يعود في قيئه" (١)، فالرجل لم يقم على خدمته، ولم يوفر له ما يحتاجه من مطعم، ولذلك قال عمر ﵁: أضاعه.
وقال بعض العلماء (٢): إنه لم يعرف قَدْر هذا الفرس، ولكن أشهرها أن القصد من إضاعتها له أنه لم يقم عليها كما ينبغي، فأراد عمر ﵁ أن يستردَّه، وأن يَشْتريه، ولما رأى أن ذلكم الرجل غير عابئٍ به، وغير مهتمٍّ به، ورأى أنه سيبيعه برخص، قال: وظننت أنه بائعه برخص، لكن عمر ﵁ تقيٌّ ورع، أراد أن يعرف الحكم من رسول الله ﷺ ، فقال له رَسُولُ الله: "لا تَشْتره ولو أعطاه لك بدرهمٍ واحدٍ؛ لأنَّ العائدَ في صدقته كالعائد في قيئه "، أو "كالكلب يعود في قيئه ".
* قولُهُ: (قَالَ القَاضِي (٣): وَالرُّجُوعُ فِي الهِبَةِ لَيْسَ مِنْ مَحَاسِنِ الأَخْلَاقِ، وَالشَّارعُ ﵊ إِنَّمَا بُعِثَ لِيُتَمِّمَ مَحَاسِنَ الأَخْلَاقِ (٤)، وَهَذَا القَدْرُ كَافٍ فِي هَذَا البَابِ).
لأنَّ المسلمَ ينبغي أن يكون جوادًا، وينبغي أن يكون سخيًّا، إذا أخرج شيئًا ينبغي أن يُخْرجه عن طيب نفسٍ، وأن يخرجه عن رضًا، وألا تكون نفسه معلقةً به، فإذا وهب هبةً، أو أعطى عطيةً، أو تصدق بعمل من الأعمال، فإنه بذلك يريد الخير، فلا ينبغي أن يكون صدره ضيقًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾، بل على الإنسان إذا
стр. 8647
تَصدَّق بأَمْرٍ من الأمور، أو أحسن إلى أَحَدٍ، فعليه أن يحمد الله ؛ لأن الله تعالى هو الذي يسَّر له هذا الطريق، وهو الذي أعَانه عليه، وكل معروفٍ تفعله في هذه الحياة الدنيا لترفع به رأس مسلم، أو تخفف عنه كربة، فإن ذلك سيُدوَّن لك في سجل أعمالك، وستجده يومًا في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها في وقت أنت أحوج ما تكون إلى ذلك، ورسول الله ﷺ لم يكن يجمع المال، وقد مات وليس عنده دينار ولا درهم (١)، ومع ذلك كان أجود من الريح، وكان أجود ما يكون في رمضان (٢)، فهو ﵊ لا يمسك شيئًا، لكنه يعطي ويتصدق ويقدم، وهو يعطي عطاء مَنْ لا يخشى الفقر (٣)، وهو أسوتنا ﷺ .
ثمَّ أشار المؤلف إلى قَضيَّةٍ أخرى، وهي أنَّ هذا الدين العظيم إنما جاء بمحاسن الأخلاق، وأن الرَّسول الخاتم إنما جاء ليتمم مكارم الأخلاق (٤)، وتَعْلمون أنَّ رَسُولَ الله ﷺ بُعِثَ في أُمَّة أميَّة (٥) قد انتشرت
стр. 8648
فيها الجاهلية (١)، ومع أنه ﵊ بعث بين أولئك الأقوام الذين سادهم الجهل، وسيطرت عليهم الخرافات إلا أنهم كانوا على بعض الصفات الكريمة، فإنهم كانوا أوفياء، وكانوا شجعانًا، وكانوا أيضًا كرماء، وبعث رسول الله ﷺ ليتمم مكارم الأخلاق، والله قد وَهَب الرسول ﷺ خلقًا عظيمًا، فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، ويقول : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقَدْ وصفت عائشة ﵂ خُلُقَ الرسول ﷺ لما سُئلَت عن ذلك، فقالت: "كان خلقه القرآن" (٢).
والكلام في أول الأمر كان جائزًا في الصلاة حتى نزل قول الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فأمرنا بالسكوت، ونهانا عن الكلام (٣)، ولما عطس رجل في الصلاة، رد آخر لا يعلم بنسخ الكلام، فقال: "يرحمك الله "، فرأى استغراب الصحابة حتى قال: فرموني بأبصارهم حتى قال: فأخذوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما فرغ رَسُولُ الله ﷺ من
стр. 8649
الصلاة، لم يوبخه، ولم يؤنبه، قال: فبأبي وأمي ما رأيت معلمًا أحسن منه، فوالله ما قهرني، ولا شتمني، ولا ضربني، ثم بيَّن له أن الصلاة لا يصلح بها شيءٌ من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن (١).
وقصة ذلك الشاب ورسول الله ﷺ في جَمْع من أصحابه، فيقول: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فتأثر الصحابة، وظهًر الغضب على وجههم، وأرادوا تأنيبه، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يتركوه، فالرسول ﷺ لم يعالج ذلك عن طريق القوة، ولكن استطاع أن ينفذ لألباب قلبه، ويمسك بسويداء فؤاده، فقال: "أترضاه لأمك؟ "، قال: لا. قال: "والناس لا يرضونه لأمهاتهم "، فخاطبه الرسول ﷺ عن طريق أمر يؤثر فيه، فلا يوجد مسلم عنده غَيْرة يَرْضى بمثل ذلك لأمه، قال: "هل ترضاه لابنتك، لإخوتك، لعماتك … " إلى أن قال: فوالله ما كرهت شيئًا أكره من الزنا" (٢).
стр. 8650
فهذه أخلاق رسول الله ﷺ ، وعندما كان يفعل ذلك، فكان يربي أصحابه ﵁ على ذلك العمل، وهو قدوة المسلمين في كل زمان، والله يقول في سورة الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 8651
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا)
[كِتَابُ الوَصَايَا] (١)
* قوْله: (وَالنَّظَرُ فِيهَا يَنْقَسِمُ أَوَّلًا قِسْمَيْنِ؛ القِسْمُ الأوَّلُ: النَّظَرُ فِي الأَرْكَانِ).
стр. 8652
والوَصَايا: جمع وصيةٍ، كأن يُقَال: هدايا جمع هدية، وعطايا جمع عطية، والوصية في المال إنما هي التبرع به بعد الموت، والوصية سيأتي كلام العلماء فيها، وأنها ليست بواجبةٍ عند جماهير العلماء (١)، لكنها تَجب في بعض الحالات، وهذه من الأشيَاء التي ينتفع الإنسان فيها؛ لأنه ربما يكون على الإنسان دَين ولا يعلم به، لا يعلم به ورثته، فيحتاج إلى أن يوصي بذلك، وربما تكون عنده أمانات فينبغي أن تؤدى، وأن يوصي بها، وربما تَكُونُ عليه حقوق لله كأن يترك زكاة المال فلم يؤدها حتى مات، أو أن عليه شيئًا من الكفارات، فهو في مثل هذه الأمور يحتاج إلى أن يوصي، وفي هذه الحالات تكون الوصية واجبة، أما فيما عدا ذلك فإنها على الصحيح من أقوال العلماء غير واجبة، بل هي مشروعة، وسيأتي الكلام والبيان في ذلك بمزيدٍ من التفصيل إنْ شاء الله.
* قوله: (وَالثَّانِي: فِي الأَحْكَامِ).
والمؤلف كعادته يقسم أيَّ كتاب يدخل فيه إلى أقسامٍ، وربما يجعله جملًا، وقلنا: إن ذلك بمثابة إضاءة لذلك الكتاب، وتوطئةً وتمهيد له حتى يكون الإنسان على تصور لذلك الباب، فهو قسمه إلى قسمين:
القسم الأول: يتحدث فيه عن الأركان.
والقسم الثاني: يتحدث فيه عن أحكام الوصية، وهو في الحقيقة لم يستوعب أحكام الوصية، بل إنه لم يمرَّ إلا على القليل منها، والسبب في ذلك معروف بيَّنه المؤلف؛ لأنه ذكر أنه لم يدون في كتابه هذا إلا أمهات
стр. 8653
المسائل، أي: كُبْرَياتها، ومن هنا سمى بعضُ العلماء كتابَه كتابَ قواعد.
" قَوْله: (وَنَحْنُ فَإِنَّمَا نَتَكَلَّمُ مِنْ هَذِهِ فِيمَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ المَسَائِلِ المَشْهُورَةِ).
فلَنْ يستوعب كل مسائل الباب كما ذكرنا، بل إنه سيعرِّج حول المسائل المشهورة التي اختلف حولها العلماء.
* قَوْله: (القَوْلُ فِي الأَرْكَانِ: وَالأرْكَانُ أَرْبَعَةٌ: المُوصِي، وَالمُوصَى لَهُ).
والمُوصِي هو الذي يوصِي لغيره، والموصَى لَه هو الذي يوصَى له بشيءٍ من المال أو بشيءٍ من المنفعة.
" قوله: (وَالمُوصَى بِهِ).
هو الشيء الذي يوصَى به كأن تكون دارًا أو مالًا أو غير ذلك.
* قولُهُ: (وَالوَصِيَّةُ).
هي التي يمْتب وتُدوَّن.
* قولُهُ: (أَمَّا المُوصِي، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ كُلُّ مَالِكٍ صَحِيحِ المِلْكِ) (١).
стр. 8654
فلا بدَّ أن يكون مالكًا لما يوصِي به، أما أن يوصِي بمال غيره فلا يجوز؛ لأن هذا من أكل أموال الناس بالباطل والتعدي عليه، والله تعالى قد نهى عن ذلك.
* قوله: (وَيَصِحُّ عِنْدَ مَالِكٍ) (١).
стр. 8655
والشافعي (١) وأحمد (٢).
* قولُهُ: (وَصِيَّةُ السَّفِيهِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي يَعْقِلُ القُرَبَ).
فجمهور العلماء يصحِّحُون وصيَّة الصغير، لكن ذلك ليس على إطلاقه، فمن العلماء من قال: كل صغير قد ميَّز فإنه تجوز وصيَّته، وقد قال الرسول ﷺ : "مُرُوا أبنَاءكم بالصَّلاة لسبعٍ، واضربوهم عليها لعشر" (٣)، فاعتبر بعضهم أن سنَّ التمييز هو سبعٌ، وهذا مرويٌّ عن الحنابلة، ورُوِيَ عنهم عشر سنوات، ورُوِيَ عنهم اثنتا عشرة سنة (٤)، ومن العلماء مَنْ لم
стр. 8656
يحدد في ذلك حدًّا كالإمام مالك، بل ترك ذلك إلى حال الصبي، فإنه يوجد من الصغار مَنْ يهبه الله تعالى ذكاءً وفطنةً ووعيًا وإدراكًا، فيتميز على غيره من الكبار، وربما تجد إنسانًا قد تقدم به العمر وهو لا يزال في سن الصبيان.
* قَوْله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَجُوزُ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ (١)، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ القَوْلَانِ (٢) وَكَذَلِكَ وَصِيَّةُ الكَافِرِ تَصِحُّ عِنْدَهُمْ إِذَا لَمْ يُوصِ بِمُحَرَّمٍ (٣)).
стр. 8657
والله تعالى يقول في شأن الكافرين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، ويقول: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾.
ولذلك، اختلفَ العلماء في مسألةٍ معروفةٍ، وهي: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ (١) فبعضهم قالوا: غير مخاطبين؛ لأن عملهم مردود، ولا أثر له (٢)، وبعضهم قال: لا، يُخَاطبون بها، والمخاطبة
стр. 8658
المقصود بها العقاب، أي: أنهم يعاقبون على هذه الأعمال زيادةً على عقابهم بسبب كفرهم بالله (١)، فهل في وصية الكافر منفعة؟
وهذه قضية ناقشها بعض العلماء، وقال: إن القصد من الوصية إنَّما هو طلب الخير وفعل الخير، وأن يستفيد الإنسان بعد وفاته، فما الذي سيستفيده الكافر؟ وقالوا: إن ذلك جائز قياسًا على إعتاقه؛ لأن له أن يعتق، والعتق فيه مصلحة، ومن هنا ذَهَب جمهور العلماء إلى أن الكافر له أن يوصي ما لم يوصِ بمحرمٍ كما ذكر المؤلف.
* قَوْله: (وَأَمَّا المُوصَى لَهُ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الوَصِيَّةَ لَا تَجُوزُ لِوَارِثٍ) (٢).
لأن هذا هو نص حديث رسول الله ﷺ : "إن الله أعطى كل ذي حقٍّ حقه، فلا وصية لوارث" (٣).
* قولُهُ: (لِقَوْلِهِ ﵊: "لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ").
وهذا الحديث صحيح.
* قَوْله: (وَاخْتَلَفُوا: هَلْ تَجُوزُ لِغَيْرِ القَرَابَةِ؟).
وهذه مسألة أخرى، فالله قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ
стр. 8659
الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾، فالآية فيها الوصية للوالدين والأقربين، وجمهور العلماء يقولون: إن هذه الآية نسخت، ونسختها آيات المواريث، كما جاء ذلك عن عبد الله بن عمر (١)، وكذلك عن عبد الله بن عباس (٢) ﵃، نسخت لأهل المواريت، وبقي الأقربون، فالأقربون هم موجودون في هذه الآية، أما الذي يرث فإنه لا وصية له.
* قولُهُ: (فَقَالَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ).
ومنهم الأئمة الأربعة (٣).
وفي هذا دليل بأن الإنسان ليس له حقيقة أن يوصي بجميع ماله، أَوْ أن ينفق جميع ما عنده من مالٍ، ثم بعد ذلك يبقى هو في حياته وأولاده عالةً على غيرهم، وربما لا يكون له كسبٌ، وربما لا يكون صاحب وظيفة أو صنعة، فيبقى محتاجًا للمال، وبعد وفاته ينبغي أيضًا أن يترك شيئًا للأولاد.
* قَوْله: (وَأَجْمَعُوا -كَمَا قُلْنَا- أَنَّهَا لَا تَجُوزُ لِوَارِثٍ إِذَا لَمْ يُجِزْهَا الوَرَثَةُ. وَاخْتَلَفُوا -كَمَا قُلْنَا- إِذَا أَجَازَتْهَا الوَرَثَةُ، فَقَالَ الجُمْهُورُ (١): تَجُوزُ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (٢) وَالمُزَنِيُّ (٣): لَا تَجُوزُ).
стр. 8662
فإذا أوصى لوارثٍ، فهل تجوز الوصية أو أنها موقوفةٌ على إجازة الوَرثة؟ جمهور العلماء قالوا: إذا أجَازَ ذلك الورثَة جازت، وأهل الظاهر والمزني من الشافعية قالوا: لا تَجُوز.
* قَوْله: (وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلِ المَنْعُ لِعِلَّةِ الوَرَثَةِ أَوْ عِبَادَةٍ؟).
أَيْ: هل العلة في المنع هو الضرر الذي يلحق بقية الورثة أو أنَ العلة في ذلك ألا يدع ورثته عالةً يتكففون الناس.
* قَوْله: (فَمَنْ قَالَ: عِبَادَةٌ، قَالَ: لَا تَجُوزُ وَإِنْ أَجَازَهَا الوَرَثَةُ).
فالذي ورد في علة المنع إما أن يكون الأمر للتعبد، وإما أن يكون لمصلحة الورثة، فإن كان لمصلحة الورثة فإنه أمر معقول؛ لأن الرسول ﷺ قال لسعد: "إنَّك إنْ تدِع ورثتك أغنياء خيرًا من أن تدعهم عالةً يتكفَّفون الناس " (١)، وإنْ كان لأمْرٍ تَعبديٍّ، فينبغي أن نسلِّم له؛ لأنه توقيفي لا مجال للرأي فيه.
وَالظَّاهر من الحديث أنه يدل على أن مصلحةَ الورثة قد رُوعيَت في ذلك، لكن الجمهور أيضًا يحتجُّون بما جاء في حديث: "إن الله أعطى ممل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" (٢).
стр. 8663
وجاء في بعض روايات هذا الحديث زيادة: "إلا أن يجيزها الورثة " (١).
وفي روايةٍ: "إلا أن يشاء الورثة" (٢).
وهذه الزيادة تكلم عليها علماء الجرح والتعديل، وانتهوا إلى أن هذه الطرق إذا جمعت مع ضعفها تصبح صالحةً للاحتجاج بها.
* قَوْله: (وَمَنْ قَالَ بِالبيعِ لِحَقِّ الوَرَثَةِ أَجَازَهَا إِذَا أَجَازَهَا الوَرَثَةُ.
وَتَرَدُّدُ هَذَا الخِلَافِ رَاجِعٌ إِلَى تَرَدُّدِ المَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ "، هَلْ هُوَ مَعْقُولُ المَعْنَى أَمْ لَيْسَ بِمَعْقُولٍ؟).
فإن كان معقول المعنى، فيكون روعي في ذلك حق الورثة؛ لأن رسول الله ﷺ قال: "أن تاع ورثتك أغنياء خير من تدعهم عالة يتكففون الناس " (٣)، وهنا العلة واضحة؛ لأن الوَرَثة روعيت أحوالهم، أو أن ذلك أمر غير معقول أي: تعبدي، فلا مجال للرأي فيه، والذي يظهر أن العلة واضحة، وأيضًا يؤيد ذلك رواية: "إلا أن يجيزها الورتة".
* قَوْله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الوَصِيَّةِ لِلْمَيِّتِ، فَقَالَ قَوْمٌ: تَبْطُلُ بِمَوْتِ المُوصَى لَهُ، وَهُمُ الجُمْهُورُ (٤)).
стр. 8664
فإذا مات الموصَى له في حياة الموصِي، بطلت الوصية، وهذا رأي الأئمة.
* قَوْله: (وَقَالَ قَوْمٌ: لَا تَبْطُلُ (١)، وَفِي الوَصِيَّةِ لِلْقَاتِلِ خَطَأً وَعَمْدًا).
ومسألة جواز الوصية للقاتل -وهذه مسألة اختلف فيها العلماء- فأجاز ذلك الإمام مالك (٢)، وهو أيضًا وجهٌ عند الحنابلة (٣)، وأظهر
стр. 8665
القولين عند الشافعية (١)، وحجة الذين أجازوها أنهم قاسوها على الهبة، لأنهم يَقُولون: هذه الوصية هي بمثابة عَطيَّةٍ وَهبَةٍ، لكنها مؤجلة بعد الموت، لكن اشترط العلماء القبض فيها، وبخاصة في المكيل والموزون.
والحنابلة لهم ثلاثة أوجه في المسألة، الوجه الأول: أنها جائزة، والشافعي له قولان، أظهرهما في المذهب أن ذلك جائز، وذهب أبو حنيفة ﵀ (٢) وهو القول الثاني للإمام الشافعي ووجه عند الحنابلة بأنها لا تجوز، وقاسوا ذلك على الميراث وقالوا: إذا كان القاتل لا يرث المقتول، والميراث أقوى من الوصية، فمن باب أولى ألا تجوز الوصية.
وهذه المسألة فيها خلاف فى كل المذاهب، والأَوْلَى ألَّا يرجعوا؛ لأن هذا يتعارض مع عزة النفس، وبعض العلماء يرون أنهم لو رجعوا، فهذا حق لهم، وبعضهم يقول: لا، قد نفذت وانتهى الأمر.
* قَوْله: (وَقِيلَ بِالفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الوَرَثَةُ فِي عِيَالِ المَيِّتِ، أَوْ لَا يَكُونُوا، أَعْنِي أَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا فِي عِيَالِهِ كَانَ لَهُمُ الرُّجُوعُ، وَثَلَاثَةُ الأَقْوَالِ فِي المَذْهَبِ) (١).
والخلاف في غير مذهب مالك.
فَكَما مرَّ بنا في الهبة: هناك هبة عين، وهناك هبة منفعة، فهنا في الوصية وصية رقاب، ووصية منفعة، ولا خلاف بين العلماء في جواز الوصية في الرقاب، أيْ: في الأعيان، لكن الخلاف بينهم في جوازها في المنافع.
* قَوْله: (فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ: ذَلِكَ جَائِزٌ) (١).
стр. 8670
لأنه ليس هناك ما يمنعه، فلو أوصى له بسكنى هذه الدار، وأن يستفيد من هذا البستان، فهذه وصية يُسْتفاد بها، وجمهور العلماء لا يرون مانعًا من ذلك، وعلتهم في ذلك كأنهم يقولون: هذه المنافع إنما هي تملك في عقود المُعَاوضات، فَكَذلك أيضًا هنا تجوز، فأنت تستأجر الدار، وتدفع أجرتها، ولا تستفيد من الحين، فقد لا تسكنها ولو ليومٍ واحدٍ، وذكرت ذلك التعليل؛ لأن المؤلف لم يُشِرْ إليه.
* قَوْله: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ (١)، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ (٢): الوَصِيَّةُ بِالمَنَافِعِ بَاطِلَةٌ).
وهذا خلاف قول الجمهور، ومنهم الأئمة؛ لأنه إذا لم يصرح بذكر أحد الأئمة، فمعنى ذلك أنه داخل في قول الجمهور.
* قولُهُ: (وَعُمْدَةُ الجُمْهُورِ أَنَّ المَنَافِعَ فِي مَعْنَى الأمْوَالِ. وَعُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ المَنَافِعَ مُنْتَقِلَةٌ إِلَى مِلْكِ الوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ المَيِّتَ لَا مِلْكَ لَهُ، فَلَا تَصِحُّ لَهُ وَصِيَّةٌ بِمَا يُوجَدُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ).
لكنه عندما أوصى كان ذلك في حياته، وعندما أوصى كان ذلك داخلًا في ملكه، فهو لم يوص بما لم يملكه، بل هُوَ ملكٌ انتقل إلى غيره، فلَوْ كان عليه دَين مع أنَّ هذا المَال قد انتقل من ملكه، فمن غير شك أنه يؤدَّى الدَّين من ذلك المال، وكذلك أيضًا الوصية، لو كانت عنده
стр. 8671
أماناتٌ للآخرين، فيجب أن تؤدَّى، فهَذا هو حقيقة مذهب جمهور العلماء، وهُوَ الراجح في هذه المسألة.
* قَوْله (وَإِلَى هَذَا القَوْلِ ذَهَبَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ (١)).
وَأَمَّا القَدْرُ: فَإِنَّ العُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الوَصِيَّةُ فِي أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لِمَنْ تَرَكَ وَرَثَةً (٢). وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَمْ يَتْرُكْ وَرَثَةً، وَيي القَدْرِ المُسْتَحَبِّ مِنْهَا، هَلْ هُوَ الثّلثُ أَوْ دُونَهُ؟) (٣).
وقد تعرَّض المؤلف لشيءٍ، وَتَرك شيئًا آخر، وربما يكون للمؤلف وجهة نظر؛ لأن هذا لم ينته العلماء فيه إلى شيءٍ، ولكننا انتهينا إلى أن الوصية مشروعةٌ، وأنَّ الله تعالى حضَّ عليها، وأن الرسول ﷺ رغب فيها، وإنْ كان الرسول ﷺ لم يوصِّ، فإن الرسول لم يترك شيئًا؛ لأن عائشة ﵂ ذكرت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ مات ولم يترك دينارًا ولا درهمًا ولا بعيرًا ولا شاةً (٤)، وجاء في حديث آخر أن رسول الله ﷺ : "أوصى بكتاب الله" (٥)، وما أعظمَها من وَصيَّةٍ! ومن أعظم ما وصى به رسول الله ﷺ : تقوى الله (٦)، ولا شك بأن خير وصية وأن
стр. 8672
خير ما يفعله الإنسان هو أن يتمسك بما في هذا الكتاب العظيم.
* قَوْله: (وَإِنَّمَا صَارَ الجَمِيعُ إِلَى أَنَّ الوَصِيَّةَ لَا تَجُوزُ فِي أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لِمَنْ لَهُ وَارِثٌ).
وفي الحقيقة فإنهم اختلفوا في ذلك القدر المعين الذي إذا امتلكه الإنسان يوصي، فلم يَرِدْ فيه شيءٌ مستقرٌّ، وقد أثر عن بعض الصحابة: مَنْ كان عنده سبع مئة درهم فلا يوصي (١)، وبعضهم ثمان مئة (٢)، وبعضهم قال: ألف درهم (٣)، وبعضهم قال: أربع مئة دينار (٤)، وبعضهم قال: يوصي إذا بلغ ما عنده ألفًا وخمس مئة درهم (٥)، فهم مختلفون في هذا القدر، ولذلك نجد أنه أمر نسبي لا يمكن تحديدُهُ، ولذلك لما سأل رجلٌ عائشةَ بأنه يملك ثلاثة آلاف درهم وعنده أربعة أولاد، فأمرته بأن يترك
стр. 8673
ذلك لأولاده، وقالت: "دعهم لأولادك" (١)، فلم يرد تحديد في ذلك، ولذلك لم يتعرض له المؤلف، والأمر نسبي، فلا يقاس هذا الزمان بذاك الزمان، فثلاثة آلاف في ذاك الزمان تعادل شيئًا كثيرًا بالنسبة لهذا الزمان، فالآن الذي يملك مئة ألفٍ لا يعتبر يملك شيئًا، فقد تجد عليه الديون الكثيرة، وربما يملك المليون، ويختلف أيضًا باختلاف الأشخاص، قد تجد شخصًا عنده مئة ألف دينار، لكنه عنده وظيفة أو صنعة يشتغل فيها ويكسب كسبًا طيبًا، فعنده دَخْل، فهذا يوصي بأي شيء، وربما تجد آخر عنده مال لكنه ينفق هذا المال، فليس عنده أي مصدر من المصادر التي تضيف إليه شيئًا من الكسب، فهم يختلفون.
* قَوْله: (وَإِنَّمَا صَارَ الجَمِيعُ إِلَى أَنَّ الوَصِيَّةَ لَا تَجُوزُ فِي أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لِمَنْ لَهُ وَارِثٌ بِمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ عَادَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ بَلَغَ مِنِّي الوَجَعُ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا"، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: "لَا"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذْرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ "، فَصَارَ النَّاسُ لِمَكَانِ هَذَا الحَدِيثِ إِلَى أَنَّ الوَصِيَّةَ لَا تَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، وَاخْتَلَفُوا فِي المُسْتَحَبِّ مِنْ ذَلِكَ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ مَا دُونَ الثُّلُثِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊ فِي هَذَا الحَدِيثِ: "وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" (٢).
* قَوْله: (وَقَالَ بِهَذَا كَثيرٌ مِنَ السَّلَفِ (١). قَالَ قَتَادَةُ: أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالخُمْسِ، وَأَوْصَى عُمَرُ بِالرُّبْعِ (٢)، وَالخُمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ).
وقد اختلفَ العُلَماء؛ لأن الرسول ﷺ قال: "الثلث والثلث كثير"، فلم يقل الثلث وسكت، وإنما قال: "الثلث والثلث كثير"، فمن العلماء مَنْ فهم من ذلك أن الأَوْلَى هو ما دون الثلث، ومنهم مَنْ فهم أن الحد الأعلى هو الثلث، فقال: يوصي بالثلث، وأكثر العلماء على أن المستحب هو ألا يصل إلى الثلث، وقد جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ اللَّهَ تصدق عليكم بصدقةٍ عند وفاتكم زيادةً في أعمالكم ألا وهي الوصية" (٣).
ثمَّ أشَار المؤلف إلى اختلاف الصحابة ﵃، فرُوِيَ عن أبي بكرٍ ﵁ أنه تصدَّق بالخمس، وأوصى بالخمس، ولما سُئِلَ قال: "أفعل ما فعله الله "، والله سبحان وتعالى يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، وقال: "أستحب ما استحبه الله (٤)، فنرى أنَّ أبا بكرٍ ﵁ له مأخذ دقيق، وأنه عندما اختار الخمس بنى ذلك على قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، وأثر عن عمر ﵁ أنه أوصى
стр. 8676
بالربع (١)، وأثر ذلك عن عليٍّ ﵁ (٢)، ومن العلماء من قال: العُشْر (٣)، ومنهم من قال: السدس (٤) إلى غيره.
* قَوْله: (وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ المُسْتَحَبَّ هُوَ الثُّلُثُ، فَإِنَّهُمُ اعْتَمَدُوا عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَكُمْ فِي الوَصِيَّةِ ثُلُثَ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ" (٥).
لأنَّ المقصود هنا هو الأجر والثواب، والله يبارك الأعمال، دقد تعمل أعمالًا قليلةً تقصد بها وجه الله، فيباركها لك، والنبي ﷺ قال: "لَا تحقرنَّ من المعروف ولَوْ أن تلقى أخاك بوجهٍ طليقٍ" (٦)، وفي الحديث: أن الإنسان لو تصدق بعدل تمرة وكانت حلالًا، فالله يربيها كما يربي أحدنا فَلُوَّه حتى تكون كالجبل (٧).
стр. 8677
* قَوْله: (وَهَذَا الحَدِيثُ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ) (١).
لكن له عدة طرق، وقد جمعها العلماء، فحسنوا سنده، فيصبح حُجَّةً لمن أخذ به (٢).
* قَوْله: (وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ غَضَّ النَّاسُ فِي الوَصِيَّةِ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبْع لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ؛ لِا"نَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" (٣).
فمَا دَامِ الرَّسول قد سماه كثيرًا، فينبغي أن يغض إلى الربع أو الخمس كما ثبتَ عن ابن عباس ﵄.
* قَوْله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ الوَصِيَّةِ بمكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لِمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، فَإِنَّ مَالِكًا (٤) لَا يجِيزُ ذَلِكَ وَالأَوْزَاعِيُّ (٥)، وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ
стр. 8678
أَحْمَدَ (١)، وَأَجَازَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) وَإِسْحَاقُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ (٣)، وَسَبَبُ الخِلَافِ: هَلْ هَذَا الحُكْمُ خَاصٌّ بِالعِلَّةِ الَّتِي عَلَّلَهُ بِهَا الشَّارعُ أَمْ لَيْسَ بِخَاصٍّ).
وَيُقْصد بالشارع هنا رسول الله ﷺ ، فهو الذي جاء بتشريع هذه الأحكام المبلغة له عن الله عن طريق جبريل.
* قوله: (وَهُوَ أَلَّا يَتْرُكَ وَرَثتهُ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، كمَا قَالَ ﵊: "إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ" (٤).
فلا شكَّ أن العلة ظاهرة، والأمر واضح، وأنَّ كل إنسان يحب
стр. 8679
أبناءه، وإذا كان يحبهم ويشفق عليهم في حياته فينبغي أن تدوم هذه المحبة وأن تستقر، وهم بحاجة إليه بعد وفاته أكثر، وهو لا يستطيع أن يقدم لهم نفعًا بعد أن يموت إلا عن طريق هذا المال الذي يتركه لهم.
* قَوْله: (فَمَنْ جَعَلَ هَذَا السَّبَبَ خَاصًّا، وَجَبَ أَنْ يَرْتَفِعَ الحُكْمُ بِارْتِفَاعِ هَذِهِ العِلَّةِ، وَمَنْ جَعَلَ الحُكْمَ عِبَادَةً وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ، أَوْ جَعَلَ جَمِيعَ المُسْلِمِينَ فِي هَذَا المَعْنَى بِمَنْزِلَةِ الوَرَثَةِ، قَالَ: لَا تَجُوزُ الوَصِيَّةُ بِإِطْلَاقٍ بِأَكثَرَ مِنَ الثُّلثِ).
لأنَّ الحكم تعبديٌّ وتوقيفيٌّ، فلا تجوز الزيادة على الحدِّ الذي ذكره الشارع، أما مَنْ يُجوِّزُ الزيادة على الثلث، فإنه يربط الحكم بالعلَّة، فإذا زالت العلَّة كان للحكم أن يرتفع ويتغيَّر معها.
* قَوْله: (القَوْلُ فِي المَعْنَى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ لفْظُ الوَصِيَّةِ).
فالوصيَّة لها لفظٌ خاصٌّ، وسيتكلم المؤلف عن عددٍ من المسائل بإيجاز ثم ينتقل إلى مبحث آخر يفصل القول فيه؛ لأنه قد فصل في مذهب المالكية.
* قولُهُ: (وَالوَصِيَّةُ بِالجُمْلَةِ هِيَ هِبَةُ الرَّجُلِ مَالَهُ لِشَخْصٍ آخَرَ).
وهذا هو مصطلح المالكية؛ لأنهم يعبرون عنها بلفظ الهبة، فلو قال: وهبت كذا وقصد الوصية، فإن ذلك يصلح.
* قولُهُ: (أَوْ لِأَشْخَاصٍ بَعْدَ مَوْتِهِ).
وربما يكون لغير الأشخاص، وربما يكون لأَشْخَاصٍ غير محصورين كما سنبين إن شاء اللّه.
* قولُهُ: (أَوْ عَتْقُ غُلَامِهِ، سَوَاءٌ صَرَّحَ بِلَفْظِ الوَصِيَّةِ أَوْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ).
وقد يكون عتق غلامًا أو أكثر من غلام، لكن المهم أنه يقصد به الثواب ووجه الله تعالى.
стр. 8680
* قولُهُ: (وَهَذَا العَقْدُ هُوَ مِنَ العُقُودِ الجَائِزَةِ بِاتِّفَاقٍ) (١).
وهذه من المواضع التي أجمل فيها المؤلف، فقال: هو عقد من العقود الجائزة، ووجه هذا ودلالته أن الوصية ليست بواجبةٍ، وهذا في الحقيقة هو مذهب جمهور العلماء (٢)؛ لأن الله يقول في شأن الوصية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾، فذهب بعض العلماء من التابعين إلى أن الوصية واجبة، أي: أنها لا تزال واجبة، وأن الذي نُسِخَ إنما هو إيجابُها في حق الوالدين ومَنْ له حق الإرث من الورثة، أما ما عدا هؤلاء من القرابة فإن الوصية باقية في حقهم بقاءً واجبًا، وأُثِرَ ذلك عن الإمام الزهري من التابعين (٣)، وعن مسروق وقتادة، وكذلك أيضًا عن ابن جرير الطبري (٤) المفسر المَعْروف، وهو قول داود
стр. 8681
الظاهري (١)، وأثر أيضًا عن غير هؤلاء، واستدلُّوا بالكتاب والسُّنَّة:
* أما الكتاب، فالآية التي قد ذكرناها، وقالوا: إن الآية باقية على أصلها، وما نسخ منها إنما يتعلق بالوالدين والأقربين، وفي ذلك إشارة إلى قول الله : ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
* واستدلوا من السُّنة بحديث عبد الله بن عمر المتفق عليه الذي مر بنا أن رسول الله ﷺ قال: "ما حَقُّ امرئٍ مسلم له مال يوصي فيه لا يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" (٢)، وفي بعضهًا: "ثلاثًا" (٣)، وفي بعضها: "ليلة" (٤)، قالوا: فهذا الحديث أيضًا يدل على الوجوب.
أمَّا جماهير العلماء وهم الذين اكتفى المؤلف بقولهم، ومن بينهم الأئمة الأربعة وإنْ كان يوجد في بعض المذاهب مَنْ يرى وجوبها في حق مَن ذكرنا، لكن رأي الأئمة الأربعة والذي أشار إليه المؤلف نقلًا عن ابن عبد البر: بأن الوصية ليست بواجبة (٥)، ودليلهم على عدم وجوبها بأنه لم ينقل عن كثيرٍ من الصحابة ﵃ أنهم أوصوا، ولم ينقل أيضًا ما ينكر ذلك؛ لأنه أنكر على بعضهم بأنه لم يوصِ، قالوا: فدل ذلك على أنها غير واجبةٍ.
стр. 8682
واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا﴾ حَقًّامهو، فقالوا: ذكر المعروف في الآية يدل على عدم الوجوب؛ لأن المعروف إنما هو التطوع، فليست بواجبة.
وَاستدلُّوا أيضًا بما أُثِرَ عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: "آية الوصية نسخها قول الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ " (١)، وأيضًا جاء عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "نَسَختها -آية الوصية- آيةُ المواريث" (٢).
وَأجَابوا عن دليل الفريق الأول فَقَالوا: إنَّ الآية -كما ذكرنا- نُسخَت، وأجَابوا عن الحديث الذي ذكرناه أيضًا: "ما حق امرئ مسلم له مال يوصي فيه أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه" (٣)، بأن المقصود به مَنْ توفي وعليه واجب كأن يكون عليه دَين، أو عنده أمانة أو وديعة، أو غير ذلك مما يجب عليه، فهذا في حقه، وبهذا يَتَبيَّن أن جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الأربعة- يرون أن الوصية قد انتقلت من الوجوب الذي كان أوَّلًا قبل أن يكونَ هناك ميراث، ثم بعد ذلك أصبحت مستحبةً وسُنَّةً من السنن خلافًا لما خالف في ذلك.
* قولُهُ: (أَعْنِي: أَنَّ لِلْمُوصِي أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا أَوْصَى بِهِ) (٤).
стр. 8683
ولَوْ قال: باتفاق الجمهور كما قال ابن عبد البر مصدره لَكان أَوْلَى.
* قولُهُ: (إِلَّا المُدَبَّرَ (١)، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّدْبِيرِ).
فإذَا أوصَى إنسانٌ لآخر بدارٍ وبستانٍ، فله أن يرجع في وصيته، فيسترد تلك الدار وذلك البستان، أما إذا توفي وكان قد حصل القبول ممن أوصي له، فإنَّ الأمر قد انتهى وأصبحت مُتَعَينةً في حق الموصى له، وأصبحت حقًّا من حُقُوقه، ففي هذه الحالة له قبل الموت أن يرجع في
стр. 8684
وصيته كلها أو بعضها، والمؤلف قال: له أن يرجع في وصيته، والمراد: له أن يرجع بجميع ما أَوْصَى به، وله أن يرجع في بعضه، وقال: إلا المدبر، وكان الأَوْلَى حقيقةً أن يذكر العتق (١)؛ لأنَّ هذا فيه خلافٌ بين العلماء، فلو أوصى بعتق شخص كما ذكر المؤلف: بعتق غلام أو أكثر، فهل له أن يرجع في ذلك أو لا؟ وقد أخذ المؤلف برأي أكثر العلماء، فإن العتق عند كثير من العلماء، وله أيضًا أن يرجع فيه كالحَال بالنسبة أيضًا لغير العتق (٢)، ومن العلماء مَنْ قال: ليس له أن يرجع فيه، وهذا
стр. 8685
أيضًا قد أُثِرَ عن بعض التابعين ممن نقل عنه ذلك الشعبي وهو من التابعين، وكذلك ابن سيرين، ونقل أيضًا عن قتادة (١) وعن غير هؤلاء (٢).
* قَوْله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ لِلْمُوصَى لَهُ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ المُوصِي) (٣).
لأنه قبل موته بإمكانه أن يرجع فيها في أي وقت من الأوقات كما مرَّ، لكن عندما يحصل قبولٌ من الموصَى له وَيمُوت المُوصِي، أصبحت متعينةً وحقًّا ثابتًا وملكًا مستقرًّا للموصى له.
* قَوْله (وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ المُوصَى لَهُ، هَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ (٤): قَبُولُ المُوصَى لَهُ إِيَّاهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ