← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.

стр. 8786

القول الثالث: أنه لا ترث إلا أربع جدات (أم الأم، وأم الأب، وأم أبي الأب، وأم أبي الأم). وهو مذهب ابن مسعود، وبه قال الحسن وابن سيرين (١). • وقوله: (دنياهن وقصواهن … إلخ) أي: القريبة والتي أعلى منها، ما لم تكن الأم موجودة. • قوله: (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْجَدَّةَ كَالْأُمِّ إِذَا لَمْ تَكُنْ أُمٌّ، وَهُوَ شَاذٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلَكِنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الْقِيَاسِ) (٢). يعني: ينزلها منزلة الأم، وهذا القول له حظ من النظر قياسًا للجد على الأب عند فقده، وجمهور العلماء على تضعيف هذا القول. • قوله: (فَعُمْدَةُ زَيْدٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالشَّافِعِيِّ، وَمَنْ قَالَ بِمَذْهَبِ زَيْدٍ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ (٣) أَنَّهُ قَالَ: "جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁ تَسْأَلُهُ

стр. 8787

عَنْ مِيرَاثِهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا لَكِ فِي كتَابِ اللهِ - عزو جل - شَيْءٌ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ. فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَاهَا السُّدُسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ. فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ، فَأَنْفَذَهُ أَبُو بَكْرٍ لَهَا، ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللهِ شَيْءٌ، وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قَضَى بِهِ إِلَّا لِغَيْرِك، وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الفَرَائِضِ، وَلَكِنَّهُ ذَلِكَ السُّدُسُ، فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ فَهُوَ لَكُمَا، وَأَيَّتُكُمَا انْفَرَدَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا"). هذا الحديث رواه مالك (١) وأحمد (٢) وأصحاب السُّنن (٣) والحاكم (٤)، وقد تكلم بعض العلماء في سنده لأنه من رواية قبيصة بن لؤي (٥)، وقد اختلف العلماء فيه: هل ولد عام الفتح أو عام الهجرة؟ فإن كان قد ولد عام الفتح فيبعد أنه قد سمع ذلك من أبي بكر، وإن كان ولد عام الهجرة فسماعه منه محتمل، فالحديث رواته ثقات، لكن الأشبه أنه مرسل لترددهم في تاريخ ولادة قبيصة بن لؤي. وفي الحديث: أن الجدة أتت إلى أبي بكر ﵁ فسألته ميراثها فقال:

стр. 8788

"ما لكِ في كتاب الله شيء"، وفي رواية: "لا أجد لك في كتاب الله شيء" (١)، أي: مما يتعلق بميراثك، فسأل الناس فشهد المغيرة أن النبي ﷺ أعطاها السدس، فقال أبو بكر: "هل معك غيرك؟ "، وذلك ليستوثق، فشهد محمد بن مسلمة على ذلك فأعطاها السدس. • قوله: (وَرَوَى مَالِكٌ (٢) أَيْضًا أَنَّهُ أَتَتِ الْجَدَّتَانِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ السُّدُسَ لِلَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ، فَقَالَ لَهُ رَجُل: أَمَا إِنَّكَ تَتْرُكُ الَّتِي لَوْ مَاتَتْ وَهُوَ حَيٌّ كَانَ إِيَّاهَا يَرِثُ، فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ السُّدُسَ بَيْنَهُمَا. قَالُوا: فَوَاجِبٌ أَنْ لَا يَتَعَدَّى فِي هَذَا هَذِهِ السُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ). وجاء في بعض الروايات تسمية هذا الرجل كما في "الموطأ"، ولا شك أن رأيه كان صوابًا، ولذا رجع إليه أبو بكر ﵁. • قوله: (وَأَمَّا عُمْدَةُ مَنْ وَرَّثَ الثَّلَاثَ جَدَّاتٍ؛ فَحَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَرَّثَ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ: اثْنَتَيْنِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، وَوَاحِد مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ" (٣). وعلى هذا يكون الحديث مرسلًا؛ لأن إبراهيم - وهو النخعي - لم يدرك النبي ﷺ ، وجاء كذلك من طريق إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد، وهو مرسل أيضًا، وجاء كذلك عن الحسن مرسلًا (٤)، والمرسل الصحيح (٥) حجة عندهم.

стр. 8789

• قوله: (وَأَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَعُمْدَتُهُ الْقِيَاسُ فِي تَشْبِيهِهَا بِالْجَدَّةِ لِلأبِ لَكِنَّ الْحَدِيثَ يُعَارِضُهُ). مراده ﵀ بقول ابن مسعود ما أورده قبل ذلك من قوله: وكان ابن مسعود يورث أربع جدات: أم الأم، وأم الأب، وأم أبي الأب (أعني: الجد)، وأم أبي الأم (أعني: الجد)، وبه قال الحسن، وابن سيرين. فكأن ابن مسعود ﵁ يشبه الجدة: "أم أبي الأم" بالجدة: "أم أبي الأب". والحديث الذي يعارضه ما أورده كدليل لزيد ﵁ وأهل المدينة "جاءت الجدة إلى أبي بكر ﵁ تسأله عن ميراثها، فقال أبو بكر: ما لكِ في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس، فقال له المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقال: محمد بن مسلمة، فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذه أبو بكر لها، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب تسأله ميراثها، فقال لها: ما لكِ في كتاب الله شيء، وما كان القضاء الذي قضى به إلا لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض، ولكنه ذلك السدس، فإن اجتمعتما فيه فهو لكما، وأيتكما انفردت به فهو لها". ووجه معارضة الحديث لقول ابن مسعود أنه تضمن قصر فريضة الجدات لأم الأم، وأم الأب، فلا يجوز إعطاء "أم أبي الأم".

стр. 8790

• قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَحْجُبُ الْجَدَّةَ لِلْأَب ابْنُهَا وَهُوَ الْأبُ، فَذَهَبَ زَيْدٌ (١) إِلَى أَنَّهُ يَحْجُبُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤)، وَدَاوُدُ (٥)، وَقَالَ آخَرُونَ: تَرِثُ الْجَدَّةُ مَعَ ابْنِهَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ (٦)، وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ وَعَطَاءٌ وَابْنُ سِيرِينَ (٧)، وَأَحْمَدُ (٨)، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ

стр. 8791

الْمِصْرِيِّينَ (١). وَعُمْدَةُ مَنْ حَجَبَ الْجَدَّةَ بِابْنِهَا أَنَّ الْجَدَّ لَمَّا كَانَ مَحْجُوبًا بِالْأَبِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْجَدَّةُ أَوْلَى بِذَلِك). أي: أن حجة من منع إرث أم الأب مع الأب، هو القياس؛ فالجد: "أب الأب" يُحجب بـ "الأب"، فقِيسَ عليه: حجب أم الأب، بالأب. • قوله: (وَأَيْضًا فَلَمَّا كَانَتْ أُمُّ الْأُمِّ لَا تَرِثُ بِإِجْمَاعٍ مَعَ الْأُمِّ شَيْئًا كَانَ كَذَلِكَ أَمُّ الْأَبِ مَعَ الْأَبِ). وهذا قياس آخر: حجب أمِّ الأب بالأب، قياسًا على حجب أمِّ الأم بالأم. ويُمكن لمثبتي إرث أمِّ الأب مع الأب منع القياسين بأنَّ أمَّ الأب،

стр. 8792

ترث ميراث "أم" لا ميراث "أب"؛ فالذي يحجبها هي: "الأم" لا "الأب" بخلاف "أم الأم" فإنها ترث ميراث "أم" فتحجبها "الأم"؛ لأنها أقرب. ومما يدلُّ على صحَّة هذا القول أنه قول عمر وابن مسعود وغيرهم، والصحابة أقوم الناس بالقياس، وأفهمهم لمقاصد الشرع. • قوله: (وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي مَا رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَوَّلُ جَدَّةٍ أَعْطَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سُدُسًا جَدَّةٌ مَعَ ابْنِهَا وَابْنُهَا حَيٌّ). وهذا الأثر رواه الترمذي (١)، والدارقطني (٢)، والبيهقي (٣)، وهو ضعيف (٤). • قوله: (قَالُوا: وَمِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ لَمَّا كَانَتِ الْأُمُّ وَأُمُّ الْأُمِّ لا يُحْجَبْنَ بِالذُّكُورِ كَانَ كَذَلِكَ حُكْمُ جَمِيعِ الْجَدَّاتِ). وهذا قياس آخر معضد لقول من يرى توريثها مع ابنها، وهو أن "الأم"، و"أم الأم" لا يُحجبن بالذكور، فكذلك: "أم الأب"، لا تُحجَب بابنها الذكر، و"أم الجد" لا تحجب بـ "الأب، أو الجد". • قوله: (وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَالِكًا لَا يُخَالِفُ زيدًا إِلَّا فِي فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ، (وَهِيَ: امْرَأَةٌ هَلَكَتْ وَتَرَكَتْ: زَوْجًا، وَأُمًّا، وَإِخْوَةً لِأُمٍّ، وَإِخْوَةً لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَجَدًّا) فَقَالَ مَالِكٌ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلأمِّ السُّدُسُ، وَلِلْجَدِّ مَا بَقِيَ وَهُوَ الثُّلُثُ، وَلَيْسَ لِلْإِخْوَةِ الشَّقَائِقِ شَيْءٌ، وَقَالَ زَيْدٌ: لِلزَّوْجِ

стр. 8793

النِّصْفُ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ، وَمَا بَقِيَ لِلْإِخْوَةِ الشَّقَائِقِ، فَخَالَفَ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَصْلَهُ مِنْ أَنَّ الْجَدَّ لَا يَحْجُبُ الْإخْوَةَ الشَّقَائِقَ وَلَا الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ، وَحُجَّتُهُ أَنَّهُ لَمَّا حَجَبَ الْإِخْوَةَ لِلأمِّ عَنِ الثُّلُثِ الَّذِي كَانُوا يَسْتَحِقُّونَهُ دُونَ الشَّقَائِقِ كَانَ هُوَ أَوْلَى بِهِ، وَأَمَّا زَيْدٌ فَعَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّهُ لَا يَحْجُبُهُمْ). اعلم أن أهل المدينة - بل وأهل الحجاز عمومًا - في الفرائض على مذهب زيد بن ثابت كخارجة وأبي الزناد وابنه عبد الرحمن، وانتهى علم أهل المدينة إلى مالك ﵀ (١). ولم يخالف مالك ﵀ زيدًا ﵁ إلا في مسألة واحدة، وهي: (امرأة هلكت وتركت: زوجًا، وأمًّا، وإخوة لأم، وإخوة لأب وأم، وجدًّا). فقال زيد ﵁: للزوج النصف، وللأم السدس، وما بقي فللإخوة الشقائق. وقال مالك ﵀: للزوج النصف، وللأم السدس، وللجد ما بقي وهو الثلث، وليس للإخوة الشقائق شيء. هذا الذي خالف فيه مالك زيدًا، مع أنه يرى توريثهم؛ إلا أنه جرى في هذه المسألة على خلاف مذهبه، وأشار المؤلف ﵀ إلى ذلك فقال: (فخالف مالك في هذه المسألة أصله … إلخ)، وحجة مالك ﵀ (أنه لما حجب الإخوة للأم عن الثلث الذي كانوا يستحقونه دون الشقائق كان هو أولى به) دونهم.

стр. 8794

[بَابٌ فِي الْحَجْبِ] " الحجب": هو المنع (١). وهو على قسمين: حجب نقصان (٢) وحجب حرمان (٣). • قوله: (وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْأَخَ الشَّقِيقَ يَحْجُبُ الْأَخَ لِلْأَبِ) (٤). لأنَّ الأخ الشقيق يدلي بسببين وهما: الأب والأم؛ بخلاف الأخ لأب فهو يدلي بسبب واحد وهو الأب فقط، فيقدم؛ لأنه أقرب لحمة وصلة. • قوله: (وَأَنَّ الْأَخَ لِلْأَبِ يَحْجُبُ بَنِي الْأَخِ الشَّقِيقِ، وَأَنَّ بَنِي

стр. 8795

الْأَخِ الشَّقِيقِ يَحْجُبُونَ أَبْنَاءَ الْأَخِ لِلْأَبِ) (١). وهذا من العدالة في الإسلام؛ فكلما كان الإنسان أقرب كان أولى بالميت. • قوله: (وَبَنُو الْأَخِ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنْ بَنِي ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ). هذا القدر تابع للإجماع الذي حكاه المصنف أول هذا الباب (الحجب) حيث قال: "وأجمع العلماء على أن الأخ الشقيق يحجب الأخ للأب … ". فأفاد أن بني الأخ للأب أقرب من بني ابن الأخ الشقيق، وذلك لأن ابن الأخ يُدلي بالأخ، وهو أقرب من ابن الأخ، ولو كان شقيقًا. • قوله: (وَبَنُو الْأَخِ لِلْأَبِ أَوْلَى مِنَ الْعَمِّ أَخِي الْأَبِ). بل ومن العم الشقيق؛ لأن ابن الأخ، يدلي بالأخ، وهو متفرع من الأب، وأما العم، فيدلي بالجد؛ قال ابن رشد في "المقدمات الممهدات" (٣/ ١٤٣): "وابن الأخ وإن سفل يحجب العم الشقيق". • قوله: (وَابْنُ الْعَمِّ أَخِي الْأَبِ الشَّقِيقِ أَوْلَى مِنِ ابْنِ الْعَمِّ أَخِي الْأَبِ لِلْأَبِ، وَكلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ يَحْجُبُونَ بَنِيهِمْ، وَمَنْ حَجَبَ مِنْهُمْ صِنْفًا فَهُوَ يَحْجُبُ مَنْ يَحْجُبُهُ ذَلِكَ الصِّنْفُ).

стр. 8796

فالأخ يحجب ابن الأخ، والعم يحجب ابن العمِّ، وطالما أن الأخ يحجب ابن الأخ، وابن الأخ يحجب العمَّ، فالأخ بالأولى يحجب العمَّ. • قوله: (وَبِالْجُمْلَةِ، أَمَّا الْإِخْوَةُ فَالْأَقْرَبُ مِنْهُمْ يَحْجُبُ الْأَبْعَدَ، فَإِذَا اسْتَوَوْا حَجَبَ مِنْهُمْ مَنْ أَدْلَى بِسَبَبَيْنِ (أُمٍّ وَأَبٍ) مَنْ أَدْلَى بِسَبَبٍ وَاحِدٍ (وَهُوَ الْأَبُ فَقَطْ)، وَكَذَلِكَ الْأَعْمَامُ الْأَقْرَبُ مِنْهُ يَحْجُبُ الْأَبْعَدَ، فَإِفي اسْتَوَوْا حَجَبَ مِنْهُمْ مَنْ يُدْلِي مِنْهُمْ إِلَى الْمَيِّتِ بِسَبَبَيْنِ مَنْ يُدْلِي بِسَبَبٍ وَاحِدٍ، أَعْنِي: أَنَّهُ يُحْجَبُ الْعَمُّ أَخُو الْأَبِ لِأَبٍ وَابْنُ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخُو الْأَبِ لِأَبٍ فَقَطْ). قوله: "يُحجب العم .. لأب" بالبناء لما لم يُسمَّ فاعله، أي: يُحجب بالعمِّ الذي أدلى بسببين (العم لأب وأم)، وكذلك ابن العم. • قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْإِخْوَةَ الشَّقَائِقَ وَالْإِخْوَةَ لِلأبِ يَحْجُبُونَ الْأَعْمَامَ (١)؛ لِأَنَّ الْإِخْوَةَ بَنُو أَبِ الْمُتَوَفَّى، وَالْأَعْمَامَ بَنُو جَدِّهِ، وَالْأَبْنَاءُ يَحْجُبُونَ بَنِيهِمْ، وَالْآبَاءُ أَجْدَادُهُمْ، وَالْبَنُونَ وَبَنُوهُمْ يَحْجُبُونَ الْإِخْوَةَ، وَالْجَدُّ يَحْجُبُ مَنْ فَوْقَهُ مِنَ الْأَجْدَادِ بِاِجْمَاعٍ، وَالأبُ يَحْجُبُ الْإِخْوَةَ وَبَحْجُبُ مَنْ تَحْجُبُهُ الْإِخْوَةُ). كبني الأخ؛ فالأب يحجبهم كالإخوة وأولى. • قوله: (وَالْجَدُّ يَحْجُبُ الْأَعْمَامَ بِإِجْمَاعٍ (٢) وَالْإِخْوَةَ لِلأمِّ،

стр. 8797

وَبَحْجُبُ بَنُو الْإِخْوَةِ الشَّقَائِقِ بَنِي الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ، وَالْبَنَاتِ وَبَنَاتُ الْبَنِينَ يَحْجُبْنَ الْإِخْوَةَ لِلأمِّ). لأنهم لا يرثون إلا كلالة، والكلالة: من لا له أب، ولا ولد. • قوله: (وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ تَرَكَ ابْنَيْ عَمِّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِلأمِّ، فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَالثَّوْرِيّ (٤): لِلأخِ لِلأمِّ السُّدُسُ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ أَخٌ لِأمٍّ وَهُوَ فِي بَاقِي الْمَالِ مَعَ ابْنِ الْعَمِّ الْآخَرِ عَصَبَةٌ يَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ وَزيدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ (٥). وهو قول غيرهم من الصحابة أيضًا، وبه قال أحمد (٦) ﵀.

стр. 8798

هذا هو القول الأول - وحجته ظاهرة - فهو يرث بالسببين، ويبقى لابن العم الذي ليس بأخ لأم سببًا يرث به. قال ابن رشد: (٤/ ١٣٦): "وقال قوم: المال كله لابن العم الذي هو أخ لأم يأخذ سدسه بالأخوة وبقيته بالتعصيب؛ لأنه قد أدلى بسببين. وممن قال بهذا القول من الصحابة ابن مسعود، ومن الفقهاء داود، وأبو ثور، والطبري، وهو قول الحسن وعطاء. والقول الأول أقرب، فإن ثبوت إرث ابن العم - الذي ليس بأخ لأم - هو الأصل، وكون الآخر، يجعله صاحب فرض يرث به مع التعصيب، لا أنه يستقل بالميراث. • قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: الْمَالُ كُلُّهُ لِابْنِ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ لِأُمٍّ يَأْخُذُ سُدُسَهُ بِالْأُخُوَّةِ وَبَقِيّتهُ بِالتَّعْصِيبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَدْلَى بِسَبَبَيْنِ. وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنَ الصَّحَابَةِ ابْنُ مَسْعُودٍ (١)، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ: دَاوُدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالطَّبَرِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ (٢)). وهذا قول ضعيف في نظري؛ لأنه أخذ ما يتعلق بقرابته وما تميز به عن الآخر، فلا وجه لأخذه المال كله. * * *

стр. 8799

[حُكْمُ الرَّدِّ (١) عَلَى ذَوِي الْفَرَائِضِ] • قوله: (وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي رَدِّ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِ الْوَرَثَةِ عَلَى ذَوِي الْفَرَائِضِ إِذَا بَقِيَتْ مِنَ الْمَالِ فَضْلَة لَمْ تَسْتَوْفِهَا الْفَرَائِضُ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُعَصِّبُ، فَكَانَ زَيْدٌ لَا يَقُولُ بِالرَّدِّ وَيَجْعَلُ الْفَاضِلَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ جُلُّ الصَّحَابَةِ بِالرَّدِّ عَلَى ذَوِي الْفَرَائِضِ مَا عَدَا الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الْعِرَاقِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ، وَأَجْمَعَ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرَّدَّ يَكُونُ لَهُمْ بِقَدْرِ سِهَامِهِمْ فَمَنْ كَانَ لَهُ نِصْفٌ أَخَذَ النِّصْفَ مِمَّا بَقِيَ، وَهَكَذَا فِي جُزْءٍ جُزْءٍ، وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّ قَرَابَةَ الدِّينِ وَالنَّسَبِ أَوْلَى مِنْ قَرَابَةِ الدِّينِ فَقَطْ؛ أَيْ: أَنَّ هَؤُلَاءِ اجْتَمَعَ لَهُمْ سَبَبَانِ وَلِلْمُسْلِمِينَ سَبَبٌ وَاحِدٌ). مسائل الرد من أهم المسائل في باب الفرائض، فلو هلك هالك عن بنت وبنت ابن، فأخذت البنت النصف وبنت الابن السدس تكملة الثلثين، اختلف أهل العلم فيما فضل من المال بعد استيفاء أصحاب الفروض فروضهم، ولم يكن ثَمَّ عاصب إلى قولين: القول الأول: أن يجعل الفاضل إلى بيت المال ولا يرد إلى الورثة. وبه قال زيد (٢) ﵁، وإليه ذهب مالك (٣) والشافعي (٤).

стр. 8800

القول الثاني: أن يرد على ذوي الفرائض ما عدا الزوج والزوجة، وبه قال أكثر الصحابة (١)، وإليه ذهب أبو حنيفة (٢) وأحمد (٣) وغيرهم. كيفية الرد: يكون الرد إلى الورثة بقدر سهامهم، ففي المثال المذكور للبنت نصف الباقي، وهكذا. وعمدة أصحاب هذا القوله: (أن قرابة الدين والنسب أَوْلَى من قرابة الدين فقط).

стр. 8801

• قوله: (وَهُنَاكَ مَسَائِلُ مَشْهُورَةُ الْخِلَافِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهَا تَعَلُّقٌ بِأَسْبَابِ الْمَوَارِيثِ يَجِبُ أَنْ نَذْكُرَهَا هُنَا؛ فَمِنْهَا أَنَّهُ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ (١)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، وَلمَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ" (٢). شرع المؤلف ﵀ في ذكر بعض المسائل التي اشتهر الخلاف فيها بين أهل العلم، ومن هذه المسائل: ميراث المسلم من الكافر، بعد أن اتفقوا على أنه لا يرث الكافرُ المسلمَ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ فدلت بعمومها على أن الكافر لا يرث من المسلم؛ لأن هذا الإرث سيكون طريقًا يصل به إليه ويوهم الأخوة بينه وبينه. ولقول النبي ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" (٣) فهذا الحديث نص في المسألة. وأجمع العلماء على أن الكافر لا يرث المسلم. * * * [هَلْ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ أَوِ الْمُرْتَدَّ؟] • قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي مِيرَاثِ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ، وَفِي مِيرَاثِ الْمُسْلِمِ الْمُرْتَدَّ؛ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ

стр. 8802

الْأَمْصَارِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ بِهَذَا الْأَثَرِ الثَّابِتِ، وَذَهَبَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَمُعَاوِيَةُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَمَسْرُوق مِنَ التَّابِعِينَ وَجَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يَرِثُ الْكَافِرَ، وَشَبَّهُوا ذَلِكَ بِنِسَائِهِمْ فَقَالُوا: كمَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ نِسَاءَهُمْ وَلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُنْكِحَهُمْ نِسَاءَنَا، كَذَلِكَ الْإِرْثُ، وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ حَدِيثًا مُسْنَدًا، قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَشَبَّهُوهُ أَيْضًا بِالْقِصَاصِ فِي الدِّمَاءِ الَّتِي لَا تتكَافَأُ). ميراث المسلم من الكافر: اختلف أهل العلم في هذه المسألة إلى قولين: القول الأول: أنه لا يرث المسلم الكافر، وبه قال الأئمة الأربعة (١)

стр. 8803

وأكثر فقهاء الأمصار، وهو المأثور عن جمهور الصحابة والتابعين (١). وحجتهم قول النبي ﷺ : "لا يرت المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" (٢)، وقد تقدم. القول الثانى: أنه يرث، وإليه ذهب عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ومعاوية (٣) ﵃، وبعض التابعين؛ كسعيد ومسروق (٤). وعللوا ذلك بأنه ليس في إرثه منه ظهور للكافر على المسلم. هذا أولًا. وثانيًا: قالوا: إذا جاز للمسلم أن يتزوج من الكتابية جاز أن يرثها. وثالثًا: استدلوا بما رواه أبو داود (٥) والحاكم (٦) والبيهقي (٧) والدارقطني (٨): عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلِ ﵁ أنَّهُ أُتِيَ فِي مِيرَاثِ يَهُودِيٍّ وَلَهُ وَارِثٌ مُسْلِم فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الْإِسْلَامُ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ". وأخَّر المؤلف هذا الدليل وكان حقه التقديم، ولكن يبدو - والله أعلم

стр. 8804

- أنه ما وقف عليه؛ لأن ابن عبد البر (١) ﵀ أشار إليه دون أن يذكره، والمؤلف كثيرًا ما يعتمد في هذا الكتاب على نقل عبارات "ابن عبد البر". أمَّا هذا الحديث فقد جاء من رواية أبي الأسود الدؤلي عن معاذ، فهو حديث منقطع؛ لأن أبا الأسود لم يدرك معاذًا، وجاء عند أبي داود عن أبي الأسود الدؤلي: أن رجلًا حدثه عن معاذ، ثم ساق الحديث، فالواسطة بين أبي الأسود ومعاذ مجهول أيضًا (٢). هذا من حيث السند. أمَّا من حيث المتن فإن الحديث ليس نصًّا في ما ذهبوا إليه. قال المؤلف: (قال أبو عمر: وليس بالقوي عند الجمهور) (٣) أي: من حيث السند، وهذا ما مال إليه المؤلف. ويحتمل أن المراد بقوله: (ليس بالقوي) أي: في دلالته على أن المسلم يرث الكافر لا نصًّا ولا ظاهرًا، ولذا قال البيهقي في "سننه الكبرى" - وهو ممن خرج هذا الحديث -: "المراد بقوله: "الإسلام يزيد ولا ينقص" أي: أن الإسلام في ازدياد ولا ينقصه ردة المرتد" (٤). أي: مهما ارتد من المرتدين فإن الإسلام لا ينقم. • قوله: (وَأَمَّا مَالُ الْمُرْتَدِّ إِذَا قُتِلَ أَوْ مَاتَ فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ: هُوَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَرِثُهُ قَرَابَتُهُ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ زيدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَجُمْهُورُ الْكُوفِيِّينَ وَكثِيرٌ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ: يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ

стр. 8805

قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَعَلِيٍّ ﵄، وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ عُمُومُ الْحَدِيثِ، وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ؛ وَقِيَاسُهُمْ فِي ذَلِكَ هُوَ أَنَّ قَرَابَتَهُ أَوْلَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ يُدْلُونَ بِسَبَبَيْنِ: بِالْإِسْلَامِ وَالْقَرَابَةِ، وَالْمُسْلِمُونَ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ، وَرُبَّمَا أَكَّدُوا بِمَا يَبْقَى لِمَا لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ فِي الْحَالِ حَتَّى يَمُوتَ فَكَانَتْ حَيَاتُهُ مُعْتَبَرَةً فِي بَقَاءِ مَالِهِ عَلَى مِلْكِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ لِمَالِهِ حُرْمَة إِسْلَامِيَّةٌ، وَيذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَرَّ عَلَى الِارْتِدَادِ؛ بِخِلَافِ الْكَافِرِ). ميراث المرتد: والمرتد: هو من خرج من الإسلام بعد أن دخل فيه (١). وحدُّه: القتل. واختلف أهل العلم في ميراث المرتد على قولين: القول الأول: أن ميراثه لجماعة المسلمين ولا يرثه قرابته، وهو قول الجمهور- ما لك (٢) والشافعي (٣) ....................................

стр. 8806

وأحمد في رواية (١) - وقال به من الصحابة زيد بن ثابت (٢) ﵁. واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر" (٣)، وهذا قد كفر بردته. القول الثاني: أن ميراثه لورثته من المسلمين، وبه قال أبو حنيفة (٤) والثوري (٥)، ورواية عن أحمد (٦)، وهو قول علي وابن مسعود (٧) من الصحابة.

стр. 8807

وحجتهم في ذلك: أن قرابته أولى من المسلمين؛ لأنهم يدلون بسببين: الإسلام والقرابة؛ بخلاف غيرهم من المسلمين فإنهم يدلون بسبب واحد وهو الإسلام. وأجاب الجمهور بأن تلك الرابطة قد انقطعت بردته وخروجه عن هذا الدين. وأما قولهم: إنه لا يؤخذ ماله في الحال حتى يموت، فكانت حياته معتبرة في بقاء ماله على ملكه. فالجواب عن ذلك: أن المرتد لا يقتل مباشرة حال ردته ليعطى الفرصة للتوبة والرجوع إلى الدين؛ لا لأن حياته معتبرة، فقد قال النبي ﷺ : "مَن بَدَّل دينه فاقتلوه" (١). قوله: (بخلاف الكافر) مراد المؤلف ﵀ أن الكافر لو بقي على كفره والتزم بما هو مطلوب منه كدفع الجزية ونحوها فإنه يترك؛ قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾، أما المرتد فإمَّا أن يعود إلى الدين، وإمَّا أن يقتل. • قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: يُؤْخَذُ بِقَضاءِ الصَّلَاةِ إِذَا تَابَ مِنَ الرِّدَّةِ فِي أَيَّامِ الرِّدَّةِ، وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى يَقُولُ: يُوقَفُ مَالُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ حُرْمَةً إِسْلَامِيَّةً، وَإِنَّمَا وُقِفَ رَجَاءَ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ اسْتِيجَابَ الْمُسْلِمِينَ لِمَالِهِ لَيْسَ عَلَى طَرِيقِ الْإِرْثِ، وَشَذَّتْ طَائِفَة فَقَالَتْ: مَالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَمَا يَرْتَدُّ، وَأَظُنُّ أَنَّ أَشْهَبَ (٢) مِمَّنْ يَقُولُ بِذَلِكَ).

стр. 8808

ذهب الشافعية (١) وكذلك الحنابلة (٢) إلى أن المرتد إذا تاب من ردته فإنه يُطالَب بما فاته أيام الردة. * * * [تَوْرِيثُ الْمِلَلِ الْمُخْتَلِفَةِ بَعْضَهُمْ بَعْضًا] اختلف أهل العلم في الكفر: هل هو ملة واحدة أو ملل شتى؟ والذي لا شك فيه أن الكفر إذا كان في مقابل الإسلام فهو ملة واحدة، وأما الكفر من حيث هو ملل متعددة أو ملة واحد، اختلف أهل العلم في ذلك، ومن فروع هذا الاختلاف مسألة توريث بعضهم من بعض. فقد اختلف فيها أهل العلم على التفصيل الذي سيأتي. • قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى تَوْرِيثِ أَهْلِ الْمِلَّةِ الْوَاحِدَةِ بَعْضَهُمْ بَعْضًا) (٣) فيرث اليهودي من اليهودي، والنصراني من النصراني، والمجوسي من المجوسي وهكذا، بلا خلاف بين العلماء. • قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي تَوْرِيثِ الْمِلَلِ الْمُخْتَلِفَةِ؛ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَجَمَاعَة إِلَى أَنَّ أَهْلَ الْمِلَلِ الْمُخْتَلِفَةِ لَا يَتَوَارَثُونَ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَبِهِ

стр. 8809

قَالَ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَدَاوُدُ وَغَيْرُهُمْ: الْكُفَّارُ كُلُّهُمْ يَتَوَارَثُونَ. وَكَانَ شُرَيْحٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَجَمَاعَةٌ يَجْعَلُونَ الْمِلَلَ الَّتِي لَا تَتَوَارَثُ ثَلَاثًا: النَّصَارَى وَالْيَهُودَ وَالصَّابِئِينَ مِلَّةً، وَالْمَجُوسَ وَمَنْ لَا كِتَابَ لَهُ مِلَّةً، وَالْإِسْلَامَ مِلَّةً). اختلف أهل العلم في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: أن أهل الملل المختلفة لا يتوارثون، وبه قال مالك (١) وأحمد في رواية عنه (٢). واستدل أصحاب هذا القول بقول النبي ﷺ : "لا يتوارث أهل ملتين شتى"، وهو حديث صحيح رواه أحمد (٣) وأصحاب السنن (٤) والبيهقي (٥) والدارقطني (٦)، فقوله: "ملتين" على ظاهره؛ فاليهودية ملة، والنصرانية ملة، وهكذا.

стр. 8810

القول الثاني: أنهم يتوارثون، وبه قال الشافعي (١) وأبو حنيفة (٢) وأبو ثور والثوري (٣) وداود (٤) وأحمد في رواية (٥). واستدل أصحاب هذا القول بما يلي: أولًا: قول الله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾، ولم يقل: "أديانكم"، فدلَّ على أنهم ملة واحدة. ثانيًا: قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾، ولم يقل: "مللهم" فاعتبرهم مع تنوعهم واختلافهم ملة واحدة. ثالثًا: قول النبي ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" (٦)، فدل بدليل الخطاب (٧) - أي: مفهوم المخالفة - أن المسلم يرث المسلم والكافر يرث الكافر.

стр. 8811

ولكن اعترض عليه بأنه استدلال ضعيف من وجهين: الوجه الأول: أن القول بدليل الخطاب ضعيف، ومن أهل العلم من أنكر دلالته أصلًا. الوجه الثاني: إن قلنا بمفهوم المخالفة فهو مقيد بقول النبي ﷺ : "لا يتوارث أهل ملتين شتى" (١). القول الثالث: توارث اليهود والنصارى والصائبين من بعضهم، والمجوس ومن لا كتاب له من بعضهم، وبه قال جماعة من السلف كشريح وابن أبي ليلى (٢). • قوله: (وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ). قول مالك المشار إليه هو ما قدمه من قوله: "فذهب مالك وجماعة أن أهل الملل المختلفة لا يتوارثون كاليهود والنصارى". وقول ابن أبي ليلى الأول، هو المشار إليه بقوله: "وكان شريح، وابن أبي ليلى وجماعة يجعلون الملل التي لا تتوارث ثلاثًا: النصارى واليهود والصابئين ملة، والمجوس ومن لا كتاب له ملة، والإسلام ملة". فأفاد ﵀ أن ابن أبي ليلى له قول موافق لقول مالك أن أهل الملل كاليهود والنصارى لا يتوارثون.

стр. 8812

وعمدة مالك ومن قال بقوله ما روى الثقات عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قَالَ: "لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ". وهذا الحديث يحتمل احتمالين: إما أن يكون دليلًا لمالك؛ لأن اليهودية ملة، والنصرانية ملة، ويحتمل: أنه دليل التوارث؛ لأن الكفار بعضهم من بعض؛ قال في "معالم السنن" (٤/ ١٠١ - ١٠٢): "عموم هذا الكلام يوجب أن لا يرث اليهودي النصراني ولا المجوسي اليهودي، وكذلك قال الزهري وابن أبي ليلى وأحمد بن حنبل. وقال أكثر أهل العلم: الكفر كله ملة واحدة يرث بحضهم بعضًا، واحتجوا بقول الله سبحانه ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] وقد علق الشافعي القول في ذلك وغالب مذهبه أن ذلك كله سواء". • قوله: (وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ قَوْلُهُ ﵊: "لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ"، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ هَذَا بِدَلِيلِ الْخِطَابِ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَرِثُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ يَرِثُ الْكَافِرَ. وَالْقَوْلُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ فِيهِ ضَعْفٌ وَخَاصَّةً هُنَا). دليل الخطاب، هو مفهوم المخالفة، وقوله: "فيه ضعف"؛ يعني: الضعف النسبي بالنسبة للمنطوق، والعموم، وغيرها من الأدلة، ولا يقصد أنه ليس بحجة، فالجمهور يحتج بدليل الخطاب في الجملة، وإنما هذا نظير قوله ﵀ (٣/ ٢١١): "إنما الربا في النسيئة"، وهذا ليس يفهم منه إجازة التفاضل إلا من باب دليل الخطاب، وهو ضعيف، ولا سيما إذا عارضه النصُّ. وقوله: "خاصة هنا"؛ لأن المفهوم هنا مفهوم لقب، و"اللقب": تعليق الحكم باسم عام، وهو أضعف صور مفهوم المخالفة. قال في مراقي السعود: أَضْعَفُهَا اللَّقَبُ وَهُوَ مَا أُبِي … من دُويهِ نَظْمُ الْكَلَامِ الْعَرَبِي

стр. 8813

فكون الكافر يرثُ الكافر عمومًا - مع إغفال كونه يهوديًا أو نصرانيًا أو غير ذلك - لا يُأخذ إلا من اللقب، وهو ضعيف، فلا يُعارض الحديث السابق. * * * [تَوْرِيثُ الْحُمَلَاءِ] • قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي تَوْرِيثِ الْحُمَلَاءِ؛ وَالْحُمَلَاءُ هُمُ الَّذِينَ يَتَحَمَّلُونَ بِأَوْلَادِهِمْ مِنْ بِلَادِ الشِّرْكِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَهُمْ يَدَّعُونَ تِلْكَ الْوِلَادَةَ الْمُوجِبَةَ لِلنَّسَبِ، وَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ؛ قَوْل: إِنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِمَا يَدَّعُونَ مِنَ النَّسَبِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَاِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ (١)، وَقَوْل: إِنَّهُمْ لَا يَتَوَارَثُونَ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى أَنْسَابِهِمْ، وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ وَجَمَاعَةٌ (٢)، وَقَوْل: إِنَّهُمْ لَا يَتَوَارَثُونَ أَصْلًا. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ الثلَاثَةُ الْأَقْوَال؛ إِلَّا أَنَّ الْأَشْهرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُوَرِّثُ إِلَّا مَنْ وُلِدَ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ (٣) وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيز (٤)).

стр. 8814

الحملاء جمع حميل وهو المنتقل من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، فهل يُقر على ما يدعيه من نسب؟ وهل يحصل التوارث بينهم أم لا؟ وقيل: الحميل هو الذي يحمل نسبه على غيره ولا يعرف ذلك إلا من قوله (١). واختلف أهل العلم في مسألة توريثهم على أقوال: القول الأول: أنهم يتوارثون بما يدعون من النسب. القول الثاني: أنهم لا يتوارثون أصلًا. القول الثالث: أنهم لا يتوارثون إلا ببينةٍ. وعن عمر ﵁ الثلاثة الأقوال، أوردها ابن عبد البر بأسانيدها، وأشهرها أنهم لا يتوارثون إلا ببينة، واشتهر هذا القول أيضًا عن أبي بكر وعثمان وعلي ﵁. القول الرابع: أنه لا يرث إلا من ولد في بلاد العرب. • قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُمْ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنْ لَا يُوَرَّثُوا إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ (٢)، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنْ لَا يُوَرَّثُوا أَصْلًا وَلَا بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ

стр. 8815

أَصْحَابِ مَالِكٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجشُونِ (١)، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي أَهْلِ حِصْنٍ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ، فَشَهِدَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ، وَهَذَا يَتَخَرَّجُ مِنْهُ أَنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِلَا بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ مَالِكًا لَا يُجَوِّزُ شَهَادَةَ الْكُفَّارِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ (٢)). كأن المؤلف ﵀ يشير إلى أن هذا يتعارض مع أصل مالك ﵀، وهو أنه لا يُجوِّز شهادة الكافر على الكافر، فكيف تقبل شهادة أهل الحصن بعضهم لبعض؟! ولكن لعل هذا مما دعت إليه الضرورة، إذ لا يمكن توفر شهود عدول في مثل هذه الحالة، والله أعلم. • قوله: (قَالَ: فَأَمَّا إِنْ سُبُوا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَبِنَحْوِ هَذَا التَّفْصِيلِ قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ (٣)

стр. 8816

وَأَحْمَدُ (١) وَأَبُو ثَوْرٍ (٢)؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ خَرَجُوا إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمْ يَدٌ قُبِلَتْ دَعْوَاهُمْ فِي أَنْسَابِهِمْ، وَأَمَّا إِنْ أَدْرَكهُمُ السَّبْيُ وَالرِّقُّ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ). لأنهم إذا كانوا من سبي المسلمين فلا يقبل قولهم في ذلك؛ لأنهم أصبحوا موالي، ولا يخرجون من ذلك إلا بإعتاق رقابهم. • قوله: (فَفِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: اثْنَان طَرَفَانِ، وَاثْنَانِ مُفَرِّقَانِ). هذا تلخيص للأقوال في هذه المسألة: الأول: أنهم لا يورثون، والثاني: أنهم يورثون مطلقًا، والثالث: أنهم يرثون ببينة، والرابع: أنهم يرثون إذا ولدوا في بلاد الرب. • قوله: (وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (٣) مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَمِنَ الصَّحَابَةِ

стр. 8817

عَلِيٌّ وَزَيْدٌ، وَعُمَرُ (١) أَنَّ مَنْ لَا يَرِثُ لَا يَحْجُبُ مِثْلَ الْكَافِرِ وَالْمَمْلُوكِ وَالْقَاتِلِ عَمْدًا، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ (٢) يَحْجُبُ بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ دُونَ أَنْ يُوَرِّثَهُمْ؛ أَعْنِي: بِأَهْلِ الْكِتَابِ وَبِالْعَبِيدِ وَبِالْقَاتِلِينَ عَمْدًا، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ وَأَبُو ثَوْرٍ (٣)، وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْحَجْبَ فِي مَعْنَى الْإِرْثِ وَأَنَّهُمَا

стр. 8818

مُتَلَازِمَانِ. وَحَجَّةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْحَجْبَ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا بِالْمَوْتِ). أي: أن القتل والكفر والرق موانع من الإرث، ولا تأثير لواحد من هذه الأصناف الثلاثة في بقية الورثة. * * * [تَوَارُثُ الْمَفْقُودِينَ (١)] • قوله: (وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الَّذِينَ يُفْقَدُونَ فِي حَرْبٍ، أَوْ غَرَقٍ، أَوْ هَدْمٍ وَلَا يُدْرَى مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ صَاحِبِهِ كيْفَ يَتَوَارَثُونَ إِذَا كَانُوا أَهْلَ مِيرَاثٍ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ (٢) وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَى أَنَّهُمْ لَا يُوَرَّثُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَأَنَّ مِيرَاثَهُمْ جَمِيعًا لِمَنْ بَقِيَ مِنْ قَرَابَتِهِمُ الْوَارِثِينَ أَوْ لِبَيْتِ الْمَالِ إِنْ لَمْ تَكُنْ لهُمْ قَرَابَةٌ تَرِثُ، وَبِهِ قَالَ

стр. 8819

الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَبُو حَنِيفَة (٢) وَأَصْحَابُهُ فِيمَا حَكَى عَنْهُ الطَّحَاوِيُّ، وَذَهَبَ

стр. 8820

عَلِيٌّ، وَعُمَرُ (١) ﵄، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢) فِيمَا ذَكَرَ غَيْرُ الطَّحَاوِيِّ عَنْهُ وَجُمْهُورُ الْبَصْرِيِّينَ إِلَى أَنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ، وَصِفَةُ تَوْرِيثِهِمْ عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ يُوَرِّثُونَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبِهِ فِي أَصْلِ مَالِهِ دُونَ مَا وَرِثَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضر أَعْنِي: أَنَّهُ لَا يُضَمُّ إِلَى مَالِ الْمُوَرِّثِ مَا وَرِثَ مِنْ غَيْرِهِ، فَيَتَوَارَثُونَ الْكُلَّ عَلَى أَنَّهُ مَالٌ وَاحِدٌ كَالْحَالِ فِي الَّذِينَ يُعْلَمُ تَقَدُّمُ مَوْتِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، مِتَالُ ذَلِكَ: زَوْجٌ وَزَوْجَتُةٌ تُوُفِّيَا فِي حَرْبٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ هَدْمٍ وَيكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَيُوَرَّثُ الزَّوْجُ مِنَ الْمَرْأَةِ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَتُوَرَّثُ الْمَرْأَةُ مِنَ الأَلْفِ الَّتِي كَانَتْ بِيَدِ الزَّوْجِ دُونَ الْخَمْسِمِائَةِ الَّتِي وَرِثَ مِنْهَا رُبُعَهَا وَذَلِكَ مِائَتَان وَخَمْسُونَ). فيرثون تلاد المال (القديم) دون طارفه (ما يرثه ممن شاركه في الموت، ولم نعلم أيهما تقدم). * * *

стр. 8821

[مِيرَاثُ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ (١) وَوَلَدِ الزِّنَى] • قوله: (وَمِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي مِيرَاثِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ وَوَلَدِ الزِّنَا). إذا نفي الولد في اللعان انقطعت صلته بمن انتفى منه، وتكون صلته من جهة أمه، فما حكم ميراث ولد الملاعنة؟ • قوله: (فَذَهَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى أَنَّ وَلَدَ الْمُلَاعَنَةِ يُوَرَّثُ كمَا يُوَرَّثُ غَيْرُ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِأُمِّهِ إِلَّا الثُّلُثُ وَالْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ) (٢). وذلك أن الأصل في ميراث الأم هو الثلث. • قوله: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ إِخْوَة لِأُمٍّ، فَيَكُونُ لَهُمُ الثُّلُثُ، أَوْ تَكُونُ أُمُّهُ مَوْلَاةً فَيَكُونُ بَاقِي المال لِمَوَالِيهَا، وَإِلَّا فَالْبَاقِي لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٣) وَالشَّافِعِيُّ (٤) وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ (٥)؛ إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ

стр. 8822

عَلَى مَذْهَبِهِ يَجْعَلُ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَوْلَى مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَيْضًا عَلَى قِيَاسِ مَنْ يَقُولُ بِالرَّدِّ يُرَدُّ عَلَى الْأُمِّ بَقِيَّةُ الْمَالِ). ووجه ذلك: أن الأم هي عصبته فتأخذ جميع المال. • قوله: (وَذَهَبَ عَلِيٌّ وَعُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ إِلَى أَنَّ عَصَبَتَهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ؛ أَعْنِي: الَّذِينَ يَرِثُونَهَا (١). وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمْ كانوا لَا يَجْعَلُونَ عَصَبَتَهُ عَصَبَةَ أُمِّهِ إِلَّا مَعَ فَقْدِ الْأُمِّ، وَكَانُوا يُنْزِلُونَ الْأُمَّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالثَّوْرِيُّ (٢)، وَابْنُ حَنْبَلٍ (٣)

стр. 8823

وَجَمَاعَةٌ. وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، فَقَالُوا: هَذِهِ أُمٌّ، وَكُلُّ أُمِّ لَهَا الثُّلُثُ، فَهَذِهِ لَهَا الثُّلُثُ). فهذا دليل الذين يقولون بميراث ابن الملاعنة، وجاء في الحديث: "أن رسول الله ﷺ جعل ميراث ابن الملاعنة لأمة ولورثته" (١)، ولكنهم اختلفوا في عصبة أمه. • قوله: (وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ "عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ أَلْحَقَ وَلَدَ الْمُلَاعَنَةِ بِأُمِّهِ" (٢)، وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: "جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِيرَاثَ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لِأُمِّهِ وَلوَرَثَتِهِ" (٣)، وَحَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمَرْأَةُ تَحُوزُ ثَلَاثَةَ أَمْوَالٍ: عَتِيقَها، وَلَقِيطَهَا وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ" (٤). "عتيقها" أي: الذي أنعمت عليه وأعتقته، "ولقيطها" هو الذي التقطته، "وولدها الذي لاعنت عليه" هو محل المبحث هنا. • قوله: (وَحَدِيثِ مَكْحُولٍ عَنِ "النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ" خَرَّجَ جَمِيعَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ (٥) وَغَيْرُهُ (٦).

стр. 8824

أي: بمثل الحديث الأول الذي جاء في ابن الملاعنة. • قوله: (قَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الْآثَارُ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهَا قَدْ خَصَّصَتْ عُمُومَ الْكِتَابِ). قوله: (قال القاضي): يقصد المؤلف نفسه "القاضي ابن رشد الحفيد". والتخصيص: هو قصر العام على بعض أفراده بدليل (١). أنواع المخصصات: أولًا: المخصص المتصل (٢)؛ وهو ما جاء متصلًّا بالعموم كما في قوله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، فالربا نوع من البيع؛ لكن خصه الله من البيع لما فيه من الضرر. ثانيًا: المخصص المنفصل (٣)، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، خُصَّ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وبقوله في المطلقة قبل الدخول: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾. وهذه الأمثلة المذكور في تخصيص الكتاب بالكتاب، وقد يأتي تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ خُصَّت هذه الآية بقوله ﷺ : "لا وصية لوارث" (٤).

стр. 8825

وقد يخصص الكتاب بخبر الآحاد؛ ولكن هذا محل خلاف بين الفقهاء؛ فالجمهور (١) على أنه سائغ، خلافًا للحنفية (٢). وأما تخصيص الكتاب بالكتاب وبالسنة المتواترة، فهذا متفق عليه بين العلماء (٣)؛ خلافًا لبعض أهل الظاهر (٤) الذين منعوا تخصيص الكتاب بالكتاب؛ وذلك أن التخصيص بيان، والبيان إنما يكون بالسنة. • قوله: (وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ يُخَصَّصُ بِهَا الْكِتَابُ، وَلَعَلَّ الْفَرِيقَ الْأَوَّلَ لَمْ تَبْلُغْهُمْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ أَوْ لَمْ تَصِحَّ عِنْدَهُمْ، وَهَذَا الْقَوْلُ
следующие страницы →