← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.

стр. 8611

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8612

ممن يصحُّ قبوله كما أن الواهب ينبغي أن يكون صحيحًا، وأن يكون مكلَّفًا كذلك أيضا الأمر للموهوب. قوله: (وَأَمَّا الشُّرُوطُ فَأَشْهَرُهَا الْقَبْضُ) (١). للهبة شروط أشهرها القبض، والقبض في البيع شرط كما هو معلوم؛ فقد جاء في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه" (٢) هذا لفظ "الصحيحين"، وفي "الصحيحين" منفردين: "فلا يبعه حتى يقبضه" (٣)، والمرادُ حتى يستوفيه، وهذا الحكم انتقل إلى الهبة؛ لأن الهبة تعتبر نوعًا من البيع أو شبيهة بالبيع، غير أنَّ البيع عقد تمليك بعوض، -أعني: مبادلة مال بمال بعوض- وأما الهبة فليس فيها مقابل، وإنما هي تمليكُ عين بعقد بغير عوض. قوله: (أَعْنِي: أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا هَلِ الْقَبْضُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ

стр. 8613

الْعَقْدِ أَمْ لَا؟ فَاتَّفَقَ الثَّوْرِيُّ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣) أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْهِبَةِ الْقَبْضَ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُقْبَضْ لَمْ يَلْزَمِ الْوَاهِبَ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَنْعَقِدُ بِالْقَبُولِ وَيُجْبَرُ عَلَى الْقَبْضِ كالْبَيْعِ سَوَاءً) (٤). اشترط القبض أيضًا الشافعي وأحمد (٥) للمكيل والموزون، والمؤلف ﵀ جعل مذهب أحمد روايتين، والواقع أنها رواية واحدة لما ذكره المؤلف؛ فالإمام أحمد لا يشترط ذلك إلا في المكيل والموزون. قوله: (فَإِنْ تَأَنَّى الْمَوْهُوبُ لَهُ عَنْ طَلَبِ الْقَبْضِ حَتَّى أَفْلَسَ الْوَاهِبُ أو مَرِضَ بَطَلَتِ الْهِبَةُ، وَلَهُ إِذَا بَاعَ تَفْصِيلٌ: إِنْ عَلِمَ فَتَوَانَى لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا الثَّمَنُ، وَإِنْ قَامَ فِي الْفَوْرِ كانَ لَهُ الْمَوْهُوبُ. فَمَالِكٌ: الْقَبْضُ عِنْدَهُ فِي الْهِبَةِ مِنْ شُرُوطِ التَّمَامِ لَا مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ). الفرق بين شروط التمام وشروط الصحة: أن شرط الصحة يقتضي أنَّه إذا لم يَقبض فلا حق له في الهبة، وأما شرط التمام -كما هو مذهب الإمام مالك- يقتضي صحة الهبة. قوله: (وَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٦)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٧) مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ.

стр. 8614

وَقَالَ أَحْمَدُ (١)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٢): تَصِحُّ الْهِبَةُ بِالْعَقْدِ، وَلَيْسَ الْقَبْضُ مِنْ شُرُوطِهَا أَصْلًا). عند الإمام أحمد وأبو ثور وجماعة من العلماء أنَّ الهبة تنعقد بمجرد العقد دان لم يتمَّ القبض، فبمجرد أن يهب هذا الإنسان شيئًا لآخر فحينئذٍ تُصبح الهبة مشروعة وتنتقل إلى ملك الموهوب له، لكن الإمام أحمد رحمه الله تعالى استثنى من ذلك المكيل والموزون (٣). وقد رأيت أن هذه القاعدة في المكيل والموزون - عند الإمام أحمد - كانت معنا في عدة أبواب. واشتراطهم القبض؛ لأنه يسهل ضبط ذلك، فهذا تضبطه بالكيل وبالوزن، أما ما عدا ذلك فالعقد كافٍ عند الإمام أحمد قولًا ولا يوجد روايتان كما ذكر المؤلف. قوله: (لَا مِنْ شَرْطِ تَمَامٍ وَلَا مِنْ شَرْطِ صِحَّةٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ (٤). وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّ الْقَبْضَ مِنْ شُرُوطِهَا فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ (٥)).

стр. 8615

جعلها كأنها رواية أخرى وفصلها وهي مرتبطة بالأولى! قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْقَبْضَ فِي الْهِبَةِ تَشْبِيهُهَا بِالْبَيْعِ؛ وَأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ أَنْ لَا قَبْضَ مُشْتَرَطٌ فِي صِحَّتِهَا حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ). من لم يشترط في الهبة القبض شبَّهها بالبيع، فأنت إذا اشتريت سلعة كثوبٍ مثلًا أو سيارة أو نحو ذلك فلم تتسلمها فإنَّ البيع يعتبرُ قد تمَّ، ولكن الذي لا يجوز لك أن تفعله هو أن تبيعها قبل أن تقبضها؛ كما قال الرسول ﷺ : "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه" (١)، ففرق بين صحة البيع ونقله إلى مشترٍ آخر، فأنت لك أن تشتري السلعة وحتى إن لم تقبضها فهي ملكك ما فى دُمتَ قد اشتريتها وتمَّ العقد الصحيح، لكن هل الهبة بمثابة البيع أو أنها تختلف؛ لأن ذلك عقد تبرع وذاك عقدُ تمليك؟ قوله: (وَعُمْدَةُ مَنِ اشْتَرَطَ الْقَبْضَ أَنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي حَدِيثِ هِبَتِهِ لِعَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ (٢)، وَهُوَ نَصٌّ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِي صِحَّةِ الْهِبَةِ. وَمَا رَوَى مَالِكٌ (٣) عَنْ عُمَرَ أيضًا أَنَّهُ قَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْحَلُونَ أَبْنَاءَهُمْ نِحْلًا ثُمَّ يُمْسِكُونَهَا، فَإِنْ مَاتَ ابْنُ أَحَدِهِمْ قَالَ: مَالِي بِيَدِي لَمْ أُعْطِهِ أَحَدًا). إذا ماتَ ابنه قال: المال بين يديَّ فهو مالي فكأنَّه يرجع في هبته، فعمر ﵁ يُنكر أن يمنح الرجل ابنَه شيئًا فإذا مات ابنه قال هذا مالي بيديَّ.

стр. 8616

قوله: (وِإنْ مَاتَ قَالَ: هُوَ لِابْنِي قَدْ كنْتُ أَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُ، فَمَنْ نَحَلَ نِحْلَةً فَلَمْ يُجِزْهَا الَّذِي نَحَلَهَا لِلْمَنْحُولِ لَهُ وَأَبْقَاهَا حَتَّى تَكُونَ إِنْ مَاتَ لِوَرَثَتِهِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ). هذا أَيضًا دليل آخر احتجوا به على أنَّه لا بد من القبض، إذا نحل ابنه نحلًا فعليه أن يقبضه إيَّاها. قوله: (وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ) (١). أُثر ذلك عن عليٍّ، ولأنَّ هذا القول قد أُثر عن أبي بكر في قصته مع عائشة، وعن عمر فيما أورده المؤلف، وعن عليٍّ ﵁، فيكون حجة قوية للذين يقولون بالقبض؛ لكونه قول للصحابة. قوله: (قَالُوا: وَهُوَ إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ). هناك من يرى في مثل هذه الأمور أنَّه إذا قال أحدُ الصحابة أو بعضُهم قولًا ولا يُوجد له مُعارض أن يُقال: هذا إجماع. قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ فَاعْتَمَدَ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا: (أَعْنِي: الْقِيَاسَ وَمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ) وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَمِنْ حَيثُ هِيَ عَقْدٌ مِنَ الْعُقُودِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا الْقَبْضُ، وَمِنْ حَيْثُ شَرَطَتِ الصَّحَابَة فِيهِ الْقَبْضَ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ الَّتِي ذَكرَهَا عُمَرُ جُعِلَ الْقَبْضُ فِيهَا مِنْ شَرْطِ التَّمَامِ، وَمِنْ حَقِّ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَأَنَّهُ إِنْ تَرَاخَى حَتَّى يَفُوتَ الْقَبْضُ بِمَرَضٍ أو إِفْلَاسٍ عَلَى الْوَاهِبِ سَقَطَ حَقُّهُ). مالكٌ يرى أنَّه إن حَصَل تقصيرٌ من الموهوب له وتراخى عن القبض

стр. 8617

فإنَّه حينئذٍ يعود أو يلتقي مع الذين قالوا بالقبض، وإلا فلا، فهو لا يراه شرطًا في الأصل، وإنَّما يرى أن التراخي وترك ذلك يجعله شرطًا. قوله: (وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ (١) عَلَى أَنَّ الْأَبَ يَحُوزُ لِابْنِهِ

стр. 8618

الصَّغِيرِ الَّذِي فِي وِلَايَةِ نَظَرِهِ، وَللْكَبِيرِ السَّفِيهِ الَّذِي مَا وَهَبَهُ، كمَا يَحُوزُ لَهُمَا مَا وَهَبَهُ غَيْرُهُ لَهُما، وَأَنَّهُ يَكْفِي فِي الْحِيَازَةِ لَهُ إِشْهَادُهُ بِالْهِبَةِ وَالْإِعْلَانُ بِذَلِكَ).

стр. 8619

هذا ما يتعلق بالحيازة إذن هل القبض هنا شرط أو لا بالنظر للأب مع ابنه الصغير أو مع الكبير السفيه، فالأب إذا وهب ابنه هبة وهو صغير، أو وهب ابنه السفيه الذي لا يُحسن التصرف في الأمور فهل للأب أن يقوم مقامهما ويحوز ذلك الشيء له؟ وهل هناك فرق بين ما يحوزه الأب لولديه المذكورين من النوعين؟ وهل هناك فرق بين أن يكون نحل لهما إياه وبين أن يكون نحل إياه من غير الأب أو لا؟ الجواب: الصحيح أنه لا فرق في ذلك، فإذا ما وهب لابن صغير هبة أو كذلك للسفيه الذي ذُكر فإن للأب أن يتولى ذلك عن ابنه ويحوز تلك الهبة ويكفي في ذلك الإشهاد فقط، ولا يشترط أيضًا هنا القبض؛ لأن الأب مأمون على ابنه وهو ثقة وهو أحرص الناس على ابنه، وإن وجد من هو على خلاف ذلك فهو شاذ لكن لو احتاج الأب إلى مال ابنه فإن له أن يأخذ من مال ذاك الابن فأطيب ما أكل الرجل من كسبه وولده من كسبه. قوله: (وَذَلِكَ كُلُّهُ فِيمَا عَدَا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَفِيمَا لَا يَتَعَيَّنُ). وخصَّ الذهب والفضة خشية أن يدخل ذلك في أبواب الربا. قوله: (وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ: مَنْ نَحَلَ ابْنًا لَهُ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَحُوزَ نِحْلَتَهُ فَأَعْلَنَ ذَلِكَ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ فَهِيَ حِيَازَةٌ وَإِنْ وَليَهَا (١). "وإن وليها"، أي: تحت ولاية الأب، وهذا أيضًا أثر عن عثمان ﵁ وهو يؤيد قول جمهور العلماء، ونعلم بأن الرسول ﷺ قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" (٢)، وهذا قول عثمان ﵁، وما

стр. 8620

عرف أن أحدًا من الصحابة خالفه فيه، وغالبًا إذا قال الصحابة قولًا يكون لهم سند سمعوه من رسول الله ﷺ وليس ذلك شرطًا، فكثيرًا ما يكون ذلك رأي للصحابي، ولذلك نرى أن الصحابة يختلفون في بعض المسائل التي يجتهدون فيها. قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: لَا بُدَّ مِنَ الْحِيَازَةِ فِي الْمَسْكُون وَالْمَلْبُوسِ، فَإِنْ كَانَتْ دَارًا سَكَنَ فِيهَا خَرَجَ مِنْهَا) (١). وذلك لأن الدار على القول بالقبض إنما قبضها يكون بالتخلية، فلا يمكن أن تنقل الدار إلا بخروج من فيها ودخول المالك الجديد أو الموهوب له الجديد. قوله: (وَكَذَلِكَ الْمَلْبُوسُ إِنْ لَبِسَهُ بَطَلَتِ الْهِبَةُ). كإنسان يقول: أهبك هذا الثوب ثم يلبسه ونعلم أن أيضًا للواهب أن يرجع في هبته قبل أن يقبضها الآخر (قبل أن يعطيها ذاك له)، لكن يكره

стр. 8621

هذا، وسيأتي الحديث أن الرسول ﷺ قال: "العائد في هبته كالذي يقيء ويعود في قيئه" (١)، وفي بعض الروايات: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود لقيئه" (٢)، ولا يرضى مسلم أن يشبه نفسه بالكلب. قوله: (وَقَالُوا فِي سَائِرِ الْعُرُوضِ بِمِثْلِ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ (أَعْنِي: أَنَّهُ يَكْفِي فِي ذَلِكَ إِعْلَانُهُ وَإِشْهَادُهُ)، وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ فَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ). يقصد بالورق: الفضة. قوله: (فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يُخْرِجَهُ الْأَبُ عَنْ يَدِهِ إِلَى يَدِ غَيْرِهِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا جَعَلَهَا فِي ظَرْفٍ أو إِنَاءٍ وَخَتَمَ عَلَيْهَا بِخَاتَمٍ وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ الشُّهُودَ). إذا حفظها وأخرجها فلا مانع في ذلك. قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ الْوَصِيَّ يَقُومُ فِي ذَلِكَ مَقَامَ الْأَبِ). الوصي هو ولي اليتيم فكما هو معلوم أن اليتيم له وصي، ويقصد باليتيم الذي مات أبوه ولم يبلغ، أما الأم فلا علاقة لها بذلك فأي إنسان مات أبوه دون أن يبلغ فذاك اليتيم، والبلوغ له علامات معلومة، ولا خلاف بين العلماء فيما يتعلق بأن الوصي يقوم مقام الأب، ولكن ينبغي أن يكون الوصي أمينًا أيضًا.

стр. 8622

قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْأُمِّ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَقُومُ مَقَامَ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ (١)). فالذين قالوا: لا تقوم مقام الأب ليس معنى ذلك أنها أقل عطفًا ورحمة وعناية بولدها فهي بلا شكٍّ أشفق من الأب، ولذلك لما سأل رجلٌ رسول الله ﷺ : مَن أحقُّ الناس بصحابتي، قال: "أمك "، قال: ثم مَن؟ قال: "أمك "، قال: ثم مَن؟ قال: "أمك" قالها ثلاثًا، وفي الرابعة قال: " أبوك " (٢). قوله: (وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: تَقُومُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣)،

стр. 8623

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): الْجَدُّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ، وَالْجَدَّةُ عِنْدَ ابْنِ وَهْبِ -أُمُّ الْأُمِّ- ثَقُومُ مَقَامَ الْأُمِّ، وَالْأُمُّ عِنْدَهُ تَقُومُ مَقَامَ الْأَبِ). المسألة فيها خلاف في المذاهب الأخرى؛ فبعض الشافعية والحنابلة يقولون بأنَّها تقومُ مقام الأب، وسبب الخلاف بين أهل المذهمب الواحد؛ أن الأب عنده من الرعاية والعناية ما ليس عند الأم، والقضية ليست قضية مفاضلة، ولكنَّها قضية من يستطيع أن ينهض بذلك الأمر، والمرأة مهما كان لها من مكانة فلا تتولى القضاء مثلًا؛ لقوله ﷺ : "لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" (٢)، وليس لها أن تتولى إمامة الصلاة، وليس لها أن تتقدَّم الرجال؛ لأن لها وظائف محدَّدة لا تتجاوزها، أما الرجل فعنده مِن بُعد النَّظر وسَعة الأُفق والإدراك والتَّحمل، والنظر لعواقب الأمور ما ليس عند المرأة؛ ولذلك جعل الله تعالى الطلاق في يد الرجل دون المرأة. قال المصنف ﵀ ثعالى:

стр. 8624

(القَوْلُ فِي أَنْوَاع الهِبَاتِ وَالهِبَةُ مِنْهَا مَا هِيَ هِبَةُ عَيْنٍ، وَمِنْهَا مَا هِيَ هِبَةُ مَنْفَعَةٍ، وَهِبَةُ العَيْنِ مِنْهَا مَا يُقْصَدُ بِهَا الثَّوَابُ، وَمِنْهَا مَا لَا يُقْصَدُ بِهَا الثَّوَابُ، وَالَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الثَّوَابُ مِنْهَا مَا يُقْصَدُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، وَمِنْهَا مَا يُقْصَدُ بِهِ وَجْهُ المَخْلُوقِ. فَأَمَّا الهِبَةُ لِغَيْرِ الثَّوَابِ، فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَحْكَامِهَا، وَأَمَّا هِبَةُ الثَّوَابِ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا، فَأَجَازَهَا مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَنَعَهَا الشَّافِعِيُّ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلْ هِيَ بَيْعٌ مَجْهُولُ الثَّمَنِ أَوْ لَيْسَ بَيْعًا مَجْهُولَ الثَّمَنِ؟ فَمَنْ رَآهُ بَيْعًا مَجْهُولَ الثَّمَنِ قَالَ: هُوَ مِنْ بُيُوعٍ الغَرَرِ الَّتِي لَا تَجُوزُ، وَمَنْ لَمْ يَرَ أَنَّهَا بَيْعٌ مَجْهُولٌ، قَالَ: يَجُوزُ، وَكأَنَّ مَالِكًا جَعَلَ العُرْفَ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ، وَهُوَ ثَوَابُ مِثْلِهَا، وَلذَلِكَ اخْتَلَفَ القَوْلُ عِنْدَهُمْ إِذَا لَمْ يَرْضَ الوَاهِبُ بِالثَّوَابِ مَا الحُكْمُ؟ فَقِيلَ: تَلْزَمُهُ الهِبَةُ إِذَا أَعْطَاهُ المَوْهُوبُ القِيمَةَ، وَقِيلَ: لَا تَلْزَمُهُ إِلَّا أَنْ يُرْضِيَهُ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ، فَإِذَا اشْتُرِطَ فِيهِ الرِّضَا، فَلَيْسَ هُنَالِكَ بَيْعٌ انْعَقَدَ، وَالأَوَّلُ هُوَ المَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، وَأَمَّا إِذَا أُلْزِمَ القِيمَةَ، فَهُنَالِكَ بَيْعٌ انْعَقَدَ، وَإِنَّمَا يَحْمِلُ مَالِكٌ الهِبَةَ عَلَى الثَّوَابِ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، وَخُصُوصًا إِذَا دَلَّتْ قَرِينَةُ الحَالِ عَلَى ذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَهَبَ الفَقِيرُ لِلْغَنِيِّ، أَوْ لِمَنْ يَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ الثَّوَابَ). وَالرَّسُولُ ﷺ وُهِبَ له (١)، وقُصِدَ بذلك الثواب، وأُهْدِيَتْ إليه هدية،

стр. 8625

فأعطي الرسول ﷺ جملًا، فطلب الزيادة فأعطاه آخر حتى انتهى (١)، وهذا دليل مَنْ أجازوا هبة الثواب إذ أنها حصلت مع رسول الله ﷺ ، كما قال المؤلف، والهبة تختلف عن الهدية التي يتقرب بها الإنسان إلى مسؤول ليعينه في تحقيق أمر قد يترتب عليه هضم حق للآخرين، فهذا لا يجوز. قَوْله: (وَأَمَّا هِبَاتُ المَنَافِعِ: فَمِنْهَا مَا هِيَ مُؤَجَّلَة، وَهَذ تُسَمَّى عَارِيَّةً وَمِنْحَةً، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) (٢).

стр. 8626

فمنها ما يؤجل، ومنها ما يَكُون حاضرًا أيضًا. قوله: (وَمِنْهَا مَا يُشْتَرَطُ فِيهَا مَا بَقِيَتْ حَيَاةُ المَوْهُوبِ لَهُ، وَهَذِهِ تُسَمَّى العُمْرَى، مِثْلَ أَنْ يَهَبَ رَجُل رَجُلًا سُكْنَى دَارٍ حَيَاتَهُ). ومن العلماء من يخصُّ من بين أنواع الهبات ما يُعْرف بالعُمْرى والرقبى، ومعنى العمرى (١) هو أن يقول إنسان لآخر: أعمرتك هذه الدار عمرى، أو عمرك، وربما يطلق هذة العبارة وربما يُقيِّدها بشرطٍ فيَقُول: أعْمَرتُكَ هذه الدار ما حييت على أن تَرْجع لي بعد مماتك، أو يطلق فيقول: وهبتك هذه الدار في حياتك وبعد مماتك ولعقبك، فهل هَذِهِ تعتبر هبةً مؤبدةً للرقبى، أيْ: تقتضي الملك؟ وربما يسكت فيقول: هذه الدار لك عُمْرى، أو هذا البستان لك عُمْرى أو رقبى، فما معنى العمرى والرقبى؛ لأن الحكمَ على الشيء فرعٌ عن تصوُّره؟ أولًا: "العُمْرى" هذَا هو لفظها المشهور، بضم العين وتسكين الميم، وتأتي الألف مقصورة، وأما الرقبى فهى أيضًا على وزن عمرى، والعمرى والرقبى اشتهرت بين العلماء، وَإنْ كانت العُمْرى أكثر اشتهارًا، والرقبى كانت في الجاهلية (٢)، ومن العلماء مَنْ يعدُّها كالعُمْرى، وبعضهم أيضًا

стр. 8627

يخرجها ويقتصر على العُمْرى، والعُمْرى إنما هي حقيقةً نسبةً إلى العمر؛ لأنه عندما يقول: وهبتك هذة الدار عمرى أو عمرك فكأنه ربط ذلك بالعمر، ولذلك سُمِّيت عمرى، والرقبى من المراقبة (١)؛ لأن كل واحد ممَّن أعطى أو ممَّن أخذ ربما ينتظر موت الآخر لترجع إليه، فَإنْ كانت مقيدةً بالرجوع إلى الواهب أو وَرَثته، فينتظرون موت هذا حتى تعود إليهم، وَربما تكون أيضًا بالعكس، ثم هل هي نوع واحد؟ هل تأتي على صيغةٍ واحدةٍ أو لها عدة صيغ؟ بمعنى هل هي دائمًا تأتي على وضع واحد أو لها أحكام متنوعة؛ لأنه ربما يقول إنسان لآخر: وهبتك هذة الدار لك حياتك ومماتك ولعقبك، فهذه صريحة لأنها له في حياته، وبعد مماته، وهذا فيه إطلاق، وربما يَقُولُ: وهبت لك هذه الدار ويسكت، وربما أيضًا يُقيِّدها بشرطٍ من الشروط، فيقول: وَهَبتُكَ هذه الدار ما عشت، فإن مت عادت لي، فهل هذا الشرط معتبر أم لا؟ وقد اختلف العلماء في هذه الصور. قوله: (وَهَذِهِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّهَا هِبَةٌ مَبْتُوتَةٌ). أي: مقطوع بها يتملكها الموهوب. قَوْله: (أَيْ: أَنَّها هِبَةٌ لِلرَّقَبَةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)

стр. 8628

وَأَبُو حَنِيفَةَ (١) وَالثَّوْرِيُّ (٢) وَأَحْمَدُ (٣) وَجَمَاعَةٌ (٤)).

стр. 8629

فَهَذَا قول جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، والذي خالف في ذلك هو الإمام مالك ﵀. قَوْله: (وَالقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُعْمَرِ فِيهَا إِلَّا المَنْفَعَةُ) (١). فيستفيد منها، ثم تعود للأول، فهذه هبة مؤقتة مقيدة. قوله: (فَإِذَا مَاتَ عَادَتِ الرَّقَبَةُ لِلْمُعْمِرِ أَوْ إِلَى وَرَثَتِهِ). سواء اشترط ذلك المعمر أو لم يشترط، فهي عند مالك تعود إلى الواهب بعد موت الموهوب. ومن العلماء مَنْ يقول: لو اشترط فقال: وهبتك وأعمرتك سكنى هذه الدار ما عشت، فإذا مت عادت إليَّ، فإنَّ فيها شرطًا، والشرط معتبر، ومن العلماء مَنْ لا يعتبر ذلك وَيُلْغيه، ويعتبرها هبةً مبتوتةً. قَوْله: (وَبِهِ قَالَ مَالِل وَأَصْحَابُهُ (٢)، وَعِنْدَهُ أَنَّهُ إِنْ ذَكَرَ العَقِبَ عَادَتْ إِذَا انْقَطَعَ العَقِبُ إِلَى المُعْمِرِ أَوْ إِلَى وَرَثَتِهِ).

стр. 8630

فَمَالكٌ أيضًا يقول: هي تعود، لَكن لو ذكر العقب فقال: أعمرتك هذه الدار ولعقبك من بعدك تبقى في العقب. قَوْله: (وَالقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ: هِيَ عُمْرَى لَكَ وَلعَقِبِكَ كَانَتِ الرَّقَبَةُ مِلْكًا لِلْمُعْمَرِ، فَإِذَا لَمْ يُذْكَرِ العَقِبُ عَادَتِ الرَّقَبَةُ بَعْدَ مَوْتِ المُعْمَرِ لِلْمُعْمِرِ أَوْ لِوَرَثَتِهِ) (١). فَمِنَ العُلَماء مَنْ يقول: إذا أطلق، فقال: وهبتك هذه الدار، فإنها لا تعود، بل تعتبر بمثابة قوله: هذه الدار لك ولعقبك، وهما لا يختلفان، وهذه هي الثلاثة أقوال التي اختلف العلماء حولها، وأما العُمْرى، فمن غير شكٍّ أنها جائزةٌ؛ لأنه ثَبتَ في "صحيح البخاري" من حديث أبي هريرة ﵁ أن الرَّسولَ ﷺ قال: "العُمْرَى جَائزةٌ" (٢)، وثبت عن عبد الله بن عباس أنه قال: "العُمْرى والرُّقبى سواء" (٣)، ولا فرق بينهم. قَوْله: (وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ وَأَبُو ثَوْرٍ (٤)، وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي هَذَا البَابِ اخْتِلَافُ الآثَارِ، وَمُعَارَضَةُ الشَّرْطِ وَالعَمَلِ لِلأثَرِ).

стр. 8631

وهذه من مزايا الكتاب أنه عندما يعرض آراء العلماء في مسألة يحاول أن يبين سبب اختلافهم، وإذا قيدت بشرط، فهل هذا الشرط يعارض أو لا يعارض؟ قَوْله: (أَمَّا الأَثَرُ، فَفِي ذَلِكَ حَدِيثَان، أَحَدُهُمَا مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ). ومصطلح عند المحدثين بأن الحديثَ هو ما نُسِبَ إلى رَسُول الله ﷺ حتى ولو كان مرسلًا (١)، وأما الأثر فهو ما يُرْوى عن الصحابة فيوقف عليه (٢)، ويجوز أن يطلق على الحديث بأنه أثر؛ لأنه أثر حقيقة (٣)، والمؤلف هنا لم يفرق بينهما، فربما يقول عن حديث متفق عليه بأنه أثرٌ، وَإنْ كنَّا قد عرفنا المصطلح في ذلك بأنَّ الآثارَ هي التي تُرْوى عن

стр. 8632

الصحابة، والأحاديث هي التي تُرْوى عن رسول الله ﷺ ، ولا شك بأن هنا فرقًا بينهما فيما يتعلق بالدلالة. قوله: (وَهُوَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلعَقِبِهِ، فَإِنَّهَا لِلَّذِي يُعْطَاهَا، لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا أَبَدًا) (١). وفي هذا الحديث التنصيص على العقب أيضًا، ودليل على اختلاف الحكم عما لو أطلق ولم يذكر العقب، وهذا الحديث متفق عليه، لكن هذا اللفظ الذي أورده المؤلف هل هو لفظ الإمام مسلم (٢) أم لفظ الإمام البخارى؟ وقد جاء مختصرًا، ونصه: قضى النبي ﷺ بالعُمْرى بأنها لمن وهبت له (٣)، فحديث البخاري مطلق كأنه يشمل ما فيه ذكر العقب وما ليس فيه، وقضى بمعنى حكم، والقضي أصله هو الحكم والأمر، فقضى النبي ﷺ في العمرى بأنها لمن وهبت له، وهذا مطلق، فهل هي لمن وهبت له هبةٌ مبتوتةٌ أو أنها مقيدة في الحياة؟ الحديث أطلق فدل على العموم حديث مسلم؛ لأنه هو الذي جاء فيه هذا التفصيل وهذه الزيادة، وفيه ذكر لعقبه، أي: للذين يأتون بعده من الورثة، وقد جاء في بعض الأحاديث أيضًا ذكر المواريث أو الميراث. قوله: (لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ المَوَارِيثُ" (٤)، وَالحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُعْمِرُوهَا، فَمَنْ أُعْمِرَ شَيْئًا حَيَاتَهُ،

стр. 8633

فَهُوَ لَهُ حَيَاتَهُ وَمَمَاتَهُ" (١)). وَمُنَاسبَة هذا الحديث أنه عندما قال الله في وَصْف الأنصار: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، كانوا يعمرون المهاجرين، فلذلك قال رَسُولُ الله ﷺ : "يا معشر الأنصار، أمسكوا عليكم أموالكم ولا تعمروها"، وفي بعض الروايات: "ولا تفسدوها" (٢)، فَهُوَ لَه في حياته وبعد مماته، فهناك نصٌّ على العقب بين فيه الرسول- ﵊ بأن من أعمر غيره عمرى، فإنه يكون للذي أعطيه له في حياته وبعد مماته. قوله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظٍ آخَرَ: "لَا تُعْمِرُوا وَلَا تُرْقِبُوا، فَمَنْ أُعْمِرَ شَيْئًا أَوْ أُرْقِبَهُ، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ" (٣)، فَحَدِيثُ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ مُخَالِفٌ لِشَرْطِ المُعْمِرِ (٤). وَهذه الأحاديث -كمَا نرَى- هي أحاديث صحيحة وصريحة فيما يتعلق بالعُمْرى، وهو: مَنْ أعمر إنسان شيئًا فلا يخلو إما أن يقول له: ولعقبك، وإما أن يسكت في ذلك، وربما أضاف العلماء شيئًا وهو أن يقيده بأن يقول: ما عشت، أما إذا مت، فإن الأمرَ ينتهي، وتعود لي. قَوْله: (وَحَدِيثُ مَالِكٍ عَنْهُ) (٥). أي: عَنْ جابرٍ ﵁، فالضمير يعود عليه؛ لأن الأول عن جابر،

стр. 8634

وهذا الذي عن طريق أبي الزبير إنما هو أيضًا عن جابر أيضًا، وأحاديث مالك عن جابر بن عبد الله ﵁. قَوْله: (مُخَالِفٌ أَيْضًا لِشَرْطِ المُعْمِرِ إِلَّا أَنَّهُ يُخَيَّلُ أَنَّهُ أَقَلُّ فِي المُخَالَفَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ ذِكْرَ العَقِبِ يُوهِمُ تَبْتِيتَ العَطِيَّةِ). لأن الأوَّل نص فيه على العقب، فدل على التبتيت، وأنها لا ترجع إلى مَنْ وهبها، ونعلم ما جاء في الهبة، وما سيأتي بأن العائد في هبته كالذي يقيء ثم يعود في قيئه. قوله: (فَمَنْ غَلَّبَ الحَدِيثَ عَلَى الشَّرْطِ قَالَ بِحَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، وَحَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ جَابِرٍ، وَمَنْ غَلَّبَ الشَّرْطَ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّ العُمْرَى تَعُودُ إِلَى المُعْمِرِ إِنْ لَمْ يَذْكُرِ العَقِبَ، وَلَا تَعُودُ إِنْ ذَكَرَ، فَإِنَّهُ أَخَذَ بِظَاهِرِ الحَدِيثِ). والذي قال بذلك هو الإمام مالك في الرواية الأخرى. قوله: (وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ (أَعْنِي: رِوَايَةَ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ) (١)، وَأَمَّا إِذَا أَتَى بِلَفْظِ الإِسْكَانِ، فَقَالَ:

стр. 8635

أَسْكَنْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ حَيَاتَكَ، فَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الإِسْكَانَ عِنْدَهُمْ، أَوِ الإِخْدَامَ بِخِلَافِ العُمْرَى وَإِنْ لَفَظَ بِالعَقِبِ (١)).

стр. 8636

فقال: أسكنتُكَ هذه الدار أو منحتك خدمة هذا المملوك أو هذه الدابة، والإسكان يختلف عن الهبة. قَوْله: (فَسَوَّى مَالِكٌ بَيْنَ التَّعْمِيرِ وَالإِسْكَانِ) (١). فلم يَرَ فرقًا بين أنْ يقول: أعمرتُكَ هذه الدار وبين أن يقول: أسكنتُكَ هذه الدار، والجمهور يُخَالفون في ذلك؛ لأن السُّكنى تختلف. قَوْله: (وَكَانَ الحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ (٢)، يُسَوُّونَ بَيْنَ السُّكْنَى وَالتَّعْمِيرِ فِي أَنَّهَا لَا تَنْصَرِفُ إِلَى المَسْكَنِ أَبَدًا عَلَى قَوْلِ الجُمْهُورِ فِي العُمْرَى. وَالحَقُّ أَنَّ الإِسْكَانَ وَالتَّعْمِيرَ مَعْنَى المَفْهُومِ مِنْهُمَا وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الحُكْمُ إِذَا صَرَّحَ بِالعَقِبِ مُخَالِفًا لَهُ إِذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِذِكرِ العَقِبِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ (٣)). والمراد: أسكنتك هذه الدار لك ولعقبك، فكأن ذكر العقب يزيد أيضًا المعنى قوةً، وأن المراد بذلك هو الإعمار.

стр. 8637

قال المصنف رحمه الله تعالى: (القَوْلُ فِي الأَحْكَامِ: وَمِنْ مَسَائِلِهِمُ المَشْهُورَةِ فِي هَذَا البَاب جَوَازُ الِاعْتِصَارِ فِي الهِبَةِ (١) (وَهُوَ الرُّجُوعُ فِيهَا)). وَالفُقَهَاء لَهم مصطلحاتٌ، وَربما تجد في بَعْض المَذَاهب مصطلحات تختلف عن المذهب الآخر، فنحن نعرف في المذاهب عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد بأن ما يسميه المالكية بالاعتصار هو الرجوع في الهبة، كأنه اعتصره بمعنى أخذها منه وجلبها، فكأن فيها معنى الشد. قَوْله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ المَدِينَةِ) (٢). وهو أيضًا قول الإمام أحمد (٣).

стр. 8638

قوله: (أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ) (١). وهو أيضًا عند الإمام الشافعي (٢)، لكن الإمام الشافعي بعد ذلك توقف في حديث طاوس الذي سيأتي الكلام عنه، ونعلم أن الإمام الشافعي قد وضع له منهجًا، ذلكم المنهج أنه قال: "إذا صح الحديث فهو مذهبي "، فلو قدر بأن مسألةً من المسائل خالف فيها الإمام الشافعي ﵀ لأن الحديثَ الذي هو حجتهم لم يصح عنده، ثم تبين أن ذلك الحديث صحيح، فيكون مذهب الإمام الشافعي، ثم إن الإمام الشافعي قال بهذه

стр. 8639

المسألة، ثم بعد ذلك توقف، وقال: لو صح حديث طاوس لقلتُ به (١)، ولما زدت على الوالد شيئًا؛ لأن الوالد هو الذي له أن يرجع في هبته التي يهبها ابنه، وغير الوالد ليس له ذلك، وسنبين بأن هذا الحديث قد صحَّ، وقد تمَّ وَصْله وحينئذٍ يكون مذهبًا للإمام الشافعي ﵀. قَوْله: (مَا لَمْ يَتَزَوَّجْ الِابْنُ، أَوْ لَمْ يَسْتَحْدِثْ دَيْنًا أَوْ بِالجُمْلَةِ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ حَقٌّ للْغَيْرِ) (٢). والعلماء وَضَعوا قيودًا وشروطًا لذلك، فقالوا: للأب أن يرجع في هبته التي وهبها ولده لكن بشروطٍ، ومن هَذِهِ الشُّرُوط: أَنْ تَكُونَ الهبةُ مَوْجودةً لا تزَال قائمةً عند الولد، وألَّا يكون أخرجها ببيع، وألَّا يكون أخذ عنها عوضًا، وألا يكون الولد بحاجةٍ، واختلفت المذاهب في ألا يكون زاد عليها أيضًا، فإذا غيَّر فيها وبدَّل، فإن ذلك يمنع من الرجوع فيها، فالرجوع ليس على إطلاقه، لكن من حيث الأصل فللأب أن يرجع في هبته. قَوْله: (وَأَنَّ لِلأمّ أَيْضًا أَنْ تَعْتَصِرَ مَا وَهَبَتْ إِنْ كَانَ الأَبُ حَيًّا) (٣).

стр. 8640

وهذا أيضًا قول الشافعي (١) والإمام أحمد في رواية (٢) أيضًا، على معنى أن الأم بمنزلة الأب بالنسبة للرجوع في الهبة، وأن ذلك لا يخصُّ الأب، ومن العلماء (٣) من يرى أنه ليس للأم أن ترجع فيما وهبت ولدها. قوله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا لَا تَعْتَصِرُ) (٤). أي: أن الأم لا تعود في هبتها. قَوْله: (وَقَالَ أَحْمَدُ (٥) وَأَهْلُ الظَّاهِرِ (٦): لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ

стр. 8641

يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَهُ؛ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَهُ إِلَّا مَا وَهَبَ لِذِي مَحْرَمٍ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ). وَالمَحْرَم هي التي تحرم عليه، فإنه في هذه الحالة ليس له أن يرجع. قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الهِبَةَ الَّتِي يُرَادُ بِهَا الصَّدَقَةُ (أَيْ: وَجْهُ اللَّهِ) أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الرُّجُوعُ فِيهَا) (٢). لأنه لا يجوز للمسلم أن يتصدق بصَدَقةٍ يقصد بها وجه الله ، ويريد الثواب عليها في الآخرة، ويسعى بأن يرفعه الله بها درجاتٍ، وأن يحط عنه بسببها سَيِّئاتٍ، ثم تضعف نفسه، وتكسر همته، ويتراجع عن هبته، فعلى الانسان أن يبذل، وأن يكون كريمًا، وألا يبخل فيما ينفقه في سبيل الله ؛ سواء كان ذلك عن طريق الصدقات أو الهبات أو فعل المعروف، فَإنَّ ذلك من أجل أن يتقرب به العبد إلى الله : "ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويديه التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنه" (٣).

стр. 8642

قَوْله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ فِي هَذَا البَابِ تَعَارُضُ الآثَارِ، فَمَنْ لَمْ يَرَ الِاعْتِصَارَ أَصْلًا: احْتَجَّ بِعُمُومِ الحَدِيثِ الثَّابِتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ" (١)). وفي بعض الأحاديث: "العائد في هبته كالذي يقيء ثم يعود في قيئه " (٢)، وهذا من أسوإ ما يكون؛ لأنه حقيقة تنفر منه النفوس، وتشمئز منه الصدور، ولذلك يبين الرسول ﷺ بأن من يهب هبةً ثم يستولي عليه الشح والبخل فيرجع في الهبة، هو بمثابة إنسان قاء قيئًا خرج من بطنه لم تقبله نفسه، ثم أعاده إليها مرة أخرى، فلا يليق بالمسلم أن يفعل مثل ذلك. قَوْله: (وَمَنِ اسْتَثْنَى الأَبَوَيْنِ، احْتَجَّ بِحَدِيثِ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ ﵊: "لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الوَالِدُ" (٣)، وَقَاسَ الأُمَّ عَلَى الوَالِدِ).

стр. 8643

وفي رِوَايةٍ: "ليس لأحدٍ أن يعطي عطيةً أو يهب هبةً، ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده" (١). قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوِ اتَّصَلَ حَدِيثُ طَاوُسٍ لَقُلْتُ بِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: قَدِ اتَّصَلَ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ، وَهُوَ ثِقَةٌ (٢)، وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ الِاعْتِصَارَ إِلَّا لِذَوِي الرَّحِمِ المُحَرَّمَةِ (٣)، فَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمٍ أَوْ عَلَى جِهَةِ صَدَقَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ الثَّوَابَ بِهَا، فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إِذَا لَمْ يُرْضَ مِنْهَا) (٤). فالذي يهب الهبة إما أن يقصد بها وجه الله، ويدفعها إلى الرحم، فلا يليق به أن يرجع، لكن إن وهب هبةً لإنسان بدافع أن يُثَاب عليها مقابل ذلك، فله أن يرجع. قوله: (قَالُوا: وَأَيْضًا فَإِنَّ الأَصْلَ أَنَّ مَنْ وَهَبَ شَيْئًا عَنْ غَيْرِ عِوَضٍ أَنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِهِ كَمَا لَوْ وَعَدَ إِلَّا مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِنَ الهِبَةِ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ. وَجُمْهُورُ العُلَمَاءِ (٥) عَلَى أَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ فَمَاتَ الِابْنُ بَعْدَ أَنْ حَازَهَا، فَإِنَّهُ يَرِثُهَا).

стр. 8644

فإن الإنسان قد يتصدق على ابنه بصدقةٍ يكون محتاجًا لها، أو وهبه هبةً، ثم مات هذا الابن، والذي يرثه هو أبوه، فهل يرث هذه الدار؟ قوله: (وَفِي مُرْسَلَاتِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا أَنْصَارِيًّا مِنَ الخَزْرَجِ تَصَدَّقَ عَلَى أَبَوَيْهِ بِصَدَقَةٍ فَهَلَكَا، فَوَرِثَ ابْنُهُمَا المَالَ وَهُوَ نَخْلٌ). فحين يُقدِّم لأبويه هذه الهبة قاصدًا بذلك برهما والإحسان إليهما، وهو بالدرجة الأولى يطلب الثواب من الله ، وأن يجازيه على هذا العمل الطيب، ومضت الأيام وإذا بالأبوين يموتان، ومَنْ يرثهما هو ذلك الابن، فهَذا الأنصاريُّ ذهب إلى رسول الله ﷺ وقال: هل لي أن أرثه؟ فقال رَسُولُ الله ﷺ : "قد أُجرت "، أي: أجرت على فعل الخير؛ لأنك عندما أخرجته إنما أخرجته بقصد الطاعة، وطلب القربى لله تعالى، وبر الوالدين، وكونه رجع إليك، فهو رجع إليك عن طريق حقك؛ لأنك ترثهما، فعاد إليك، وهذا لا يضر.

стр. 8645

قوله: (فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﵊، فَقَالَ: "قَدْ أُجِرْتَ فِي صَدَقَتِكَ، وَخُذْهَا بِمِيرَاثِكَ" (١)، وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ امْرَأَةٍ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: "كنْتُ قَدْ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِوَلِيدَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ وَتَرَكَتْ تِلْكَ الوَلِيدَةَ، فَقَالَ ﷺ : وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَجَعَتْ إِلَيْكِ بِالمِيرَاثِ" (٢)). وهذا حديثٌ ليس كالآخر، فهذا حديثٌ حسنٌ، وقد رواه الخمسة (٣). قَوْله: (وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (٤): لَا يَجُوزُ الِاعْتِصَارُ لِأَحَدٍ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊ لِعُمَرَ: "لَا تَشْتَرِهِ، فِي الفَرَسِ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهِ، فَإِنَّ العَائِدَ فِي هِبَتِهِ كالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ" (٥)، وَالحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ). وهذا الحديث له قصة، يقول عمر ﵁ والحديث في "صحيح البخاري ": حملت على فرس، فأضاعه مَنْ كان عنده، فأردت أن أشتريه، وظننت أنه بايعه برخص، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لا تَشْتره وإنْ أعطاه لك بدرهم واحد، فإن الذي يعود في صدقته كالكلب يقيء ثم

стр. 8646

يعود في قيئه" (١)، فالرجل لم يقم على خدمته، ولم يوفر له ما يحتاجه من مطعم، ولذلك قال عمر ﵁: أضاعه. وقال بعض العلماء (٢): إنه لم يعرف قَدْر هذا الفرس، ولكن أشهرها أن القصد من إضاعتها له أنه لم يقم عليها كما ينبغي، فأراد عمر ﵁ أن يستردَّه، وأن يَشْتريه، ولما رأى أن ذلكم الرجل غير عابئٍ به، وغير مهتمٍّ به، ورأى أنه سيبيعه برخص، قال: وظننت أنه بائعه برخص، لكن عمر ﵁ تقيٌّ ورع، أراد أن يعرف الحكم من رسول الله ﷺ ، فقال له رَسُولُ الله: "لا تَشْتره ولو أعطاه لك بدرهمٍ واحدٍ؛ لأنَّ العائدَ في صدقته كالعائد في قيئه "، أو "كالكلب يعود في قيئه ". * قولُهُ: (قَالَ القَاضِي (٣): وَالرُّجُوعُ فِي الهِبَةِ لَيْسَ مِنْ مَحَاسِنِ الأَخْلَاقِ، وَالشَّارعُ ﵊ إِنَّمَا بُعِثَ لِيُتَمِّمَ مَحَاسِنَ الأَخْلَاقِ (٤)، وَهَذَا القَدْرُ كَافٍ فِي هَذَا البَابِ). لأنَّ المسلمَ ينبغي أن يكون جوادًا، وينبغي أن يكون سخيًّا، إذا أخرج شيئًا ينبغي أن يُخْرجه عن طيب نفسٍ، وأن يخرجه عن رضًا، وألا تكون نفسه معلقةً به، فإذا وهب هبةً، أو أعطى عطيةً، أو تصدق بعمل من الأعمال، فإنه بذلك يريد الخير، فلا ينبغي أن يكون صدره ضيقًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾، بل على الإنسان إذا

стр. 8647

تَصدَّق بأَمْرٍ من الأمور، أو أحسن إلى أَحَدٍ، فعليه أن يحمد الله ؛ لأن الله تعالى هو الذي يسَّر له هذا الطريق، وهو الذي أعَانه عليه، وكل معروفٍ تفعله في هذه الحياة الدنيا لترفع به رأس مسلم، أو تخفف عنه كربة، فإن ذلك سيُدوَّن لك في سجل أعمالك، وستجده يومًا في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها في وقت أنت أحوج ما تكون إلى ذلك، ورسول الله ﷺ لم يكن يجمع المال، وقد مات وليس عنده دينار ولا درهم (١)، ومع ذلك كان أجود من الريح، وكان أجود ما يكون في رمضان (٢)، فهو ﵊ لا يمسك شيئًا، لكنه يعطي ويتصدق ويقدم، وهو يعطي عطاء مَنْ لا يخشى الفقر (٣)، وهو أسوتنا ﷺ . ثمَّ أشار المؤلف إلى قَضيَّةٍ أخرى، وهي أنَّ هذا الدين العظيم إنما جاء بمحاسن الأخلاق، وأن الرَّسول الخاتم إنما جاء ليتمم مكارم الأخلاق (٤)، وتَعْلمون أنَّ رَسُولَ الله ﷺ بُعِثَ في أُمَّة أميَّة (٥) قد انتشرت

стр. 8648

فيها الجاهلية (١)، ومع أنه ﵊ بعث بين أولئك الأقوام الذين سادهم الجهل، وسيطرت عليهم الخرافات إلا أنهم كانوا على بعض الصفات الكريمة، فإنهم كانوا أوفياء، وكانوا شجعانًا، وكانوا أيضًا كرماء، وبعث رسول الله ﷺ ليتمم مكارم الأخلاق، والله قد وَهَب الرسول ﷺ خلقًا عظيمًا، فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، ويقول : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. وقَدْ وصفت عائشة ﵂ خُلُقَ الرسول ﷺ لما سُئلَت عن ذلك، فقالت: "كان خلقه القرآن" (٢). والكلام في أول الأمر كان جائزًا في الصلاة حتى نزل قول الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فأمرنا بالسكوت، ونهانا عن الكلام (٣)، ولما عطس رجل في الصلاة، رد آخر لا يعلم بنسخ الكلام، فقال: "يرحمك الله "، فرأى استغراب الصحابة حتى قال: فرموني بأبصارهم حتى قال: فأخذوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما فرغ رَسُولُ الله ﷺ من

стр. 8649

الصلاة، لم يوبخه، ولم يؤنبه، قال: فبأبي وأمي ما رأيت معلمًا أحسن منه، فوالله ما قهرني، ولا شتمني، ولا ضربني، ثم بيَّن له أن الصلاة لا يصلح بها شيءٌ من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن (١). وقصة ذلك الشاب ورسول الله ﷺ في جَمْع من أصحابه، فيقول: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فتأثر الصحابة، وظهًر الغضب على وجههم، وأرادوا تأنيبه، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يتركوه، فالرسول ﷺ لم يعالج ذلك عن طريق القوة، ولكن استطاع أن ينفذ لألباب قلبه، ويمسك بسويداء فؤاده، فقال: "أترضاه لأمك؟ "، قال: لا. قال: "والناس لا يرضونه لأمهاتهم "، فخاطبه الرسول ﷺ عن طريق أمر يؤثر فيه، فلا يوجد مسلم عنده غَيْرة يَرْضى بمثل ذلك لأمه، قال: "هل ترضاه لابنتك، لإخوتك، لعماتك … " إلى أن قال: فوالله ما كرهت شيئًا أكره من الزنا" (٢).

стр. 8650

فهذه أخلاق رسول الله ﷺ ، وعندما كان يفعل ذلك، فكان يربي أصحابه ﵁ على ذلك العمل، وهو قدوة المسلمين في كل زمان، والله يقول في سورة الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾. قال المصنف رحمه الله تعالى:
следующие страницы →