرى، وهذا القول هو المعروف في مذهب الحنابلة (٢)، والشافعية (٣).

стр. 8512

قوله: (وَالثَّانِي: أَنَّ حُكْمَهُا بِخِلَافِ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ) (١).

стр. 8513

إنسانٌ غصب دارًا وأخذ يؤجِّرها، وهذه الدار قد أدرت عليه مالًا، أو أرضًا استولى عليها فزرعها أو سيارة أو غير ذلك، فهذه الغلَّة كيف يفعل بها، هل تعاد إلى صاحبها أو لا؟ هناك تفصيل فيما يتعلَّق بالزرع وفيما يتعلق بالغلَّة عمومًا، فإنها تردُّ إلى صاحبها على خلاف كما سنرى. قوله: (فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ حُكْمَهُا حُكْمُ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ -وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ- يَقُولُ: إِنَّمَا تَلْزَمُهُ الْغَلَّةُ يَوْمَ قَبْضِهَا أو أَكْثَرَ مِمَّا انْتَهَتْ إِلَيْهِ قِيمَتُهَا (١)).

стр. 8514

عندما يغصب دارًا ثم يؤجِّرها لمدَّة عام ثم يأخذ الأجرة بعد عام فالواجب عليه أن يرد ذلك المبلغ الذي تسلَّمه في ذلك الوقت، أي: وقمت تسلم الغلة، وهي المنفعةُ. قوله: (عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّ الْغَاصِبَ يَلْزَمُهُ أَرْفَعُ الْقِيَمِ مِنْ يَوْمِ غَصْبِهَا لَا قِيمَةُ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ يَوْمَ الْغَصْبِ (١)، وَأَمَّا الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْغَلَّةِ بِخِلَافِ حُكْمِ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ، فَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهَا اخْتِلَافًا كثِيرًا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهَا إِنْ تَلِفَتْ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْغَاصِبِ (٢)). لو تلفت هذه الغلَّة بحضور شهود فلا إشكال، فليس عليه شيء. قوله: (وَأَنَّهُ إِنِ ادَّعَى تَلَفَهَا لَمْ يُصَدَّقْ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يغلبُ عَلَيْهِ). لم يصدَّقْ؛ لأنه مُتَعَدٍّ، ولو كان صادقًا مع الله تعالى ومع نفسه ومع إخوانه المؤمنين لما تجاوز الحدود، ولما أخذ حقَّ غيرِه؛ فإن الله قد فرض فرائض كما في الحديث: "إِنَّ اللهَ فَرَضَ فرائضَ فلا تضيِّعُوها وَحَدَّ حدودًا فلا تعتَدُوها" (٣)، وهذا قد تجاوز الحدود التي وضعها الله ورسوله ﷺ .

стр. 8515

قوله: (وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ هَؤُلَاءِ فِي حُكْمِ الْغَلَّةِ هُوَ أَنَّ الْغِلَالَ تَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ) (١). تحصيل مذهب العلماء عمومًا في الغلَّة، يريد المؤلِّف أن يرتبها في أقسام ثلاثة؛ ليبيِّن أنها ليست على نوعِ واحد فمن الغلَّة ما هو من جنس الأصل كالولد الذي تلدُهُ الجارية أو الدَابَّة، وربما يكون منها لكنه لا يأتي على صورتها كالحال بالنسبة للثِّمار واللبن وغيرها، وأحيانًا لا يتولَّد منها أصلًا، كالذي أشار إليه في الأول مثل المنافع التي تُؤخَذ مقابل أجرة ذلك الحقِّ الذي اغتُصِب. قوله: (١ - أَحَدُهَا: غَلَّةٌ مُتَوَلِّدَة عَنِ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ عَلَى نَوْعِهِ وَخِلْقَتِهِ وَهُوَ الْوَلَدُ). مثال ذلك: إنسان غصب ناقة فولدت؛ فهذا من نوعها، غصب جارية فولدت، هذا أيضًا من نوعها، إذن هذا من نفس الجنس وعلى نفس الصورة. قوله: (٢ - وَغَلَّة مُتَوَلِّدَة عَنِ الشَّيْءِ لَا عَلَى صُورَتِهِ، وَهُوَ مِثْلُ الثَّمَرِ وَلَبَنِ الْمَاشِيَةِ وَجُبْنِهَا وَصُوفِهَا). هي متولَّدة منه لكن ليس على صورته؛ كاللَّبن الذي يُؤخذ من الشاة المغصوبة والناقة، وكذلك أيضًا الثمرة التي تُؤخذ من الأشجار التي اغتصبها مغتصب فأثمرت إلى غير ذلك. قوله: (٣ - وَغِلَالٌ غَيْرُ مُتَوَلِّدَةٍ بَلْ هِيَ مَنَافِعُ، وَهِيَ الْأَكْرِيَةُ وَالْخَرَاجَاتُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ).

стр. 8516

"الأكرية" من الكراء، وهي: الأجرة التي تُؤخَذ، كأن يكون استولى على سوق أو محل تجاري أو على أرض فأصبح يؤجِّرها، أو على دار، أو على سيارة، أو غير ذلك من الأشياء، فأخذ حقَّ غيره وبدأ بالاستفادةِ منه. قوله: (فَأَمَّا مَا كَانَ عَلَى خِلْقَتِهِ وَصُورَتِهِ فَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ أَنَّ الْغَاصِبَ يَرُدُّهُ كَالْوَلَدِ مَعَ الْأُمِّ الْمَغْصُوبَةِ وَإِنْ كَانَ وَلَدَ الْغَاصِبِ) (١).

стр. 8517

ليس فيه خلاف كما قال المؤلف- " فلو ولدت الجاريةُ أو الناقة أو الشاة، فإنَّه يردُّ الأمةَ مع ولدها. مثال ذلك: إنسان غصب جارية فوطأها فولدت منه، فيترتب على هذه الحالة أمران: الأمر الأول: أنه زنى بها فعليه حدُّ الزنا، فإن كان عالمًا بالتحريم فإنَّه بلا شك يُقام عليه الحدُّ؛ لأنه لا ملك له في هذه الجارية، ولا شبهة ملك (١)، فهو ليس شريكًا في هذه الجارية حتى يُقال: هناك شبهة

стр. 8518

ورسول الله ﷺ يقول: "ادْرَؤُوا الحدودَ بالشُّبهاتِ" (١). إذن هذا إنسان غصب جارية فولدت عنده هذا الولد (ولد الذي غصب) لكن تُردُّ الجارية مع ولدها وكلُّ ما يترتب على ذلك، وعليه مَهر مثلِها، والمهر يكون للسيدِ، فالعلماء اختلفوا فيما يتعلق بالمهر، هل هناك فرق بين أن يكون وطأها دون رضاها وبين أن يكون برضاها؟ فأما إن وطأها بغير رضاها فهذا لا خلاف فيه بين من اختلفوا في ذلك في أنه عليه المهر (٢)، وأما لو وطأها برضاها فنرى خلافًا بين الشافعية والحنابلة؛ الحنابلة فيقولون (٣): يجب المهر، والمهر حق للسيد وليس حقًّا للجارية، فيجب أخذه على كلِّ الأحوال، حتى وإن طاوعته ورضيت.

стр. 8519

وأما الشافعية فيقولون (١): لا؛ لأن الرسول ﷺ : "نَهى عن مهرِ البغيِّ " (٢)؛ أي: المرأة الزانية. قوله: (وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ إِذَا مَاتَتِ الْأُمُّ، فَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ مُخَيَّر بَيْنَ الْوَلَدِ وَقِيمَةِ الْأُمِّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بَلْ يَرُدُّ الْوَلَدَ وَقِيمَةَ الْأُمِّ وَهُوَ الْقِيَاسُ). يقول المؤلف: ليس هناك خلاف فيما مضى، لكن الخلاف فيما لو ولدت الأمُّ فماتت، هل يرد الولد وحده أو يرد الولد مع قيمة الأم؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فالشافعي (٣)، .........................

стр. 8520

وأحمد (١) يقولان: برد الولد وقيمة الأم، ومالك (٢): يرى أنه مخيَّر بين الأمرين، وقريب من ذلك قول أبي حنيفة (٣).

стр. 8521

قوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مُتَوَلِّدًا عَلَى غَيْرِ خِلْقَةِ الْأَصْلِ وَصُورَتهِ). فهو متولَّد لكن ليس على خلقته؛ كاللبن والدر والثمر، ونحو ذلك. قوله: (فَفِيهِ قَوْلَان (١)؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِلْغَاصِبِ ذَلِكَ الْمُتَوَلِّدَ،

стр. 8522

وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ مَعَ الشَّيءِ الْمَغْصُوبِ إِنْ كَانَ قَائِمًا أو قِيمَتُهَا إِنِ ادَّعَى تَلَفَهَا وَلَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ قَوْلِهِ، فَإِنْ تَلِفَ الشَّيْءُ الْمَغْصُوبُ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْغَلَّةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ وبِالْغَلَّةِ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنَ الْقِيمَةِ، وَأَمَّا مَا كَانَ غَيْرَ مُتَوَلِّدٍ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ (١)). غير المتولد الذي هو الكراء ونحوه هذا الذي ذكر فيه الأقوال الخمسة. قوله: (وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ أيضًا).

стр. 8523

وهذا قول الإمامين الشافعي (١)، وأحمد (٢)، وهو قول الجمهور (٣)؛ لأنه -في هذه الحالة- لا فرق بين أن يكون متولَّدًا أو غير متولدٍ، وبين أن يكون متولَّدًا على نفس الصورة أو غيرها، هو شيء نتج عن ذلك المغصوب. قوله: (وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الرَّدُّ إِنْ أَكْرَى، وَلَا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ إِفي انْتَفَعَ أو عَطَّلَ (٤)).

стр. 8524

قال: "استعمل عبد الغير لنفسه بأن أرسله في حاجته، وإن لم يعلم أنه عبد، أو قال له ذلك العبد الذي استعمله: إني حرٌّ، ضمن قيمته إن هلك العبد عمادية، وفيها جاء رجل إلى آخر فقال: إني حرٌّ فاستعملني في عمل فاستعمله فهلك، ثم ظهر أنه عبد ضمنه، علم أو لم يعلم، هذا إذا استعمله في عمل نفسه، ولو استعمله لغير، أي: في عمل غيره لا ضمان عليه؛ لأنه لا يصير به غاصبًا، كقوله لعبد: ارقِ هذه الشجرة، وانثرِ المشمش لتأكله أنت، فسقط لم يضمن الآمر، ولو قال: لتأكله أنت وأنا ضمن قيمته كله؛ لأنه استعمله كله في نفعه". غلام جاء إلى فصَّاد فقال: افصدني ففصده فصدًا معتادًا فغيره بالأولى، فمات من ذلك، ضمن قيمة العبد عافلة الفصاد، وكذلك الحكم في الصبي تجب ديته على عاقلة الفصاد عمادية. ومذْهب المالكية، يُنظر: "الشرح الكبير" للدردير (٣/ ٤٤٨) قال: "وله غلة مغصوب مستعمل رجح حمله على العقار من دور ورباع، وأرض سكنها، أو زرعها، أو كراهًا دون الحيوان المستعمل الذي نشأ عن استعماله غلة ككراء الدابة، أو العبد، أو استعمالهما؛ لأنه مذهب المدونة فيضمن في العقار إذا استعمل ". ومذهب الشافعية، يُنظر: "مغني المحتاج" للشربيني (٣/ ٣٣٧) قال: "ولو دفع إلى عبد غيره شيئًا ليوصله إلى بيته، بغير إذن مالكه كان غاصبًا له، قاله القاضي، وطرد ذلك فيما إذا استعمله في شغل، وفي فتاوى البغوي أنه لا يضمن إلا إذا اعتقد طاعة الأمر، وهذا أيضًا أوجه. قال البغوي: ولو أن الزوج بعث عبد زوجته في شغل دون إذنها ضمنه بكلِّ حال؛ لأن عبد المرأة قد يرى طاعة زوجها، فهو كالأعجمي في حقِّ الأجنبي. وسئل ابن الصلاح عن رجل أخاف مملوكًا لغيره بسبب تُهمةٍ فهرب لوقته، فأجاب بأنه لا يضمنه إن لم يكن نقله من مكان إلى مكان بقصد الاستيلاء". ومذهب الحنابلة، يُنظر: "كشاف القناع" للبهوتي (٤/ ٧٨) قال: "وإن استولى على حرَّ لم يضمنه بذلك، ولو كان صغيرًا؛ لأنه ليس بمال، ويأتي في الديات إن شاء الله تعالى بأوضح من ذلك، لكن تقدم في الباب قبله: إذا أبعده عن بيت أهله يلزمه رده ومؤنته عليه، ولا يضمن دابة عليها مالكها الكبير ومتاعه؛ لأنها في يد مالكها، نقله ابن رجب عن القاضي وجزم به في المنتهى … وإن استعمله، أي: الحرّ كبيرًا كان أو صغيرًا كرهًا، أو حبسه مدة، فعليه أجرته؛ لأن منفعته مال يجوز أخذ العوض عنها فضمنت بالغصب، كمنافع العبد، وإن منعه أي منع إنسان آخر العمل من غير حبس فلا ضمان عليه في منافعه، ولو كان الممنوع عبدًا؛ لأن منافعه فأتت تحت يده فلا يضمنها الغيرُ".

стр. 8525

مثال ذلك: غصب غلامًا وأبقاه عنده، فهو لا يخلو من أمرين: إما أن يأجِّرَه، أي: يجعله يعمل بأجرة، فعلى هذا القول تُؤخَذ منه الأجرة. وإما أن يتركه عنده: لكنه ربما يتركه عنده ويستخدمه في أعماله فهذا كأنَّه أجَّره، ولذلك فإنَّ الرأي الأظهر في هذا، هو رأي الذين يقولون بأن الجميع يرد وإلا لتجاوز الحد الغاصبون. قوله: (وَالرَّابِعُ: يَلْزَمُهُ إِنْ أَكرَى أَوِ انْتَفَعَ، وَلَا يَلْزَمُهُ إِنْ عَطَّلَ (١)، وَالْخَامِسُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَالْأُصُولِ -أَعْنِي: أَنَّهُ يَرُدُّ قِيمَةَ مَنَافِعِ الْأُصُولِ، وَلَا يَرُدُّ قِيمَةَ مَنَافِعِ الْحَيَوَانِ- (٢)). الأصول؛ كالدَّار والأراضي هذه هي الأصول التي يشير إليها، وهي الأشياء الثابتة التي لها أصل ثابت لا تُنقَل، والحيوان المتنقل من البغال والحمير والإبل ويدخل في ذلك الآن السيارات التي تؤجَّر. قوله: (وَهَذَا كلُّهُ فِيمَا اغْتُلَّ مِنَ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ مَعَ عَيْنِهَا وَقِيَامِهَا. وَأَمَّا مَا اغْتُلَّ مِنْهَا بِتَصْرِيفِهَا وَتَحْوِيلِ عَيْنِهَا، كَالدَّنَانِيرِ فَيَغْتَصِبُهَا فَيَتَّجِرُ بِهَا فيَرْبَحُ). ما اغتُلَّ منها وهي قائمة كدار قائمة فيؤجِّرها، أو حيوان ولَدَ، أو بستان أثمر فالآن قد غيَّر فيها وبدَّل فأخذ هذه النقود وصرفها إلى نقود

стр. 8526

أخرى أو اشترى بها بضائع فربح فيها، فهل الربح يكون له أو يكون للمغصوب منه. قوله: (فَالْغَلَّةُ لَهُ قَوْلًا وَاحِدًا فِي الْمَذْهَبِ) (١). أما جمهور العلماء (٢) في هذه المسألة فيرون أن الغلَّة لصاحب الحقِّ، وهذه ليس له إلا السلع التي اشتراها الربح يكون لصاحب الحق، أي: المغصوب منه، أما الغاصب فله فقط قيمة ما اشتراه. قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: الرِّبْحُ لِلْمَغْصُوبِ. وَهَذَا أيضًا إِذَا قَصَدَ غَصْبَ الْأَصْلِ). وقع الخلاف؛ لأن الذين يقولون بأن الغلة إنما هي للغاصب، قالوا: لأن هذا مقابل الضمان، فهو عندما غصب بستانًا فيه غرلس فأثمر فهو ضامن لهذا البستان، فكأنه استغلال لهذه المنفعة مقابل الضمان، لكنَّ هذا قد تعدَّى وتجاوز الحدَّ وأخذ حقَّ غيرِه، فكيف يُقال بأن تلك الغلَّة إنما هي له ليست له في الحقيقة (٣).

стр. 8527

قوله: (وَأَمَّا إِذَا قَصَدَ غَصْبَ الْغَلَّةِ دُونَ الْأَصْلِ فَهُوَ ضَامِن لِلْغَلَّةِ بِإِطْلَاقٍ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ عَطَّلَ أَوِ انْتَفَعَ أو أَكْرَى، كَانَ مِمَّا يُزَالُ بِهِ أو بِمَا لَا يُزَالُ بِهِ). هذا ليس فيه خلافٌ بين العلماء؛ فلو أنَّ إنسانًا دخل بستانًا

стр. 8528

لشخص، فحصد ما فيه من الزرع أو اقتطف ما فيه من الثمار، فإنَّه بذلك غصب الغلَّة فهذا لا خلاف بين العلماء (١). قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنَّهُ مَنْ تَعَدَّى عَلَى دَابَّةِ رَجُلِ فَرَكبَهَا أو حَمَلَ عَلَيْهَا فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ فِي رُكُوبِهِ إِيَّاهَا وَلَا فِي حَمْلِهِ) (٢). لو أخذ سيَّارة فركبها وحَمَل عليها فإنَّه ليس عليه شيء عند أبي حنيفة؛ لأنَّ عليه ضمان الأصل، فلو تعطَّلت هذه السيارة أو الدَّابَّة فإنَّه يضمنها لو تلفت كليًّا، أو يضمن ما تلف منها، والصحيح هو مذهب جمهور العلماء الذين قالوا بأن ذلك لا يجوز؛ لأن الغاصب متعدَّ، والمتعدي ينبغي أن يُردَع ويُوقَف عند حدَّه. قوله: (لِأنَّهُ ضَامِنٌ لَهَا إِنْ تَلِفَتْ فِي تَعَدِّيهِ، وَهَذَا قَوْلُهُ فِي كُلَّ مَا يُنْقَلُ وُبحَوَّلُ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا رأى أَنَّهُ قَدْ ضَمَّنَهُ بِالتَّعَدِّي وَصَارَ فِي ذِمَّتِهِ جَازَتْ لَهُ الْمَنْفَعَةُ كمَا تَقُولُ الْمَالِكِيَّةُ فِيمَا اتَّجَرَ بِهِ مِنَ الْمَالِ

стр. 8529

الْمَغْصُوبِ) (١). القصد أنه لو حبس هذا المتاع عنده ففنِيَ فإنَّه سيضمنه، وإذن مقابل هذا لا ضمان عليه، فيما حصل من غلة أو ركوب أو غير ذلك. قوله: (وَإِنْ كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الَّذِي اتَّجَرَ بِهِ تَحَوَّلَتْ عَيْنُهُ، وَهَذَا لَمْ تَتَحَوَّلْ عَيْنُهُ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَلْ يَرُدُّ الْغَاصِبُ الْغَلَّةَ أَوْ لَا يَرُدُّهَا اخْتِلَافُهُمْ فِي تَعْمِيمِ قَوْلِهِ ﵊: "الْخَرَاجُ بِالضَّمَان" (٢)، وَقَوْلِهِ ﵊: "ليْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ

стр. 8530

حَقّ" (١). وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ هَذَا خُرِّجَ عَلَى سَبَبٍ). سبب الخلاف: حديثان ذكرهما المؤلف وهما: قوله ﵊: "الخَراجُ بالضَّمان "، والآخر: "ليس لعِرقٍ ظالم حقّ ". فالأول يُفهَم منه الخراج بالضمان أن هذه المنفعة التي يَأخُذها من عنده تكون مقابل ضمانه لها، وهذا الحديث له قصة جعلها العلماء قاعدة فقهية عظيمة، وفرَّعوا عليه كثيرًا من المسائل، وهي قاعدة: "الخراجُ بالضمان" (٢)، وقصة هذا الحديث: أن رجلًا في زمن رسول الله ﷺ اشترى غلامًا وبقي عنده، وبعد مدَّة وجد فيه عيبًا، فقضى رسول الله ﷺ بردَّه للعيب، فقام صاحبُه الذي باعه وقال: يا رسول الله إنه استعمله؛ (أي: أخَذ غلَّته)، فقال الرسول ﷺ : "الخراج بالضمان ". وهذا لا ينطبق على ما قاله أبو حنيفة؛ فهذا اشترى عبدًا وتبيَّن له أنَّ به عيبًا فردَّه فكانت الغلَّة مقابل ضمانه له، لكن هذا إنسان غاصب تعدَّى وتجاوز الحدَّ وأخذ حقَّ غيره واستعمله بغير إذن شرعي، فكيف يقال له بأنه لا يُؤاخذُ؛ لأنه ضامن. ويُستدلُّ بالحديث وليس فيه حجة، ويؤيِّد ذلك الحديث الآخر: "ليس

стр. 8531

لعرق ظالم حق "، وجاء: "ليس لعرق ظالم حق القصد" (١)، والمراد: إنما هو الظالم نفسه، وليس له حقّ، وفي رواية: "ليس لعرقٍ ظالم حق" بالتنوين، أي: لذي عرق ظالم حق، فالرسول ﷺ بيَّن بأن الغاصب المعتدي ليس له إلا الحجر، أما أن يأخذَ حقوق الناس ويستغلَّها ويقال مقابل الضمان فهذا ليس حقيقة بحجة، والاستدلال بالحديث الأول هو استدلال فى غير محلِّه؛ لأنَّ الحنفيَّة (٢) تأوَّلوه، وما تأولوا به الحديث غير مسلَّم. قوله: (وَهُوَ فِي غُلَامٍ قِيمَ فِيهِ بِعَيْبٍ، فَأَرَادَ الَّذِي صُرِفَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْمُشْتَرِي غَلَّتَهُ، وَإِذَا خُرِّجَ الْعَامُّ عَلَى سَبَبٍ هَلْ يُقْصَرُ عَلَى سَبَبِهِ أَمْ يُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ؟). إذا جاء دليل عامٌّ من كتاب أو سنة فهل يقصر على سببه أو يتجاوز به؟ وهل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ الأَوْلى: أن العبرة بعموم اللفظ ما لم يرد دليل يدلُّ على أن المراد هو قَصْرُه على السببِ ذاتِه (٣).

стр. 8532

قوله: (فِيهِ خِلَافُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مَشْهُورٌ، فَمَنْ قَصَرَ هَاهُنَا هَذَا الْحُكْمَ عَلَى سَبَبِهِ، قَالَ: إِنَّمَا تَجِبُ الْغَلَّةُ مِنْ قِبَلِ الضَّمَافي فِيمَا صَارَ إِلَى الْإِنْسَانِ بِشُبْهَةٍ، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا فَيَسْتَغِلَّهُ فَيَسْتَحِقَّ مِنْهُ. وَأَمَّا مَا صَارَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ وَجْهِ شُبْهَةٍ فَلَا تَجُوزُ لَهُ الْغَلَّةُ لِأَنَّهُ ظَالِمٌ). فرق بين صاحب الغلام عندما أخذ الغلام على أنه سليم من العيوب وعندما اشتراه لم يتراجع عن شرائه، لكن وقف فيه على عيب وهذا العيب مُخلٌّ به فطالب بالردِّ، أراد صاحبه أن يأخذ مقابل هذه المدة التي بقي عنده الغلام فيها واستغله، فأخبره الرسول- ﷺ بأن مقابل ذلك أنه كان ضامنًا له، فلو هلك عنده فهو الذي يضمنه فهذا مقابل هذا. قوله: (وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ، فَعَمَّمَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْأَصْلِ وَالْغَلَّةِ -أَعْنِي: عُمُومَ هَذَا الْحَدِيثِ- وَخَصَّصَ الثَّانِيَ). مراد المؤلف: أن هذا الحديث عامٌّ ليس قاصرًا على المغصوب بنفسه، وإنما يشمل المغصوب وغلته، ليس لعرق ظالم حق، فقد ظلم عندما غصب هذه الأرض، وظلم عندما تعدَّى وغرس فيها غرسًا فاستغلَّ مالا يملكه. قوله: (وَأَمَّا مَنْ عَكَسَ الْأَمْرَ فَعَمَّمَ قَوْلَهُ ﵊: "الْخَرَاجُ بِالضَّمَان" (١) عَلَى أَكْثَرَ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي خُرح عَلَيْهِ، وَخَصَّصَ قَوْلَهُ ﵊: "لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ" (٢) بِأَنْ

стр. 8533

جَعَلَ ذَلِكَ فِي الرَّقَبَةِ دُونَ الْغَلَّةِ، قَالَ: لَا يَرُدُّ الْغَلَّةَ الْغَاصِبُ. وَأَمَّا مِنَ الْمَعْنَى كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا فَالْقِيَاسُ أَنْ تَجْرِيَ الْمَنَافِعُ وَالْأَعْيَانُ الْمُتَوَلِّدَةُ مَجْرًى وَاحِدًا). أحسنَ المؤلف في هذا القول: "مِنْ قَوْلِنَا فَالْقِيَاسُ "، وقصده القياس الذي يلتقي مع روح هذه الشريعة، فإن هذا القياس يقتضي ألا يُفرِّق بين الأصل وبين الغلة فهذا غصب لا يقتضيه القياس، والقصد بذلك القياس الصحيح الذي لا يُعارض النصوص، وإنما يلتقي معها. قوله: (وَأَنْ يُعْتَبَرَ التَّضَمُّنُ أو لَا يُعْتَبَرَ). هل يتضمن الجميع أو لا يتضمن؟ الصحيح أنه يُعتبر التضمن فإنَّه يتضمن الأصل وما نما عنه (١). قوله: (وَأَمَّا سَائِرُ الْأَقَاوِيلِ الَّتِي بَيْنَ هَذَيْنِ فَهِيَ اسْتِحْسَانٌ). وهذا أيضًا عملٌ ثانٍ حسنٌ من المؤلف ﵀، فهذه الأقوال استحسانٌ من أصحابها، فقد اجتهدوا فيها وعلَّلوا وقصدُهم بلا شك الخيرُ، ومعلومٌ أنَّه "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد" (٢). لكن بشرط أن يكون أهلًا للاجتهاد، وأن لا يكون دافعه إلى هذا الاجتهاد هو الهوى أو غرس في نفسه يحقِّق له ما يريد. قوله: (وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنِ اغْتَرَسَ نَخْلًا أو ثَمَرًا بِالْجُمْلَةِ وبنيانًا فِي كَيْرِ أَرْضِهِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْقَلْعِ) (٣).

стр. 8534

لأنه قد تعدَّى تعديًا صريحًا، فهو يأتي إلى أرض إنسان فيستولي عليها ويغرس فيها غرسًا ما عقوبته أن يقال: اقلع ما فعلت، ثم بعد ذلك يطالب أيضًا بتسوية ما فيه. قوله: (لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- ﷺ قَالَ: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ" (١)، وَالْعِرْقُ الظَّالِمُ عِنْدَهُمْ هُوَ مَا اغْتُرِسَ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةً: قال عُرْوَة: وَلَقَدْ حَدَّثَنِي الَّذِي حَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ: "أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - غَرَسَ أَحَدُهُمَا نَخْلًا فِي أَرْضِ الْآخَرِ، فَقَضَى لِصَاحِبِ الْأَرْضِ بِأَرْضِهِ، وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ مِنْهَا قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَتُضْرَبُ أُصُولُهَا بِالْفُؤُوسِ، وإِنَّهَا لنَخْلٌ عُمٌّ). "نَخْل عمٌّ ": هي التامة في طولها والتفافها، وواحدتها: عَميمة، ومنه

стр. 8535

قيل للمرأة: عميمة إذا كانت كذلك في خلقها (١). قوله: (حَتَّى أُخْرِجَتْ مِنْهَا" (٢)). هذا حديث صحيح، وهو تطبيق عملي حصل في زمن رسول ﷺ ، بيَّن فيه ﵊ عن طريق القول والعمل: فالقول هو: "ليس لعرق ظالم حق "، ثم هذا تطبيق عمليٌّ لهذا الرجل الذي غصب أرضَ غيره فغرس فيها فكانت نخلًا طوالًا عُمُّ، أي: كاملة، ومع ذلك أمر الرسول- ﷺ بقلعها فكانت تُضرب بالفُؤوس. قوله: (إِلَّا مَا رُوِيَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْ مَالِكٍ "أَنَّ مَنْ زَرَعَ زَرْعًا فِي أَرْضِ غَيْرِهِ وَفَاتَ أَوَانُ زِرَاعَتِهِ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَقْلَعَ زَرْعَهُ، وَكَانَ عَلَى الزَّارعِ كِرَاءُ الْأَرْضِ" (٣). وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مَا يُشْبِهُ قِيَاسَ قَوْلِ الْجُمْهُورِ (٤)). قصده في هذه المسألة الزرع غير الغرس، لو أنَّ إنسانًا أخذ أرضًا من الناس ثم زرع فيها زرعًا، كالذرة أو الحنطة أو غيرها، ثم بعد ذلك قلع ذلك الزرع، فلمن يكون ذلك الزرع؟ وسيأتي في الحديث بأن الزرع إنما لصاحب الأرض وليس للزارع إلا أن يأخذ النفقة، لكنَّ هذا الغاصب لو أخذ الثمرة قبل أن يأتي المالك

стр. 8536

وقبل أن يُردَّ إليه حقُّه، فأكثر العلماء يقولون: لا؛ لأن ذلك إنما هو من فعله، وهو مَن أحضر البذر وزرعه في تلك الأرض. قوله: (وَعَلَى قَوْلِهِ: إِنَّ كلَّ مَا لَا يَنْتَفِعُ الْغَاصِبُ بِهِ إِذَا قَلَعَهُ وَأَزَالَهُ أَنَّهُ لِلْمَغْصُوبِ، يَكُونُ الزَّرْعُ عَلَى هَذَا لِلزَّارعِ. وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ فَقَالُوا: الزَّارعُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ لَهُ نَفَقَتُهُ وَزَرِيعَتُهُ، وَهُوَ قَوْلُ كَثيرٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ). هؤلاء قالوا إذا زرع الغاصب زرعًا في أرض؛ فإن الزرع يكون لصاحب الأرض؛ أي: المالك، وللغاصب له فقط نفقته. قوله: (وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَرُوِيَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَّهُ قَالَ ﵊: "مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَلَهُ نَفَقَتُهُ وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيءٌ" (١)). هذا الحديث نصٌّ في هذه المسألة، فيؤخذ به، وليس له من الزرع شيء، لكن له نفقته التي أنفقها، والمالك سيستفيد بأخذ ذلك الزرع. قوله: (وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقَضَاءِ فِيمَا أَفْسَدَتْهُ الْمَوَاشِي وَالدَّوَابُّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّ كُلَّ دَابَّةٍ مُرْسَلَةٍ فَصَاحِبُهَا ضَامِن لِمَا أَفْسَدَتْهُ (٢).

стр. 8537

وَالثَّانِي: أَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (١). وَالثَّالِثُ: أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى أَرْبَابِ الْبَهَائِمِ بِاللَّيْلِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَفْسَدَتْهُ بِالنَّهَارِ (٢). وَالرَّابِعُ: وُجُوبُ

стр. 8538

الضَّمَان فِي غَيْرِ الْمُنْفَلِتِ وَلَا ضَمَانَ فِي الْمُنْفَلِتِ (١). وَمِمَّنْ قَالَ: يُضَمَّنُ بِاللَّيْلِ وَلَا يُضَمَّنُ بِالنَّهَارِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ).

стр. 8539

وبه قال أحمد، فجمهور العلماء (١) فرَّقوا بين الليل والنهار؛ لأنَّ أصحاب الدوابِّ مسؤولون عن حفظها وصيانتها ليلًا، ولكنها في النهار إما أن تنفلت تبحث عن الرعي، هاما في العمل لحاجة أصحابها؛ لأن هذه الدواب يطلقونها أو يستفيدون منها بالعمل لكن عليهم أن يحفظوها ليلًا، فلو أنها ذهبت ليلًا فدخلت بستانًا لأحد وأفسدت ما فيه فإنهم يضمنون ذلك؛ لأن عليهم حفظها في الليل كما جاء في الحديث. قوله: (وَبِأَنْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ أَصْلًا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ) (٢). كل واحد من العلماء له دليل، لكن قد يكون دليل أحد الفريقين قويّ، ويكون الفريق الآخر له تعليل في دليل، وهذا التعليل يكون ضعيفًا، وهنا سيأتي الخلاف في هذه المسألة. ورد حديثان: حديث متفق عليه، وحديث آخر مرسل لكنه صحيح ومع ذلك نرى أن الجمهور أخذوا بذلك المرسل الصحيح، ولم يأخذوا بذلك الحديث المتفق عليه؛ لأن بعضهم رأى أن لا تعارض بينهما، أو أنهم رأوا أن هذا في أمر، وهذا في أمر آخر. قوله: (وَبِالضَّمَان بِإِطْلَاقٍ قَالَ اللَّيثُ، إِلَّا أَنَّ اللَّيثَ قَالَ: لَا يُضَمَّنُ أَكثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمَاشِيَةِ) (٣). الليث يرى أنَّ فيها الضمان، لك قيد ذلك بألا يتجاوز الضمان قيمة هذه الدابة التي أُتلفت.

стр. 8540

قوله: (وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ ﵁، فَعُمْدَةُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيَّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْئَان: أَحَدُهُمَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]). هذه قضية حدثت في زمن نبي الله داود وسليمان ﵉، فإن غنمًا نفشت؛ أي: انتشرت في الليل، فدخلت أرضا فيها حرث لأقوام فأكلت ما فيها من الزرع، وجاء في بعض الروايات (١): أنه كرم؛ أي: عنب فأكلت جميع ما كان في البستان فذهبوا إلى داود ﵇ ليحكم بينهم فكان حكمه: أن تسلم الغنم لأصحاب الحرث مقابل ذلك، أما سليمان فقيل: أنه ذكر بحضور والده، أو لما خرج أصحاب أولئك الغنم فقال: أرى أن تسلم الماشية لأصحاب الحرث ينتفعون بها وتبقى في أيديهم ويسلم الحرث لأصحاب الغنم يقومون عليه بالإصلاح والرعاية فإنما عاد إلى حالته الأولى، سلم البستان لأهله والغنم لأصحابها (٢). النفش لا يكون إلا بالليل أما في النهار يقال له: طوعًا. قوله: (وَالنَّفْشُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللَّيْلِ (٣)، وَهَذَا الِاحْتِجَاجُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّا مُخَاطَبُونَ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا). هذه قاعدة أصولية: هل شرع من قبلنا شرع لنا؟ وهناك أحكام كثيرة وردت في كتاب الله في سورة المائدة وغيرها، فهل الأحكام التي كانت في الأمم السابقة تكون لنا أيضًا ويذكرها الله في معرض ذكره لأولئك الأقوام أن تكون حكمًا مستقرًا؟،

стр. 8541

هل أرادها في شريعتنا فتكون حكمًا ملزمًا لنا، أو لا تكون؟، هذا مما يختلف فيه العلماء أو لا بد من وجود دليل على أننا مطالبون بهذا (١). قوله: (وَالثَّانِي: مُرْسَلُهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ "أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ فَأَفْسَدَتْ فِيهِ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ حِفْظَهَا، وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتْهُ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا" (٢)، أَيْ: مَضْمُونٌ). هذا نصّ في المسألة، وحديث عن رسول الله ﷺ مرسل، فهل كونه مرسلًا يقدح فيه، هو مرسل صحيح وقد تكلم عنه الإمام الشافعي وصححه غيره من الأئمة، وقال الإمام الشافعي -عندما أراد أن يجمع بينه وبين حديث "العجماء جرحها جبار" (٣). قال: إن هذا الحديث أُريد به الخصوص من الأصل، فقد جاء بلفظ عام أريد به الخصوص، ومعلوم أن هناك عامًّا مخصوصًا، يأتي عامًّا ثم يُخصُّ، وهناك عامًّا أُريد به الخصوص. قوله: (وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ ﵊: "الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ" (٤)).

стр. 8542

العجماء: هي البهيمة (١)، و"جبار" يعني: هدرًا (٢)، فالرسول ﷺ قال: "العجماء جرحها جبار"، فما يترتب عليها من فعل تلف وغيره فإنَّه مهدر؛ لأنها لا تعقل ولا تدرك، لكن لو أن قائدها يركبها فحكمها يتغير، فهو الذي يطالب بذلك، وفي الحديث الآخر رأينا أنَّ الرسول ﷺ أمر أصحاب الدواب أن يُحافظوا عليها ليلًا، فإن لم يحافظوا عليها ليلًا وأطلقوها، فإنهم يكونون ضامنين لما تتلف، وأما بالنسبة للنهار فالضمان على أصحاب البساتين؛ لأن عليهم أن يقوموا بحفظها ورعايتها. قوله: (وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ (٣): وَتَحْقِيقُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُضَمَّنُ إِذَا أَرْسَلَهَا مَحْفُوظَةً، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُرْسِلْهَا مَحْفُوظَةً فَيُضَمَّنُ). هذا كل ما يتعلق بالعجماء، ورأينا أن المؤلف قصر حديثه فيها فيما أرسلت ليلًا تركت فإن الضمان على أهلها، وأما لو كانت نهارًا فإنَّه على أهل تلك المزارع. قوله: (وَالمَالِكِيَّةُ تَقُولُ: مِنْ شَرْطِ قَوْلِنَا أَنْ تَكُون الْغَنَمُ فِي الْمَسْرَحِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فِي أَرْضِ مَزْرَعَةٍ لَا مَسْرَحَ فِيهَا، فَهُمْ يُضَمَّنُونَ لَيْلًا وَنَهَارًا (٤). وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى الضَّمَانَ فِيمَا أَفْسَدَتْ لَيْلًا وَنَهَارًا شَهَادَةُ الْأُصُولِ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَدٍّ مِنَ الْمُرْسَلِ، وَالْأُصُولُ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمُتَعَدَّي الضَّمَانَ (٥). وَوَجْهُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُنْفَلِتِ وَغَيْرِ الْمُنْفَلِتِ بَيِّن، فَإِنَّ الْمُنْفَلِتَ لَا يُمْلَكُ (٦)).

стр. 8543

وهذا نسبه المؤلف إلى عمر بن الخطاب ﵁، وقد رأينا أنه ورد حديث نصٌّ في هذه المسألة. قوله: (فَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذَا الْبَابِ مُعَارَضَةُ الْأَصْلِ لِلسَّمْعِ، وَمُعَارَضَةُ السَّمَاعِ بَعْضِهِ لِبَعْضٍ). السمع: يقصد به الأدلة التي وردت (١). قوله: (أَعْنِي: أَنَّ الْأَصْلَ يُعَارِضُ "جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ"، وَيُعَارِضُ أيضًا التَّفْرِقَةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ، وَكَذَلِكَ التَّفْرِقَةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ تُعَارِضُ أيضًا قَوْلَهُ: "جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ"). حديث البراء الذي فيه أن أهل المزارع أرسلوا، أن أهل الدواب التي أرسلوها ليلًا عليهم ضمانها. (وَمِنْ فسَائِلِ هَذَا الْبَابِ الْمَشْهُورَةِ اخْتِلَافُهُمْ فِي حُكْمِ مَا يُصَابُ مِنْ أَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ) (٢).

стр. 8544

قد يصيب الحيوانَ إنسان، وربما أصابه في مقدمته، وهذا له حكم، وربما أصابه في رجله وعليه قائده، وربما يكون إصابه وليس عليه قائد، وما يتعلق بالمزارع فيما يخص أصحاب تلك الدواب التي يطلقوها ليلًا، فإذا حصل في نفس البهيمة عيبٌ كأن تكون فُقئت عينها أو قطعت رجلها المهم أنه تُعدَّي عليها فما الحكم؟ هذه المسألة تتعلق فيما لو تُعدِّي على حيوان فأعطب جزءٌ منه فما الحكم في ذلك؟ قوله: (فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَضَى فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ بِرُبْعِ ثَمَنِهَا) (١). قضى بربع عين الدابة، وأُثر عن عمر ﵁ أنه قضى بنصفها، وأنه لما نظر ووجد الدابة لم تتأثر من حيث عملها وقوتها عاد مرة أخرى إلى الربع (٢)، وأيضًا كتب بذلك القاضي شريح بأن يحكم بمثل

стр. 8545

ذلك (١)، وهو أيضًا قول الإمام الشعبي من التابعين (٢). وقد قضى بذلك عمر بن عبد العزيز ﷺ (٣)، وهي أيضًا رواية للإمام أحمد (٤)، إذن القول الأول فيمن تعدَّى على دابة وذكر مثالًا لذلك فيمن فقع عينها فما الحكم؟ أُثر عن عمر ﵁ أنه قال: "فيها ربع قيمتها" (٥)، وجمهور العلماء على خلاف ذلك: يرون القيمة على الأصل الذي مرَّ بنا في الغصب بأن مَن أتلف مال غيره بأن فيه قيمته (٦). قوله: (وَكتَبَ إِلَى شُرَيْحٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ (٧)، وَبِهِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ،
следующие страницы →