فذهب الجمهور إلى أنَّهن عصبة مع البنات، واستدلُّوا على ذلك بالأثر والنظر.
فأما الأثر: فبما رواه الجماعة (١) إلا مسلمًا والنسائي، عن هزيل بن شرحبيل قال: "سئل أبو موسى - وفي رواية: جاء رجل إلى أبي موسى وسلمان بن ربيعة فسألهما - عن بنت وابنة بنت وأخت، فقال: للبنت النصف، وللأخت النصف، وأتِ ابن مسعود فسيتابعني". فسئل ابن مسعود وأُخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي ﷺ : "لِلِابْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ ابْنٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلأخْتِ"". فهذا استناد إلى قضاء رسول الله ﷺ .
وأمَّا النظر: فقياسًا على توريث الإخوة مع البنات.
وذهب أبو داود بن علي الظاهري وطائفة: إلى أن الأخت لا ترثُ مع البنت شيئًا، واستدلوا على ذلك بعموم قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾ أي: أنها ترث إذا لم يكن هناك ولد، وفي هذه الصورة وُجِد الولد فلا ترث.
• قوله: (وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا الْبَابِ عَلَى أَنَّ الْإِخُوَّةَ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ يَحْجُبُونَ الْإِخْوَةَ لِلَأبِ عَنِ الْمِيرَاثِ قِيَاسًا عَلَى بَنِي الْأَبْنَاءِ مَعَ بَنِي الصُّلْبِ (٢). قَالَ أَبُو عُمَرَ (٣): وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ حَسَنٍ مِنْ رِوَايَةِ
стр. 8754
الْآحَادِ الْعُدُولِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنَّ أَعْيَانَ بَنِي الْأُمِّ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي الْعِلَّاتِ" (١)).
وهذا يُسمَّى في علم الفرائض حجب حرمان، فيحجب الإخوةُ الأشقاء الإخوةَ للأب؛ لأنهم أولى فيقدَّمون في الميراث.
وقول المؤلف ﵀: (قَالَ أَبُو عُمَرَ … إلخ) هو يوسف ابن عبد البر.
وقد مضى ذكر الفرق بين بني الأعيان وبني العلَّات.
• قوله: (وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْأَخَوَاتِ لِلْأبِ وَالْأمِّ إِذَا اسْتَكْمَلْنَ الثُّلُثَيْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلإخَوَاتِ لِلأَبِ مَعَهُنَّ شَيْءٌ كَالْحَالِ فِي بَنَاتِ الِابْنِ مَعَ بَنَاتِ الصُّلْبِ، وَأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْأُخْتُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَاحِدَةً فَلِلأخَوَاتِ لِلْأَبِ مَا كَانَ بَقِيَّةَ الثُّلُثَيْنِ وَهُوَ السُّدُسُ) (٢).
(الأخوات للأب والأم) أي: الشقيقات، فإن كانت واحدة فلها النصف، وللأخت لأب تكملة الثلثين، وإن كنَّ اثنتين أو أكثر فلهن الثلثين، ولا شيء للأخت لأب لاستغراق الشقيقات الثلثين.
(كالحال في بنات الابن مع بنات الصلب) فإن كانتا اثنتين فأكثر أخذن الثلثين ولا شيء لبنات الابن، وإن كانت واحدة فلها النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين.
стр. 8755
• قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا كانَ مَعَ الْأَخَوَاتِ لِلأبِ ذَكرٌ؛ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: يُعَصِّبُهُنَّ وَيَقْتَسِمُونَ الْمَالَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثيَيْنِ كَالْحَالِ فِي بَنَاتِ الِابْنِ مَعَ بَنَاتِ الصُّلْبِ).
اختلفوا فيما إذا وجد مع الأخت لأب أخ: فهل ينتقل من الفرض إلى التعصيب؟
فذهب الجمهور (١) إلى أنه يعصبهن فيكون للذكر مثل حظ الأنثيين، ولذلك سمَّاه بعض أهل العلم ب: الأخ المبارك (٢)؛ لأن وجوده خيرٌ على أخواته.
• قوله: (كالحال في بنات الابن مع بنات الصلب) لأنهن إذا
стр. 8756
استغرقن الثلثين فلا شيء لبنت الابن؛ إلا أن يوجد معها ابن ابن في درجتها أو أنزل منها فيكون عاصبًا لها.
• قوله: (وَاشْتَرَطَ مَالِكٌ (١) أَنْ يَكُونَ فِي دَرَجَتِهِنَّ).
ولم يشترط مالك هذا الشرط في بنات الابن؛ بل يرى أن ابن الابن وإن نزل يعصب بنات الابن وإن كنَّ أعلى منه؛ لكنه رأى ﵀ أن الأمر في مسألة الأخوات لأب أضعف فاشترط هذا الشرط، ولم يوافقه عليه غيره من الأئمة.
• قوله: (وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ (٢): إِذَا اسْتَكْمَلَ الْأَخَوَاتُ الشَّقَائِقُ الثُّلُثَيْنِ فَالْبَاقِي لِلذُّكُورِ مِنَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ دُونَ الْإِنَاثِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ (٣)، وَخَالَفَهُ دَاوُدُ (٤) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، مَعَ مُوَافَقَتِهِ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ بَنَاتِ الصُّلْبِ وَبَنِي الْبَنِينَ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْنَ الثُّلُتَيْنِ، فَلِلذَّكَرِ عِنْدَهُ مِنْ بَنِي الْأَبِ مِثْلُ حَظِّ الْأنْثَيَيْنِ؛ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَاصِلُ لِلنسَاءِ أَكْثَرَ مِنَ السُّدُسِ
стр. 8757
كَالْحَالِ فِي بِنْتِ الصُّلْبِ مَعَ بَنِي الِابْنِ. وَأَدِلَّةُ الْفَرِيقَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هِيَ تِلْكَ الْأَدِلَّةُ بِأَعْيَانِهَا).
ووجه قول داود: أنَّ الأخت شريكة في الميراث بدليل أنها تأخذ السدس إذا انفردت فلا تمنع من الإرث في هذه الحالة.
• قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ يَقُومُونَ مَقَامَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ عِنْدَ فَقْدِهِمْ كالْحَالِ فِي بَنِي الْبَنِينَ مَعَ الْبَنِينَ) (١).
فإذا مات ميتٌ ولم يكن له إخوة أشقاء انتقل الإرث إلى الإخوة لأب فيقومون مقامهم (كالحال في بني البنين مع البنين) فإن أبناء الابن لا يرثون مع وجود الابن، فإذا عدموا انتقل الإرث إليهم.
• قوله: (وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ عَصَّبَهُنَّ بِأَنْ يَبْدَأَ بِمَنْ لَهُ فَرْضٌ مُسَمًّى، ثُمَّ يَرِثُونَ الْبَاقِيَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ كَالْحَالِ فِي الْبَنِينَ إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ؛ وَهِيَ الْفَرِيضَةُ الَّتِي تُعْرَفُ بِالْمُشْتَرَكَةِ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهَا، وَهِيَ امْرَأَةٌ تُوُفِّيَتْ وَتَرَكَتْ زَوْجَهَا وَأُمَّهَا وَإِخْوَتَهَا لِأُمِّهَا وَإِخْوَتَهَا لِأَبِيهَا وَأُمَّهَا، فَكَانَ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (٢) يُعْطُونَ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسَ، وَلِلْإِخْوَةِ لِلأُمِّ الثّلُثَ، فَيَسْتَغْرِقُونَ الْمَالَ فَيَبْقَى الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ بِلَا شَيْءٍ، فَكَانُوا يُشْرِكُونَ الْإِخْوَةَ لِلأَبِ وَالْأُمِّ
فلو هلك هالك عن أخ لأب وأختين لأب، تكون المسألة من أربعة؛ للأخ اثنان - أي: النصف - ولكل واحدة من الأختين واحدًا - أي: الربع.
ولو هلك هالك وترك إخوة لأب وصاحب فرض كالأم مثلًا؛ فلصاحب الفرض فرضه، وللإخوة الباقي تعصيبًا للذكر مثل حظ الأنثيين.
"المسألة المشركة" (١): وصورتها: امرأة توفيت عن زوج وأم وإخوة لأم وإخوة أشقاء؛ فللزوج النصف، وللأم السدس لوجود الإخوة، ويبقى الثلث للإخوة لأنهم يرثون فرضًا، ولا شيء للإخوة الأشقاء، وقد وقعت إحدى صور تلك المسألة في زمن عمر ﵁ وقضى بحجب الإخوة الأشقاء فقالوا: هبْ أن أبانا حجرًا في اليم، ولذا سُميت أيضًا بالمسألة الحجرية.
وقد اختلف العلماءُ في هذه المسألة إلى قولين:
القول الأول: التشريك بين الإخوة الأشقاء والإخوة لأم، وبه قال مالك (٢) والشافعي (٣).
القول الثاني: عدم التشريك بينهما، وبه قال أبو حنيفة (٤) وأحمد (٥) وجماعة؛ لأن هذا مقتضى النص.
стр. 8761
• قوله: (وَعُمْدَتُهُمْ بِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ زَوْجًا وَأُمًّا وَأَخًا وَاحِدًا لِأُمٍّ وَإِخْوَةً شَقَائِقَ عَشَرَةً أَوْ أَكْثَرَ أَنَّ الْأَخَ لِلْأُمِّ يَسْتَحِقُّ هَاهُنَا السُّدُسَ كَامِلًا، وَالسُّدُسُ الْبَاقِي بَيْنَ الْبَاقِينَ مَعَ أَنَّهُمْ مُشَارِكون لَهُ فِي الْأُمِّ).
أي: أنهم متفقون على هذه المسألة: من ترك زوجًا وأمًّا وأخًا واحدًا لأم وإخوة أشقاء عشرة أو أكثر أن الأخ لأم يستحق هاهنا السدس كاملًا، والسدس الباقي بين الباقين مع أنهم جميعًا لأم، وأنتم - أيها المخالفون - لا تخالفون في هذه المسألة؛ فلماذا خالفتم هناك؟!
• قوله: (فَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ فِي أَكْثَرِ مَسَائِلِ الْفَرَائِضِ هُوَ تَعَارُضُ الْمَقَايِيسِ وَاشْتِرَاكُ الْأَلْفَاظِ فِيمَا فِيهِ نَصٌّ).
أكثر مسائل الفرائض مجمع عليها وما اختلف فيه منها فمرجعه إلى المقاييس التي اجتهد فيها العلماء - كما في هذه المسألة - كلهم ينتسبون إلى هذه الأم، فلماذا يفضل هؤلاء على أولئك؟
الجواب: أنهم أصحاب فرض بنصِّ القرآن، وقد قال النبي ﷺ : "ألحقوا الفرائضَ بأهلها" (١)، وأصحاب الفروض (٢) مقدمون على العصبات (٣)، فيقدمون على الإخوة الأشقاء.
وَجَمَاعَةٌ (١). وَاتَّفَقَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (٢) ﵁ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (٣)، وَابْنُ مَسْعُودٍ (٤) عَلَى تَوْرِيثِ الْإِخْوَةِ مَعَ الْجِدِّ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا قِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ عَلَى مَا أَقُولُهُ بَعْدُ).
ثانيًا: أنه يقوم مقام الأب عند عدم الأب، إلا في مسألة واحدة، وهي ميراث الجد مع الإخوة فحصل فيها خلاف بين أهل العلم: فهل
стр. 8765
يحجبهم حجب حرمان كالأب، أم أنهم يرثون معه؟ ومن قال بتوريثه اختلفوا في كيفية التوريث كما سيأتي في كلام المؤلف.
• قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ جَعَلَ الْجَدَّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ اتِّفَاقُهُمَا فِي الْمَعْنَى؛ أَعْنِي مِنْ قِبَلِ أَنَّ كِلَيْهِمَا أَبٌ لِلْمَيِّتِ وَمِنِ اتِّفَاقِهِمَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي أَجْمَعُوا عَلَى اتِّفَاقِهِمَا فِيهَا حَتَّى إِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَمَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَجْعَلُ ابْنَ الِابْنِ ابْنًا، وَلَا يَجْعَلُ أَبَ الْأبِ أَبًا (١)).
• (اتفاقهما في المعنى) أي: إذا أطلق كلمة (أب) فإنها تنصرف إلى الأب وكذلك إلى الجد، فيدخل الجد تحت مسمى الأب من حيث المعنى، كما يدخل ابن الابن تحت مسمى الابن أيضًا.
ولهذا أخذ ابن عباس على زيد بن ثابت ﵄ أنه يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل الجد أبًا مع أن هذا يأتي في الدرجة الثانية بالنسبة للبنوة، وهذا أيضًا في الدرجة الثانية بالنسبة للأبوة.
• قوله: (وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي أَحْكَامٍ أُخْرَى سِوَى الْفُرُوضِ مِنْهَا أَنَّ شَهَادَتَهُ لِحَفِيدِهِ كَشَهَادَةِ الْأَبِ، وَأَنَّ الْجَدَّ يَعْتِقُ عَلَى حَفِيدِهِ كلمَا يَعْتِقُ الْأَبُ عَلَى الِابْنِ، وَأَنَّهُ لَا يُقْتَصرُّ لَهُ مِنْ جَدٍّ كَمَا لَا يُقْتَصُّ لَهُ مِنْ أَبٍ) (٢).
стр. 8766
فهناك أحكام يلتقي فيها الجد مع الأب؛ منها:
أولًا: أن شهادته لحفيده كشهادة الأب لأنه متهم فيها؛ إذن هو بمنزلة الأب.
ثانيًا: أنه يعتق على حفيده لو اشتراه كما يعتق الأب.
ثالثًا: أنه لا يُقتل بحفيده كالأب.
فهذه ثلاثة أحكام ذكرها المؤلف، ونضيف عليها:
رابعًا: أنه لا يُحد إذا سرق من ماله (١).
стр. 8767
خامسًا: أنه لا يُحد حد القذف إذا قذفه (١).
سادسًا: أنه تجب على حفيده النفقة عليه كما تجب عليه نحو أبيه (٢).
• قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ وَرَّثَ الْأَخَ مَعَ الْجَدِّ أَنَّ الْأَخَ أَقْرَبُ إِلَى الْمَيِّتِ مِنَ الْجَدِّ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ أَبُو أَبِي الْمَيِّتِ، وَالْأَخَ ابْنُ أَبِي الْمَيِّتِ، وَالِابْنُ أَقْرَبُ مِنَ الْأَبِ).
هكذا ذكر المؤلف، لكن عمدة من ورثهم أن الله سبحانه قد ورَّثهم؛ قال تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾،
стр. 8770
وقال في حق الأختين: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾، إذن الأصل أن ميراثهم ثابت بنص القرآن، وليس ثم دليل على أنهم لا يرثون مع الجد.
• قوله: (وَأَيْضًا فَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ ابْنَ الْأَخِ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَمِّ، وَهُوَ يُدْلِي بِالْأَبِ، وَالْعَمُّ يُدْلِي بِالْجَدِّ) (١).
وتلك هي الحجة الثانية التي أوردها المؤلف لهذا القوله، وواضح أن المؤلف إنما نظر إلى الفروع لا إلى الأصول في هذه المسألة.
• قوله: (فسَبَبُ الْخِلَافِ تَعَارُضُ الْقِيَاسِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَإِنْ قِيلَ: فَأَيُّ الْقِيَاسَيْنِ أَرْجَحُ بِحَسَبِ النَّظَرِ الشَّرْعِيِّ؟ قُلْنَا: قِيَاسُ مَنْ سَاوَى بَيْنَ. الْأَبِ وَالْجَدِّ، فَإِنَّ الْجَدَّ أَبٌ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ، كَمَا أَنَّ ابْنَ الِابْنِ ابْنٌ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ، وَإِذَا لَمْ يَحْجُبِ الِابْنُ الْجَدَّ وَهُوَ يَحْجُبُ الْإِخْوَةَ، فَالْجَدُّ يَجِبُ أَنْ يَحْجُبَ مَنْ يَحْجُبُ الِابْنُ، وَالْأَخُ لَيْسَ بِأَصْلٍ لِلْمَيِّتِ وَلَا فَرْعٍ وَإِنَّمَا هُوَ مُشَارِكٌ لَهُ فِي الْأَصْلِ، والأصل أحق بالشيء من المشارك له في الأصل، وَالْجَدُّ لَيْسَ هُوَ أَصْلًا لِلْمَيِّتِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ بَلْ هُوَ أَصْلُ أَصْلِهِ، وَالْأَخُ يَرِثُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ فَرْعٌ لِأَصْلِ الْمَيِّتِ، فَالَّذِي هُوَ أَصْلٌ لِأَصْلِهِ أَوْلَى مِنَ الَّذِي هُوَ فَرْعٌ لِأَصلِهِ).
إذًا سبب الخلاف - كما ذكر المؤلف - المقايسة الواردة في ذلك؛ وهي القياس على الأب ثم القياس على الابن، وأيهما أقوى؟
وذهب المؤلف ﵀ إلى أن قياس من ساوى بين الأب والجد أقوى، فينزل الجد منزلة الأب لوجهين:
стр. 8771
الأول: أن الابن مع قوته لا يحجب الجد؛ لأنه في مقام الأب، ويحجب الإخوة؛ فوجب أن يحجب الجد من كان يحجبهم الأب وهم الإخوة.
الثاني: أن الأخ ليس أصلًا للميت ولا فرعًا له؛ إنما هو من حواشيه ومشارك له في الأصل، والجد أصل أصل الميت، فهو الأحق من المشارك له في الأصل.
• قوله: (وَلِذَلِكَ لَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْأَخَ يُدْلِي بِالْبُنُوَّةِ، وَالْجَدَّ يُدْلِي بِالْأُبُوَّةِ، فَإِنَّ الْأَخَ لَيْسَ ابْنًا لِلْمَيِّتِ وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ أَبِيهِ، وَالْجَدُّ أَبُو الْمَيّتِ، وَالْبُنُوَّةُ إِنَّمَا هِيَ أَقْوَى فِي الْمِيرَاثِ مِنَ الْأُبُوَّةِ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ بِعَيْنِهِ أَعْنِي: الْمَوْرُوثَ. وَأَمَّا الْبُنُوَّةُ الَّتِي تَكُونُ لِأَبٍ مَوْرُوثٍ، فَلَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ فِي حَقِّ الْمَوْرُوثِ أَقْوَى مِنَ الْأُبُوَّةِ الَّتِي تَكُونُ لِأَبِ الْمَوْرُوثِ؛ لِأَنَّ الْأُبُوَّةَ الَّتِي لِأَبِ الْمَوْرُوثِ هِيَ أُبُوَّةُ مَا لِلْمَوْرُوثِ أَعْنِي بَعِيدَةً، وَلَيْسَ الْبُنُوَّةُ الَّتِي لِأَبِ الْمَوْرُوثِ بُنُوَّةَ مَا لِلْمَوْرُوثِ لَا قَرِيبَةً وَلَا بَعِيدَةً، فَمَنْ قَالَ: الْأَخُ أَحَقُّ مِنَ الْجَدِّ؛ لِأَنْ يُدْلِي بالشيء الذي من قبله كان الميراث بالبنوة وهو الأب والجد يدلي بِالْأُبُوَّةِ هُوَ قَوْلٌ غَالِطٌ مُخَيَّلٌ لِأنَّ الْجَدَّ أَبٌ مَا، وَلَيْسَ الْأَخُ ابْنًا مَا).
ضعَّف المؤلف ﵀ في هذه المناقشة القول الأول وهو توريث الإخوة مع الجد، ولا يلزم من هذا ميله إلى هذا القول، ولكنه الإنصاف في المناقشة وعرض الأقوال.
وسبق أن أقوى ما استدل به القائلون بتوريث الإخوة مع الجد أن الكتاب العزيز نصَّ على توريثهم ولم يرد ما يدل على أنهم لا يرثون.
• قوله: (لأن الجد أب ما، وليس الأخ ابنًا ما).
أي: أنه يصح أن يقال عن الجد أب، كما قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ
الْمُقَاسَمَةِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَعَ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ غَيْرُهُمْ مِنْ ذَوِي الْفَرَائِضِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنَّمَا لَمْ يَنْقُصْهُ مِنَ السُّدُسِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا أَجْمَعُوا أَنَّ الْأبْنَاءَ لَا يَنْقُصُونَهُ مِنْهُ شَيْئًا كَانَ أَحْرَى أَنْ لَا يَنْقُصَهُ الْإِخْوَةُ، وَعُمْدَةُ قَوْلِ زَيْدٍ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَحْجُبُ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ فَلَمْ يَحْجُبْ عَمَّا يجِبُ لَهُمْ وَهُوَ الثُّلُثُ، وَبِقَوْلِ زَيْدٍ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَجَمَاعَة، وَبَقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ).
كيفية توريث الجد مع الأخوة:
اختلف القائلون بتوريث الجد مع الأخوة في كيفية توريثهم على قولين:
القول الأول - وهو قول زيد ﵁، واختاره مالك (١) والشافعي (٢) وأحمد (٣)
стр. 8774
والثوري (١) وجماعة (٢) -: أن للجد مع الإخوة حالتين:
الحالة الأولى: أن يستقل الجد مع الإخوة بالميراث، فللجد في هذه الحالة الأحظ - أي: الأفضل - من اثنين:
- إمَّا أن يأخذ ثلث المال.
- وإمَّا أن يعامل معاملة أحدهم.
الحالة الثانية: أن يكون معه سوى الإخوة ذو فرض مسمى، فله الأفضل من ثلاث:
- إمَّا أن يأخذ ثلث ما بقي بعد حظوظ أصحاب الفرائض.
- وإمَّا أن ينزل بمنزلة ذَكَر من الإخوة.
- وإمَّا أن يعطى السدس من رأس المال، فلا يأخذ أقل من السدس في أي حال من الأحوال؛ لإجماعهم على أنَّ السدس فرضه لا يأخذ أقل منه في حال عدم وجود الأب.
القول الثاني - وهو قول علي ﵁، وبه أخذ أبو حنيفة (٣) -: أن يعطى الجد الأحظ له من السدس أو المقاسمة، سواء كان معهم غيرهم من أصحاب الفروض أو لم يكن.
стр. 8775
• قوله: (وَأَمَّا الْفَرِيضَةُ الَّتِي تُعْرَفُ بِالْأَكْدَرِيَّةِ (١) وَهِيَ امْرَأَةٌ تُوُفِّيَتْ وَتَرَكتْ زَوْجًا وَأُمَّا وَأُخْتًا شَقِيقَةً وَجَدًّا؛ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهَا؛ فَكَانَ عُمَرُ ﵁ وَابْنُ مَسْعُودٍ يُعْطِيَانِ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ، وَللأمِّ السُّدُسَ، وَللأخْتِ النِّصْفَ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسَ، وَذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْعَوْلِ، وَكانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَزَيْدٌ يَقُولَانِ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَللأُمِّ الثُّلُثُ، وَللأخْتِ النِّصْفُ، وَللْجَدِّ السُّدُسُ فَرِيضَةً؛ إِلَّا أَنَّ زَيْدًا يَجْمَعُ سَهْمَ الْأُخْتِ وَالْجَدِّ، فَيَقْسِمُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ قَوْلِ زَيْدٍ).
مذاهب العلماء في المسألة الأكدرية:
ذهب عمر وابن مسعود ﵄ (٢) إلى: أن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخت النصف، وللجد السدس، وذلك على جهة العول.
• قوله: (وذلك على جهة العول)، العول لغة (٣): الجور، ويطلق - أيضًا - على المجاوزة والظلم؛ يقال: عال فلان بمعنى: ظلم وتجاوز الحد وجار.
стр. 8776
والعول عند الفرضيين (١): زيادة في السهام مع نقصان في الأنصبة.
وأصول المسائل التي تعول ثلاثة:
الأصل الأول: (الستة)، وتعول إلى السبعة وإلى الثمانية وإلى التسعة وإلى العشرة، إذًا هي تعول أربع مرات، وهذا يختلف باختلاف المسائل.
الأصل الثاني: (الاثنا عشر)، وتعول إلى ثلاثة عشر وإلى خمسة عشر وإلى سبعة عشر.
الأصل الثالث: (الأربع والعشرون)، ولا تعول إلا إلى سبعة وعشرين (٢).
فمسألتنا هذه أصلها من ستة فعالت إلى تسعة، ونجمع نصيب الجد والأخت ليقتسماه تعصيبًا؛ لأنه الأحظ له في هذا المقام؛ فتكون رؤوس هذه المسألة ثلاثة فتضرب في عول المسألة تسعة فتبلغ سبعة وعشرين، للزوج تسعة، وللأم ستة، وللجد والأخت اثنا عشر، للجد ثمانية وللأخت أربعة.
وذهب علي بن أبي طالب وزيد (٣) ﵄ إلى: أن للزوج النصف، وللأم الثلث، وللأخت النصف، وللجد السدس فريضة، (إلا أن زيدًا
стр. 8777
يجمع سهم الأخت والجد، فيقسم ذلك بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين)؛ لأنه لو لم يجمع بينهم لأخذت الأخت ما يساوي نصيب الزوج، ويأخذ الجد السدس فقط.
• قوله: (وزعم بعضهم أن هذا ليس من قول زيد) قيل: إن الذي قال به ابنه خارجة، ثم أبو الزناد، ثم عبد الرحمن بن أبي الزناد ومالك، فأفتوا بها وقسموها على أصول زيد بن ثابت ﵁ (١).
وعند التأمل فإن المذهبين يلتقيان في الزوج، ويختلفان في الأم؛ فعلى المذهب الأول لها السدس، وعلى المذهب الثاني لها الثلث.
• قوله: (وَضَعَّفَ الْجَمِيعُ التَّشْرِيكَ الَّذِي قَالَ بِهِ زَيْدٌ فِي هَذِهِ الْفَرِيضَةِ، وَبِقَوْلِ زيدٍ قَالَ مَالِكٌ).
بل إن أكثر الأئمة استحسنوا ذلك القول وأفتوا به، وهو المعروف عنهم والمدوَّن في كتبهم؛ فبه قال مالك (٢) والشافعي (٣)
стр. 8778
وأحمد (١).
• قوله: (وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمّيَتِ الْأَكدَرِيَّةَ لِتَكَدُّرِ قَوْلِ زَيْدٍ فِيهَا (٢)، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى الْعَوْلَ).
سميت هذه المسألة بالأكدرية؛ لأنها كدرت على زيد بن ثابت أصوله، وقيل: سُميت بالأكدرية نسبة إلى رجل كان له معرفة بالفرائض يسمى الأكدر، فسأله الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان عن هذه المسألة فأفتى فيها فأخطأ، فسُميت بالأكدرية نسبة إليه.
• قوله: (وَبِالْعَوْلِ قَالَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَار، إِلَّا ابْنَ
стр. 8779
عَبَّاسٍ (١) فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَعَالَ الْفَرَائِضَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَايْمُ اللهِ لَوْ قَدَّمَ مَنْ قَدَّمَ اللهُ وَأَخَّرَ مَنْ أَخَّرَ اللهُ مَا عَالَتْ فَرِيضَةٌ، قِيلَ لَهُ: وَأَيُّهَا قَدَّمَ اللهُ، وَأَيُّهَا أَخَّرَ اللهُ؟ قَالَ: كُلُّ فَرِيضَةٍ لَمْ يُهْبِطْهَا اللهُ عَنْ مُوجَبِهَا إِلَّا إِلَى فَرِيضَةٍ أُخْرَى فَهِيَ مَا قَدَّمَ اللهُ، وَكُلُّ فَرِيضَةٍ إِذَا زَالَتْ عَنْ فَرْضِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلَّا مَا بَقِيَ فَتِلْكَ الَّتِي أَخَّرَ اللهُ؛ فَالْأَوَّلُ مِثْلُ الزَّوْجَةِ وَالْأُمِّ، وَالْمُتَأَخِّرُ مِثْلُ الْأَخَوَاتِ وَالْبَنَاتِ، قَالَ: فَإِذَا اجْتَمَعَ الصِّنْفَان بُدِئَ مَنْ قَدَّمَ اللهُ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ فَلِمَنْ أَخَّرَ اللهُ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ، قِيلَ لَهُ: فَهَلَّا قُلْتَ هَذَا الْقَوْلَ لِعُمَرَ؟! قَالَ: هِبْتُهُ (٢)).
لم يقع العول في زمن النبي ﷺ ولا في زمن أبي بكر ﵁ حيث لم تحصل مسألة فيها عول، وأول قضية حصل فيها العول كانت زمن عمر بن الخطاب ﵁، ولأجل ذلك حصل فيها الخلاف بين الصحابة ومن بعدهم.
• قوله: (وَذَهَبَ زَيْدٌ (٣) إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعَ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ
стр. 8780
الشَّقَائِقِ إِخْوَةٌ لِأَبٍ، أَنَّ الْإِخْوَةَ الشَّقَائِقَ يُعَادُونَ الْجَدَّ بِالْإِخْوَةِ لِلأب فَيَمْنَعُونَهُ بِهِمْ كَثْرَةَ الْمِيرَاثِ، وَلَا يَرِثُونَ مَعَ الْإِخْوَةِ الشَّقَائِقِ شَيْئًا إِلًّا أَنْ يَكُونَ الشَّقَائِقُ أُخْتًا وَاحِدَةً، فَإِنَّهَا تُعَادِي الْجَدَّ بِأُخُوَّتِهَا لِلأبِ مَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ أَنْ تَسْتَكْمِلَ فَرِيضَتَهَا - وَهِيَ النِّصْفُ - وَإِنْ كانَ فِيمَا يُحَازُ لَهَا وَلِإِخْوَتِهَا لِأَبِيهَا فَضْلٌ عَنْ نِصْفِ رَأْسِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَهُوَ لِإِخْوَتِهَا لِأَبِيهَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ؛ فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ عَلَى النِّصْفِ فَلَا مِيرَاثَ لَهُمْ).
هذه المسألة تعرف في باب الفرائض بالمعادَّة (١)؛ وهي أن يعد الإخوة الأشقاء أولاد الأب على الجد؛ أي: يستعينون بالإخوة لأب فيعادوهم - أي: يحسبوهم في العدد - معهم ليقل نصيب الجد؛ لكن لا يأخذ الإخوة لأب شيئًا؛ لأنهم محجوبون بالإخوة الأشقاء حجب حرمان، إلا أن تكون الموجودة شقيقة واحدة فتأخذ كمال فرضها، وما بقي فهو لولد الأب.
• قوله: (فَأَمَّا عَلِيٌّ ﵁ فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ هُنَا لِلْإِخْوَةِ لِلْأَبِ لِلْإِجْمَاعِ؛ عَلَى أَنَّ الْإِخْوَةَ الشَّقَائِقَ يَحْجُبُونَهُمْ، وَرلأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ - أَيْضًا
стр. 8781
- مُخَالِفٌ لِلُأصُولِ؛ أَعْنِي: أَنْ يَحْتَسِبَ بِمَنْ لَا يَرِثُ" (١).
فعليٌّ ﵁ لا معادة عنده؛ لأن الإجماع قد استقر على أنه الإخوة لأب يحجبون بالأشقاء حجب حرمان.
وأيضًا أن هذا مخالف للأصول؛ إذ كيف يحتسب من لا يرث ويعتد به؟! فالأصل أن الذي لا يرث لا يعتد به في الميراث، وهذا هو ما أشار إليه المؤلف بقوله: (ولأن هذا الفعل أيضًا مخالف للأصول؛ أعنى أن يحتسب بمن لا يرث).
• قوله: (وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ ﵃ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الْفَرِيضَةِ الَّتِي تُدْعَى الْخَرْقَاءَ).
وسميت بالخرقاء لكثرة الأقوال الواردة فيها، فقد اختلف الصحابة فيها إلى سبعة أقوال ذكر المؤلف الخمسة المشهورة مثها، فكأنها تخرقت لكثرة الأقوال (٢)؛ وإن كان في نسبة تلك الأقوال الواردة فيها إلى الصحابة نظر.
الثُّلثَ، وَيلْجَدِّ الثُّلُثَ) (١)؛ وذلك لأنهم كلهم متساوون في الحقوق فلا يزيد بعضهم على بعض.
• قوله: (وَذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ إِلَى أَنَّ لِلأخْتِ النّصْفَ، وَللْجَدِّ الثُّلُثَ، وَللْأمِّ السُّدُسَ، وَكَانَ يَقُولُ: مَعَاذَ اللهِ أَنْ أُفَضِّلَ أُمًّا عَلَى جَدٍّ) (٢)؛ وذلك لأنه يرى أن الجد ينزل منزلة الأب في عدم وجود الأب.
• قوله: (وَذَهَبَ زَيْدٌ ﵁ إِلَى أَنَّ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ، وَمَا بَقِيَ بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأُخْتِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثيَيْنِ) (٣).
وذلك بناءً على مذهبه وقد سبق بيانه.
* * *
[مِيرَاثُ الْجَدَّاتِ]
الجدات جمع جدَّة؛ والجدة التي ترث هي أم الأب، وأم الأم، وأم أم الأم، وإن علون بمحض الإناث.
• قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْجَدَّةِ أَمِّ الْأُمِّ السُّدُسَ مَعَ عَدَمِ الْأُمِّ، وَأَنَّ لِلْجَدَّةِ أَيْضًا أُمِّ الْأبِ عِنْدَ فَقْدِ الْأَبِ السُّدسَ، فَإِنِ اجْتَمَعَا كَانَ السُّدُسُ بَيْنَهُمَا) (٤).
стр. 8784
فميراث الجدة عند فقد الأم السدس، سواء كانت أم أم أو أم أب، وإن اجتمعا فالسدس بينهما؛ فعن قبيصة بن ذؤيب قال: "جاءت الجدة إلى أبي بكر تسأله ميراثها، قال: فقال لها: ما لكِ في كتاب الله شيء، وما لكِ في سُنة رسول الله ﷺ شيء، فارجعي حتى أسأل الناس. فسأل الناس؛ فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ فأعطاها السدس. فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة؛ فأنفذه لها أبو بكر. قال: ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب تسأله ميراثها فقال: ما لكِ في كتاب الله شيء؟ ولكن هو ذاك السدس فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها". وسيأتي شرح هذا الحديث.
• قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ؛ فَذَهَبَ زيدٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَى أَنَّ الْجَد أُمَّ الْأُمِّ مِّ يُفْرَضُ لَهَا السُّدُسُ فَرِيضَةً، فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْجَدَّتَانِ كَانَ السُّدُسُ بَيْنَهُمَا إِذَا كَانَ تَعَدُّدُهُمَا سَوَاءً) (١).
قوله: (إذا كان تعددهما سواء) يعني: إذا كانت في منزلتها أو في قربها من الميت.
• قوله: (أَوْ كَانَتْ أَمُّ الْأَبِ أَقْعَدَ، فَإِنْ كَانَتْ أُمُّ الْأُمِّ أَقْعَدَ (أَيْ: أَقْرَبَ إِلَى الْمَيِّتِ) كَانَ لَهَا السُّدُسُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْجَدَّةِ أُمِّ الْأَبِ شَيْءٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَيُّهُمَا أَقْعَدُ كلانَ لَهَا السُّدُسُ (٢)، وَبِهِ قَالَ عَلِيٌّ ﵁).
стр. 8785
يعني: كأن الميل إلى أمِّ الأم أكثر بالنسبة للميراث.
• قوله: (وَمِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَهَؤُلَاءِ لَيْسَ يُوَرِّثُونَ إِلَّا هَاتَيْنِ الْجَدَّتَيْنِ الْمُجْتَمَعَ عَلَى تَوْرِيثِهِمَا، وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ يُوَرِّثَانِ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ؛ وَاحِدَةٌ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ، وَاثْنَتَانِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ: أُمّ الْأَبِ، وَأُمُّ أَبِي الْأَبِ (أَعْنِي: الْجَدَّ)، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُوَرِّثُ أَرْبَعَ جَدَّاتٍ: أُمُّ الْأُمِّ، وَأُمُّ الْأَبِ، وَأُمُّ أَبِي الْأَبِ (أَعْنِي: الْجَدَّ)، وَأمُّ أَبِي الْأُمِّ (أَعْنِي: الْجَدَّ)، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُشْرِكُ بَيْنَ الْجَدَّاتِ فِي السُّدُسِ دُنْيَاهُنَّ وَقُصْوَاهُنَّ مَا لَمْ تَكُنْ تَحْجُبُهَا بِنْتُهَا أَوْ بِنْتُ بِنْتِهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُسْقِطُ الْقُصْوَى بِالدُّنْيَا إِذَا كَانتَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ).
اختلف العلماء في تعدد الجدات من حيث الإرث وعدمه إلى عدة أقوال:
القول الأول: أنه لا ترث إلا الجدتان (أم الأم وأم الأب). وذكر المؤلف أنه قول فقهاء الأمصار (١).
القول الثاني: أنه لا ترث إلا ثلاث جدات (أم الأم، وأم الأب، وأم أبي الأب). وهو مذهب الأوزاعي (٢) وأحمد (٣)؛ بل وكثير من العلماء.
стр. 8786
القول الثالث: أنه لا ترث إلا أربع جدات (أم الأم، وأم الأب، وأم أبي الأب، وأم أبي الأم). وهو مذهب ابن مسعود، وبه قال الحسن وابن سيرين (١).
• وقوله: (دنياهن وقصواهن … إلخ) أي: القريبة والتي أعلى منها، ما لم تكن الأم موجودة.
• قوله: (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْجَدَّةَ كَالْأُمِّ إِذَا لَمْ تَكُنْ أُمٌّ، وَهُوَ شَاذٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلَكِنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الْقِيَاسِ) (٢).
يعني: ينزلها منزلة الأم، وهذا القول له حظ من النظر قياسًا للجد على الأب عند فقده، وجمهور العلماء على تضعيف هذا القول.
• قوله: (فَعُمْدَةُ زَيْدٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالشَّافِعِيِّ، وَمَنْ قَالَ بِمَذْهَبِ زَيْدٍ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ (٣) أَنَّهُ قَالَ: "جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ تَسْأَلُهُ
стр. 8787
عَنْ مِيرَاثِهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا لَكِ فِي كتَابِ اللهِ - عزو جل - شَيْءٌ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ. فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَاهَا السُّدُسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ. فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ، فَأَنْفَذَهُ أَبُو بَكْرٍ لَهَا، ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللهِ شَيْءٌ، وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قَضَى بِهِ إِلَّا لِغَيْرِك، وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الفَرَائِضِ، وَلَكِنَّهُ ذَلِكَ السُّدُسُ، فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ فَهُوَ لَكُمَا، وَأَيَّتُكُمَا انْفَرَدَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا").
هذا الحديث رواه مالك (١) وأحمد (٢) وأصحاب السُّنن (٣) والحاكم (٤)، وقد تكلم بعض العلماء في سنده لأنه من رواية قبيصة بن لؤي (٥)، وقد اختلف العلماء فيه: هل ولد عام الفتح أو عام الهجرة؟ فإن كان قد ولد عام الفتح فيبعد أنه قد سمع ذلك من أبي بكر، وإن كان ولد عام الهجرة فسماعه منه محتمل، فالحديث رواته ثقات، لكن الأشبه أنه مرسل لترددهم في تاريخ ولادة قبيصة بن لؤي.
وفي الحديث: أن الجدة أتت إلى أبي بكر ﵁ فسألته ميراثها فقال:
стр. 8788
"ما لكِ في كتاب الله شيء"، وفي رواية: "لا أجد لك في كتاب الله شيء" (١)، أي: مما يتعلق بميراثك، فسأل الناس فشهد المغيرة أن النبي ﷺ أعطاها السدس، فقال أبو بكر: "هل معك غيرك؟ "، وذلك ليستوثق، فشهد محمد بن مسلمة على ذلك فأعطاها السدس.
• قوله: (وَرَوَى مَالِكٌ (٢) أَيْضًا أَنَّهُ أَتَتِ الْجَدَّتَانِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ السُّدُسَ لِلَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ، فَقَالَ لَهُ رَجُل: أَمَا إِنَّكَ تَتْرُكُ الَّتِي لَوْ مَاتَتْ وَهُوَ حَيٌّ كَانَ إِيَّاهَا يَرِثُ، فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ السُّدُسَ بَيْنَهُمَا. قَالُوا: فَوَاجِبٌ أَنْ لَا يَتَعَدَّى فِي هَذَا هَذِهِ السُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ).
وجاء في بعض الروايات تسمية هذا الرجل كما في "الموطأ"، ولا شك أن رأيه كان صوابًا، ولذا رجع إليه أبو بكر ﵁.
• قوله: (وَأَمَّا عُمْدَةُ مَنْ وَرَّثَ الثَّلَاثَ جَدَّاتٍ؛ فَحَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَرَّثَ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ: اثْنَتَيْنِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، وَوَاحِد مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ" (٣).
وعلى هذا يكون الحديث مرسلًا؛ لأن إبراهيم - وهو النخعي - لم يدرك النبي ﷺ ، وجاء كذلك من طريق إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد، وهو مرسل أيضًا، وجاء كذلك عن الحسن مرسلًا (٤)، والمرسل الصحيح (٥) حجة عندهم.
стр. 8789
• قوله: (وَأَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَعُمْدَتُهُ الْقِيَاسُ فِي تَشْبِيهِهَا بِالْجَدَّةِ لِلأبِ لَكِنَّ الْحَدِيثَ يُعَارِضُهُ).
مراده ﵀ بقول ابن مسعود ما أورده قبل ذلك من قوله: وكان ابن مسعود يورث أربع جدات: أم الأم، وأم الأب، وأم أبي الأب (أعني: الجد)، وأم أبي الأم (أعني: الجد)، وبه قال الحسن، وابن سيرين.
فكأن ابن مسعود ﵁ يشبه الجدة: "أم أبي الأم" بالجدة: "أم أبي الأب".
والحديث الذي يعارضه ما أورده كدليل لزيد ﵁ وأهل المدينة "جاءت الجدة إلى أبي بكر ﵁ تسأله عن ميراثها، فقال أبو بكر: ما لكِ في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس، فقال له المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقال: محمد بن مسلمة، فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذه أبو بكر لها، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب تسأله ميراثها، فقال لها: ما لكِ في كتاب الله شيء، وما كان القضاء الذي قضى به إلا لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض، ولكنه ذلك السدس، فإن اجتمعتما فيه فهو لكما، وأيتكما انفردت به فهو لها".
ووجه معارضة الحديث لقول ابن مسعود أنه تضمن قصر فريضة الجدات لأم الأم، وأم الأب، فلا يجوز إعطاء "أم أبي الأم".