← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

آخر بأن الرَّسول ﷺ "ذهب إلى قباء، واستخار الله تعالى في توريث العمة والخالة، فلم يورثهما، فنزل عليه عدم توريثهم" (١)، لكن الحديث فيه مقال، ويبقى الخلاف الكبير في هذه المسألة. * قولُهُ: (وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ المَعْنَى فَإِنَّ القُدَمَاءَ). (المتقدمين). * قَوْله: (مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ (٢) قَالُوا: إِنَّ ذَوِي الأرْحَامٍ أَوْلَى مِنَ المُسْلِمِينَ، لِأَنَّهُمْ قَدِ اجْتَمَعَ لَهُمْ سَبَبَانِ: القَرَابَةُ وَالإِسْلَامُ فَأشْبَهُوا تَقْدِيمَ الأَخ الشَّقِيقِ عَلَى الأَخِ لِلْأَب (أَعْنِي: أَنَّ مَنِ اجْتَمَعَ لَهُ سَبَبَانِ أَوْلَى مِمَّنْ لَهُ سَبَبٌ وَاحِدٌ" (٣). وَمُرَاده أنه إذا وجد وارث ولم يستوعب جميع التَّركة، فَهَل يذهب

стр. 8717

المال لبيت المال (بيت المال لعموم المسلمين)؟ فالأَوْلَى ذوو الأرحام، وهذا هو مراد الحنفية في المناقشة؛ لأن بيت المال يجمعه بالميت الإسلام، لَكن هؤلاء جَمعوا بين صفتين: الإسلام والقرابة، والإنسان إذا اجتمعت فيه صفتان يقدم، والصِّفة الموجودة في المسلمين موجودة في هذا القريب. * قولُهُ: (وَأَمَّا أَبُو زَيْدٍ). أبو زيد الدبوسي وهو عالمٌ من كبار الحنفية وفقهائهم. * قَوْله: (وَمُتَأَخِّرُو أَصْحَابِهِ (١) فَشَبَّهُوا الإِرْثَ بِالوِلَايَةِ وَقَالُوا: لَمَّا كَانَتْ وِلَايَةُ التَّجْهِيزِ وَالصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ لِلْمَيِّتِ عِنْدَ فَقْدِ أَصْحَابِ الفُرُوضِ (٢) وَالعَصَبَاتِ لِذَوِي الأرْحَامِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ وِلَايَةُ الإِرْثِ، وَلِلْفَرِيقِ الأَوَّلِ اعْتِرَاضَاتٌ -فِي هَذِهِ المَقَايِيسِ- فِيهَا ضَعْفٌ). فالمُؤلِّف يميل إلى القول الثاني، وهذا ظاهرٌ مع أنه لم يصرح، ولكن نرى عرضه للمسائل وللأدلة، ثم إضعاف الاعتراضات، تستطيع أن تفهمَ منه بأنه يميل إلى القول الثاني. * قَوْله: (وَإِذْ قَدْ تَقَرَّرَ هَذَا، فَلْنَشْرَعْ فِي ذِكْرِ جِنْسٍ جِنْسٍ مِنْ أَجْنَاسِ الوَارِيينَ، وَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجْرِي مَجْرَى الأُصُولِ مِنَ المَسَائِلِ المَشْهُورَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَالمُخْتَلَفِ فِيهَا). فَليسَ لأحدٍ أن يعترض على هذا الكتاب فيقول: لماذا لم يأت بكثيرٍ من الفروع؟ ومَنْ عرف أصول المسائل، سهل عليه أن يمسكَ بفروعها، لأن الأصول تعتبر قواعد تُرَدُّ إليها الفروع.

стр. 8718

* قولُهُ: (مِيرَاثُ الصُّلْبِ). والصلب يطلق على الظهر الذي فيه الفقرات (١)، كما قال الله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾، فالصلب بالنسبة للرجل، والترائب بالنسبة للمرأة، ويقصد به الذي يدلي إلى الميت مباشرةً كالابن وابن الابن من الصُّلب بالنسبة للميت؛ لأنه أدلى بِوَاسطةٍ. * قَوْله: (وَأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مِيرَاثَ الأولَادِ مِنْ وَالِدِهِمْ وَوَالِدَتِهِمْ إِنْ كَانُوا ذُكُورًا وِإنَاثًا مَعًا هُوَ أَنَّ لِلذَّكَرِ مِنْهُمْ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثيَيْنِ) (٢). وَهذَا ليس مَحلَّ جدَالٍ؛ لأنه قد نص عليه في كتاب الله ، فيقول الله تعالى: ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، ولذلك أجمع العلماء عليه. * قولُهُ: (وَأَنَّ الِابْنَ الوَاحِدَ إِذَا انْفَرَدَ، فَلَهُ جَمِيعُ المَالِ، وَأَنَّ البَنَاتِ إِذَا انْفَرَدْنَ فَكَانَتْ وَاحِدَةً أَنَّ لَهَا النِّصْفَ). وهذا أيضًا لا خلاف فيه. * قَوْله: (وَإِنْ كُنَّ ثَلَاثًا فَمَا فَوْقَ فَلَهُنَّ الثّلثَانِ). فإن لم يكن مع البنت وارثٌ يشاركها ويمنعها من أخذ النصف ترث النصف، وإنْ كنَّ ثلاثًا فأكثر يأخذن الثلثين، وإن كنَّ اثنتين فهذه محل خلاف؛ لأن الآية نَصَّتْ على أكثر من اثنتين.

стр. 8719

* قَوْله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الِاثْنَتَيْنِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ لَهُمَا الثُّلُثَيْنِ). ويقصد بالجمهور: العلماء عمومًا، ومنهم الأئمة الأربعة (١). * قولُهُ: (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لِلْبِنْتَيْنِ النِّصْفُ) (٢). فالعلماء كافة قالوا بأن لهن الثلثين، وهو أيضًا رأي كافة الصحابة والتابعين، وخالف في ذلك ابن عباس، واعتبر رأيه شاذًّا (٣) في هذه المسألة فيما يتعلَّق بأنهن يأخذن النصف، وسبب الخلاف يعود إلى فهم الآية: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾، فالآيةُ ذُكِرَ فيها ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ ولم يقل: لو كُنَّ اثنتين، فذكر "فوق اثنتين" أوجد هذا الخلاف،

стр. 8720

و"فوق اثنتين" لا شك هي الثلاث فما فوقها، وما دون الاثنتين هي واحدة، ولا خلاف بين العلماء بأن الواحدة لا تأخذ إلا النصف، فلا تأخذ ثلثين، فبقي الخلاف في الاثنتين، فهل الآية على ظاهرها أو أن "فوق" كما يقول بعض العلماء هي صلة، وأن تقدير الآية: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾؟، والمسألة فيها احتجاجات أخرى سيأتي الحديث عنها. * قولُهُ: (وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ تَرَدُّدُ المَفْهُومِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١]، هَلْ حُكْمُ الِاثْنَتَيْنِ المَسْكُوتُ عَنْهُ يَلْحَقُ بِحُكْمِ الثَّلَاثَةِ أَوْ بِحُكْمِ الوَاحِدَةِ؟ وَالأظْهَرُ مِنْ بَابِ دَلِيلِ الخِطَابِ أَنَّهُمَا لَاحِقَان بِحُكْمِ الثَّلَاثَةِ أَوْ بِحُكْمِ الوَاحِدَةِ). وَدليل الخطاب هو دَليل المخالفة، وما يخالف الدليل المنطوق به (١). * قَوْله: (وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ المَشْهُورَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ قَوْلِ الجُمْهُورِ). أَيْ: حُكِيَ عن ابن عباس أنه رجع إلى قول الجمهور وقال بقولهم (٢). * قَوْله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ حَاتِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَنْ جَابِرٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْطَى البِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ ". قَالَ فِيمَا

стр. 8721

أَحْسَبُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ (١)، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَقِيلٍ: قَدْ قَبِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ حَدِيثَهُ (٢)، وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ (٣)). والمُؤلِّف حقيقةً لم يوفِّ الغرض من الحديث وبمَنْ روَاه، ودرجة الحديث، وكان الأَوْلَى أن يأتي بمَا هو أَوْلَى، ومما هو يدل على وجه الدلالة، فبالنسبة للحديث فقد رواه الإمام أحمد في "مسنده" (٤)، وكذلك أيضًا أبو داود (٥) والترمذي (٦) وابن ماجه (٧)، فقد رواه الخمسة إلا النسائي، وهو حديث حسن، وقال عنه الترمذي: حسن صحيح (٨)، فهو حجة. وَالحديث له قصَّة: فإن امرأة سعد بن الربيع جاءت إلى

стр. 8722

رسول الله ﷺ بابنتيها من سعد بن الربيع، فقالت: يا رسول الله، هاتان بنتا سعد بن الربيع، قُتِلَ أبوهما يوم أُحُد معك شهيدًا، فأخذ عَمُّهُما مالهما ولم يترك لهما شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : "يقضي الله في ذلك "، فانتظر فنزلت آية المواريث ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾، فأَرْسَل رسول الله ﷺ إلى أخي سعد عم البنتين، فأُحْضر إلى رسول الله ﷺ ، فأَمَرَه بأن يعطي البنتين الثلثين، وأن يعطي أُمَّهما الثُّمُن، وما بقي قال: "فَهُوَ لك "، ولكن رسول الله ﷺ قضى في هذه المسألة بعد أن نزل عليه الوحي، وهذا يدلنا على أهمية الفرائض وقيمتها، وأنه ينبغي العناية بها، وهذا دليل على مذهب جمهور العلماء؛ لأن رَسُول الله ﷺ فسر الآية بما فعل. قوله: (وَسَبَبُ الِاتِّفَاقِ فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١]، وَأَجْمَعُوا مِنْ هَذَا البَابِ عَلَى أَنَّ بَنِي البَنِينَ يَقُومُونَ مَقَامَ البَنِينَ عِنْدَ فَقْدِ البَنِينَ) (١). وَهذه مسألةٌ مهمةٌ، فإذا فقد الابن الصلب الذي هو يدلي مباشرة بالأب، فأبناء الأبناء يحلُّون محل الأبناء. * قولُهُ: (يَرِثُونَ كَمَا يَرِثُونَ، وَبَحْجُبُونَ كَمَا يَحْجُبُونَ). فيحلُّون محلَّ آبائهم فيما يتعلق بالميراث والحجب (٢).

стр. 8723

* قَوْله: (إِلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ (١) أَنَّهُ قَالَ: وَلَدُ الِابْنِ لَا يَحْجُبُونَ الزَّوْجَ مِنَ النِّصْفِ إِلَى الرُّبُعِ، كَمَا يَحْجُبُ الوَلَدُ نَفْسَهُ، وَلَا الزَّوْجَةَ مِنَ الرُّبْعِ إِلَى الثُّمُنِ، وَلَا الأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ). وهذا قول ضعيف، ومجاهد من التابعين، ومع جلالة قدره فقد خالف غيره، والمسألة مُسلَّمة عند كافة العلماء. * قولُهُ: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِبَنَاتِ الِابْنِ مِيرَاثٌ مَعَ بَنَاتِ الصُّلْبِ إِذَا اسْتَكْمَلَ بَنَاتُ المُتَوفَّى الثّلثَيْنِ) (٢). والمؤلف قيَّد قيدًا مهمًّا، وهو أنهم أجمعوا على أنه لا ميراث لبنات الابن إذا استوفى البنات الثلثين، فإن كانت ابنة واحدة، فإن ابنة الابن تأخذ السدس تكملة الثلثين، وأيضًا لو كان معها إخوة سواء كانوا في درجتها أو دونها، فإنهم يعصبونها، أو إن كان واحد يعصبها ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. * قَوْله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ مَعَ بَنَاتِ الِابْنِ ذَكَرٌ ابْنُ ابْنٍ فِي مَرْتبَتِهِنَّ أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُنَّ). فلَيْسَ شرطًا عند جمهور العلماء أن يكون في الدرجة، بَلْ ربما يكون أقل منها، وبنت الابن لا ترث في هذا المقام؛ لأنه أخذ ما يمكن أن تأخذه، فإنه قد استكمل الثلثين، فوجود ابن الابن حتى وإنْ كان أنزل منها، كان سببًا في جلب الخير لها بأنها ترث.

стр. 8724

* قَوْله: (فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ: إِنَّهُ يُعَصِّبُ بَنَاتِ الِابْنِ فِيمَا فَضَلَ عَنْ بَنَاتِ الصُّلْبِ). فينقلهنَّ إلى التعصيب، والتعصيب هو الشد والجمع، وعصبة الإنسان هم الذين يلتفون حوله ويَقُونه، وأهلُ الفرض عرفنا أنهم يأخذون أمورًا مقدرةً، لكن بالنسبة إلى أهل التعصيب، فلا يأخذون شيئًا مقدرًا، قد يأخذون فرضًا وتعصيبًا، وربما يأخذون تعصيبًا، ثم يرد إليهم شيء، وهكذا فإنهم لا يكونون على نسقٍ واحدٍ. * قولُهُ: (فَيُقَسِّمُونَ المَالَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَبِهِ قَالَ عَلِيٌّ ﵁ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنَ الصَّحَابَةِ) (١). وهذا هو قول جماهير العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة (٢)، وغالب

стр. 8725

المسائل التي مرت بنا هي مسائل إجماع؛ لأن كثيرًا منها جاء ذِكْرها في كتاب الله ، فلا مجال للرأي والقياس والاختلاف. * قَوْله: (وَذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ (١) وَدَاوُدُ (٢) أَنَّهُ إِذَا السْتَكْمَلَ البَنَاتُ

стр. 8726

الثُّلُثَيْنِ أَنَّ البَاقِيَ لِابْنِ الِابْنِ دُونَ بَنَاتِ الِابْنِ، كلنَّ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ الذَّكَرِ، أَوْ فَوْقَهُ، أَوْ دُونَهُ). فأخرج بنت الابن بدعوى أنها لما كانت وحدها لا ترت؛ لأنه عندما أخذت البنتان من الصلب الثلثين وبنت الابن موجودةً فلم تستحق شيئًا، فلما جاء الذكر استحق، والجمهور يقولون: لا؛ لأنه وإنْ كان سببًا في أخذها الميراث لكن ذلك لا يمنعها من أن تكون شريكةً له، فهو يأخذ سهمين، وهي تأخذ سهمًا واحدًا. * قَوْله: (وَكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ (١) يَقُولُ فِي هَذِهِ ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] إِلَّا أَنْ يَكُونَ الحَاصِلُ لِلنِّسَاءِ أَكثَرَ مِنَ السُّدُسِ، فَلَا تُعْطَى إِلَّا السُّدُسَ).

стр. 8727

فمعاملة بنت الابن بالأبَرِّ لها، فَإنْ كَان ميراثها مع ابن الابن الذي هو في مرتبتها أو دون يجعلها تأخذ أكثر من السدس، فهذا لا يجوز عند عبد الله بن مسعود، ولا تأخذه، أما ما يكون دون السدس فذلك، فهو يعاملها بالأضر، وهذه مسألة قال العلماء عنها: إحدى المسائل الست التي خالف فيها عبد الله بن مسعود جمهور الصحابة. * قولُهُ: (وَعُمْدَةُ الجُمْهُورِ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]). وهذا عامٌّ. * قَوْله: (وَأَنَّ وَلَدَ الوَلَدِ وَلَدٌ مِنْ طَرِيقِ المَعْنَى، وَأَيْضًا لَمَّا كَانَ ابْنُ الِابْنِ يُعَصِّبُ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ فِي جُمْلَةِ المَالِ، فَوَاجِبٌ أَنْ يُعَصِّبَ فِي الفَاضِلِ مِنَ المَالِ). فلو كان هو وأخته يرثان فهو يعصبها، ولا تأخذ فرضًا هنا، ولكن يقسم المال بيمهما أو ما يخصهما، له نصيبان ولها سهم واحد ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. * قوْله: (وَعُمْدَةُ دَاوُدَ وَأَبِي ثَوْرٍ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اقْسِمُوا المَالَ بَيْنَ أَهْلِ الفَرَائِضِ عَلَى كتَابِ اللَّهِ فَمَا أَبْقَتِ الفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (١)). وهذا الحديث مُتَّفقٌ عليه. * قَوْله: (وَمِنْ طَرِيقِ المَعْنَى أَيْضًا أَنَّ بِنْتَ الِابْنِ لَمَّا لَمْ تَرِثْ مُفْرَدَةً مِنَ الفَاضِلِ عَنِ الثّلثَيْنِ، كَانَ أَحْرَى أَلَّا تَرِثَ مَعَ غَيْرِهَا).

стр. 8728

ولَيْست القضية قضية تعليلٍ، فلو وُجِدَ أبوان وإخوة، فإن الأخ يحجب في هذا المقام، ويتسبب في إنقاص قدر الأم في نصيبها، لكن الأب يحجبه، فهو يحجب ولا يأخذ، فهذا دليل على أن الإنسان قد يكون وارثًا ويحجب، لكن يوجد مانعٌ آخر أقوى فيمنعه، لا لمعنًى موجودٍ في علة، ولكن لسبب آخر وهو وجود مَنْ هو أقوى منه فحجبه. * قَوْله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَعَارُضُ القِيَاسِ وَالنَّظَرِ فِي التَّرْجِيحِ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ بَنَاتِ الِابْنِ لَمَّا كُنَّ لَا يَرِثْنَ مَعَ عَدَمِ الِابْنِ أَكْثَرَ مِنَ السُّدُسِ، لَمْ يجِبْ لَهُنَّ مَعَ الغَيْرِ أَكْثَرُ مِمَّا وَجَبَ لَهُنَّ مَعَ الِانْفِرَادِ). ويَرَى ابن مسعود ﵁ أنهن لا يزدن عما كان أصلًا لهن فيما لو كُنَّ منفردات، فإذا وجد من يعصبهن، فلا يمكن أن يأخذن أكثر من ذلك، ومذهب الجمهور هو الأوضحُ في ذلك. * قَوْله: (وَهِىَ حُجَّةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ حُجَّةِ دَاوُدَ، وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ ذَكَرَ وَلَدِ الِابْنِ يُعَصِّبُهُنَّ؛ كانَ فِي دَرَجَتِهِنَّ أَوْ أَطْرَفَ مِنْهُنَّ). كأن تكون بنت ابن وهو يكون ابن ابن ابن، وقد يكون أنزل بدرجات، فإنَّه يصعد فيعصبها، فيأخذ على أنه ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. * قَوْله: (وَشَذَّ بَعْضُ المُتَأَخِّرِينَ (١) فَقَالَ: لَا يُعَصِّبُهُنَّ إِلَّا إِذَا كَانَ فِي مَرْتبَتِهِنَّ). وَهذا أيضًا قولٌ ضعيفٌ.

стр. 8729

* قَوْله: (وَجُمْهُورُ العُلَمَاءِ (١) عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ المُتَوفَّى بِنْتًا لِصُلْبٍ وَبِنْتَ ابْنٍ أَوْ بَنَاتِ ابْنٍ لَيْسَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ أَنَّ لِبَنَاتِ الِابْنِ السُّدُسَ تَكْمِلَةَ الثّلثَيْنِ). يعني: إذا تُوفِّي إنسانٌ وترك بنتَ ابنٍ أو بنات ابنٍ، فنصيب البنت النصف ولا تزاد على ذلك؛ لأنها واحدة، ومعلوم أنها لو كانت معها بنت بأخرى لاجتمعتا فأخذتا الثلثين، فلما لم توجد البنت الأخرى والبنت أولى من بنت الابن فأخذت فرضها هنا، والتي ستشركها ليست شريكًا لها معادلة؛ لأنها جَاءَت في طَبقَةٍ مُتَأخرةٍ، فتأخذ السُّدُسَ تكملةً للثُّلثين،

стр. 8730

ولا فرق بين أن تكون واحدة أو أكثر، فلو تُوفِّي إنسان وترك بنتًا وخمس بنات لابن، فإنه في هذه الحالة تأخذ البنت النصف، والخمس البنات للابن يشتركن في السدس. * قولُهُ: (وَخَالَفَتِ الشِّيعَةُ فِي ذَلِكَ). وهؤلاء خلافُهُم لا يعتدُّ به. * قولُهُ: (فَقَالَتْ: لَا تَرِثُ بِنْتُ الِابْنِ مَعَ البِنْتِ شَيْئًا كالحَالِ فِي ابْنِ الِابْنِ مَعَ الِابْنِ، فَالِاخْتِلَافُ فِي بَنَاتِ الِابْنِ فِي مَوْضِعَيْنِ: مَعَ بَنِي الِابْنِ). فيمَا يتعلَّق بالتعصيب، ومع البنتين بالنسبة للسدس، وليس كلُّ خلافٍ يرد يكون مقبولًا؛ لأن من الخِلَافَات ما يكون شاذًّا، وبخاصَّةٍ إذا كان الدليل الذي بين أيدينا قطعيًّا؛ كالأدلة التي نجدها في كتاب الله . * قَوْله: (وَمَعَ البَنَاتِ فِيمَا دُونَ الثُّلُثَيْنِ وَفَوْقَ النِّصْفِ، فَالمُتَحَصِّلُ فِيهِنَّ إِذَا كنَّ مَعَ بَنِي الِابْنِ أَنَّهُ قِيلَ: يَرِثْنَ، وَقِيلَ: لَا يَرِثْنَ، وَإِذَا قِيلَ يَرِثْنَ فَقِيلَ: يَرِثْنَ تَعْصِيبًا مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يَرِثْنَ تَعْصِيبًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنَ السُّدْسِ). والقَوْل الأوَّل هو مَذْهب الجمهور، والقول الثاني قول ابن مسعود ﵁ الذي مرَّ. * قَوْله: (وَإِذَا قِيلَ يَرِثْنَ، فَقِيلَ أَيْضًا: إِذَا كَانَ ابْنُ الِابْنِ فِي دَرَجَتِهِنَّ، وَقِيلَ كَيْفَمَا كَانَ). وهو مذهب الجمهور. * قولُهُ: (وَالمُتَحَصِّلُ فِي وِرَاثَتِهِنَّ مَعَ عَدَمِ ابْنِ الِابْنِ فِيمَا فَضَلَ عَنِ النِّصْفِ إِلَى تَكْمِلَةِ الثُّلُثَيْنِ قِيلَ: يَرِثْنَ. وَقِيلَ: لَا يَرِثْنَ).

стр. 8731

قال المصنف رحمه الله تعالى: (مِيرَاثُ الزَّوْجَاتِ) ولا شك أن مسائل المواريث لا مجال للاجتهاد فيها، ولا مجال للقياس، فما جاء محددٌ في كتاب الله ، ولذلك فإن المسائل التي اختلف فيها في الفرائض قليلة جدًّا كما سيأتي في العُمَريَّتين، وبعض التي فيها خلاف إنما هو خلاف ناشئ، أي: متأخر، كمَا سيأتي في مَسْأَلةٍ خالف فيها عبد الله بن عباس. *قوْله: (وَأَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مِيرَاثَ الرَّجُلِ مِن امْرَأَتِهِ إِذَا لَمْ تَتْرُكْ وَلَدًا وَلَا وَلَدَ ابْنٍ: النِّصْفُ، ذَكَرًا كَانَ الوَلَدُ أَوْ أُنْثَى) (١). وَهَذا إجماعٌ كما ذكر المؤلف؛ لأنَّ اللهَ قد نص عليه في كتابه: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وفي كَثِيرٍ من آيات المواريث يذكر الله : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وليس في هذا المقام، بل في آخر آية في سورة النساء أيضًا: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾، ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾، فالتنصيص على الدَّين والوصية يدلُّ أنهما يقدمان على الميراث. فَوَلدُ الابن في هذه الحالة بمنزلة الابن، فهو يحجب الزوج، وَكَذلك الحال بالنسبة للزوجة تمامًا.

стр. 8732

* قولُهُ: (إِلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْ مُجَاهِدٍ) (١). لأنه ذكر عدة أمور، منها: أن ابن الابن لا يحجب الزوج عن النصف، ولا الزوجة عن الربع، وهو قول ضعيف أيضًا. * قولُهُ: (وَأَنَّهَا إِنْ تَرَكَتْ وَلَدًا فَلَهُ الرُّبُعُ، وَأَنَّ مِيرَاثَ المَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا إِذَا لَمْ يَتْرُكِ الزَّوْجُ وَلَدًا وَلَا وَلَدَ ابْنٍ - الرُّبُعُ). كما نصت الآية: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ فتأخذ الرُّبُع في حالة عدم وجود الفرع الوارث، فَإنْ وُجِدَ هذا الفرع، فإنها لا تأخذ إلا الثُّمُن. * قوْله: (فَإِنْ تَرَكَ وَلَدًا أَوْ وَلَدَ ابْنٍ فَالثُّمُنُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ يَحْجُبُهُنَّ أَحَدٌ عَنِ المِيرَاثِ، وَلَا يَنْقُصُهُنَّ إِلَّا الوَلَدُ). فمن الذين لا يحجبون الزوج والزوجة، وهما اللذان وَرِثَا عن طريق المصاهرة، أو ما يُعْرف بالنِّكَاح. * قَوْله: (وَهَذَا لِوُرُودِ النَّصِّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ الآية [النساء: ١٢]). فلَا اجتهَاد مع النَّصِّ، والآية صريحة فيما يتعلق بالزوجين، وقد جاء بجزء من الآية، فعرض ما يتعلق بالرجل، وفي بقية الآية ما يتعلق بالزوجة. * * *

стр. 8733

قال المصنف رحمه الله تعالى: (مِيرَاثُ الأَبِ وَالأُمِّ) الآن سننتقل إلى الأصول، فالمؤلف تحدث فيما مضى عن الفروع، والآن سينتقل إلى الأصول، أؤَلًا يبدأ بالأبوين المباشرين: أبو الميت مباشرةً (صلبه) وكذلك أمه، ثم بعد ذلك ينتقل إلى الجدِّ والجدَّة. * قَوْله: (وَأَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الأبَ إِذَا انْفَرَدَ كَانَ لَهُ جَمِيعُ المَالِ، وَأَنَّهُ إِذَا انْفَرَدَ الأَبَوَانِ كَانَ لِلأمِّ الثُّلُثُ، وَللأبِ البَاقِي، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]) (١). وَسَبَق أنْ نبَّه المؤلف على أن الابن إذا انفرد، أخَذ المال كله، وهنا أيضًا الأب إذا انفرد، أخذ المال كله تعصيبًا، وإذا اجتمع الأبوان وحدهما فللأم الثلث، والباقي للأب، فالأمُّ هنا فرضها الثلث، لعدم وجود مَنْ يحجبها عن الثلث. * قَوْله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ فَرْضَ الأبَوَيْنِ مِنْ مِيرَاثِ ابْنِهِمَا إِذَا كَانَ لِلِابْنِ وَلَد أَوْ وَلَدُ ابْنٍ السُّدُسَانِ) (٢).

стр. 8734

كما قال تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾. * قولُهُ: (أَعْنِي أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]). وأما إذا لم يكن له ولدٌ، فلأمه الثلث. * قَوْله: (وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الوَلَدَ هُوَ الذَّكَرُ دُونَ الأُنْثَى) (١). وخالفهم في ذلك مَنْ شذَّ، ومَنْ شذَّ فلا يلتفت إلى قولُهُ. * قَوْله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الأَبَ لَا يُنْقَصُ مَعَ ذَوِي الفَرَائِضِ مِنَ السُّدُسِ وَلَهُ مَا زَادَ) (٢).

стр. 8735

فوربما يكون المال من ستة، فيأخُذُ خمسة أسداس، يأخذ سدسه ثم يرد إليه أربعة أسداس، فيأخذ خمسةً ويبقى السدسُ السادسُ للأم. * قَوْله: (وَأَجْمَعُوا مِنْ هَذَا البَابِ عَلَى أَنَّ الأُمَّ يَحْجُبُهَا الإِخْوَةُ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ) (١). فالأمُّ لها ثلاث حالات: الحالة الأولى: التي تأخذ فيها الثلث إذا لم يوجد ابن ولا إخوة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾. الحالة الثانية: تأخذ فيها السدس إذا وجد له ابن، كما قال تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾. الحالة الثالثة: وتأخذ فيها السدس أيضًا إنْ كان له إخوة، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾. فهناك حالتان تأخذ فيهما الأمُّ السدسَ، وحالة تأخذ فيها الثلث. * قَوْله: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، وَاخْتَلَفُوا فِي أَقَلَّ مَا يَحْجُبُ الأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ مِنَ الإِخْوَةِ، فَذَهَبَ عَلِيٌّ ﵁ (٢) وَابْنُ مَسْعُودٍ (٣) إِلَى أَنَّ الإِخْوَةَ الحَاجِبِينَ هُمَا اثْنَان فَصَاعِدًا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ).

стр. 8736

وأبو حنيفة (١) والشافعي (٢) وأحمد (٣) وكافة العلماء من الفقهاء

стр. 8737

وغيرهم (١). * قوْله: (وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّهُمْ ثَلَاثَة فَصَاعِدًا) (٢). وأكثر الخلاف هنا يدور حول أقل الجمع وأكثره، هل اثنان يعتبر جمعًا أو لا؟ فهناك مَنْ يرى من أهل اللغة -وهو رأي الأكثر- بأن أقلَّ الجمع ثلاثة، وهناك مَنْ يرى -وهم قلة- بأن أقل الجمع اثنان، وهؤلاء الذين قالوا: بأن أقل الجمع اثنان أيضًا اختلفوا، فمنهم مَنْ قال: هو جمع حقيقي، فيعتبر الاثنان وهو حقيقةً، وبعضهم قال: يسمى "الاثنان" جمعًا مجازيًّا، فجمهور العلماء اعتبروا ذلك، وأيضًا استدلوا بعد ذلك في آخر آية الكلالة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً﴾، فقالوا: كلمة "إخوة" المقصود هناك إنما هو أخ وأخته، ومع ذلك قال الله تعالى: ﴿إِخْوَةً﴾، فذكر "الإخوة" لا يدل على أن المقصود ما زاد عن اثنين، وقد حاج عبد الله بن عباس، عثمان بن عفان ﵁ فقال: ليس أخوان إخوة في

стр. 8738

لسان قومك (١)، يعني في لسان العرب، فَبِمَ ردَّ عليه عثمان ﵁؟ قال: ذاك أمرٌ قد سَبَق، وَمَضَى ذلك في البلاد، وتوارث الناس به جيلًا بعد جِيلٍ، فلا يمكن أن آتي وأخالف في ذلك، وقد اعتبر العلماء قول عثمان حُجَّةَ في هذه المسألة. * قولُهُ: (وَأَنَّ الِاثْنَيْنِ لَا يَحْجُبَان الأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ، وَالخِلَافُ آيِلٌ إِلَى أَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الجَمْعِ، فَمَنْ قَالَ: أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الجَمْعِ ثَلَاثَةٌ قَالَ: الإِخْوَةُ الحَاجِبُونَ ثَلَاثَةٌ فَمَا فَوْقُ). والرَّسول ﷺ قال: "الاثنَان فمَا فوق فهُمَا جماعةٌ" (٢)، فإذا وُجِدَ اثنان فصليا فصلاتهما تكون صلاة جماعة، والجماعة معناها الجمع، فاثنان فما فوقهما جماعة، والواحد لا يُقَال له: جماعة، وإنْ كان الاثنان أقل الجمع. * قَوْله: (وَمَنْ قَالَ: أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الجَمْعِ اثْنَانِ قَالَ: الإِخْوَةُ الحَاجِبُونَ هُمَا اثْنَان، أَعْنِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى يَدْخُلَانِ تَحْتَ اسْمِ الإِخْوَةِ فِي الآيَةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الجُمْهُورِ). فلَا خلافَ هنا بالنسبة للحجب بين الذكور والإناث، فإن الأخ ذكرًا كان أو أنثى إذا وجد هذا العدد، حجب الأم، ولله في ذلك حكمةٌ،

стр. 8739

فالله هو الذي تولى قسمة هذه المواريث، وهو العليم بما يصلح شؤون هذا الكون. * قولُهُ: (وَقَالَ بَعْضُ المُتَأَخِّرِينَ). ولعله ابن حزم (١). * قولُهُ: (لَا أَنْقُلُ الأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ بِالأَخَوَاتِ المُنْفَرِدَاتِ، لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِنَّ اسْمُ الإِخْوَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ أَخٌ لِمَوْضِعِ ثَغْلِيبِ المُذَكَّرِ عَلَى المُؤَنَّثِ، إِذِ اسْمُ الإِخْوَةِ هُوَ جَمْعُ أَخ، وَالأَخُ مُذَكرٌ). وكلمة "إخوة" دائمًا إذا وُجِدَ ذكر وأنثى، فهناك ما يُعْرف بالتغليب، فدائمًا يغلب الذَّكر على الأنثى. * قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِيمَنْ يَرِثُ السُّدُسَ الَّذِي تُحْجَبُ عَنْهُ الأُمُّ بِالإِخْوَةِ، وَذَلِكَ إِذَا ثَرَكَ المُتَوفَّى أَبَوَيْنِ وَإِخْوَةً). والمراد بالأبوين: أب وأم، فالأم في هذه المسألة تُحْجب بالإخوة، وتأخذ السُّدُس؛ لأن الأمَّ تنزل من الثُّلث إلى السدس في حَالةٍ من حالتين: إذا وجد ابن أو وجد إخوة، وهنا وجد الإخوة، فالأم هنا لا تأخذ إلا السدس، وهذه الخمسة أسداس إنما يأخذها الأب، فالإخوة هنا تكون سببًا في حَجْب الأم من الثلث إلى السدس، ومع ذلك لا يأخذون شيئًا لوجود مَنْ يحجبهم، وهذه مسألة تكلم عنها الفقهاء: هل يوجد مَنْ يَحجب غيره ويُحْجب هو؟ الجواب: نعم، هي هذه المسألة، وحجب الإخوة هنا ليس لنقص

стр. 8740

فيهم، ولكن لوجود مَنْ هو أقوى منهم، لوجود مَنْ يُدْلي بعصبةٍ وهو أقوى منهم؛ لأنه لما ذهب الابن، جاء الأب، فهو الذي في هذا المقام يحجز الإخوة، ويَمْنعهم عن الميراث، فهم قد حَجبوا وحُجبوا. قَوْله: (فَقَالَ الجُمْهُورُ (١): ذَلِكَ السُّدُسُ لِلْأَبِ مَعَ الأَرْبَعَةِ الأَسْدَاسِ). فَالأبُ قد أخذ خمسة أسداس، وأخذت الأم سدسًا واحدًا.

стр. 8741

قَوْله: (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١) أَنَّ ذَلِكَ السُّدُسَ لِلْإِخْوَةِ الَّذِينَ حَجَبُوا، وَللأبِ الثُّلُثَان؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الأُصُولِ مَنْ يَحْجُبُ، وَلَا يَأْخُذُ مَا حُجِبَ إِلَّا الإِخْوَةُ مَعَ الآبَاءِ، وَضَعَّفَ قَوْمٌ الإِسْنَادَ بِذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ). فقالوا: إن الطريق الذي يوصل إلى عبد الله بن عباس هو ضعيف، فنسبة ذلك إلى عبد الله بن عباس فيه ضَعفٌ. قَوْله: (وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ القِيَاسُ). لأنَّه قَاس، والأمُّ في الأصل ينبغي أن تأخذ الثلث، لكن وجد مَنْ يحجبها، لكن لما حجبت هي أيضًا، فَالإخوة يأخذون ذلك الذي حجبت عنه الأم، فَهُمْ أَوْلَى في هذا. قَوْله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي الَّتِي تُعْرَفُ بِالغَرَّاوَيْنِ) (٢). واشتهرت هذه المسألة بالعُمَريتين (٣)، فهما مسألتان؛ لأن عمر بن الخطاب-﵁ قضَى فيهما، وتابعه في ذلك عثمان بن عفان ووافقه، وكذلك عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأثر ذلك عن عليِّ بن أبي طالبٍ، وهو أيضًا قول الأئمة المعروفين، بل قول الفقهاء عامَّة.

стр. 8742

• قوله: (وَهِيَ فِيمَنْ تَرَكَ زَوْجَةً وَأَبَوَيْنِ، أَوْ زَوْجًا وَأَبَوَيْنِ). فهما مسألتان: إما زوج وأبوان، أو زوجة وأبوان، ففي المسألة الأولى: زوج وأبوان، فالزوج نصيبه هنا النصف، لكن بالنسبة للأبوين، لماذا لا تأخذ الأم الثلث؟ هل يوجد فرع وارث؟ هل يوجد ابن يمنعها؟ هل يوجد إخوة يحجبونها إلى السدس؟ الجواب: لا، فلماذا - إِذَنْ - أعطاها عمر ﵁ السُّدُس؟، وأيضًا أثر ذلك عن أبي موسى، ولمَّا ذهب صاحب القضية إلى عبد الله بن مسعودٍ أنكر ذلك العمل، وقال: أقضي فيها بقضاء رَسُول الله ﷺ (١). • قَوْله: (فَقَالَ الجُمْهُورُ (٢): فِي الُأولَى لِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ، وَلِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ، وَهُوَ الرُّبُعُ مِنْ رَأْسِ المَالِ، وَللْأَبِ مَا بَقِيَ وَهُوَ النِّصْفُ).

стр. 8743

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8744

فالأم لم أخذت الثلث، ولو أنها أخذت الثلث لزَاد نصيبها، وَالزَّوجة لهَا الرُّبُع؛ لأنها ليست مَحلَّ خِلَافٍ، لكن هنا الأم أخذت الثُّلُث الباقي، والأب أخذ النصف، وهذا فيما يتعلق بمسألة الزوجة. • قوله: (وَقَالُوا فِي الثَّانِيَةِ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَللأمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ، وَهُوَ السُّدُسُ مِنْ رَأْسِ المَالِ، وَلِلْأَبِ مَا بَقِيَ وَهُوَ السُّدُسَانِ). فَالثَّانية من سِتَّةٍ، فيأخذ الزوج النصف وهو ثلاثة أسداس، وتأخذ الأمُّ ثلث الباقي الذي هو السدس، ويأخذ الأب الثلث وهو سدسان، والأم لم تأخذ الثلث مع أن مَنْ يحجبها عن الثلث غير موجود هنا، فلا ابن يوجد، ولا إخوة في هذه المسألة، ومع ذلك قَضَى فيها عُمَرُ ﵁، ووافقه أيضًا جمعٌ من الصَّحابة، وهذا هو الذي أخذ به جَماهير العلماء رحمهم الله تعالى. • قَوْله: (وَهُوَ قَوْلُ زَيْدٍ (١)، وَالمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ عَلِي (٢) ﵁. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الأُولَى (٣): لِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ مِنْ رَأْسِ المَالِ،

стр. 8745

وَللأُمِّ الثُّلُثُ مِنْهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ فَرْضٍ، وَللَأبِ مَا بَقِيَ لِأَنَّهُ عَاصِبٌ، وَقَالَ أَيْضًا فِي الثَّانِيَةِ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَللْأُمِّ الَثُّلُثُ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ فَرْضٍ مُسَمًّى). فَابْنُ عَبَّاس ﵄ بَقي على الَأصْل، ولكن جمهور العلماء يرون أنَّه لو حكم في القضية بهذا لاختل الميزان، وستأخذ الأم أكثر من الأب في إحدى المسألتين، وفي هَذِهِ الحَال يكون خروجًا عن الأصول. • قَوْله: (وَللْأَب مَا بَقِيَ، وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ القَاضِي (١) وَدَاوُدُ (٢)، وَابْنُ سِيرِينَ (٣) وَجَمَاعَةٌ (٤)، وَعُمْدَةُ الجُمْهُورِ أَنَّ الَأبَ وَالأُمَّ لَمَّا كَانَا إِذَا انْفَرَدَا بِالمَالِ كَانَ لِلأمِّ الثُّلُثُ، وَلِلَأبِ البَاقِي).

стр. 8746

كان هذَا هو الأصل. • قَوْله: (وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الحَالُ كَذَلِكَ فِيمَا بَقِيَ مِنَ المَالِ، كَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنْ يَكُونَ مِيرَاثُ الأُمِّ أَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِ الأَبِ خُرُوجًا عَنِ الُأصُولِ). فلو طُبِّق ذلك على الأصل، فأخذت الثُّلُث، يكون حِينَئذٍ خروجًا عن الأصول؛ لأنها سَتزيد على الأب. • قَوْله: (وَعُمْدَةُ الفَرِيقِ الآخَرِ أَنَّ الُأمَّ ذَاتُ فَرْضٍ مُسَمًّى، وَالأَبَ عَاصِبٌ، وَالعَاصِبُ لَيْسَ لَهُ فَرْضق مَحْدُود مَعَ ذِي الفُرُوضِ). فكأنهم يقولون: الأم لها نصيب مفروض مقدر، فيَنْبغي أن تأخذه، لكن الأب يأخذ بالتعصيب، والتعصيب غير مقدر، ولذلك عرفوا التعصيب بأنه أَخْذُ الشيء دون تقديرٍ، يعني دون غلق؛ لأنه يتفاوت فيأخذ كثيرًا أحيانًا، وأحيانًا يأخذ قليلًا، لكن الفروض ثابتة. • قوله: (بَلْ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ. وَمَا عَلَيْهِ الجُمْهُورُ مِنْ طَرِيقِ التَّعْلِيلِ أَظْهَرُ، وَمَا عَلَيْهِ الفَرِيقُ الثَّانِي مَعَ عَدَمِ التَّعْلِيلِ أَظْهَرُ، وَأَعْنِي بِالتَّعْلِيلِ هَاهُنَا أَنْ يَكُونَ أَحَقُّ سَبَبَيِ الإِنْسَانِ أَوْلَى بِالإِيثَارِ (أَعْنِي: الأَبَ مِنَ الُأمِّ)). لأنه يأخذ من هنا وهنا، فهو يشارك هنا مرةً، ويأخذ مرةً أيضًا في التعصيب، فهو يدلي بسببين. * * *

стр. 8747

[مِيرَاثُ الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ] أنواع الإخوة: أولًا: إخوة أشقاء وهم الذين يجتمعون في أبٍ وأمٍّ، وُيسمَّون بالإخوة الأعيان. ثانيًا: إخوة لعلَّات؛ وهم الإخوة لأب؛ أبوهم واحد وأمهاتهم شَتَّى. ثالثًا: إخوة أخياف، وهم الإخوة لأم؛ فهم بنو الأم الواحدة من آباء شتى (١). وقدَّم المؤلف ﵀ ميراثَ الإخوة لأم على ميراث الإخوة الأشقاء والإخوة لأب؛ لأنهم من أصحاب الفروض، وقدَّم المصنف الكلام عن أصحاب الفروض على العصبات. • قوله: (وأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلأمِّ إِذَا انْفَرَدَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ أَنَّ لَهُ السُّدُسَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَأَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلثِ عَلَى السَّوِيَّةِ لِلذَّكَرِ مِنْهُمْ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَى سَوَاءً) (٢).

стр. 8748

وجاء ذلك نصًّا في القرآن العزيز؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، للذكر منهم مثل حظ الأنثى سواء، على خلاف الإرث بالتعصيب - كما سيأتي - وهذا مما ينفرد به الإخوة لأم. • قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ مَعَ أَرْبَعَةٍ، وَهُمُ: الْأَبُ وَالْجَدُّ أَوِ الْأَبُ وَإِنْ عَلَا، وَالْبَنُونَ ذُكْرَانُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ، وَبَنُو الْبَنِينَ وَإِنْ سَفُلُوا ذُكْرَانُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ، وَهَذَا كلُّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ الآية [النساء: ١٢]، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذِهِ الْآيَةِ هُمُ الْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ فَقَطْ، وَقَدْ قُرِئَ: "وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمِّهِ" (١). يُحجب الإخوة لأم حجبَ حرمانٍ (٢) مع الأصناف الأربعة التي ذكرها المؤلف؛ وهم: الأبُ والجدُّ وإن علا، والابن وابن الابن وإن نزل، فحيثما وُجد واحدٌ من هؤلاء فلا نصيب للإخوة للأم من الميراث. وقد يُحجبون حجب نقصان (٣)؛ فيأخذ الواحد منهم ما دون السدس، ذكرًا كان أو أنثى، وذلك إذا كانوا اثنان فأكثر ذكورًا أو إناثًا أو مختلطين؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.

стр. 8749

وقد انعقد الإجماع (١) على أنَّ المقصود بهذه الآية هم الإخوة للأم فقط، وقد قُرئ: ﴿ووله أخ أو أخت من أمه﴾ (٢)، فجاءت هذه القراءة لتؤكد أن المراد بالإخوة هنا إنما هم الإخوة لأم. • قوله: (وَكذَلِكَ أَجْمَعُوا - فِيمَا أَحْسَبُ - هَاهُنَا عَلَى أَنَّ الْكَلَالَةَ هِيَ فَقْدُ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنَ النَّسَبِ - أَعْنِي: الْآبَاءَ وَالْأَجْدَادَ وَالْبَنِينَ وَبَنِي الْبَنِينَ -). نصَّ العلماء على أنَّ الكلالة (٣) من لا والد له ولا ولد، ونُقل ذلك عن أبي بكر وعمر وغيرهما (٤)، ويدخل فيها - أي: الكلالة - التفصيل الذي ذكره المؤلف في ميراث الإخوة لأم؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ

стр. 8750

يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾. [مِيرَاثُ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ لِلْأَبِ] • قوله: (وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلأبِ وَالْأُمِّ أَوْ لِلْأَبِ فَقَطْ يَرِثُونَ فِي الْكَلَالَةِ أَيْضًا، أَمَّا الْأُخْتُ إِذَا انْفَرَدَتْ فَإِنَّ لَهَا النِّصْفَ، وَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلْثَانِ كَالْحَالِ فِي الْبَنَاتِ، وَأَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا ذُكورًا وَإِنَاثًا فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ كَحَالِ الْبَنِينَ مَعَ الْبَنَاتِ؛ وَهَذَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] (١). ذكر المؤلف أن هذه الأصناف لا تحرمهم الكلالة من الميراث بالإجماع: فإذا انفردت الأخت أخذت النصف؛ لقول الله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا﴾

стр. 8751

تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾، وإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ﴾. وقال: (كَالْحَالِ فِي الْبَنَاتِ)؛ لأنَّه مر بنا أن البنت إذا انفردت - أي: ليس معها أخ - فلها النصف، فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان على الراجح، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ كَحَالِ الْبَنِينَ مَعِ الْبَنَاتِ؛ لقول الله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. • قوله: (إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْكَلَالَةِ هَاهُنَا فِي أَشْيَاءَ وَاتَّفَقُوا مِنْهَا فِي أَشْيَاءَ يَأْتِي ذِكْرُهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ عَلَى أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ وَالْامع مِّ ذُكْرَانًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا أَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ مَعَ الْوَلَدِ الذَّكَرِ شَيْئًا وَلَا مَعَ وَلَدِ الْوَلَدِ، وَلَا مَعَ الْأبِ شَيْئًا) (١). لأنهم يُحجبون بهم حجبَ حرمان، وسبق أنَّ الابن الذكر إذا انفرد فإنه يرث المالَ كُلَّه. • قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ؛ فَمِنْهَا: أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ لِلَأبِ وَالْأُمِّ مَعَ الْبِنْتِ أَوِ الْبَنَاتِ؛ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (٢) إِلَى أَنَّهُنَّ

стр. 8752

عُصْبَةٌ يُعْطَوْنَ مَا فَضَلَ عَنِ الْبَنَاتِ، وَذَهَبَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيِّ الظَّاهِرِيُّ (١) وَطَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ الْأُخْتَ لَا تَرِثُ مَعَ الْبِنْتِ شَيْئًا، وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي ابْنَةٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ: "إِنَّ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسَ تَكْمِلَةَ الثُّلثَيْنِ وَمَا بَقِيَ فَلِلأخْت" (٢)، وَأَيْضًا مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ لَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى تَوْرِيثِ الْإِخْوَةِ مَعَ الْبَنَاتِ، فَكَذَلِكَ الْأَخَوَاتُ. وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الْآخَرِ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ [النساء: ١٧٦] فَلَمْ يَجْعَلْ لِلأخْتِ شَيْئًا إِلَّا مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ، وَالْجُمْهُورُ حَمَلُوا اسْمَ الْوَلَدِ هَاهُنَا عَلَى الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ). قال المؤلف بأنَّهم اختلفوا في ميراث الإخوة للأب، والمراد الأخوات وليس الإخوة:

стр. 8753

فذهب الجمهور إلى أنَّهن عصبة مع البنات، واستدلُّوا على ذلك بالأثر والنظر. فأما الأثر: فبما رواه الجماعة (١) إلا مسلمًا والنسائي، عن هزيل بن شرحبيل قال: "سئل أبو موسى - وفي رواية: جاء رجل إلى أبي موسى وسلمان بن ربيعة فسألهما - عن بنت وابنة بنت وأخت، فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف، وأتِ ابن مسعود فسيتابعني". فسئل ابن مسعود وأُخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي ﷺ : "لِلِابْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ ابْنٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلأخْتِ"". فهذا استناد إلى قضاء رسول الله ﷺ . وأمَّا النظر: فقياسًا على توريث الإخوة مع البنات. وذهب أبو داود بن علي الظاهري وطائفة: إلى أن الأخت لا ترثُ مع البنت شيئًا، واستدلوا على ذلك بعموم قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ أي: أنها ترث إذا لم يكن هناك ولد، وفي هذه الصورة وُجِد الولد فلا ترث. • قوله: (وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا الْبَابِ عَلَى أَنَّ الْإِخُوَّةَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ يَحْجُبُونَ الْإِخْوَةَ لِلَأبِ عَنِ الْمِيرَاثِ قِيَاسًا عَلَى بَنِي الْأَبْنَاءِ مَعَ بَنِي الصُّلْبِ (٢). قَالَ أَبُو عُمَرَ (٣): وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ حَسَنٍ مِنْ رِوَايَةِ

стр. 8754

الْآحَادِ الْعُدُولِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنَّ أَعْيَانَ بَنِي الْأُمِّ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي الْعِلَّاتِ" (١)). وهذا يُسمَّى في علم الفرائض حجب حرمان، فيحجب الإخوةُ الأشقاء الإخوةَ للأب؛ لأنهم أولى فيقدَّمون في الميراث. وقول المؤلف ﵀: (قَالَ أَبُو عُمَرَ … إلخ) هو يوسف ابن عبد البر. وقد مضى ذكر الفرق بين بني الأعيان وبني العلَّات. • قوله: (وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْأَخَوَاتِ لِلْأبِ وَالْأمِّ إِذَا اسْتَكْمَلْنَ الثُّلُثَيْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلإخَوَاتِ لِلأَبِ مَعَهُنَّ شَيْءٌ كَالْحَالِ فِي بَنَاتِ الِابْنِ مَعَ بَنَاتِ الصُّلْبِ، وَأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْأُخْتُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَاحِدَةً فَلِلأخَوَاتِ لِلْأَبِ مَا كَانَ بَقِيَّةَ الثُّلُثَيْنِ وَهُوَ السُّدُسُ) (٢). (الأخوات للأب والأم) أي: الشقيقات، فإن كانت واحدة فلها النصف، وللأخت لأب تكملة الثلثين، وإن كنَّ اثنتين أو أكثر فلهن الثلثين، ولا شيء للأخت لأب لاستغراق الشقيقات الثلثين. (كالحال في بنات الابن مع بنات الصلب) فإن كانتا اثنتين فأكثر أخذن الثلثين ولا شيء لبنات الابن، وإن كانت واحدة فلها النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين.

стр. 8755

• قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا كانَ مَعَ الْأَخَوَاتِ لِلأبِ ذَكرٌ؛ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: يُعَصِّبُهُنَّ وَيَقْتَسِمُونَ الْمَالَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثيَيْنِ كَالْحَالِ فِي بَنَاتِ الِابْنِ مَعَ بَنَاتِ الصُّلْبِ). اختلفوا فيما إذا وجد مع الأخت لأب أخ: فهل ينتقل من الفرض إلى التعصيب؟ فذهب الجمهور (١) إلى أنه يعصبهن فيكون للذكر مثل حظ الأنثيين، ولذلك سمَّاه بعض أهل العلم ب: الأخ المبارك (٢)؛ لأن وجوده خيرٌ على أخواته. • قوله: (كالحال في بنات الابن مع بنات الصلب) لأنهن إذا
следующие страницы →