الظاهري (١)، وأثر أيضًا عن غير هؤلاء، واستدلُّوا بالكتاب والسُّنَّة:
* أما الكتاب، فالآية التي قد ذكرناها، وقالوا: إن الآية باقية على أصلها، وما نسخ منها إنما يتعلق بالوالدين والأقربين، وفي ذلك إشارة إلى قول الله : ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
* واستدلوا من السُّنة بحديث عبد الله بن عمر المتفق عليه الذي مر بنا أن رسول الله ﷺ قال: "ما حَقُّ امرئٍ مسلم له مال يوصي فيه لا يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" (٢)، وفي بعضهًا: "ثلاثًا" (٣)، وفي بعضها: "ليلة" (٤)، قالوا: فهذا الحديث أيضًا يدل على الوجوب.
أمَّا جماهير العلماء وهم الذين اكتفى المؤلف بقولهم، ومن بينهم الأئمة الأربعة وإنْ كان يوجد في بعض المذاهب مَنْ يرى وجوبها في حق مَن ذكرنا، لكن رأي الأئمة الأربعة والذي أشار إليه المؤلف نقلًا عن ابن عبد البر: بأن الوصية ليست بواجبة (٥)، ودليلهم على عدم وجوبها بأنه لم ينقل عن كثيرٍ من الصحابة ﵃ أنهم أوصوا، ولم ينقل أيضًا ما ينكر ذلك؛ لأنه أنكر على بعضهم بأنه لم يوصِ، قالوا: فدل ذلك على أنها غير واجبةٍ.
стр. 8682
واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا﴾ حَقًّامهو، فقالوا: ذكر المعروف في الآية يدل على عدم الوجوب؛ لأن المعروف إنما هو التطوع، فليست بواجبة.
وَاستدلُّوا أيضًا بما أُثِرَ عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: "آية الوصية نسخها قول الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ " (١)، وأيضًا جاء عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "نَسَختها -آية الوصية- آيةُ المواريث" (٢).
وَأجَابوا عن دليل الفريق الأول فَقَالوا: إنَّ الآية -كما ذكرنا- نُسخَت، وأجَابوا عن الحديث الذي ذكرناه أيضًا: "ما حق امرئ مسلم له مال يوصي فيه أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه" (٣)، بأن المقصود به مَنْ توفي وعليه واجب كأن يكون عليه دَين، أو عنده أمانة أو وديعة، أو غير ذلك مما يجب عليه، فهذا في حقه، وبهذا يَتَبيَّن أن جمهور العلماء -ومنهم الأئمة الأربعة- يرون أن الوصية قد انتقلت من الوجوب الذي كان أوَّلًا قبل أن يكونَ هناك ميراث، ثم بعد ذلك أصبحت مستحبةً وسُنَّةً من السنن خلافًا لما خالف في ذلك.
* قولُهُ: (أَعْنِي: أَنَّ لِلْمُوصِي أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا أَوْصَى بِهِ) (٤).
стр. 8683
ولَوْ قال: باتفاق الجمهور كما قال ابن عبد البر مصدره لَكان أَوْلَى.
* قولُهُ: (إِلَّا المُدَبَّرَ (١)، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّدْبِيرِ).
فإذَا أوصَى إنسانٌ لآخر بدارٍ وبستانٍ، فله أن يرجع في وصيته، فيسترد تلك الدار وذلك البستان، أما إذا توفي وكان قد حصل القبول ممن أوصي له، فإنَّ الأمر قد انتهى وأصبحت مُتَعَينةً في حق الموصى له، وأصبحت حقًّا من حُقُوقه، ففي هذه الحالة له قبل الموت أن يرجع في
стр. 8684
وصيته كلها أو بعضها، والمؤلف قال: له أن يرجع في وصيته، والمراد: له أن يرجع بجميع ما أَوْصَى به، وله أن يرجع في بعضه، وقال: إلا المدبر، وكان الأَوْلَى حقيقةً أن يذكر العتق (١)؛ لأنَّ هذا فيه خلافٌ بين العلماء، فلو أوصى بعتق شخص كما ذكر المؤلف: بعتق غلام أو أكثر، فهل له أن يرجع في ذلك أو لا؟ وقد أخذ المؤلف برأي أكثر العلماء، فإن العتق عند كثير من العلماء، وله أيضًا أن يرجع فيه كالحَال بالنسبة أيضًا لغير العتق (٢)، ومن العلماء مَنْ قال: ليس له أن يرجع فيه، وهذا
стр. 8685
أيضًا قد أُثِرَ عن بعض التابعين ممن نقل عنه ذلك الشعبي وهو من التابعين، وكذلك ابن سيرين، ونقل أيضًا عن قتادة (١) وعن غير هؤلاء (٢).
* قَوْله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ لِلْمُوصَى لَهُ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ المُوصِي) (٣).
لأنه قبل موته بإمكانه أن يرجع فيها في أي وقت من الأوقات كما مرَّ، لكن عندما يحصل قبولٌ من الموصَى له وَيمُوت المُوصِي، أصبحت متعينةً وحقًّا ثابتًا وملكًا مستقرًّا للموصى له.
* قَوْله (وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ المُوصَى لَهُ، هَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ (٤): قَبُولُ المُوصَى لَهُ إِيَّاهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ
وَمَالِكٌ شَبَّهَهَا بِالهِبَةِ (١)).
وهذه المسألةُ حقيقةً تحتاج إلى تفصيل، والمؤلف أجمل في هذه المواضع، فالموصَى له لا يخلو إما أن يكون معينًا أو غير معينٍ، أي: منحصرًا أو غير منحصرٍ، فلو أوصى لرجلٍ أو لرجلين أو عشرة وسماهم، فجمهور العلماء يَشْتَرطون القبول، أما إذا كان لا ينحصر كأن يوصي لقبيلة حرب أو تميم أو قريش أو غير ذلك من القبائل، أو يوصي على فعل عملٍ من أعمال البر بناء المساجد وشق الطرقات، وكذلك أيضًا حفر الآبار وبناء المستشفيات والمدارس وغير ذلك، فإن هذا حقيقة لا يحصل بالتعيين، فلا يحتاج إلى قبول، وإنما يصبح واجبًا متعينًا لازمًا بعد الموت، لكن لو تبرع لجمعية من الجمعيات أو لمؤسسة من المؤسسات وكان عليها قيد، فحينئذ يقال بحصول القبول، فإن كانت الوصية لمعين، فيشترط فيها عند جمهور العلماء أن يحصل القبول من الموصى عليه، لكن هناك وجه عند الحنابلة (٢) وأيضًا قول عند
стр. 8688
الشافعية (١) فإنهم أيضًا لا يشترطون ذلك، فالمؤلف لم يذكر فيما مرَّ إلا قليلًا منها.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(القَوْلُ فِي الأَحْكَامِ؛ وَهَذِهِ الأَحْكَامُ مِنْهَا لَفْظِيَّةٌ، وَمِنْهَا حِسَابِيَّةٌ، وَمِنْهَا حُكْمِيَّةٌ).
فمنها حسابيَّة؛ لأن هناك مسائل في الوصايا تشتبه مع الفرائض التي ستأتي بعد هذا الكتاب، ولا شك أنه إذا مات، ترتب على موته البدء بتجهيزه، ومؤنة هذا التجهيز إنما تُؤْخذ من ماله، ثم بعد ذلك تُسَدَّد عنه الدُّيون، والدَّينُ ينقسمُ إلى قسمين، وهذا سنأخذه تفصيلًا في كتاب الفرائض، ثم تأتي الوصية بعد ذلك، وهذا يدل على أهمية الوصية، ثم بعد ذلك ينتقل إلى الإرث.
* قولُهُ: (فَمِنْ مَسَائِلِها المَشْهُورَةِ الحُكْمِيَّةِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي حُكْمِ مَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ، وَعَيَّنَ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ فِي مَالِهِ مِمَّا هُوَ الثُّلُثُ).
وَالوصية بالثُّلُث ليس فيها إشكالٌ، وإنما الإشكال في تحديده الثلثَ لرجلِ معينٍ، وهذا محلُّ خِلَافٍ بين المالكية والجمهور، بَلْ إن الجمهور أنكروَا على الإمام مالكٍ فيها.
* قولُهُ: (فَقَالَ الوَرَثَةُ: ذَلِكَ الَّذِي عَيَّنَ أَكْثَرُ مِنَ الثُّلُثِ).
لأنه عندما حدد قالوا: إنَّ هذا المحدد مالًا أو عقارًا يزيد على الثلث، والرَّسول ﷺ قال: "الثلث والثلث كثير"، ثم ذكر العلة عليه
стр. 8689
الصلاة والسلام، وقد رأينا من العلماء من يستحب ألا تصل الوصية إلى الثلث، بل ينبغي أن تكون دون ذلك، فقد أوصى أبو بكر بالخمس، وقال: "أختار ما اختار الله لنفسه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (١).
* قَوْله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٢): الوَرَثَةُ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يُعْطُوهُ ذَلِكَ الَّذِي عَيّنهُ المُوصِي أَوْ يُعْطُوهُ الثُّلُثَ مِنْ جَمِيعِ مَالِ المَيِّتِ).
أَيْ: هذا القدر الذي أوْصَى به وحدَّده يسلمه له الورثة، وبعد ذلك يصبح المال لهم، وهذَا هو الرأي الأول.
أما الرأي الثاني عند الإمام مالك: أنهم يجعلونه شريكًا معهم، وبعد ذلك يُقوَّم المال، ويأخذُ الثلثَ، وقد خالفه في ذلك الأئمة الثلاثة وغيرهم، وقالوا: لَا خيارَ في هذا المقام، ولا رأي للورثة؛ لأنه حدَّد، ولا ينبغي أن يرجع إلى ذلك، وهذه المسألة تُسمَّى عند المالكية مسألة خلع الثلث (٣).
وما دامت قد أصبحت حقًّا له، فهي من خالص ماله، وليس لأحد أن يتعدى عليه، أو أن يأخذ منه ولو فلسًا إلا عن طيب نفسٍ، وإعطاء الورثة الخيار في ذلك كأنه تعدٍّ على الموصَى، وتصرف في حق قد ثبت له شرعًا.
* قَوْله: (فَكَيْفَ يُنْقَلُ عَنْ مِلْكِهِ مَا وَجَبَ لَهُ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، وَتُغَيَّرُ الوَصِيَّةُ).
وَيشير إشارةً إلى الحديث الذي مرَّ بنا دون أن يذكره: "لا يحلُّ مَالُ امْرِئٍ مسلمٍ إلا بطيب نَفْسٍ منه" (١)، وكونه يرجع ويدَّعي الورثة ثم تعاد وتصفى الأموال ويعطى الثلث، هذا تصرف أيضًا في الوصية، وتدخل فيها.
* قولُهُ: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ إِمْكَانُ صِدْقِ الوَرَثَةِ فِيمَا ادَّعَوْهُ، وَمَا أَحْسَنَ مَا رَأَى أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ).
لأنَّ ابن عبد البر هو مَنْ ساق هذه المسألة في كتابه "الاستذكار"، وقد نقل عنه المؤلف، واستحسن رأيه؛ لأنه جَاء برأيٍ وسطٍ في المسألة.
* قَوْله (وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا ادَّعَى الوَرَثَةُ ذَلِكَ، كلِّفُوا بَيَانَ مَا ادَّعَوْا، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ، أَخَذَ مِنْهُ المُوصَى لَهُ قَدْرَ الثُّلُثِ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ المُوصَى بِهِ، وَكَانَ شَرِيكًا لِلْوَرَثَةِ) (٢).
لَكن الجمهور ﵏ يَرَوْن غلق هذا الباب، وعدم التدخُّل فيه، وأن هذه وصية يجب أن تنفذ، وما دامت في حدود الثلث وحددها
стр. 8692
الموصى، فلا ينبغي حقيقةً التصرف فيها، وأن التصرف فيها تعدٍّ، وأما دعوى الورثة فإنها دعوى كما قال النبي ﷺ : "لو يُعْطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم" (١)، حتى وَإنْ كان الورثة، فإنَّه لا ينظر إليهم؛ لأن المال هو مال الموصى، وقد رضي بذلك وقدره بالثلث.
* قَوْله: (وَإِنْ كانَ الثُّلُثَ فَأَقَلَّ جُبِرُوا عَلَى إِخْرَاجِهِ، وَإِذَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ المُوصَى بِهِ هُوَ فَوْق الثّلُثِ، قَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ الوَرَثَةَ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يَدْفَعُوا إِلَيْهِ مَا أُوصِيَ لَهُ بِهِ، أَوْ يُفْرِجُوا لَهُ عَنْ جَمِيعِ ثُلُثِ مَالِ المَيِّتِ).
وهذا كلام ابن عبد البر، وفيه استحسان منه رحمه الله تعالى، وأنَّ الورثة مطالبون بالبينة على ما ادَّعوا، فإذا ما ثبت أنه أعطى أكثر من الثلمث، يكون فيه حيف فيرجع، لكن جمهور العلماء رأوا أن ذلك من باب سد الذرائع (٢)، وهو قاعدة معروفة في الشريعة الإسلامية؛ لأن ذلك لو أخذ به لفتح بابًا، وربما قام كثير من الورثة؛ لأنه ليس كل الوارثين عندهم من التُّقَى ما يعصمهم من ذلك، فربما حب المال والتعلق به ووجود صعوبة أن يُخْرج شيءٌ من مال مورثهم لغيرهم ربما يرون أن ذلك أمر يضايقهم، ولذلك يسعون إلى هذا، فرأى جمهور العلماء غَلْق هذا الباب سدًّا للذرائع، والمالكية دائمًا ما يطبقون هذا المبدأ، لَكنهم في هذا المقام لم يأخذوا بها؛ لأنهم نَظَروا إلى التُّهمة في المورِّث.
* قَوْله: (إِمَّا فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ، وَإِمَّا فِي جَمِيعِ المَالِ عَلَى
فالتعدي بالتعيين هو الذي يثير الخلاف، لكن لو قال: الثلث، فتكون المسألة منتهية.
* قَوْله: (وَأمَّا أَنْ يُكَلَّفَ الوَرَثَةُ أَنْ يُمْضُوا التَّعْيِينَ، أَوْ يَتَخَلَّوْا عَنْ جَمِيعِ الثّلثِ، فَهُوَ حَمْلٌ عَلَيْهِمْ).
وهذا كلُّه تعقيبٌ على كلام ابن عبد البر، ولكن الأَوْلَى في مثل هذا ألا تفتح الأبواب، وما دام الموصِي قد قيَّد ذلك، فينبغي أن تنفذ وصيته.
* قولُهُ: (وَمِنْ هَذَا البَاب اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فَمَاتَ وَلَمْ يُوصِ بِهَا، فَهَلْ هِيَ مِنَ الثُّلُثِ، أَوْ مِنْ رَأْسِ المَالِ؟).
الزكاةُ ركنٌ من أركان الإسلام، ولا يجوز لمسلم أن يفرط فيها، فلو قُدِّرَ أنَّ إنسانًا تسَاهل في الزكَاة، ثم بعد ذلك أوصىً بإخراجها، والخلاف هنا: هل تُخْرج من الثلث الذي أوصى به أو أنها تُخْرج من المال قبل أن يؤخذ منه الثلث؟ وهذه واجبات لو قصر الإنسان فيها أو أخَّرها فأدركته المنيَّة قبل أن يؤدي هذه الأمور الواجبة عليه، فما الحكم؟ وهل هناك فرق بين الزَّكاة وبين الدُّيون التي للآخرين؟ لأننا قلنا بأن أوَّل ما يخرج من تَرِكَةِ الميت ما يتعلق به هو، وهذا يدلُّ على أن الشريعة الإسلامية تظل مع الإنسان حتى مماته.
* قَوْله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١): إِذَا لَمْ يُوصِ بِهَا لَمْ يَلْزَمِ الوَرَثَةَ إِخْرَاجُهَا).
стр. 8695
وهناك فرق بين أن يوصي أو لا يوصي عند مالك وأبي حنيفة (١)، أما عند الإمامين الشافعي وأحمد (٢) فإنهما يريان أنها تخرج من أصل المال، وليس من الثلث.
* قَوْله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): يَلْزَمُ الوَرَثَةَ إِخْرَاجُهَا مِنْ رَأْسِ المَالِ).
وَسَيأتي أن من أسباب الخلاف أنَّ ذلك دَينٌ وحقٌّ مشترك، فَهي حقٌّ لله لأنَّ ذلك واجبٌ وفريضةٌ، وهي أيضًا حق لمصارف الزكاة، فتصبح الزكاة فيها حقًّا مشتركًا بين الخالق والمخلوق.
بِالدَّيْنِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضى" (١).
ويشير المؤلِّف إلى الحديث المتفق عليه الذي رواه عبد الله بن عباس أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ . فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، فهل أصوم عنها؟ فقال رَسُولُ الله ﷺ : "لَوْ كَان علَى أمكَ دَين أَكنتَ قضيتَه؟ "، قال: نعم. قال: "فَدَين الله أحقُّ أن يُقْضى".
قَوْله:: (وَكَذَلِكَ الكَفَّارَاتُ الوَاجِبَةُ، وَالحَجُّ الوَاجِبُ عِنْدَهُ).
وَضمَّ المؤلِّف الكفارات ككفارة مَنْ جامع في نهار رمضان، وكفارة الظِّهار وكفارة القتل، وكفارة اليمين، وغير ذلك؛ لأنها متعينةٌ، وتقيُّده بالحج الواجب؛ لأن الحجَّ منه ما هو واجبٌ، ومنه ما هو تطوعٌ، والحج يجب مرَّةً في العمر، وقد سُئلَ عن ذلك رسول الله ﷺ وسكت ثم قال: "مرة" (٢).
قَوْله:: (وَمَالِكٌ (٣) يَجْعَلُهَا مِنْ جِنْسِ الوَصَايَا بِالتَّوْصِيَةِ بِإِخْرَاجِهَا
стр. 8698
بَعْدَ المَؤتِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَهَا فِي الحَيَاةِ أَنَّهَا مِنْ رَأْسِ المَالِ وَلَوْ كَانَ فِي السِّيَاقِ).
وَهذه لفتةٌ جيدةٌ من المؤلف، أنه لو أخرجها في الحياة تكون من رأس المال، وتصحُّ حتى ولو كان في السياق، أي: في نزعات الموت.
قَوْله: (وَكأَنَّ مَالِكًا اتَّهَمَهُ هُنَا عَلَى الوَرَثَةِ (أَعْنِي: فِي تَوْصِيَتِهِ بِإِخْرَاجِهَا)، قَالَ: وَلَوْ أُجِيزَ هَذَا لجَازَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُؤَخِّرَ جَمِيعَ زَكَاتِهِ طُولَ عُمُرِهِ حتى إِذَا دَنَا مِنَ المَوْتِ وَصَّى بِهَا).
لأنَّ بعضَ الناس يُؤخِّرون زكاتهم، ويتمتعون بكثرة المال، ويحبون المال حبًّا جمًّا، فإذا أحسوا بقرب أجلهم حينئذٍ يبادرون ويخرجون، والمؤمن الذي يخشى الله ويخافه، يعلم بأنه ليس هناك حدٌّ مقدرٌ لهذه الحياة.
قَوْله:: (فَإِذَا زَاحَمَتِ الوَصَايَا الزَّكَاةُ، قُدِّمَتْ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى مَا هُوَ أَضْعَفُ مِنْهَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): هِيَ وَسَائِرُ الوَصَايَا سَوَاءٌ، يُرِيدُ فِي
стр. 8699
المُحَاصَّةِ، وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ عَلَى أَنَّ الوَصَايَا الَّتِي يَضِيقُ عَنْهَا الثُّلُثُ إِذَا كَانَتْ مُسْتَوِيَةً أَنَّهَا تتحَاصُّ (١) فِي الثُّلُثِ (٢)).
وهذه مسألة مهمة، فإذا أوصى بعدة وصايا، فهذه الوصايا لا تخلو من أمرين: إما أَنْ تكون متساويةً، أو غير متساويةٍ من حيت الأهمية، فإن كانت في أهميتها متساويةً كأن أوصى لفلانٍ وفلانٍ، فإنهم حِينَئذٍ يتحاصون، أي: كلّ منهم يأخذ حصته ويلحقه النقص، وهذا ليس مذهب مالك وحده، بل هذا عند العلماء جميعًا.
قَوْله: (وَإِذَا كَانَ بَعْضُهَا أَهَمَّ مِنْ بَعْضٍ قُدِّمَ الأَهَمُّ).
وَهذِهِ مسألة أخرى، فلو كان فيها وصية لأحدٍ من الناس، وفيها إعتاق رقبة، فإن عتق الرقبة أهمُّ، ولذلك اختلَف العلماء في العتق، هل العتق يعتبر خَارجًا عن ذلك، فيأتي أوَّلًا فيعتق هذا الغلام أو هذا الشيخ، فإذا ما أعتق يرجع حينئذٍ، فإن كان بقي شيء من الثلث أخذوه متحاصين، ويَلْحقهم النقص كلّ على قَدْر ما أُوصِيَ له، وهذه المسألة أكثر العلماء
стр. 8700
قالوا فيها بقولِ مالكٍ (١)، فهي قول أبي حنيفة (٢)، وهي أيضًا رواية للإمامين الشافعي (٣) ...........................................
стр. 8701
وأحمد (١)، لكن هناك رواية أخرى للإمامين هي رواية لأحمد (٢) وقول للشافعي (٣) إلى أن العتق لا يختلف عن غيره، فإنهم كلهم يتحاصون، ولا يقدم
стр. 8702
العتق على غيره، ولا شكَّ أن الأَوْلَى هو تقديم العتق، وهذَا هو رأي الأكثر.
* قَوْله: (وَاخْتَلَفُوا فِي التَّرْتِيبِ عَلَى مَا هُوَ مَسْطُورٌ فِي كُتُبِهِمْ، وَمِنْ مَسَائِلِهِمُ الحِسَابِيَّةِ المَشْهُورَةِ).
وانتهى المؤلف من الكلام عن اللفظ والأحكام، وبقيت المسائل الحسابية.
قَوْله: (فِي هَذَا البَابِ، إِذَا أَوْصَى لِرَجُلِ بِنِصْفِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِثُلُثَيْهِ، وَرَدَّ الوَرَثَةُ الزَّائِدَ، فَعِنْدَ مَالِكٍ (١) وَالشَّافِعِيِّ (٢)).
стр. 8703
وأحمد (١).
قَوْله: (أَنَّهُمَا يَقْتَسِمَانِ الثُّلُثَ بَيْنَهُمَا أَخْمَاسًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢): بَلْ يَقْتَسِمَانِ الثُّلُثَ بِالسَّوِيَّةِ، وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلِ الزَّائِدُ عَلَى الثُّلُثِ السَّاقِطِ هَلْ يَسْقُطُ الِاعْتِبَارُ بِهِ فِي القِسْمَةِ كَمَا يَسْقُطُ فِي نَفْسِهِ بِإِسْقَاطِ الوَرَثَةِ؟ فَمَنْ قَالَ: يَبْطُلُ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يَبْطُلُ الِاعْتِبَارُ بِهِ فِي القِسْمَةِ إِذ كَانَ مُشَاعًا، قَالَ: يَقْتَسِمُونَ المَالَ أَخْمَاسًا، وَمَنْ قَالَ: يَبْطُلُ الِاعْتِبَارُ بِهِ كمَا لَوْ كَانَ مُعَيَّنًا، قَالَ: يَقْتَسِمُونَ البَاقِيَ عَلَى السَّوَاءِ، وَمِنْ مَسَائِلِهِمُ اللَّفْظِيَّةِ فِي هَذَا البَابِ إِذَا أَوْصَى بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ وَلَهُ مَالٌ يَعْلَمُ بِهِ).
ومالٌ لا يعلم به، وهذا يحصل أكثر في هذا الزمان، وبخاصَّةٍ مَنْ يشتغلون في عدة أنواع من التجارة، فهل الثلث يؤخذ من الجميع؟ أو يؤخذ مما هو معلوم؟
* قولُهُ: (فَعِنْدَ مَالِكٍ (٣) أَنَّ الوَصِيَّةَ تَكُونُ فِيمَا عَلِمَ بِهِ دُونَ مَا لَمْ
стр. 8704
يَعْلَمْ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ (١).
وأحمد (٢).
قَوْله: (تَكُونُ فِي المَالَيْنِ، وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلِ اسْمُ المَالِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ يَتَضَمَّنُ مَا عَلِمَ وَمَا لَمْ يَعْلَمْ، أَوْمَا عَلِمَ فَقَطْ؟).
وَالصَّحيح أنه يشمل المالَين؛ لأنه لو أطلق وقال: ثلث مالي، فماله لا يتجزأ، ولا فرق بين الغائب وبين الحاضر؛ سواء كان الغائب دينًا عند أشخاص، أو كان في مكانٍ لا يعرف أو يُحْتاج إلى التحرِّي عنه.
قَوْله: (وَالمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ (٣) أَنَّ المُدَبَّرَ يَكُونُ فِي المَالَيْنِ إِذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ المَالِ الَّذِي يَعْلَمُ).
فَمالأ استثنَى؛ لأن ذلك يكون فيه مصلحة المدبر، وربما لو كان
стр. 8705
في المال الحاضر لا يصل به ذلك إلى العتق لذلك قال: "في المَالين ".
* قولُهُ: (وَفِي هَذَا البَابِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ وَكلُّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى هَذِهِ الثَّلاثَةِ الأَجْنَاسِ).
اللفظية والحكمية والحسابية.
قَوْله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوصِيَ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَوْلَادِهِ، وَأَنَّ هَذِهِ خِلَافَةٌ جُزْئِيَّة كَالخِلَافَةِ العُظْمَى الكُلِّيَّةِ الَّتِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُوصَى بِهَا) (١).
فَللرَّجل أن يوصي بعد موته بأولاده، أيْ: يجعل وصيًّا عليهم، والمسألة فيها تفصيل، فبالنسبة لأولاده الصغار القُصَّر الذين يعتبرون أيتامًا، وكذلك مَن عنده سفهٌ، وكذلك لو كان له أولاد عقولهم مختلة، فإنه يتخذ رجلًا ليكون وصيًّا عليهم، أما لو كان أولاده راشدين عاقلين، وكذلك بالنسبة لإخوته، فليس له حقيقةً أن يتخذ وصيًّا على هؤلاء.
ثم نأتي إلى مسائلَ خلافية في هذا، فالحنفية (٢)
стр. 8706
والشافعية (١) يرون أن للجد الولاية على ابن الابن وإنْ نزل، لماذا؟ قالوا: لأنه علاقته به ولادةً وتعصيبًا، فالجدُّ هو أبُ الأب، وهذا هو ابن الابن، واللُّحْمة متصلة بينهما، والميراث أيضًا تعصيبًا، والجد أبٌ، وخالفهم غيرهم من الفقهاء كالحنابلة (٢) فقالوا: ليس له ذلك؛ لأن للأب أن يتخذ وصيًّا؛ لأن الأب إنما هو يدلي بدون واسطة، فعلاقته بالابن بدون واسطة، أما الجد علاقته بابن الابن بواسطة، والواسطة هو هذا الأب، فيقوم بمنزلة الإخوة؛ لأنهم يدلون بواسطة.
* * *
стр. 8707
*قوله:
([كِتَابُ الفَرَائِضِ]) (١)
والفرائض: جمع فريضة، وهي فعيلة بمعنى مفعولة (٢)؛ لأن فعيل يأتي بمعنى مفعول أي: مفروضة، أي: هذا الكتاب والذي يذكر فيه أحكام الفرائض، وهو مستمدٌّ من الكتاب العزيز، ومن سُنَّة رسول الله ﷺ ، ومن الإجماع، وهو العلم الذي يذكر فيه من يستحق الإرث من غيره، وما قَدْر ما يستحق هذا الإنسان، ونعلم بأن أصحاب
стр. 8708
المواريث ليسوا على نسق واحد، وليسوا على درجة واحدة، فمنهم مَنْ يرث على كل حال، ومنهم مَنْ يرث في حال دون حال، ومنهم من لا يرث لو كان وحده، لكنه يرث لو كان مع غيره، كما سنَرى في بعض المسائل التي ستمرُّ بنا.
* قَوْله: (وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الكِتَابِ فِيمَنْ يَرِثُ، وَييمَنْ لَا يَرِثُ، وَمَنْ يَرِثُ هَلْ يَرِثُ دَائِمًا أَوْ مَعَ وَارِثٍ دُونَ وَارِثٍ، وَإِذَا وَرِثَ مَعَ غَيْرِهِ، فَكَمْ يَرِثُ، وَكَذَلِكَ إِذَا وَرِثَ وَحْدَ كَمْ يَرِثُ؟ وَإِذَا وَرِثَ مَعَ وَارِثٍ).
فلو مات إنسان وترك ابنًا وحيدًا، فإنه يأخذ جميع المال، وكذلك الحال بابن الابن والأب، فهناك مَنْ يأخذ المال كله، وهناك صاحب فرض لا يتجاوزه، فلو مات إنسان وترك بنتا فإنها تأخذ النصف، والباقي إن وجد من أهله أَخَذَ حسب نصيبه وإلا يرجع إلى بيت المال، وهل ذوو الأرحام يرثون؟ المسألة فيها خلاف، وسيعرض لها المؤلف.
" قَوْله: (فَهَلْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِحَسَبِ وَارِثٍ وَارِثٍ أَوْ لَا يَخْتَلِفُ؟).
نعم، تتغيَّر المسائل بتغيُّر الورثة الموجودين، فلو تُوفِّي إنسان وبرك ابنًا، فإنه يأخذ جميع المال، ولو ترك ابنًا وبنتًا ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وقد تغير الحكم هنا، فالولد يأخذ سهمين، والبنت تأخذ سهمًا، فهو يأخذ الثلثين، وهيِ تأخذ الثلث، ولو توفي رجل وترك ابنًا وبنتين ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، فيأخذ الابن النصف، وكلًّا من البنتين تأخذ الربع، وهكذا.
قَوْله: (وَالتَّعْلِيمُ فِي هَذَا يُمْكِنُ عَلَى وُجُوهٍ كثِيرَةٍ قَدْ سَلَكَ أَكْثَرَهَا أَهْلُ الفَرَائِضِ).
فَهنَاك عدة مسائل وطرق يسلكها مَنْ يتعلم هذا العلم، وليس هناك طريق واحد، فهناك مَنْ يَبْني تعلم هذا العلم على الحفظ، وهناك من يضيف إلى الحفظ الفهم، وهناك من يزيد على هذا التطبيق العملي.
قَوْله: (وَالسَّبِيلُ الحَاضِرَةُ فِي ذَلِكَ بِأَنْ يُذْكَرَ حُكْمُ جِنْسٍ جِنْسٍ مِنْ أَجْنَاسِ الوَرَثَةِ إِذَا انْفَرَدَ ذَلِكَ الجِنْسُ، وَحُكْمُهُ مَعَ سائِرِ الأَجْنَاسِ البَاقِيَةِ، مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يُنْظَرَ إِلَى الوَلَدِ إِذَا انْفَرَدَ كَمْ مِيرَاثُهُ، ثُمَّ يُنْظَرَ حَالُهُ
стр. 8709
مَعَ سَائِرِ الأَجْنَاسِ البَاقِيَةِ مِنَ الوَارِثِينَ، فَأَمَّا الأَجْنَاسُ الوَارِثَةُ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ: ذُو نَسَبٍ، وَأَصْهَارٌ، وَمَوَالٍ).
فأسباب ميراث الورثة ثلاثة: وهي نكاح، وولاء، ونسب، ما بعدهن للمواريث سبب، وهذه التي تُعْرف في علم الفرائض بأسباب المواريث، فَالنِّكاح هو الذي عبَّر عنه المؤلف بالمصاهرة التي تحصل بين الزوجين، فالزوج إذا ماتت زوجته، يرث النصف إنْ لم يكن لها ولدٌ، فإن كان لها ولدٌ، فإنه يرث الربع، والمرأة ترث الربع من مال زوجها إنْ لم يكن له ولد، فإن كان له ولد، فإنها ترث الثُّمُن، وإن تعددت الزوجات فنصيبهن أيضًا الثُّمُن يشترك بينهم، فإن كانتا اثنتين اشتركن في الثمن، والثلاثة والأربع يشتركن.
والولَاء يكون لمَنْ أعتق، كما قال رسول الله ﷺ في قصة بريرة: "إنما الولاء لمن أعتق" (١)؛ لأنه هو صاحب النعمة، فهو الذي تفضَّل على المعتق بهذا الإعتاق.
أما النَّسبُ -وهو القرابة- فهو أوسع الأسباب، فيدخل فيه الأبناء وإن نزلوا، والآباء وإنْ علوا، والإخوة وأبناؤهم، وعلى أي نوع كانوا، وكذلك بالنسبة إلى الأعمام وأبنائهم.
قَوْله: (فَأَمَّا ذو النَّسَبِ، فَمِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَمِنْهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا، فَأَمَّا المُتَّفَقُ عَلَيْهَا فَهِيَ الفُرُوعُ (أَعْنِي: الأَوْلَادَ)، وَالأُصُولُ (أَعْنِي: الآبَاءَ وَالأَجْدَادَ) ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا).
فَقضيَّة الفُرُوع ليست على إطلاقها، كالابن، وابن الابن، وبنت الابن أيضًا، لكن بنات البنات يدخلن في ذوي الأرحام.
* قولُهُ: (وَكَذَلِكَ الفُرُوعُ المُشَارِكَةُ لِلْمَيِّتِ فِي الأَصْلِ الأَدْنَى (أَعْنِي: الإِخْوَةَ ذُكُورًا أَوْ إِنَاثًا).
стр. 8710
الأصل الأدنى: هو الأب وإن علا، والأم وإن علت، والوارث الذي يشاركه في هذا الأصل الأدنى هم: الإخوة الأشقاء أو لأب، والإخوة لأم قد يرثونه دون أبنائهم.
* قَوْله: (أَوِ المُشَارِكَةَ الأَدْنَى أَوِ الأَبْعَدَ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَهُمُ الأَعْمَامُ وَبَنُو الأَعْمَامِ)، وَذَلِكَ الذُّكُورُ مِنْ هَؤُلَاءِ خَاصَّةً فَقَطْ، وَهَؤُلَاءِ إِذَا فُصِّلُوا كَانُوا مِنَ الرِّجَالِ عَشَرَةً، وَمِنَ النِّسَاءِ سَبْعَةً).
وَالصَّحيح أن هذا إجمالٌ، ولو فصلوا لبلغوا خمسةَ عشرَ.
* قَوْله: (أَمَّا الرِّجَالُ: فَالِابْنُ وَابْنُ الِابْنِ وَإِنْ سَفُلَ، وَالأَبُ وَالجَدُّ أَبُو الأَبِ وَإِنْ عَلَا، وَالأَخُ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَ (أَعْنِي: لِلأمِّ وَالأَبِ أَوْ لِأَحَدِهِمَا)، وَابْنُ الأَخِ وَإِنْ سَفُلَ، وَالعَمُّ وَابْنُ العَمِّ وَإِنْ سَفُلَ، وَالزَّوْجُ، وَمَوْلَى النِّعْمَةِ).
وَالمُؤلِّف قال عند التفصيل عشرة، والواقع أنها عند التفصيل أكثر، فنحن نقول: الابن وابن الابن والأب والجد والأخ الشقيق والأخ للأب والأخ للأم وابن الأخ الشقيق وابن الأخ لأم والعم الشقيق وابن العم الشقيق والعم للأب وابن العم للأب، وبعد ذلك الزوج والمولى، فبلغوا خمسة عشر، لكن المؤلف ذكر الإخوة على تنوعهم ولم يفصلهم.
* قَوْله: (وَأَمَّا النِّسَاءُ: فَالِابْنَةُ وَابْنَةُ الِابْنِ وَإِنْ سَفُلَتْ، وَالأُمُّ وَالجَدَّةُ وَإِنْ عَلَتْ، وَالأُخْتُ، وَالزَّوْجَةُ، وَالمَوْلَاةُ).
فهم سبعة إجمالًا، لكن ذكر العلماء -تفصيلًا- عشرة، فالبنت وبنت الابن ثم الأم ثم الجدة من أب ثم الجدة من أم، وهنا أجمل، ثم نأتي إلى الأخت الشقيقة والأخت لأب والأخت لأم، ثم بعد ذلك الزوجة والمعتقة.
* قَوْله: (وَأَمَّا المُخْتَلَفُ فِيهِمْ، فَهُمْ ذَوُو الأَرْحَامِ (١)، (وَهُمْ مَنْ لَا فَرْضَ لَهُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا هُمْ عَصَبَةٌ)).
стр. 8711
أَيْ: لم يذكروا في كتاب الله تعالى، فالله ذكر أهل الفرائض فقال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾.
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
* قولُهُ: (وَهُمْ بِالجُمْلَةِ بَنُو البَنَاتِ، وَبَنَاتُ الإِخْوَةِ، وَبَنُو الأَخَوَاتِ، وَبَنَاتُ الأَعْمَامِ، وَالعَمُّ أَخُو الأَبِ لِلْأُمِّ فَقَطْ، وَبَنُو الإِخْوَةِ لِلأمِّ، وَالعَمَّاتُ، وَالخَالَاتُ، وَالأخْوَالُ).
وكذلك العم والخالة وغيرهما مع أن العم يرث، والعمة لا ترث، فالذَّكَر يرث، والأنثى لا ترث من هؤلاء، وهذه هي قسمة الله، فالله هو الذي وضع هذه القسمة بنفسه، وهو العليم الخبير بذلك.
* قولُهُ: (فَذَهَبَ مَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢) وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ
стр. 8712
وَزيدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنَ الصَّحَابَةِ (١) إِلَى أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لَهُمْ).
وعاد المؤلف ليتكلم عن ميراث ذوي الأرحام، ويبين أن المسألة ليسس متفقًا عليها، بل أكثر العلماء على أنهم يستحقون الميراث، لكن العلماء الذين قالوا: لا يرثون، إنما قالوا ذلك؛ لأن الله قد تولى قسمة المواريث بنفسه، فلم يذكرهم ضمن أهل الفرائض، والآخرون عارضوا في ذلك، وأخذوا ذلك من بعض عموم الأدلة، وكذلك أيضًا من أحاديث رسول الله ﷺ .
* قَوْله: (وَذَهَبَ سَائِرُ الصَّحَابَةِ، وَفُقَهَاءُ العِرَاقِ وَالكُوفَةِ وَالبَصْرَةِ وَجَمَاعَةُ العُلَمَاءِ مِنْ سَائِرِ الآفَاقِ إِلَى تَوْرِيثِهِمْ) (٢).
فأكْثَر الصحابة يرون أن ذوي الأرحام يستحقون الميراث، وكَذا جماعة من العلماء من بينهم الإمامان أبو حنيفة (٣) وأحمد (٤).
وهذه مسألةٌ خلافيةٌ بين الذين يورثونهم، فهل يرثون على ترتيب العصبات كما يرث أهل التعصيب أو على التنزيل؟ والذين قالوا بالتنزيل اختلفوا فيما بينهم، فهل ينزل كلُّ واحدٍ منهم منزلةً، فالحمة هي أخت الأب، فهل تنزل منزلتها أو تنزل منزلة الأب، والخالة هل تنزل منزلتها أو منزلة الأم؟ وقد اختلف فيها الصَّحابة والعلماء، لكن بقي أصل الخلاف: هل ذوو الأرحام يرثون أو لا؟ فَريقٌ من العلماء قال: لا يرثون؛ لأنهم لم يُذكروا ضمن أهل الفرائض، ولم يرد نصٌّ عن رسول الله ﷺ يقول بتوريثهم، أما الفريق الآخر فلهم أدلة، ومنها قولُهُ تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، وقوله ﷺ : "الأقربون أوْلَى بالمعروف" (١).
* قَوْله: (وَهُوَ أَنْ يُنَزَّلَ كُلُّ مَنْ أَدْلَى مِنْهُمْ بِذِي سَهْمٍ أَوْ عَصَبَةٍ بِمَنْزِلَةِ السَّبَبِ الَّذِي أَدْلَى بِهِ)، وَعُمْدَةُ مَالِكٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ (٢)
стр. 8715
أَنَّ الفَرَائِضَ لَمَّا كانَتْ لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فِيهَا، كانَ الأَصْلُ أَلَّا يَثْبُتَ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ).
والفرائض توقيفية، لا مجال للقياس فيها، وكما أن أمور العبادات ليس فيها مجال للقياس، كذلك بعض الأحكام الأخرى إِنْ جاءت نصوصٌ تنص عليها فلا مجال للقياس فيها.
* قولُهُ: (وَجَمِيعُ ذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ).
فيقولون: إنَّ الايات لم تعرض لذوي الأرحام، ولم تعطهم شيئًا مع أنها ذكرت الأبناء والبنات والأخوات والزوج والزوجة، فكيف يورثون عند هؤلاء؟ فلا دليل من كتابٍ عندهم، ولا من سنةٍ، والقياس هنا لا مجال فيه؛ لأن هذه فرائض.
* قولُهُ: (وَأَمَّا الفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ، فَزَعَمُوا أَنَّ دَلِيلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالقِيَاسِ.
أَمَّا الكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧]، وَاسْمُ القَرَابَةِ يَنْطَلِقُ عَلَى ذَوِي الأَرْحَامِ، ويُرَى المُخَالِفُ أَنَّ هَذِهِ مَخْصُوصَةٌ بِآيَاتِ المَوَارِيثِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَاحْتَجُّوا بِمَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، وَالخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ").
وهَذا نصٌّ في المسألة، والحديث حسن أخرجه الترمذي (١) وابن ماجه (٢) وأحمد (٣)، وقالوا: إنَّ هذا نص بالنسبة للخال، ويحتجُّون بحديثٍ
стр. 8716
آخر بأن الرَّسول ﷺ "ذهب إلى قباء، واستخار الله تعالى في توريث العمة والخالة، فلم يورثهما، فنزل عليه عدم توريثهم" (١)، لكن الحديث فيه مقال، ويبقى الخلاف الكبير في هذه المسألة.
* قولُهُ: (وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ المَعْنَى فَإِنَّ القُدَمَاءَ).
(المتقدمين).
* قَوْله: (مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ (٢) قَالُوا: إِنَّ ذَوِي الأرْحَامٍ أَوْلَى مِنَ المُسْلِمِينَ، لِأَنَّهُمْ قَدِ اجْتَمَعَ لَهُمْ سَبَبَانِ: القَرَابَةُ وَالإِسْلَامُ فَأشْبَهُوا تَقْدِيمَ الأَخ الشَّقِيقِ عَلَى الأَخِ لِلْأَب (أَعْنِي: أَنَّ مَنِ اجْتَمَعَ لَهُ سَبَبَانِ أَوْلَى مِمَّنْ لَهُ سَبَبٌ وَاحِدٌ" (٣).
وَمُرَاده أنه إذا وجد وارث ولم يستوعب جميع التَّركة، فَهَل يذهب
стр. 8717
المال لبيت المال (بيت المال لعموم المسلمين)؟ فالأَوْلَى ذوو الأرحام، وهذا هو مراد الحنفية في المناقشة؛ لأن بيت المال يجمعه بالميت الإسلام، لَكن هؤلاء جَمعوا بين صفتين: الإسلام والقرابة، والإنسان إذا اجتمعت فيه صفتان يقدم، والصِّفة الموجودة في المسلمين موجودة في هذا القريب.
* قولُهُ: (وَأَمَّا أَبُو زَيْدٍ).
أبو زيد الدبوسي وهو عالمٌ من كبار الحنفية وفقهائهم.
* قَوْله: (وَمُتَأَخِّرُو أَصْحَابِهِ (١) فَشَبَّهُوا الإِرْثَ بِالوِلَايَةِ وَقَالُوا: لَمَّا كَانَتْ وِلَايَةُ التَّجْهِيزِ وَالصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ لِلْمَيِّتِ عِنْدَ فَقْدِ أَصْحَابِ الفُرُوضِ (٢) وَالعَصَبَاتِ لِذَوِي الأرْحَامِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ وِلَايَةُ الإِرْثِ، وَلِلْفَرِيقِ الأَوَّلِ اعْتِرَاضَاتٌ -فِي هَذِهِ المَقَايِيسِ- فِيهَا ضَعْفٌ).
فالمُؤلِّف يميل إلى القول الثاني، وهذا ظاهرٌ مع أنه لم يصرح، ولكن نرى عرضه للمسائل وللأدلة، ثم إضعاف الاعتراضات، تستطيع أن تفهمَ منه بأنه يميل إلى القول الثاني.
* قَوْله: (وَإِذْ قَدْ تَقَرَّرَ هَذَا، فَلْنَشْرَعْ فِي ذِكْرِ جِنْسٍ جِنْسٍ مِنْ أَجْنَاسِ الوَارِيينَ، وَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجْرِي مَجْرَى الأُصُولِ مِنَ المَسَائِلِ المَشْهُورَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَالمُخْتَلَفِ فِيهَا).
فَليسَ لأحدٍ أن يعترض على هذا الكتاب فيقول: لماذا لم يأت بكثيرٍ من الفروع؟ ومَنْ عرف أصول المسائل، سهل عليه أن يمسكَ بفروعها، لأن الأصول تعتبر قواعد تُرَدُّ إليها الفروع.
стр. 8718
* قولُهُ: (مِيرَاثُ الصُّلْبِ).
والصلب يطلق على الظهر الذي فيه الفقرات (١)، كما قال الله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾، فالصلب بالنسبة للرجل، والترائب بالنسبة للمرأة، ويقصد به الذي يدلي إلى الميت مباشرةً كالابن وابن الابن من الصُّلب بالنسبة للميت؛ لأنه أدلى بِوَاسطةٍ.
* قَوْله: (وَأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مِيرَاثَ الأولَادِ مِنْ وَالِدِهِمْ وَوَالِدَتِهِمْ إِنْ كَانُوا ذُكُورًا وِإنَاثًا مَعًا هُوَ أَنَّ لِلذَّكَرِ مِنْهُمْ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثيَيْنِ) (٢).
وَهذَا ليس مَحلَّ جدَالٍ؛ لأنه قد نص عليه في كتاب الله ، فيقول الله تعالى: ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، ولذلك أجمع العلماء عليه.
* قولُهُ: (وَأَنَّ الِابْنَ الوَاحِدَ إِذَا انْفَرَدَ، فَلَهُ جَمِيعُ المَالِ، وَأَنَّ البَنَاتِ إِذَا انْفَرَدْنَ فَكَانَتْ وَاحِدَةً أَنَّ لَهَا النِّصْفَ).
وهذا أيضًا لا خلاف فيه.
* قَوْله: (وَإِنْ كُنَّ ثَلَاثًا فَمَا فَوْقَ فَلَهُنَّ الثّلثَانِ).
فإن لم يكن مع البنت وارثٌ يشاركها ويمنعها من أخذ النصف ترث النصف، وإنْ كنَّ ثلاثًا فأكثر يأخذن الثلثين، وإن كنَّ اثنتين فهذه محل خلاف؛ لأن الآية نَصَّتْ على أكثر من اثنتين.
стр. 8719
* قَوْله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الِاثْنَتَيْنِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ لَهُمَا الثُّلُثَيْنِ).
ويقصد بالجمهور: العلماء عمومًا، ومنهم الأئمة الأربعة (١).
* قولُهُ: (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لِلْبِنْتَيْنِ النِّصْفُ) (٢).
فالعلماء كافة قالوا بأن لهن الثلثين، وهو أيضًا رأي كافة الصحابة والتابعين، وخالف في ذلك ابن عباس، واعتبر رأيه شاذًّا (٣) في هذه المسألة فيما يتعلَّق بأنهن يأخذن النصف، وسبب الخلاف يعود إلى فهم الآية: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾، فالآيةُ ذُكِرَ فيها ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ ولم يقل: لو كُنَّ اثنتين، فذكر "فوق اثنتين" أوجد هذا الخلاف،
стр. 8720
و"فوق اثنتين" لا شك هي الثلاث فما فوقها، وما دون الاثنتين هي واحدة، ولا خلاف بين العلماء بأن الواحدة لا تأخذ إلا النصف، فلا تأخذ ثلثين، فبقي الخلاف في الاثنتين، فهل الآية على ظاهرها أو أن "فوق" كما يقول بعض العلماء هي صلة، وأن تقدير الآية: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾؟، والمسألة فيها احتجاجات أخرى سيأتي الحديث عنها.
* قولُهُ: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ تَرَدُّدُ المَفْهُومِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١]، هَلْ حُكْمُ الِاثْنَتَيْنِ المَسْكُوتُ عَنْهُ يَلْحَقُ بِحُكْمِ الثَّلَاثَةِ أَوْ بِحُكْمِ الوَاحِدَةِ؟ وَالأظْهَرُ مِنْ بَابِ دَلِيلِ الخِطَابِ أَنَّهُمَا لَاحِقَان بِحُكْمِ الثَّلَاثَةِ أَوْ بِحُكْمِ الوَاحِدَةِ).
وَدليل الخطاب هو دَليل المخالفة، وما يخالف الدليل المنطوق به (١).
* قَوْله: (وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ المَشْهُورَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ قَوْلِ الجُمْهُورِ).
أَيْ: حُكِيَ عن ابن عباس أنه رجع إلى قول الجمهور وقال بقولهم (٢).
* قَوْله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ حَاتِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَنْ جَابِرٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْطَى البِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ ". قَالَ فِيمَا