هناك دعوى، والمدَّعى عليه قد يوقع به ثم بعد ذلك قد يظهر الحكم، ثم التنفيذ، فمن أيِّها يُبدأ، هل من وقت منعه من التصرف في هذا الملك أو من حين صدور الحكم عليه بأن الملك مستحق للآخر الذي ادعاه أو من الوقت الذي نفذ فيه الحكم؟
قوله: (وَقِيلَ مِنْ يَوْمِ ثُبُوتِ الْحَقِّ، وَقِيلَ مِنْ يَوْمِ تَوْقِيفِهِ (١)).
стр. 8579
وهذا يظهر له فائدة؛ لأنه ربما تكون دارٌ تؤجر ولو طبق من حين أن يوقف ربما يدرك الأجرة فيأخذها وكذلك تمرُّ المزرعة، لكن ربما لو كان من وقت الحكم فيكون قد خرجت تلك الثمرة واستفاد منها المستحق منه وذهبت له، فالنتيجة تختلف.
قوله: (وَإِذَا قُلْنَا إِنَّ الْغَلَّةَ تَجِبُ لِلْمُسْتَحِقِّ فِي أَحَدِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ، فَإِذَا كَانَتْ أُصُولًا فِيهَا ثَمَرَة، فَأَدْرَكَ هَذَا الْوَقْتَ الثَّمَرُ وَلَمْ يُقْطَفْ بَعْدَهُ، فَقِيلَ: إِنَّهَا لِلْمُسْتَحِقِّ مَا لَمْ تَيْبَسْ).
تقطف؛ أي: تُقطع (١)، وتيبس؛ أي: تكون جُذاذًا، أو من وقت القطع قطع الجذاذ.
قوله: (وَقِيلَ: مَا لَمْ يَطِبْ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا سَقَى وَعَالَجَ الْمُسْتَحَقَّ مِنْ يَدَيْهِ).
لأن هذا الذي قام عليه سقاها وأيضًا يعالجها بالإصلاح والتأبير وغير ذلك.
قوله: (وَهَذَا إِنْ كَانَ اشْتَرَى الْأُصُولَ قَبْلَ الْإِبَّارِ).
والإبَّار الذي يعرف بالتلقيح (٢)، يعني: تلقيح النخل يؤخذ من الذكر فتلقح الأنثى.
стр. 8580
قوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا بَعْدَ الْإِبَّارِ فَالثَّمَرَةُ لِلْمُسْتَحِقِّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إِنْ جُذَّتْ).
وهذا هو رأي الأكثر أيضًا (١).
قوله: (وَبَرْجِعُ بِالسَّقْيِ وَالْعِلَاجِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: هِيَ لِلْمُسْتَحِقِّ مَا لَمْ تُجَذَّ. وَالْأَرْضُ إِذَا اسْتُحِقَّتْ، فَالْكِرَاءُ إِنَّمَا هُوَ لِلْمُسْتَحِقِّ إِنْ وَقَعَ الِاسْتِحْقَاقُ فِي إِبَّانِ زَرِيعَةِ الْأَرْضِ. وَأَمَّا إِذَا خَرَجَ الْإِبَّانُ فَقَدْ وَجَبَ كِرَاءُ الْأَرْضِ لِلْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ تَغَيَّر بِنُقْصَانٍ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْ يَدَيْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُسْتَحَقِّ مِنْ يَدَيْهِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ أَخَذَ لَهُ ثَمَنًا مِثْلَ أَنْ يَهْدِمَ الدَّارَ فَيَبِيعَ نَقْضَهَا، ثُمَّ يَسْتَحِقَّهَا مِنْ يَدِهِ رَجُلٌ آخَر).
يعني: يبيع الأنقاض ثم يستحقها آخر، فإن ذلك يرجع عليه بما أخذ من هذا النقيض الذي هو نقض الدار (٢).
قوله: (فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِثَمَنِ مَا بَاعَ مِنَ النَّقْضِ. قَالَ الْقَاضِي).
أي: ابن رشد ﵀.
قوله: (وَلَمْ أَجِدْ فِي هَذَا الْبَابِ خِلَافًا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِيمَا نَقَلْتُهُ فِيهِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ).
يقول: بأن هذه المسائل المتعلقة بالاستحقاق لم يقف على خلاف يُعتمد عليه، أي: خلاف له أدلة وله حجج ونحو ذلك، وسبب ذلك أن بعض العلماء يتبعه بكتاب الغصب، وبعضهم يجعله مفرَّقًا لأبواب عدة.
стр. 8581
قوله: (وَهِيَ أُصُولُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ، وَلَكِنْ يَجِيءُ عَلَى أُصُولِ الْغَيْرِ).
يقصد بذلك الأئمة الذين أشرت إليهم، وقد ذكرنا رأيهم وطريقتهم، وخاصة فيما يتعلق بعروض التجارة إذا كان عرضًا، فإن كان موجودًا أخذ، وإن كان قد تلف أخذ مثله، وكذلك الحال بالنسبة للدراهم والدنانير والمكيل والموزون، وكل ذلك عرفناه في كتاب الغصب (١).
قوله: (وَلَكِنْ يَجِيءُ عَلَى أُصُولِ الْغَيْرِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُسْتَحَقُّ مُشْتَرًى بِعَرَضٍ، وَكانَ الْعَرَضُ قَدْ ذَهَبَ أَنْ يَرْجِعَ الْمُسْتَحَقُّ مِنْ يَدِهِ بِعَرَضٍ مِثْلِهِ لَا بِقِيمَتِهِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَرَوْنَ فِي جَمِيعِ الْمُتْلَفَاتِ الْمِثْلَ).
وهم الشافعية والحنابلة؛ كما مرَّ، والمالكية يوافقونهم ببعض المواضع (٢).
قوله: (وَكَذَلِكَ يَجِيءُ عَلَى أُصُولِ الْغَيْرِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُشْتَرِي إِذَا اسْتُحِقَّ مِنْهُ قَلِيلٌ أو كَثِيرٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى الْبَاقِي، وَلَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ بَيْعٌ، وَلَا وَقْعَ بِهِ تَرَاضٍ، كَمُلَ كِتَابُ الِاسْتِحْقَاقِ بِحَمْدِ اللَّهِ).
وهذه نقطة الخلاف الأخرى، لذلك في مقدمة هذا الباب فرَّق بين القليل وبين الكثير وبين الكل، فالقليل جعل له حكمين، أما الشافعية والحنابلة فلا يرون فرقًا ما دام أن له جزءًا من هذا الملك فله الحق أن يعاد الملك كما كان (٣).
стр. 8582
[كِتَابُ الْهِبَاتِ]
هناك الهبة، والهدية، والعطية، والصدقة، والذي يُعنوَن به عند كافة الفقهاء وفي كتب الحديث وغيرها هو لفظ الهبة (١).
والهبة لغة: من وَهَبَ يَهِبُ هِبَةً، وأصل فعلها: وَهَبَ يُوهِب، وهذا مما تدخله العلل الصرفية؛ مثل: وَعَدَ يَعِدُ فتقول: ميعاد، وكذلك هنا هبة (٢).
واصطلاحًا: تمليكُ عَين بعقْدٍ على غير عِوَضٍ مَعلومٍ في الحياة (٣).
ومعلوم بأن البيع هو مبادلة مال بمال، البائع يدفع سلعة، يدفع مثمَّنًا، والمشتري يدفع ثمنًا، وكذلك الإجارة تستأجر دارًا فتدفع ثمن الأُجرة، لكنَّ الهبة ليس فيها شيء من ذلك، إنسان وَهب آخر شيئًا، ولا شكَّ أنه جاء الحض على ذلك عن رسول الله ﷺ فقال ﷺ : "يا نساء
стр. 8583
المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة" (١).
و"فرسن الشاة" هو (٢): عَظْم صغير عليه جزء قليل من اللحم، أي: لا تحتقر أن تهدي إلى جارتها شيئًا حتى وإن كانت تراه شيئًا يسيرًا، وكذلك ينبغي للمُهدى إليه أن لا يحتقر الهدية (٣)، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "تهادوا تحابوا" (٤)؛ لأن في الهدية تقريبًا للنفوس، وتقوية للمحبة والمودة بين الناس، وهي لا تختص بأن تكون من الغني إلى الفقير أو من الأكثر مالًا، فهي وإن كانت من الفقير إلى الغنيِّ تجد نفس الغنيِّ تنشرح لذلك وتطمئن، فهي تَبُثُّ الوُدَّ والمحبة بين المؤمنين، وَتُقوِّي الصلة، وتُعمِّق الروابط بينهم، ولقد أَهدى رسول الله ﷺ وأُهدي إليه أيضًا، ولذلك صحَّ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت ولو أهدي إليّ ذراع أو كراع لقبلت" (٥).
فذراع الضأن كان من أحبِّ اللحم إلى رسول الله ﷺ ، أما الكراع فلا فائدة فيه ومع ذلك قال رسول الله ﷺ : "لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت "، وهذا يدلُّ على تواضعه ﷺ ، وأنه يُبادر إلى إجابة دعوة أخيه المسلم، وأنه يقصد بذلك تطييب المؤمن وبثِّ الراحة في نفسه، وفيه إشارة إلى ما كان عليه رسول الله ﷺ من كرم الخلق، من التواضع، والرضا بالقليل، والحلم، والبعد عن كل ما يتعلق بشئون هذه الحياة، وأنه
стр. 8584
لا يبالي بالأمور الكبيرة (١).
فالرسول ﷺ يُبيِّن أنَّ الهدية أو الهبة لا يُشترط فيها أن تكون عظيمة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَالنَّظَرُ فِي الْهِبَةِ: فِي أَرْكَانِهَا، وَفِي شُرُوطِهَا، وَفِي أَنْوَاعِهَا، وَفِي أَحْكَامِهَا. وَنَحْنُ إِنَّمَا نَذْكُرُ مِنْ هَذِه الْأَجْنَاسِ مَا فِيهَا مِنَ الْمَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ، فَنَقُولُ: أَمَّا الْأَرْكَانُ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ: الْوَاهِبُ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ، وَالْهِبَةُ).
"الركن ": هو الأساس الذي يقوم عليه الشيء، فأيُّ بناء لا بد أن يقوم على أساس.
وأركان الهبة ثلاثة:
وَاهِبٌ وهو الشخص الذي يُقدِّم الهبة ويدفعها.
ومَوهُوبٌ لَه وهو الذي تُقدَّم له الهبة.
والركن الثالث: الشيء المُهدى (٢).
قوله: (أَمَّا الْوَاهِبُ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ تَجُوزُ هِبَتُهُ إِذَا كَانَ مَالِكًا لِلْمَوْهُوبِ صَحِيحَ الْمِلْكِ) (٣).
стр. 8585
يعني: أن يَهب ما يملك، أما أن يهب ما لا يملك فهذا لا يصحُّ؛ لأنَّه يكون متعديًا، وهذا يدخل في باب الغصب، فليس من حقِّه؛ كأن يدخل إلى بُستان فيأخذ من ثمره ثم يُهديه للغير.
стр. 8586
قوله: (وَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، وَحَالِ إِطْلَاقِ الْيَدِ).
حَالُ الصحة فلا يكونُ مريضًا، وإن كان مريضًا فهل للمريض أن يَهب؟ وإن قلنا: إنه يهب، فهل فهل الهبة تعامل معاملة الوصية؟
قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي حَالِ الْمَرَضِ، وَفِي حَالِ السَّفَهِ وَالْفَلَسِ. أَمَّا الْمَرِيضُ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّهَا فِي ثُلُثِهِ تَشْبِيهًا بِالْوَصِيَّةِ (١)).
стр. 8587
قاسوا الهبة على الوصية؛ فالمريض ليس له أن يَهبَ أكثر من الثلث قياسًا على الوصية، فليس هناك نصٌّ في أنَّ الهبة تُقيَّد بالثلث، ولكنَّهم قاسوها على الوصيَّة.
قوله: (أَعْنِي: الْهِبَةَ التَّامَّةَ بِشُرُوطِهَا).
أن يَكونَ جَائز التصرف فلا يكونُ صغيرًا، ولا يكون مجنونًا، ولا يكون محجورًا عليه لحظ نفسه (١)، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]. ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، أي: غير المكلف ليس له أن يَهب حتى وإن وافق وليُّ أمره، فليس لوليِّ الصبي أن يُوافق على أن يتبرع بماله؛ لأنه محجور عليه لحظ نفسه، ومثله تمامًا المحجور عليه لسفهٍ؛ أي: لعدم الرشد في التصرف في المال، وإن كان كبيرًا، وكذلك الذي يُحجَر عليه لفلس، وإن كان إنسانٌ أفلس فيُحجر عليه، فليس له أن يُهدي أمواله أو بعضًا منها؛ لأنها تعلَّقت بها حقوقُ الآخرين (٢).
قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الظَّاهِرِ (١): إِنَّ هِبَتَهُ تُخْرَجُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إِذَا مَاتَ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ إِذَا صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ أَنَّ الْهِبَةَ صَحِيحَةٌ).
أي: إذا صَحَّ من مَرَضه وعاد إلى صِحَّتِه يكونُ تَصَرُّفه صحيحًا، أمَّا أهل الظاهر فخالفوا في ذلك؛ لأنهم لا يرون القياس.
قوله: (وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵊: "فِي الَّذِي أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَعْتَقَ ثُلُتَهُمْ، وَأَرَقَّ الْبَاقِي" (٢)).
يعني: أنَّهم ستةٌ فأعتق اثنين وأرقَّ الباقي؛ لأنه ليس له مالٌ إلا هذا، فكأنَّه أوصى بذلك.
стр. 8590
قوله: (وَعُمْدَةُ أَهْلِ الظَّاهِرِ: اسْتِصْحَابُ الْحَالِ).
أهلُ الظاهر يقولون: ألستم قد أجمعتم على أنَّه يجوز للإنسان أن يَتبرَّع ولو بجميع ماله في حياته، فقالوا: ما الفرق بين المريض وبين الصحيح؟ هذا هو استصحاب الحال (١).
قوله: (أَعْنِي: حَالَ الْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ هِبَتِهِ فِي الصحَّةِ وَجَبَ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ فِي الْمَرَضِ إِلَّا أَنْ يَدُلَّ الدلِيل مِنْ كِتَابٍ أو سُنَّةٍ بَيِّنَةٍ، وَالْحَدِيثُ عِنْدَهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ) (٢).
يعني: حديثَ الستة الذين دبَّرهم فإنَّهم قالوا: هذا خاصّ بالوصية.
قوله: (وَالْأَمْرَاضُ الَّتِي يُحْجَرُ فِيهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ هِيَ الْأَمْرَاضُ الْمَخُوفَةُ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ الْحَالَاتُ الْمَخُوفَةُ (٣)).
стр. 8591
الأمراض المخوفة: هي التي يُخشى فيها الهلاك.
قوله: (مِثْلُ الْكَوْن بَيْنَ الصَّفَّيْنِ).
يعني: كونَ الإنسان بين صَفَّي القتال.
стр. 8592
قوله: (وَقُرْبِ الْحَامِلِ مِنَ الْوَضْعِ).
حيثُ إنَّها قد تموت أثناء الوضع.
قوله: (وَرَاكِبِ الْبَحْرِ الْمُرْتَجِّ).
الذي تتلاطم أمواجُه؛ كما قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]، فهو مُعرَّضٌ للغرق ثم الهلاك.
قوله: (وَفِيهِ اخْتِلَافٌ (١). وَأَمَّا الْأَمراضُ الْمُزْمِنَةُ فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ فِيهَا تَحْجِيرٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي كِتَابِ الْحَجْرِ).
يُقصد بالأمراض المزمنة؛ كالإنسان الذي يُصيبه مرضٌ مُقعد، كأن يكونَ مَشلولًا مثلًا.
قوله: (وَأَمَّا السُّفَهَاءُ وَالْمُفْلِسُونَ فَلَا خِلَافَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْحَجْرِ عَلَيْهِمْ أَنَّ هِبْتَهُمْ غَيْرُ مَاضِيَةٍ (٢)).
الذين يقولون بالحَجْر عليهم هم الأئمة، وقد جاء التنصيص عليه في كتاب الله : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
فهو غير رشيد، فلا يجوز له أن يتصرَّف حتى وإن أقرَّه وليُّه على ذلك، وكذلك الحال بالنسبة للسفيه لأنه مُبذِّر ومُضيِّعٌ لأمواله.
قوله: (وَأَمَّا الْمَوْهُوبُ فَكُلُّ شَيْء صَحَّ مِلْكُهُ).
كل شيء يثبت ملكه للإنسان الموهِب، فكلُّ ما تملكه ملكًا صحيحًا
يجوز للإنسان أن يَهَب جميع أمواله لجمعية خيرية أو لمجموعة من الناس كما له أن يُوقِف ماله، وله أن يتبرع ببعضه، وله أن يهبه لشخص واحد غير من سيرثه.
وهل له أن يهبه لمن يرثه ويترك الآخرين؟ أو أن يزيد بعضَ الورثة على بعض، في هذا خلاف مشهور بين العلماء.
مثال ذلك: رجلٌ عنده ولدان، ففضَّل أحدهما على الآخر، فهل يجوز له ذلك؟
الرسول ﷺ يقول: "اتقوا اللَّهَ واعدلوا بين أولادكم" (١)، ولما جاء
стр. 8597
الرجل ليُشهده قال: "لا أشهد على جور" (١)، وقال: "سووا بين أولادكم" (٢)، وقال: "اعدلوا بين أولادكم" (٣)، وجمهور العلماء يرون أن ذلك مكروه لكنَّه جائز، وبعضهم يرى أن ذلك لا يجوز (٤)، والذين قالوا بعدم الجواز عللوا بعدة أدلة، منها: أنَّ الله قد حَثَّ على صلة الرحم وحذَّر من قطيعتها، قال سبحانه: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [محمد: ٢٢]. وكذلك نهى رسول الله ﷺ عن العقوق (٥)، فلا يجوز للإنسان أن يَعق وحثَّ على البر، وبيَّن مدى مكانة الوالدين، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦].
واستدلُّوا كذلك: بأنَّ ما كان وسيلة إلى واجبٍ فهو واجبٌ، وما أدَّى إلى مُحرَّم فهو مُحرَّم، وأن تفضيل بعض الأولاد على بعض قد يؤدي إلى قطيعة الرَّحم فيفرُّ بعضهم من بعض، وقد يَقطع هذا الولد صلتَه بأبيه فيكونُ الأب قد تسبَّب في قطيعة رحمٍ؛ فيحصل العقوق، وهذا لا يجوز، فيجب أن يُسدَّ هذا الباب.
стр. 8598
والذين يجيزون ذلك: يستدلُّون بقصة أبي بكر عندما نَحَل؛ أي: وَهَب ابنته عائشة عشرين وسقًا من مزرعته في العالية (١)، والوسق يساوى ستون صاعًا (٢)، ثم أمرها أن تردَّها؛ لأنَّها لم تحُجَّ.
ووجه الدلالة هنا: أنه أعطاها ولم يُعط باقي الأولاد، وللفريق الآخر أجوبة على ذلك.
واستدلوا أيضًا بقصة عمر أنَّه أعطى ابنه عاصمًا (٣)، أي: وهبه ما لم يهبْ غيره.
ووجه الدلاله منه: أنَّ هذا قد ورد عن أبي بكر وعمر ﵄ ولا مخالف لهما من الصحابة.
وأجيب بأنَّ أبا بكرٍ ﵁ أعطاها لشدة الحاجة، والمحتاج مختلف عن غيره، أو أنَّه أعطاها لفضلها؛ لأنها أمُّ المؤمنين وزوج رسول الله ﷺ أو أنه ربما رتب أنَّ يُعطي بقية أولاده وإلى غير ذلك من الأسباب.
وأجابوا أيضًا على الاستدلال بفعل عمر ﵁.
стр. 8599
قوله: (أو فِي جَمِيعِ مَالِهِ لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ).
ومن العلماء من كان له مأخذٌ جيِّد في هذا المقام؛ كالإمام أحمد ﵀، فهو من الذين يرون عدم المفاضلة؛ أي: وجوب التسوية، لكنَّه يقول: إن وُجد عند إنسان ولدان أحدهما شابٌ فقير ذو عائلة أو مريض مرضًا مُقعدًا أو أن يكون أعمى، أو يكون فرَّغ نفسه لطلب العلم، فهذا بحاجة أن يُعطى أكثر إذا كان الآخرون في خير، ويعملون، ولديهم من الأموال ما يُغنيهم، فيُعطى هذا المحتاج، أو أن يكون هذا الولد شابًّا صالحًا تقيًّا ورعًا، والآخر فاسقًا، فربما أخذَ المال فأسرفه في معصية الله ، فيريد والده أنْ يُضْيِّق عليه؛ ليعود إلى الحقِّ، ويرجع إلى طريق الثواب، فيتوب وينيب إلى الله ، لا شكَّ أن هذا مَلحظٌ جيِّد، فإذا كان التمييز بين أثنين أحدهما صالحٌ والآخر طالح، أو أحدهما فقير والآخر غني، أحدهما مريض والآخر صحيح يستطيع أن يعمل فهذا يكون مبرِّرًا ومخرجًا.
قوله: (فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ بِكَرَاهِيَةِ ذَلِكَ لَهُ) (١).
وهم أبو حنيفة ومالك والشافعي، كل الأئمة والعلماء متفقون على أنه من المستحب أن يعدل؛ لأن العدل مطلوب في كلِّ أمر، فبالعدل قامت السماوات والأرض، والله أمرنا بالعدل؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
وقول رسول الله ﷺ : "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" (٢) وقال: "لا أشهد على جور، أو لا تُشهدني على جور" (٣).
стр. 8600
قوله: (وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ عِنْدَهُمْ جَازَ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (١): لَا يَجُوزُ التَّفْضِيلُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَهَبَ جَمِيعَ مَالِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ التَّفْضِيلُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَهَبَ بَعْضَهُمْ جَمِيعَ الْمَالِ دُونَ بَعْضٍ (٢)).
الإمام مالك ﵀ له مَلحظ، فهو يقول: تجوز المفاضلة، أما ما لا يجوز فهو أن يُعطي المال لأحدهم أو بعضهم ويترك الآخرين، ولكن أن يخصَّ بعضهم بمزايا فهذا لا بأس به.
وهل هناك فرق بين الذكور والإناث في مثل ذلك؟ فهل لو أراد أن يُعطي الأولاد وجب عليه أن يُسوي بين الذكور والبنات أم يُفرِّق بينهم كالميراث؟
أكتر العلماء على أن يُفرِّق (٣)، فيُعطي الذكرَ مثل حظ الأنثيين، وذهب فريق من العلماء إلى أنه يُسوِّي بينهم؛ كما جاء في حديث عبد الله بن عباس الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ والذي جاء في آخره: "ولو كنت مُفضِّلًا أحدًا على أحد لفضلت النساء" (٤)، وفي سياق حديثه ﵊ عن الهبة.
стр. 8601
قوله: (وَدَلِيلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ حَدِيثُ النُّعْمَان بْنِ بَشِيرٍ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اخْتُلِفَ فِي أَلْفَاظِهِ، وَالْحَدِيثُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَبَاهُ بَشِيرًا أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَارْتَجِعْهُ" (١)، وَاتَّفَق مَالِكٌ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ، قَالُوا: وَالِارْتجَاعُ يَقْتَضِي بُطْلَانَ الْهِبَةِ. وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ ﵊: "هَذَا جَوْرٌ" (٢)، وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَهَبَ فِي صِحَّتِهِ جَمِيعَ مَالِهِ لِلأجَانِبِ دُونَ أَوْلَادِهِ، فَإِن كَانَ ذَلِكَ لِلْأَجْنَبِيِّ، فَهُوَ لِلْوَلَدِ أَحْرَى).
هذا تعليلهم، والدِّينُ ليس بالرَّأي، يُعلِّلون بأنَّه يجوز للإنسان أن يهب جميع مالِه لأجنبي فكيف لا يهبه لولده.
لكننا لو نظرنا إلى النتائج نجد أنَّه لو خَصَّ بعض الأولاد دون بعض فإنَّ ذلك يؤدِّي إلى الضغينة في نفوسهم، فيحمل بعضهم على بعض، فيؤدي ذلك إلى قطيعة الرحم والتباعد فيما بينهم.
قوله: (وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ كَانَ نَحَلَ عَائِشَةَ جَذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِ الْغَابَةِ) (٣).
ولكنه عندما قربت وفاة أبي بكرٍ ﵁ كلَّم ابنته عائشة، فقال: "لو كنت قد احتزتيه فإنَّه لك فإنَّ لك أخواك وأختاك ".
стр. 8602
ووجه الدلالة: أنه أمرها بردِّها؛ لأنها ما قبضتها، قالوا: وفعل ذلك عمر ﵁ أيضًا عندما نحل ابنه عاصم؛ أي: وهبه دون غيره من الأولاد.
قوله: (فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ: وَاللَّهِ يَا بُنَيَّةُ، مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ، وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا فَلَوْ كُنْتِ جَذَذْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ).
"احتزتيه "؛ أي: أخذتيه لحوزتك وقبضتيه (١)، يقول الجمهور: فلو أنها قبضته لكانت قد استحقته، لكنها تركته دون قبض؛ ولذلك رجع أبو بكر ﵁ في ذلك وذكر لها أن لها أخوين وأختين.
قوله: (قَالُوا: وَذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمُرَادُ بِهِ النَّدْبُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: "أَلَسْتَ تُرِيدُ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ وَاللُّطْفِ سَوَاءً؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي" (٢).
أخذ الجمهور من هذا أنه يدلُّ على عدم الوجوب؛ لأنَّ الرسول ﷺ قال: تريد أن يكون لك في البر سواء، وأحوج ما يكون الأب إذا تقدَّمت به السِنُّ؛ لأنَّه يعود وكأنَّه صغير يحتاج إلى الخدمة والرعاية والعناية، فإذا كان قد عدل بين أولاده فسيكون أحرى أن يقوم الأولاد بذلك، ولا شكَّ أنَّ من الأولاد من لا يهتم بذلك، ويُدركُون مكانة الأب وقيمته وأنَّه ينبغي أن يَبر به، وإذا كانت صلته بأبيه المشرك لا تنقطع فكيف بأبيه المسلم حتى ولو جار في الهبة.
стр. 8603
قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ رأى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ أَنْ يَهَبَ الرَّجُلُ جَمِيعَ مَالِهِ لِوَاحِدٍ مِنْ وَلَلِإِ هُوَ أَحْرَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْوُجُوبِ، فَأَوْجَبَ عِنْدَهُ مَفْهُومُ هَذَا الْحَدِيثِ النَّهْيَ عَنْ أَنْ يَخُصَّ الرَّجُلُ بَعْضَ أَوْلَاد بِجَمِيعِ مَالِهِ).
لأنه ربَّما رأى الإمام مالك رحمه الله تعالى أن في ذلك إرادة والرسول ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار" (١)؛ لأنه بلا شك فرق بين إنسان يمنح بعض ماله لولده، وبين آخر يهب جميع المال فإذا تُوفي لا يجد الأولاد شيئًا، وإنما تحول وانتقل إلى واحد منهم أو إلى بعضهم.
قوله: (فَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلَفْظِ النَّهْيِ الْوَارِدِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي عِنْدَ الْأَكثَرِ بِصِيغَتِهِ التَّحْرِيمَ، كمَا يَقْتَضِي الْأَمْرُ الْوُجُوبَ، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ السَّمَاعِ وَالْقِيَاسِ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى النَّدْبِ، أو خَصَّصَهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كمَا فَعَلَ مَالِكٌ، وَلَا خِلَافَ عِنْدِ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ السُّنَّةِ بِالْقِيَاسِ، وَكَذَلِكَ الْعُدُولُ بِهَا عَنْ ظَاهِرِهَا (أَعْنِي: أَنْ يُعْدَلَ بِلَفْظِ النَّهْيِ عَنْ مَفْهُومِ الْحَظْرِ إِلَى مَفْهُومِ الْكَرَاهِيَةِ)).
إذا وجد ما يؤدَّى إلى ذلك إذا وجدت قرينة فإنَّه يعدل، والجمهور ذكروا عدة تعليلات وأخذوها من الحديث وأيَّدوا ذلك بقصة أبي بكرٍ ﵁ وكذلك ما حصل من عمر ﵁ عندما نحل ابنه عاصم دون بقية إخوانه.
قوله: (وَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُمُ الْقِيَاسُ فِي
стр. 8604
الشَّرْعِ اعْتَمَدُوا ظَاهِرَ الْحَدِيثِ، وَقَالُوا بِتَحْرِيمِ التَّفْضِيلِ فِي الْهِبَةِ).
لكن ليس هذا مذهب أهل الظاهر بل عرفنا أنه مذهب الإمام أحمد وهو أحد الأئمة، وقال به عدد من التابعين والسلف، وقد رأينا وجهة نظرهم وتعليلهم وأنهم أيضًا أخذوا من الحديث ما يدلُّ على الوجوب: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" (١)، "سووا بين أولادكم " (٢)، والرسول ﷺ قال: "لا أشهد على جور" (٣)، والجور لا يجوز إذن هناك عدَّة معالم اشتمل عليها الحديث يفهم منها أيضًا الوجوب فكلٌّ له فهم في هذا الحديث، وهذا سبب من أسباب الخلاف بين العلماء، فإن من أسباب اختلاف العلماء رحمهم الله تعالى أنهم قد يختلفون في مفهوم النص، وربما بعضهم يجد ما في النص يؤيد رأيه ويجد الآخر ما يؤيد رأيه وقد توجد أدلة أخرى تؤيِّد رأي هذا ورأي هذا.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي جَوَازِ هِبَةِ الْمُشَاعِ غَيْرِ الْمَقْسُومِ).
"المشاع" بمعنى: دار تكون بين اثنين فأكثر كل واحد منهم له نصيب، فهل يعرف كل نصيبه؟ الجواب: لا يعرفه لأن الحق مشاع، فهل يجوز يهمب نصيبه في هذه الدار أو في هذا البستان أو في هذه التجارة لغيره أو لا؟ الجواب: جمهور العلماء قالوا: نعم يجوز أن يهمب الإنسان نصيبه ولو كان مشاعًا فكما أنه يجوز أن يهب نصيبه المعروف المنفرد كذلك أيضًا يجوز أن يهب نصيبه المشاع، وخالف في ذلك أبو حنيفة.
стр. 8605
قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٤): تَصِحُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥): لَا تَصِحُّ. وَعُمْدَةُ الْجَمَاعَةِ: أَنَّ الْقَبْضَ فِيهَا يَصِحُّ كَالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ. وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الْقَبْضَ فِيهَا لَا يَصِحُّ إِلَّا مُفْرَدَةً كالرَّهْنِ).
استدل المؤلف للجمهور بدليل عقلي فقال: لأن الجمهور أجازوا القبض في ذلك (قبض المشاع) كما يجوز في البيع، والحقيقة أن جمهور العلماء لهم دليل أقوى في قصة هوازن ما وقع بين المسلمين وبين هوازن وأن الله نصر المؤمنين والآيات قد أشارت إلى شيء من ذلك، وكما هو معلوم في تلك القصة عندما غنم المسلمون منهم ما غنموا جاء وفد هوازن إلى رسول الله يطلبون منه أن يرد لهم تلك المغانم، فقال لهم رسول الله : "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم" (٦)؛
стр. 8606
لأن الرسول ﷺ له أن يتصرف في نصيبه ونصيب بني عبد المطلب قال: "لكم "، وهذا مشاع بالنسبة للغنيمة؛ لأن الغنيمة تجمع أنواعًا متعددة فلا يُعلَم نصيب رسول الله ﷺ ؛ لأنها لم تقسم، وكذلك أيضًا نصيب بني عبد المطلب، إذن قد استدل الجمهور بتلك القصة على جواز هبة المشاع إلى جانب التعليل العقلي الذي ذكره المؤلف فيما يتعلق بالقبض.
قوله: (وَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِي جَوَازِ هِبَةِ الْمَجْهُولِ وَالْمَعْدُومِ الْمُتَوَقَّعِ الْوُجُودِ).
"في المذهب" يقصد به مذهب مالك، يقول: ولا خلاف في المذهب في جواز بيع المعدوم؛ بمعنى: الذي لم يخلق بعدُ كشجرة لم تثمر أو دابة لم تحمل كناقة أو جارية وكذلك أيضًا المجهول كحمل في بطن فالمالكية (١) يجوزون ذلك؛ لأنهم يرون أن الهبة تبرع، وسبب المنع في هذه الأشياء في البيوع كما مر بنا هو الغرر الذي فيها، والرسول ﷺ نهى عن بيع الغرر (٢)، وقد مرت بنا عدة أمثلة في ذلك المقام في البيوعات.
إذن لماذا أجاز المالكية ذلك؟ أجازه المالكية؛ لأنهم يرون أن الغرر مغتفر في هذا المقام، وأما جمهور العلماء وهم الأئمة الثلاثة (أبو
стр. 8607
حنيفة (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣)) فقالوا: لا يجوز بيع المجهول،
стр. 8608
ولا يجوز هبة المجهول كمن قال: وهبتك مثلًا حملًا ما في بطن أو نحو ذلك؛ لأنه لا يملك تسليمه في الحاضر وهو أيضًا مجهول لا يُدرى ما نوع هذا الحمل، كذلك أيضا المعدوم فقالوا: لا تجوز هبته، والمعدوم كأن يقول: إذا أثمرت هذه الشجرة فلك ثمرها، فهذا الشيء غير موجود، وقد جاء عن الرسول ﷺ أنه نهى عن بيع ما لم يخلق (١)، إذن سبب الخلاف بين الجمهور وبين مالك وإن كانوا يرون في هذه الأشياء غررًا لكنهم يقولون بأنه غرر مغتفر؛ لأن الأصل في هذه الهبة أنها تبرع فلا يؤثر فيها هذا الغرر، أما الجمهور فقالوا: لا، ثم جاءوا بالقاعدة المعروفة عند الشافعية والحنابلة التي أوردها المؤلف كل ما جاز بيعه جاز هبته وما لا يجوز بيعه لا تجوز هبته.
قوله: (وَبِالْجُمْلَةِ كُلُّ مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ فِي الشَّرْعِ مِنْ جِهَةِ الْغَرَرِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) (٢).
وأحمد (٣).
قوله: (مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَتْ هِبَتُهُ كَالدَّيْنِ، وَمَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لَمْ تَجُزْ هِبَتُهُ، وَكُلُّ مَا لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّة لَا تَصِحُّ هِبَتُهُ كَالدَّيْنِ وَالرَّهْنِ).
لأن ليس للراهن أن يبيع الرهن إلا بإذن المرتهن فالذي رهن هذه
стр. 8609
السلعة إنما رهنها حفاظًا على حقه، كمن باع سلعةً وأراد أن يتوثق على حقه، كمن باع دارًا فطلب منه أن يعطيه وثيقة يمسكها بيده فرهنه أيضًا شيئًا آخر فليس للراهن أن يبيع الرهن؛ لأنه لو باعه لتضرر المرتهن فلا تبقى ثمرة ولا فائدة من الرهن لكن لو أذن له المرتهن فذلك جائز؛ لأنه حق يخصه.
قوله: (وَأَمَّا الْهِبَةُ فَلَا بُدَّ مِنَ الْإِيجَابِ فِيهَا وَالْقَبُولِ عِنْدَ الْجَمِيعِ) (١).
стр. 8610
وبالنظر للهبة نجد أنها كالبيع والنكاح كما مر فلا بد من إيجاب وقبول، فإنما البيع عن تراضٍ فلا يلزم إنسان بشراء سلعة ولا يلزم ببيعها أيضًا، إذن يُشترط في الهبة القبض والإيجاب والقبول، ولكن يستثنى من ذلك القبض فيما يتعلق بالصغير تجاه أبيه، فالأب له أن يشهد ولا يحتاج الأمر إلى قبض سواء ما يهب هو لولده أو ما يُوهب لولده.
قوله: (وَمِنْ شَرْطِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَصِحُّ قَبُولُهُ وَقَبْضُهُ) (١).
ممن يصحُّ قبوله كما أن الواهب ينبغي أن يكون صحيحًا، وأن يكون مكلَّفًا كذلك أيضا الأمر للموهوب.
قوله: (وَأَمَّا الشُّرُوطُ فَأَشْهَرُهَا الْقَبْضُ) (١).
للهبة شروط أشهرها القبض، والقبض في البيع شرط كما هو معلوم؛ فقد جاء في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه" (٢) هذا لفظ "الصحيحين"، وفي "الصحيحين" منفردين: "فلا يبعه حتى يقبضه" (٣)، والمرادُ حتى يستوفيه، وهذا الحكم انتقل إلى الهبة؛ لأن الهبة تعتبر نوعًا من البيع أو شبيهة بالبيع، غير أنَّ البيع عقد تمليك بعوض، -أعني: مبادلة مال بمال بعوض- وأما الهبة فليس فيها مقابل، وإنما هي تمليكُ عين بعقد بغير عوض.
قوله: (أَعْنِي: أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا هَلِ الْقَبْضُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ
стр. 8613
الْعَقْدِ أَمْ لَا؟ فَاتَّفَقَ الثَّوْرِيُّ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣) أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْهِبَةِ الْقَبْضَ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُقْبَضْ لَمْ يَلْزَمِ الْوَاهِبَ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَنْعَقِدُ بِالْقَبُولِ وَيُجْبَرُ عَلَى الْقَبْضِ كالْبَيْعِ سَوَاءً) (٤).
اشترط القبض أيضًا الشافعي وأحمد (٥) للمكيل والموزون، والمؤلف ﵀ جعل مذهب أحمد روايتين، والواقع أنها رواية واحدة لما ذكره المؤلف؛ فالإمام أحمد لا يشترط ذلك إلا في المكيل والموزون.
قوله: (فَإِنْ تَأَنَّى الْمَوْهُوبُ لَهُ عَنْ طَلَبِ الْقَبْضِ حَتَّى أَفْلَسَ الْوَاهِبُ أو مَرِضَ بَطَلَتِ الْهِبَةُ، وَلَهُ إِذَا بَاعَ تَفْصِيلٌ: إِنْ عَلِمَ فَتَوَانَى لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا الثَّمَنُ، وَإِنْ قَامَ فِي الْفَوْرِ كانَ لَهُ الْمَوْهُوبُ. فَمَالِكٌ: الْقَبْضُ عِنْدَهُ فِي الْهِبَةِ مِنْ شُرُوطِ التَّمَامِ لَا مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ).
الفرق بين شروط التمام وشروط الصحة: أن شرط الصحة يقتضي أنَّه إذا لم يَقبض فلا حق له في الهبة، وأما شرط التمام -كما هو مذهب الإمام مالك- يقتضي صحة الهبة.
قوله: (وَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٦)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٧) مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ.
стр. 8614
وَقَالَ أَحْمَدُ (١)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٢): تَصِحُّ الْهِبَةُ بِالْعَقْدِ، وَلَيْسَ الْقَبْضُ مِنْ شُرُوطِهَا أَصْلًا).
عند الإمام أحمد وأبو ثور وجماعة من العلماء أنَّ الهبة تنعقد بمجرد العقد دان لم يتمَّ القبض، فبمجرد أن يهب هذا الإنسان شيئًا لآخر فحينئذٍ تُصبح الهبة مشروعة وتنتقل إلى ملك الموهوب له، لكن الإمام أحمد رحمه الله تعالى استثنى من ذلك المكيل والموزون (٣).
وقد رأيت أن هذه القاعدة في المكيل والموزون - عند الإمام أحمد - كانت معنا في عدة أبواب.
واشتراطهم القبض؛ لأنه يسهل ضبط ذلك، فهذا تضبطه بالكيل وبالوزن، أما ما عدا ذلك فالعقد كافٍ عند الإمام أحمد قولًا ولا يوجد روايتان كما ذكر المؤلف.
قوله: (لَا مِنْ شَرْطِ تَمَامٍ وَلَا مِنْ شَرْطِ صِحَّةٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ (٤). وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّ الْقَبْضَ مِنْ شُرُوطِهَا فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ (٥)).
стр. 8615
جعلها كأنها رواية أخرى وفصلها وهي مرتبطة بالأولى!
قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْقَبْضَ فِي الْهِبَةِ تَشْبِيهُهَا بِالْبَيْعِ؛ وَأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ أَنْ لَا قَبْضَ مُشْتَرَطٌ فِي صِحَّتِهَا حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ).
من لم يشترط في الهبة القبض شبَّهها بالبيع، فأنت إذا اشتريت سلعة كثوبٍ مثلًا أو سيارة أو نحو ذلك فلم تتسلمها فإنَّ البيع يعتبرُ قد تمَّ، ولكن الذي لا يجوز لك أن تفعله هو أن تبيعها قبل أن تقبضها؛ كما قال الرسول ﷺ : "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه" (١)، ففرق بين صحة البيع ونقله إلى مشترٍ آخر، فأنت لك أن تشتري السلعة وحتى إن لم تقبضها فهي ملكك ما فى دُمتَ قد اشتريتها وتمَّ العقد الصحيح، لكن هل الهبة بمثابة البيع أو أنها تختلف؛ لأن ذلك عقد تبرع وذاك عقدُ تمليك؟
قوله: (وَعُمْدَةُ مَنِ اشْتَرَطَ الْقَبْضَ أَنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي حَدِيثِ هِبَتِهِ لِعَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ (٢)، وَهُوَ نَصٌّ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِي صِحَّةِ الْهِبَةِ. وَمَا رَوَى مَالِكٌ (٣) عَنْ عُمَرَ أيضًا أَنَّهُ قَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْحَلُونَ أَبْنَاءَهُمْ نِحْلًا ثُمَّ يُمْسِكُونَهَا، فَإِنْ مَاتَ ابْنُ أَحَدِهِمْ قَالَ: مَالِي بِيَدِي لَمْ أُعْطِهِ أَحَدًا).
إذا ماتَ ابنه قال: المال بين يديَّ فهو مالي فكأنَّه يرجع في هبته، فعمر ﵁ يُنكر أن يمنح الرجل ابنَه شيئًا فإذا مات ابنه قال هذا مالي بيديَّ.