هل أرادها في شريعتنا فتكون حكمًا ملزمًا لنا، أو لا تكون؟، هذا مما يختلف فيه العلماء أو لا بد من وجود دليل على أننا مطالبون بهذا (١).
قوله: (وَالثَّانِي: مُرْسَلُهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ "أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ فَأَفْسَدَتْ فِيهِ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ حِفْظَهَا، وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتْهُ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا" (٢)، أَيْ: مَضْمُونٌ).
هذا نصّ في المسألة، وحديث عن رسول الله ﷺ مرسل، فهل كونه مرسلًا يقدح فيه، هو مرسل صحيح وقد تكلم عنه الإمام الشافعي وصححه غيره من الأئمة، وقال الإمام الشافعي -عندما أراد أن يجمع بينه وبين حديث "العجماء جرحها جبار" (٣).
قال: إن هذا الحديث أُريد به الخصوص من الأصل، فقد جاء بلفظ عام أريد به الخصوص، ومعلوم أن هناك عامًّا مخصوصًا، يأتي عامًّا ثم يُخصُّ، وهناك عامًّا أُريد به الخصوص.
قوله: (وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ ﵊: "الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ" (٤)).
стр. 8542
العجماء: هي البهيمة (١)، و"جبار" يعني: هدرًا (٢)، فالرسول ﷺ قال: "العجماء جرحها جبار"، فما يترتب عليها من فعل تلف وغيره فإنَّه مهدر؛ لأنها لا تعقل ولا تدرك، لكن لو أن قائدها يركبها فحكمها يتغير، فهو الذي يطالب بذلك، وفي الحديث الآخر رأينا أنَّ الرسول ﷺ أمر أصحاب الدواب أن يُحافظوا عليها ليلًا، فإن لم يحافظوا عليها ليلًا وأطلقوها، فإنهم يكونون ضامنين لما تتلف، وأما بالنسبة للنهار فالضمان على أصحاب البساتين؛ لأن عليهم أن يقوموا بحفظها ورعايتها.
قوله: (وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ (٣): وَتَحْقِيقُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُضَمَّنُ إِذَا أَرْسَلَهَا مَحْفُوظَةً، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُرْسِلْهَا مَحْفُوظَةً فَيُضَمَّنُ).
هذا كل ما يتعلق بالعجماء، ورأينا أن المؤلف قصر حديثه فيها فيما أرسلت ليلًا تركت فإن الضمان على أهلها، وأما لو كانت نهارًا فإنَّه على أهل تلك المزارع.
قوله: (وَالمَالِكِيَّةُ تَقُولُ: مِنْ شَرْطِ قَوْلِنَا أَنْ تَكُون الْغَنَمُ فِي الْمَسْرَحِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فِي أَرْضِ مَزْرَعَةٍ لَا مَسْرَحَ فِيهَا، فَهُمْ يُضَمَّنُونَ لَيْلًا وَنَهَارًا (٤). وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى الضَّمَانَ فِيمَا أَفْسَدَتْ لَيْلًا وَنَهَارًا شَهَادَةُ الْأُصُولِ لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَدٍّ مِنَ الْمُرْسَلِ، وَالْأُصُولُ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمُتَعَدَّي الضَّمَانَ (٥). وَوَجْهُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُنْفَلِتِ وَغَيْرِ الْمُنْفَلِتِ بَيِّن، فَإِنَّ الْمُنْفَلِتَ لَا يُمْلَكُ (٦)).
стр. 8543
وهذا نسبه المؤلف إلى عمر بن الخطاب ﵁، وقد رأينا أنه ورد حديث نصٌّ في هذه المسألة.
قوله: (فَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذَا الْبَابِ مُعَارَضَةُ الْأَصْلِ لِلسَّمْعِ، وَمُعَارَضَةُ السَّمَاعِ بَعْضِهِ لِبَعْضٍ).
السمع: يقصد به الأدلة التي وردت (١).
قوله: (أَعْنِي: أَنَّ الْأَصْلَ يُعَارِضُ "جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ"، وَيُعَارِضُ أيضًا التَّفْرِقَةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ، وَكَذَلِكَ التَّفْرِقَةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ تُعَارِضُ أيضًا قَوْلَهُ: "جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ").
حديث البراء الذي فيه أن أهل المزارع أرسلوا، أن أهل الدواب التي أرسلوها ليلًا عليهم ضمانها.
(وَمِنْ فسَائِلِ هَذَا الْبَابِ الْمَشْهُورَةِ اخْتِلَافُهُمْ فِي حُكْمِ مَا يُصَابُ مِنْ أَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ) (٢).
стр. 8544
قد يصيب الحيوانَ إنسان، وربما أصابه في مقدمته، وهذا له حكم، وربما أصابه في رجله وعليه قائده، وربما يكون إصابه وليس عليه قائد، وما يتعلق بالمزارع فيما يخص أصحاب تلك الدواب التي يطلقوها ليلًا، فإذا حصل في نفس البهيمة عيبٌ كأن تكون فُقئت عينها أو قطعت رجلها المهم أنه تُعدَّي عليها فما الحكم؟
هذه المسألة تتعلق فيما لو تُعدِّي على حيوان فأعطب جزءٌ منه فما الحكم في ذلك؟
قوله: (فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَضَى فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ بِرُبْعِ ثَمَنِهَا) (١).
قضى بربع عين الدابة، وأُثر عن عمر ﵁ أنه قضى بنصفها، وأنه لما نظر ووجد الدابة لم تتأثر من حيث عملها وقوتها عاد مرة أخرى إلى الربع (٢)، وأيضًا كتب بذلك القاضي شريح بأن يحكم بمثل
стр. 8545
ذلك (١)، وهو أيضًا قول الإمام الشعبي من التابعين (٢).
وقد قضى بذلك عمر بن عبد العزيز ﷺ (٣)، وهي أيضًا رواية للإمام أحمد (٤)، إذن القول الأول فيمن تعدَّى على دابة وذكر مثالًا لذلك فيمن فقع عينها فما الحكم؟
أُثر عن عمر ﵁ أنه قال: "فيها ربع قيمتها" (٥)، وجمهور العلماء على خلاف ذلك: يرون القيمة على الأصل الذي مرَّ بنا في الغصب بأن مَن أتلف مال غيره بأن فيه قيمته (٦).
قوله: (وَكتَبَ إِلَى شُرَيْحٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ (٧)، وَبِهِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ،
стр. 8546
وَقَضَى بِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (١).
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ (٢): يَلْزَمُ فِيمَا أُصِيبَ مِنَ الْبَهِيمَةِ مَا نَقَصَ فِي ثَمَنِهَا قِيَاسًا عَلَى التَّعَدِّي فِي الْأَمْوَالِ).
وهي رواية أخرى عن الإمام أحمد (٣).
فلو تعدى إنسان على دار أو على مزرعة أو على عَرض من العروض أو على سلعة من السلع أو على عبد مملوك فإن ذلك يُقوَّم - كما عرفنا - ثم تُنظر قيمته صحيحًا كم يساوي، وقيمته معيبًا كم يساوي، ثم بعد ذلك يدفع الفرق بينهما (٤).
قوله: (وَالْكُوفِيُّونَ اعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ ﵁).
الأخذ بقول الصحابي أمر مطلوب، لكن يُؤخذ بقول الصحابي ما لم يكن هناك دليل من كتاب أو سنة يعارضه، فلا شكَّ أن أدلة الكتاب والسنة تُقدَّم على كُلِّ قولٍ مهما كان قدر صاحبه.
قوله: (وَقَالُوا: إِذَا قَالَ الصَّاحِبُ).
يقصد بالصاحب هنا الصحابيُّ.
قوله: (قَوْلًا وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقَوْلُهُ مَعَ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ، وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ) (٥).
стр. 8547
تكلَّم العلماء كثيرًا عن هذه القضية، فبعضهم عندما يجد قولًا للصحابي لا يقف على خلاف يخالفه، يقول: هذا لا يقوله الصحابيُّ برأيه، وإنما هو توقيف، فيكون إجماعًا؛ لأنَّه لا مخالف له من الصحابة، وآخرون يعارضون، ولا يرون ذلك إجماعًا، وإنما الإجماع عندما يأتي التصريح بعدم وجود خلاف (١).
قوله: (لِأَنَّهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ إِنَّمَا صَارَ إِلَى الْقَوْلِ بِهِ مِنْ جِهَةِ التَّوْقِيفِ. فَسَبَبُ الْخِلَافِ إِذن مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِقَوْلِ الصَّاحِبِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْجَمَلِ الصَّئُولِ وَمَا أَشْبَهَهُ).
هذه مسألة مهمة، وهي تتعلق بقاعدة فقهية، والمؤلف يُشير إلى الصائل (٢)؛ لأن الصائل قد يكون رجلًا، وربما يكون بعيرًا أو بغلًا، وربما فرسًا، أو غير ذلك.
وهذا الصائل قد يصول على إنسان، وهذا الإنسان قد يدفعه دون قتله وإصابته، وربما لا يستطيع أن يدفعه إلا بقتله، فإذا صال على إنسان جملٌ أو بغلٌ أو فرس أو ثور أو غير ذلك من الحيوانات، فخشي الإنسان أن يفتك به، والإنسان مطالب بأن يُدافع عن نفسه وعن مهجته، فأدى ذلك إلى أنه لم يستطع أن يدفع ذلك الحيوان إلا بقتله؛ كأن يكون معه سهمًا فيطلقه عليه أو سكينًا حادة فيصيبه فيرديه قتيلًا، فيحفظ نفسه، فهذا الحيوان الصائل هل يلزم ضمانه أو لا؟ (٣).
стр. 8548
هذا مثال يتعلق بقاعدة يذكرها الفقهاء: "من أتلفَ شيئًا لدفع أذاه له لم يضمنه، وإن أتلفه لدفع أذًى به ضمنه" (١).
وهذه هي القواعد التي نُشير إليها كثيرًا ونقول بأنها أحكام كلية تجتمع وتلتقي نحوها مسائل كثيرة وأن تلك المسائل تُنْظَمُ في سِلك واحد فتندرج تحت تلك القاعدة أو الحكم الكلي، من أتلف شيئًا لدفع أذاه له لم يضمنه، فلو صال عليك هذا البعيرُ ولم تستطع أن تتخلَّص منه فأرديته قتيلًا؛ كما لو أرسلت عليه سهمًا فأتلفته لدفع أذاه عنك، ثُمَّ قالوا في الجزء الثاني من القاعدة وإن أتلفه لدفع أذًى به ضمنه، أي: لو كنت في الصحراء وأصابك الجوع وليس عندك إلا شاة لإنسان أو بعير وهو مملوك لغيرك ولا يجوز لك أن تتعدَّى على مِلك غيرك، فقد كالت الرسول ﷺ يقول: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" (٢)، فلك أن تَقتل هذا الحيوان قبل أن تنحر هذا البعير وأن تأكل منه لتدفع الجوع عنك لكن الحكم يختلف بين الصورة الأولى وبين الصورة الثانية؛ فالصورة الأولى: جَملًا صال عليك فدفعتَه حفاظًا على نفسك (٣)، وفي الصورة الثانية: لم
стр. 8549
يتعدَّ عليك هذا البعير ولكنك نحرته لتأكل منه لتدفع الموت عن نفسك.
إذن أيّ شيء يتلفه الإنسان دفاعًا عن نفسه لا ضمان عليه عند الأئمة الثلاثة، وإن أتلفه لمصلحة نفسه ودفع الأذى عنه فإنَّه في هذه الحالة يَضمنه.
стр. 8550
قوله: (يَخَافُ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَقْتُلُهُ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ غُرْمُهُ أَمْ لَا؟).
عرفنا بأن جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة يُفصِّلون، فيقولون: إن كان قد تعدَّى عليه ودفعه وانتهى إلى قتله، فلا ضمان، أما إن قتله ليدفع عن نفسه خطر الموت فإنَّ عليه الضمان.
قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ إِذَا بَانَ أَنَّهُ خَافَهُ عَلَى نَفْسِهِ) (١).
وكذا أحمد ﵏ جميعًا (٢).
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: يُضَمَّنُ قِيمَتَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ) (٣).
قالوا يدفع عن نفسه لكن يضمنه، وسواء بين ذلك والمضطر، قالوا: المضطَّر يخشى على نفسه الهلاك فلماذا يضمن وهذا لا يضمن؟
قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يَرَ الضَّمَانَ الْقِيَاسُ عَلَى مَنْ قَصَدَ رَجُلًا فَأَرَادَ قَتْلَهُ).
إنسانٌ قصد رجلًا فأراد قتله فدافع عن نفسه فأدَّى ذلك إلى أن قتل الذي أراد قتل غيره، هل عليه القصاص؟
قوله: (فَدَافَعَ الْمَقْصُودُ عَنْ نَفْسِهِ فَقَتَلَ فِي الْمُدَافَعَةِ الْقَاصِدَ الْمُتَعَدِّيَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ قَوَدٌ) (٤).
"قَوَدٌ" بمعنى: أنه لا يُقْتلُ به (١).
قوله: (وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي النَّفْسِ كَانَ فِي الْمَالِ أَحْرَى).
أي: لو اعتُدي على إنسان وحُرمتُه عظيمة فإن الرسول ﷺ بيَّن بأن حُرمتَه من حُرمة البيت، ولو قتله إنسان في مثل هذه الحالة فإنَّه لا قَوَد عليه، إذن من باب أولى أن لا يكون هناك قَوَدٌ بالنسبة للحيوان فمهما كانت للحيوان من حرمة لكن لا تصل إلى حُرمة الإنسان.
فالرسول ﷺ يقول: "في كُلِّ كبد رطب أَجْر" (٢) فالحيوان فيه أجر؛ ولذلك كما جاء في "صحيح مسلم" أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتل وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحِدَّ أحدُكم شفرته وليُرِح ذبيحته" (٣).
هذا حديثٌ عند مُسلم وغيره (٤)، وهذا من الوسائل التي يُراح فيها الحيوان، كذلك لو أن إنسانًا عنده دواب فلم ينفق عليها فإنَّه يُؤمر بالإنفاق عليها وإلا تباع عليه، إذن الحيوان له حرمة ولا يجوز أن يتعدَّى عليه بغير سبب لكن لا تُساوي حرمة الإنسان، ومع ذلك فإنَّ الإنسانَ إذا قتله آخرُ وقد تعدَّى، فإنَّ عليه الضمانَ بلا شكٍّ، ومذهب الجمهور هو الأقرب لروح الشريعة.
стр. 8553
قوله: (لِأَنَّ النَّفْسَ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الْمَالِ، وَقِيَاسًا أيضًا عَلَى إِهْدَارِ دَمِ الصَّيْدِ الْحَرَمِيِّ إِذَا صَالَ وَتَمَسَّكَ بِهِ حُذَّاقُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ).
هذه المسألة تندرجُ تحت القاعدة التي أشرنا إليها: لو صال عليك مثلًا صيدٌ كغزال أو بقرٍ وحشيٍّ أو حمارٍ وحشيٍّ فصال عليك فدافعت عن نفسك وأنت مُحْرِم لا يجوز لك أَن تقتل الصيد؛ لأنَّ الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، لكن لو صَال عليك هذا الحيوان فأردتَ أن تدفعه عن نفسك فقتلته فلا ضمان عليك، لكن لو احتجت إليه؛ كما كنتَ في جُوع ومرَّ بك حَيوانٌ ومعك سهمٌ فأطلقته عليه فتأكل منه في هذه الحالة تضمن؛ لأنك في الأولى دفعت الأذى عن نفسك بقتل هذا الحيوان، وهنا دفعت الأذى عن نفسك بأكل هذا الحيوان.
وهذه قاعدة فقهية مهمة: "من أتلف شيئًا لدفع إيذائه له لم يضمنه، وإن أتلفه لدفع إيذائه به ضمنه ".
قوله: (وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَمْوَالَ تُضَمَّنُ بِالضَّرُورَةِ إِلَيْهَا، أَصْلُهُ الْمُضْطَرُّ إِلَى طَعَامِ الغَيْرِ، وَلَا حُرْمَةَ لِلْبَعِيرِ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ ذُو نَفْسٍ).
البعيرُ له حرمة؛ لأنه مِلكٌ للغير، ولا يجوز للإنسان أن يتعدَّى على حَقِّ غيره لحرمته، لكنَّه إنما قتله لأمر أعظم. فليس هناك شيء أعظم من كلمة التوحيد، ومع ذلك فإنَّ الله بيَّن أنه يجوز للإنسان أن ينطق بكلمة الكفر إذا اضطرَّ إلى ذلك؛ فالأمر يتعلق بالنفس.
قوله: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْمُكْرَهَةِ عَلَى الزِّنَا).
قد تُكْره امرأةٌ على الزنا، والكلام هنا متعلِّقٌ بالغصب، فلو اغتصب أحدهم جارية لآخر -بمعنى: وطئها-، وهذا المغتصب لا يملكها ولا
стр. 8554
شُبهة له في ملكها، وربما جاءت له بولد أو لم تأت، فهو قد ارتكب حدًّا من حدود الله فزَنَا، ولا فرق بين أن تكون حُرَّة وبين أن تكون أَمَةً، فهل يترتب على ذلك حقوق؟
الجواب: يترتب على ذلك حقَّان:
الحق الأول: لا خلاف فيه، وهو حق خالصٌ لله ؛ حيث تعدَّى على حرمة من حرمات الله فترتب على ذلك حدُّ الزنا.
الحق الثانى: حق خالصٌ للإنسان، وهو حق المعتدى عليه؛ فهذه ملك للسيد وقد اعتدى عليها، ولا فرق بين أن تكون بِكرًا أو لا، فهل على المغتصب في ذلك المهر أو لا؟
هذه هي المسألة التي يعرض لها المؤلف ﵀.
قوله: (هَلْ عَلَى مُكْرِهِهَا مَعَ الْحَدِّ صَدَاقٌ أَمْ لَا؟).
الحدُّ ليس محلَّ نقاش؛ لأنَّ الرجل زَنى ولا مِلك له، ولا شبهة، فلو كانت له شبهة فإنَّ الرسول ﷺ يقول: "ادرؤوا الحدود بالشبهات" (١)؛ أي: ادرؤوا على المسلمين الحدَّ ما استطعتم إلى ذلك سبيلًا.
أما الجارية فليس عليها شيء، فلا يقام عليها الحد، أما لو طاوعته فهذه مسألة أخرى.
قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، ...............
стр. 8555
وَاللَّيْثُ (١): عَلَيْهِ الصَّدَاقُ وَالْحَدُّ جَمِيعًا).
وأحمد (٢) أيضًا.
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَالثَّوْرِيُّ: عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَا صَدَاقَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ (٤). وَعُمْدَةُ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجب عَلَيْهِ حَقَّانِ: حَقُّ اللَّهِ وَحَقٌّ لِلْآدَمِيِّ، فَلَمْ يُسْقِطْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، أَصْلُهُ: السَّرِقَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا عِنْدَهُمْ غُرْمُ الْمَالِ وَالقَطْعُ).
هناك أمورٌ تتداخل، وأمورٌ لا تتداخل، والقاعدة المعروفة: "اجتمع أمران من جنس واحد ولم يختلف مقصودهما ولا تداخل بين الأمرين " (٥). فيجب الحدُّ، وحصل وطءٌ فيترتب عليه المهر، فلا تداخل بين الأمرين،
стр. 8556
فهذا حق لله لا يُسقط حق المخلوق، وكذلك حق المخلوق لا يُسقط حق الله.
قوله: (وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُوجِبِ الصَّدَاقَ، فَتَعَلَّقَ فِي ذَلِكَ بِمَعْنَيَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ حَقَّانِ: حَقٌّ لِلَّهِ وَحَقٌّ لِلْمَخْلُوقِ، سَقَطَ حَقُّ الْمَخْلُوقِ لِحَقِّ اللَّهِ، وَهَذَا عَلَى رَأْيِ الْكُوفِيِّينَ فِي أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ عَلَى السَّارِقِ غُرْمٌ وَقَطْعٌ).
لكنَّ هذا غير مُسلَّم؛ فإنَّ السارق -مثلًا- يُؤخذ منه ما سرق، وتُقطع يده " كما قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨]، وأيضًا يُؤخذ ما عنده من المتاع.
إذًا فالحنفية بنوا ذلك على أصلهم المعروف، ومذهب الجمهور هو الراجح في هذه المسألة.
قوله: (وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّ الصَّدَاقَ لَيْسَ مُقَابِلَ الْبُضْعِ، وَإِنَّمَا هُوَ عِبَادَةٌ، إِذْ كَانَ النِّكَاحُ شَرْعِيًّا، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا صَدَاقَ فِي النِّكَاحِ الَّذِي عَلَى غَيْرِ الشَّرْعِ).
ولكنَّ هذا أَوجد نقصًا يتضرَّر به السيد؛ لأنَّ الجارية قد وُطئت، وكذلك حصل اعتداء على المرأة نفسها فترتب عليه ذلك المهر.
قوله: (وَمِنْ مَسَائِلِهِمُ الْمَشْهُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ مَنْ غَصَبَ أُسْطُوَانَةً فَبَنَى عَلَيْهَا بِنَاءً يُسَاوِي قَائِمًا أَضْعَافَ قِيمَةِ الْأُسْطُوَانَةِ).
المراد بالأسطوانة (١): العمود، والجمع أعمدة، هذا بإطلاق الفقهاء،
стр. 8557
أما التعريف الهندسي فهذا أمر آخر، فإنَّ الفقهاء عندما يُطلقون لفظ: "أسطوانة" يقصدون بها الأعمدة بالبيت.
مثال ذلك: إنسانٌ غصب ساريةً أو غصب خشبًا لإنسان فبنى عليه، أو غصب خشبة فوضعها على بئر فعلق عليها الدلو الذي يُستخرج به الماء، المهمُّ أنه تعدَّى فبنى على هذا الشيء، فما الحكم؟
قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢): يُحْكَمُ عَلَى الْغَاصِبِ بِالْهَدْمِ وَيَأْخُذُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ أُسْطُوَانَتَهُ).
وأحمد (٣) أيضًا قال به.
стр. 8558
قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): تَفُوتُ بِالْقِيمَةِ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِيمَنْ غَيَّرَ الْمَغْصُوبَ بِصِنَاعَةٍ لَهَا قِيمَةٌ كَثِيرَةٌ (٢)).
إذا غصب شيئًا فغيَّره بشيء آخر، وأخرجه عن أصله، فهذا الذي أُضيف إليه كان للغاصب قيمته.
стр. 8559
قوله: (وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَفُوتُ الْمَغْصُوبَ بِشَيْءٍ مِنَ الزِّيَادَةِ).
وهو أيضًا عند أحمد، فإنَّ الإمامين الشافعيَّ وأحمد مذهبهم متقارب جدًّا في أصول كتاب الغصب، وإن وُجد خلاف ففي الجزئيات.
قوله: (وَهُنَا انْقَضَى هَذَا الْكِتَابُ).
أي: كتاب الغصب.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 8560
كِتَابُ الاِسْتِحْقَاقِ (١)
" الاستحقاق" (٢): هو إضافة الشيء إلى غير من هو بيده؛ لكونه يستحق ذلك الشيء.
مثال ذلك:
اشتريت دارًا من إنسان وإذا بهذه الدار مملوكة لغيره، فأنت لا تعتبر معتديًا ولا غاصبًا؛ لأنك اشتريتها بمحض حقك، لكن لو علمت بأن هذه الدار مغصوبة أو أن هذا الثوب مسروقًا، أو غير ذلك فأنت قد شاركته في الإثم فبذلك تكسب الإثم كما كسب هو الإثم، لكن ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فإذا اشتريت شيئًا لا تعلم أنه مغصوب أو مسروق، ثم تبيَّن لك ذلك
стр. 8561
فحينئذٍ لا إثم عليك، لكن ما الحكم في هذا الشيء بعد التبيُّن؟
خالف المؤلف في هذا الكتاب منهجه الذي مضى عليه كليًّا فلم يعرض إلا مذهب المالكية وسكت عن الأئمة الثلاثة.
ومع ذلك أقول: من حذاقة المؤلف ودقة فهمه أشار إلى عبارتين في آخر الكتاب، أعطانا تصورًا عن مذاهب الأئمة؛ لأنه وخاصة في مذهب الإمامين الشافعي وأحمد أعطانا ما يشير إليهما، والمؤلف هنا لم يقف على خلافات موزعة متشعبة كالحال في بعض المسائل وإنما هي قليلة ووقف على الخلاف في المذهب ولعله لم يجد من أفرده بكتاب مستقل إلا المالكية وابن حزم في كتابه: "المحلَّى"، فقد عنون له ب "كتاب الاستحقاق والغصب" (١)، ولكن عندما تأتي إلى المذاهب الأخرى تجد كما قلت لكم أنه موزع بين تلك الكتب.
قوله: (وَجُلُّ النَّظَرِ فِي هَذَا الْكِتَابِ هُوَ فِي أَحْكَامِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَتَحْصِيلُ أُصُولِ أحكام هَذَا الْكِتَابِ: أَنَّ الشَّيْءَ الْمُسْتَحَقَّ مِنْ يَدِ إِنْسَانٍ بِمَا تَثْبُتُ بِهِ الْأَشْيَاءُ فِي الشَّرْعِ لِمُسْتَحِقِّهَا).
ما هي الأشياء التي تثبت بها شرعًا؟
الرسول ﷺ يقول: "لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى أناس دماء رجال وأموالهم" (٢)، ثم انظر كيف وضع الرسول ﷺ القاعدة: "ولكن البيِّنة على المدعي واليمين على من أنكر" (٣)، فربما يأتي إنسان ويقول: هذا
стр. 8562
بيتي، وربما يأتي ببعض شهود الزور، ولكن بحمد الله أصبحت الأمور الآن مثبتة وصار هناك الصكوك والسندات، فأصبحت هذه الأمور صعبة إلا أنه في بعض الأمور اليسيرة، لكن قد يأتي إنسان فيقول: هذا بيتي، فبماذا تثبت الدعوى شرعًا؟
إما بالإقرار وإما بالبينة؛ كما قال الرسول ﷺ : "البيِّنة أو حدّ في ظهرك" (١)، فلا بد أن تكون هناك بينة، والبينة تكون بالشهادة.
قوله: (إِذَا صَارَ إِلَى ذَلِكَ الْإِنْسَانِ الَّذِي اسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ الشَّيْءُ الْمُسْتَحَقُّ بِشِرَاءٍ، أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَسْتَحِقَّ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ أَقَلَّهُ أو كُلَّهُ أو جُلَّهُ).
فهو قد يصل إليه عن طريق الشراء، أو عن طريق الهِبة، أو عن طريق الميراث، أو عن طريق العطية، أو عن طريق الصدقة، كإنسان يسرق مالَ إنسان ويتصدق منه، ويقول: ربما يكفِّر الله عني، ويتصور أنه بهذا العمل يكفَّر عنه.
قوله: (ثُمَّ إِذَا اسْتُحِقَّ مِنْهُ كُلُّهُ أو جُلُّهُ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَدْ تَغَيَّرَ عِنْدَ الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ بِزِيَادَةٍ أو نُقْصَانٍ، أو يَكُونَ لَمْ يَتَغَيَّرْ) (٢).
هذا الذي استُحِقَّ ربَّما بقي على حاله، وهذه المسألة ليس فيها خلاف عند العلماء.
مثالها: إنسان اشترى دارًا فتملكها ثم ظهر مستحقٌّ لها والدار لم تتغير ولم تتهدم ولم يُضف إليها بناءً جديدًا، فتردُّ إلى صاحبها ويرجع على الذي غرر به، لكن ربما تزداد هذه السلعة، وهذه الزيادة قد تكون زيادة من الله -لا دخل فيها لأحد-، صغيرًا يكبر أو حيوانًا يسمن، وربما تكون من الإنسان؛ كأن يشتري دارًا مثلًا بخمسين ألفًا ثم يضيف إليها بناءً بخمسة وعشرين ألفًا، ففي هذه الحالة يرجع إليه، فهل يأخذ القيمة أو هل يشترك معه كلًا بقدره؟ وإن قلنا بالاشتراك فهذا يأخذ خمسون وذاك له خمسة وعشرون، وهذا ما سيشير إليه المؤلف.
قوله: (ثُمَّ لَا يَخْلُو أيضًا أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحَقُّ مِنْهُ قَدِ اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ أو مَثْمُونٍ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ اسْتُحِقَّ مِنْهُ أَقَلُّهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَرْجِعُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِقِيمَةِ مَا اسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالْجملةِ).
لأنه كان قليلًا؛ لأن حقَّه في هذه الدار أو في هذه السلعة قليل فهو
стр. 8565
لا يمثل أكثرها، وإنما الأكثر هو ملك لمن باع وأصبح ملكًا للمشتري فالقليل عندهم لا يؤثر على الكثير فيردُّ، لكن عند الجمهور يرون ردَّه؛ لأن البيع لم يكن مستحقًّا، إذ بيع دون أن يوافق أحد الشريكين (١).
قوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ اسْتُحِقَّ كُلُّهُ أو جُلُّهُ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَغَيَّرْ، أَخَذَهُ الْمُسْتَحِقُّ وَرَجَعَ الْمُسْتَحَقُّ مِنْ يَدِهِ عَلَى الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِثَمَنِ مَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ) (٢).
стр. 8566
وهذا متفقٌ عليه من العلماء، يعني: كأن اشتراه بنقد وربما اشتراه بعوض؛ كأن يبيع دارًا بدار، أو يبيع ثوبًا بثوب، أو يبيع بُرًّا ببر، ولكن يشترط في ذلك الحذر من الوقوع في الربا.
قوله: (وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِالْمَثْمُونِ رَجَعَ بِالْمَثْمُونِ بِعَيْنِهِ إِنْ كَانَ لَمْ يَتَغَيَّرْ).
المثمون الذي عرض دارًا بدار، أو ثوبًا بثوب، أو سلعة بسلعة أو غير ذلك.
стр. 8567
قوله: (فَإِنْ تَغَيَّرَ تَغَيُّرًا يُوجِبُ اخْتِلَافَ قِيمَتِهِ رَجَعَ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الشِّرَاءِ).
ومن العلماء من يرى أنه يرجع بالمثل (١).
قوله: (وَإِنْ كَانَ الْمَالُ الْمُسْتَحَقُّ قَدْ بِيعَ؛ فَإِنَّ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُمْضِيَ الْبَيْعَ وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ أو يَأْخُذَهُ بِعَيْنِهِ، فَهَذَا حُكْمُ الْمُسْتَحِقِّ مِنْ يَدِهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرِ الشَّيْءُ الْمُسْتَحَقُّ. فَإِنْ تَغَيَّرَ الشَّيْءُ الْمُسْتَحَقُّ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَتَغَيَّرَ بِزِيَادَةٍ أو نُقْصَانٍ) (٢).
كما هو الحال بالنسبة للغصب، وقد يزداد زيادة متصلة كجارية تسمن، أو دابة تسمن وربما يتأثر بالنقص أيضًا بأن يمرض أو يضعف الخادم أو نحو ذلك.
قوله: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ تَغَيُّرٌ بِزِيَادَةٍ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَتَغَيَّرَ بِزِيَادَةٍ مِنْ قِبَلِ الَّذِي اسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ الشَّيْءُ، أو بِزِيَادَةٍ مِنْ ذَاتِ الشَّيْءِ، فَأَمَّا الزِّيَادَةُ مِنْ ذَاتِ الشَّيْءِ فَيَأْخُذُهَا الْمُسْتَحِقُّ، مِثْلَ أَنْ تَسْمَنَ الْجَارِيَةُ أو يَكْبَرَ الْغُلَامُ) (٣).
كإنسان اشترى جارية من إنسان لا يملكها والمشتري يظن أنها ملك له ثم تبيَّن أنها غير مملوكة فيأتي المستحق فيأخذها وقد سمنت هذه الجارية أو كبرت أو كذلك الدابة يأخذها على حالها؛ لأن هذا بدون سبب منه.
قوله: (وَأَمَّا الزِّيَادَةُ مِنْ قِبَلِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ، فَمِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ الدَّارَ فَبَنَى فِيهَا فَتُسْتَحَقُّ مِنْ يَدِهِ).
مثال ذلك: اشترى دارًا فأضاف إليها بناءً كأن تكون من طابق واحد فأضاف إليها دورًا آخر، أو أقام فيها مباني أو حسَّنها أو أضاف إليها إضافات فزادت من قيمتها، وكانت تساوي ثلاثين ألفًا ثم أصبحت تساوي أربعين، إذًا فقد زاد فيها الربع وربما يزيد فيها الثلث وربما يزيد النصف وربما أكثر.
قوله: (فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُدْفَعَ قِيمَةُ الزِّيَادَةِ وَيَأْخُذَ مَا اسْتَحَقَّهُ وَبَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ يَدِهِ قِيمَةَ مَا اسْتَحَقَّ أو يَكُونَا شَرِيكَيْنِ) (١).
هو مخير في ذلك إما أن يعطيه القيمة، أعني: قيمة الدار ويذهب، وإما أن يعطي هذا ذاك قيمة الزيادة أي: التكلفة التي كلفها في الإضافات على هذه الدار ويأخذ الدار، وإما أن يكونا شريكين كُلًّا بحسب حصته.
قوله: (هَذَا بِقَدْرِ قِيمَةِ مَا اسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ، وَهَذَا بِقَدْرِ قِيمَةِ مَا بَنَى أو غَرَسَ، وَهُوَ قَضَاءُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (٢)).
يعني: هذا أُثر عن عمر بن الخطاب ﵁، وكما هو ظاهر فيه عدل.
стр. 8570
قوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ وِلَادَةً مِنْ قِبَلِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ).
هذه حقيقة هي التي فيها نقاش وكلام للعلماء إن كانت هنا ولادة، يعني: اشترى إنسان جارية يظن أنها ملك للبائع ثم تبينت أنها ليست ملكًا له، ومن الصور أيضًا أن يتزوج إنسان أمةً على أنها حرة ثم تبين أنها أمة، جارية خرجت من يد مولاها فلحقت بقوم بحي من العرب فتزوجت رجلًا على أنها حرة فجاء أولاد ثم بعد ذلك يظهر عليها سيدها وهذه واقعة حصلت.
قوله: (مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ أَمَةً فَيُولِدَهَا ثُمَّ تُسْتَحَقَّ مِنْهُ أو يُزَوِّجَهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَتَخْرُجَ أَمَةٌ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَعْيَانَ الْوَلَدِ) (١).
حصل هذا في قصة رجل باع جارية لوالده فتزوجها رجل يعني: تسراها فجاءت بأولاد، ثم إن الأب خاصمه عند عمر فأمره بأن يرد الجارية والولد، فقال: أولادي، فقال: دع أولادها (١)، والمسألة فيها خلاف أيضًا.
стр. 8573
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي أَخْذِ قِيمَتِهِمْ).
اختلف العلماء في مثل هذه الحالة؛ فمن العلماء من قال: المالك الحقيقي الذي استحقَّ هذه الجارية والتي اشتراها إنسان ظان أنها ملك للبائع إذا ظهر مستحقها، قالوا: يأخذها ويأخذ قيمة الولد، وبعضهم قال: يأخذ الجارية ولا يأخذ عن الولد شيئًا لا قيمة ولا غيرها، وبعضهم قال: يأخذ قيمة الجارية وقيمة الولد ويبقيان عند المستحق.
هذه هي خلافات موجودة في المذاهب الأخرى، لم يشر إليها المؤلف (١).
قوله: (وَأَمَّا الْأُمُّ فَقِيلَ: يَأْخُذُهَا بِعَيْنِهَا).
إذًا هو أشار إلى واحد من هذه الخلافات.
قوله: (وَقِيلَ يَأْخُذُ قِيمَتَهَا. وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْوَلَدُ بِنِكَاحٍ فَاسْتُحِقَّتْ بِعُبُودِيَّةٍ).
يعني: تزوجها على أنها حرة، ثم تبيَّن أنها أَمَة فما الحكم هنا؟
قوله: (فَلَا خِلَافَ أَنَّ لِسَيِّدِهَا أَنْ يَأْخُذَهَا وَيَرْجِعَ الزَّوْجُ بِالصَّدَاقِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، وَإِذَا أَلْزَمْنَاهُ قِيمَةَ الْوَلَدِ لَمْ يَرْجِعْ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ غَرَّهُ؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْوَلَدِ (٢)، وَأَمَّا غَلَّةُ الشَّيْءِ الْمُسْتَحَقِّ).
كأن يكون بستانًا له ثمر، فما حكم الغلة هنا؟ هل تعامل معاملة الغصب أو أنها تختلف عنه؟
هو ضامن بشبهة ملك؛ لأنه أصلًا اشترى هذا البستان أو هذه المزرعة ظنًّا منه أنها ملك للبائع فلو تلفت في تلك الحال فالضمان عليه، وقد قال الرسول ﷺ : "الخراج بالضمان" (١)، ومعنى الخراج: الغلة والنماء.
قوله: (وَأَعْنِي بِالضَّمَان: أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ خَسَارَتِهِ إِذَا هَلَكَتْ عِنْدَهُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ غَيْرَ ضَامِنٍ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا، فَيَطْرَأَ عَلَيْهِ وَارِثٌ آخَرُ فَيَسْتَحِقَّ بَعْضَ مَا فِي يَدِهِ؛ فَإِنَّهُ يَرُدُّ الْغَلَّةَ).
هنا ليس ضامنًا؛ لأنه وارث ورث جملة من الحيوانات نصيبه من الميراث، ثم بعد ذلك تبيَّن وارث ينازعه في ذلك، وهذا يحصل وخصوصًا في الأزمنة السابقة، فإنك ترى رجلًا يتزوج وينجب أولادًا، ثم يسافر وتنقطع أخباره، وربما تزوج وسافر قبل أن يكون له ولد تم جاءه أولاد ولا يدري، فتقسم تركته التي كانت في ذلك المكان، ثم يظهر أولاده فيكونوا مستحقون، وقد يكون هذا الذي ظهر يحجب الآخر، وربما يشاركه في ذلك، وهنا يقول المؤلف: لا ضمان في هذه الحالة (٢).
هناك دعوى، والمدَّعى عليه قد يوقع به ثم بعد ذلك قد يظهر الحكم، ثم التنفيذ، فمن أيِّها يُبدأ، هل من وقت منعه من التصرف في هذا الملك أو من حين صدور الحكم عليه بأن الملك مستحق للآخر الذي ادعاه أو من الوقت الذي نفذ فيه الحكم؟
قوله: (وَقِيلَ مِنْ يَوْمِ ثُبُوتِ الْحَقِّ، وَقِيلَ مِنْ يَوْمِ تَوْقِيفِهِ (١)).
стр. 8579
وهذا يظهر له فائدة؛ لأنه ربما تكون دارٌ تؤجر ولو طبق من حين أن يوقف ربما يدرك الأجرة فيأخذها وكذلك تمرُّ المزرعة، لكن ربما لو كان من وقت الحكم فيكون قد خرجت تلك الثمرة واستفاد منها المستحق منه وذهبت له، فالنتيجة تختلف.
قوله: (وَإِذَا قُلْنَا إِنَّ الْغَلَّةَ تَجِبُ لِلْمُسْتَحِقِّ فِي أَحَدِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ، فَإِذَا كَانَتْ أُصُولًا فِيهَا ثَمَرَة، فَأَدْرَكَ هَذَا الْوَقْتَ الثَّمَرُ وَلَمْ يُقْطَفْ بَعْدَهُ، فَقِيلَ: إِنَّهَا لِلْمُسْتَحِقِّ مَا لَمْ تَيْبَسْ).
تقطف؛ أي: تُقطع (١)، وتيبس؛ أي: تكون جُذاذًا، أو من وقت القطع قطع الجذاذ.
قوله: (وَقِيلَ: مَا لَمْ يَطِبْ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا سَقَى وَعَالَجَ الْمُسْتَحَقَّ مِنْ يَدَيْهِ).
لأن هذا الذي قام عليه سقاها وأيضًا يعالجها بالإصلاح والتأبير وغير ذلك.
قوله: (وَهَذَا إِنْ كَانَ اشْتَرَى الْأُصُولَ قَبْلَ الْإِبَّارِ).
والإبَّار الذي يعرف بالتلقيح (٢)، يعني: تلقيح النخل يؤخذ من الذكر فتلقح الأنثى.
стр. 8580
قوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا بَعْدَ الْإِبَّارِ فَالثَّمَرَةُ لِلْمُسْتَحِقِّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إِنْ جُذَّتْ).
وهذا هو رأي الأكثر أيضًا (١).
قوله: (وَبَرْجِعُ بِالسَّقْيِ وَالْعِلَاجِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: هِيَ لِلْمُسْتَحِقِّ مَا لَمْ تُجَذَّ. وَالْأَرْضُ إِذَا اسْتُحِقَّتْ، فَالْكِرَاءُ إِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْتَحِقِّ إِنْ وَقَعَ الِاسْتِحْقَاقُ فِي إِبَّانِ زَرِيعَةِ الْأَرْضِ. وَأَمَّا إِذَا خَرَجَ الْإِبَّانُ فَقَدْ وَجَبَ كِرَاءُ الْأَرْضِ لِلْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ تَغَيَّر بِنُقْصَانٍ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْ يَدَيْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُسْتَحَقِّ مِنْ يَدَيْهِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ أَخَذَ لَهُ ثَمَنًا مِثْلَ أَنْ يَهْدِمَ الدَّارَ فَيَبِيعَ نَقْضَهَا، ثُمَّ يَسْتَحِقَّهَا مِنْ يَدِهِ رَجُلٌ آخَر).
يعني: يبيع الأنقاض ثم يستحقها آخر، فإن ذلك يرجع عليه بما أخذ من هذا النقيض الذي هو نقض الدار (٢).
قوله: (فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِثَمَنِ مَا بَاعَ مِنَ النَّقْضِ. قَالَ الْقَاضِي).
أي: ابن رشد ﵀.
قوله: (وَلَمْ أَجِدْ فِي هَذَا الْبَابِ خِلَافًا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِيمَا نَقَلْتُهُ فِيهِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ).
يقول: بأن هذه المسائل المتعلقة بالاستحقاق لم يقف على خلاف يُعتمد عليه، أي: خلاف له أدلة وله حجج ونحو ذلك، وسبب ذلك أن بعض العلماء يتبعه بكتاب الغصب، وبعضهم يجعله مفرَّقًا لأبواب عدة.