← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 8821–8860 · переход к 8826.

стр. 8821

[مِيرَاثُ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ (١) وَوَلَدِ الزِّنَى] • قوله: (وَمِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي مِيرَاثِ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ وَوَلَدِ الزِّنَا). إذا نفي الولد في اللعان انقطعت صلته بمن انتفى منه، وتكون صلته من جهة أمه، فما حكم ميراث ولد الملاعنة؟ • قوله: (فَذَهَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى أَنَّ وَلَدَ الْمُلَاعَنَةِ يُوَرَّثُ كمَا يُوَرَّثُ غَيْرُ وَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِأُمِّهِ إِلَّا الثُّلُثُ وَالْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ) (٢). وذلك أن الأصل في ميراث الأم هو الثلث. • قوله: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ إِخْوَة لِأُمٍّ، فَيَكُونُ لَهُمُ الثُّلُثُ، أَوْ تَكُونُ أُمُّهُ مَوْلَاةً فَيَكُونُ بَاقِي المال لِمَوَالِيهَا، وَإِلَّا فَالْبَاقِي لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٣) وَالشَّافِعِيُّ (٤) وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ (٥)؛ إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ

стр. 8822

عَلَى مَذْهَبِهِ يَجْعَلُ ذَوِي الْأَرْحَامِ أَوْلَى مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَيْضًا عَلَى قِيَاسِ مَنْ يَقُولُ بِالرَّدِّ يُرَدُّ عَلَى الْأُمِّ بَقِيَّةُ الْمَالِ). ووجه ذلك: أن الأم هي عصبته فتأخذ جميع المال. • قوله: (وَذَهَبَ عَلِيٌّ وَعُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ إِلَى أَنَّ عَصَبَتَهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ؛ أَعْنِي: الَّذِينَ يَرِثُونَهَا (١). وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمْ كانوا لَا يَجْعَلُونَ عَصَبَتَهُ عَصَبَةَ أُمِّهِ إِلَّا مَعَ فَقْدِ الْأُمِّ، وَكَانُوا يُنْزِلُونَ الْأُمَّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالثَّوْرِيُّ (٢)، وَابْنُ حَنْبَلٍ (٣)

стр. 8823

وَجَمَاعَةٌ. وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]، فَقَالُوا: هَذِهِ أُمٌّ، وَكُلُّ أُمِّ لَهَا الثُّلُثُ، فَهَذِهِ لَهَا الثُّلُثُ). فهذا دليل الذين يقولون بميراث ابن الملاعنة، وجاء في الحديث: "أن رسول الله ﷺ جعل ميراث ابن الملاعنة لأمة ولورثته" (١)، ولكنهم اختلفوا في عصبة أمه. • قوله: (وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ "عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ أَلْحَقَ وَلَدَ الْمُلَاعَنَةِ بِأُمِّهِ" (٢)، وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: "جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِيرَاثَ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لِأُمِّهِ وَلوَرَثَتِهِ" (٣)، وَحَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمَرْأَةُ تَحُوزُ ثَلَاثَةَ أَمْوَالٍ: عَتِيقَها، وَلَقِيطَهَا وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ" (٤). "عتيقها" أي: الذي أنعمت عليه وأعتقته، "ولقيطها" هو الذي التقطته، "وولدها الذي لاعنت عليه" هو محل المبحث هنا. • قوله: (وَحَدِيثِ مَكْحُولٍ عَنِ "النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ" خَرَّجَ جَمِيعَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ (٥) وَغَيْرُهُ (٦).

стр. 8824

أي: بمثل الحديث الأول الذي جاء في ابن الملاعنة. • قوله: (قَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الْآثَارُ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهَا قَدْ خَصَّصَتْ عُمُومَ الْكِتَابِ). قوله: (قال القاضي): يقصد المؤلف نفسه "القاضي ابن رشد الحفيد". والتخصيص: هو قصر العام على بعض أفراده بدليل (١). أنواع المخصصات: أولًا: المخصص المتصل (٢)؛ وهو ما جاء متصلًّا بالعموم كما في قوله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، فالربا نوع من البيع؛ لكن خصه الله من البيع لما فيه من الضرر. ثانيًا: المخصص المنفصل (٣)، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، خُصَّ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وبقوله في المطلقة قبل الدخول: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾. وهذه الأمثلة المذكور في تخصيص الكتاب بالكتاب، وقد يأتي تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ خُصَّت هذه الآية بقوله ﷺ : "لا وصية لوارث" (٤).

стр. 8825

وقد يخصص الكتاب بخبر الآحاد؛ ولكن هذا محل خلاف بين الفقهاء؛ فالجمهور (١) على أنه سائغ، خلافًا للحنفية (٢). وأما تخصيص الكتاب بالكتاب وبالسنة المتواترة، فهذا متفق عليه بين العلماء (٣)؛ خلافًا لبعض أهل الظاهر (٤) الذين منعوا تخصيص الكتاب بالكتاب؛ وذلك أن التخصيص بيان، والبيان إنما يكون بالسنة. • قوله: (وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ يُخَصَّصُ بِهَا الْكِتَابُ، وَلَعَلَّ الْفَرِيقَ الْأَوَّلَ لَمْ تَبْلُغْهُمْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ أَوْ لَمْ تَصِحَّ عِنْدَهُمْ، وَهَذَا الْقَوْلُ

стр. 8826

مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانَ (١)، وَهُوَ مَشْهُورٌ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَاشْتِهَارهُ فِي الصَّحَابَةِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْآثَارِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ يُسْتَنْبَطُ بِالْقِيَاسِ، وَاللهُ أَعْلَمُ). فاشتهار هذا القول بين الصحابة دليل على صحته، وقد تتبعنا هذه الآثار وتبين أنها إما أحاديث صحيحة أو حسنة، فهي حجة يحتج بها في هذا المقام. وقول المؤلف: (هذا ليس يستنبط بالقياس) أي: لا يجعل القياس أساسًا فيه، وإنما يعتمد فيه على نصٍّ، وقد توافرت النصوص. • قوله: (وَمِنْ مَسَائِلِ ثُبُوتِ النَّسَبِ الْمُوجِبِ لِلْمِيرَاثِ). أسباب الميراث ثلاثة: إما نسب، أو مصاهرة، أو ولاء، والولاء لم نتعرض له بعدُ، فوجود النسب سبب من أسباب الميرات، فلو قُدِّر أن شخصًا ادَّعى نسبة كأن يموت ميِّت ويترك ابنين فيعترف أحدهما بأخ ثالث وينكره الثاني فحينئذ يأخذُ كل منهم نصيبه من الميراث، لكن ما هي الطريقة التي يرث بها ذلك الأخ الذي اعترف به أحد الوريثين وأنكره الآخر؟ • قوله: "اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ تَرَكَ ابْنَيْنِ وَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَخٍ ثَالِثٍ وَأَنْكَرَ الثَّانِي، فَقَالَ مَالِكٌ (٢) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣)).

стр. 8827

وهو قول أحمد (١) أيضًا. • قوله: (يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ حَقَّهُ مِنَ الْمِيرَاثِ يَعْنُونَ الْمُقِرَّ، وَلَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ نَسَبُهُ). فالمنكِرُ أنكَرَ وأمره إلى الله فقد أنكر أن يكون هذا أخًا له، وربما يكون صادقًا في إنكاره؛ لأنه لا يعلم ذلك، وربما يكون عالمًا ولكنه يخشى أن ينقص ما بيده من المال فهو يريد النصف ولا يريد الثلث لكن الآخر دفعته خشية الله إلى أن يعترف بهذا الأخ حتى وإن أدى ذلك إلى أن يذهب جزء مما يخصُّه من الميراث، فهناك أمران: نسب وميراث، والنسب لا بد في إثباته من شهادة عدلين، فلو اعترف الآخر انتهى الأمر لكنَّ المعترفَ واحد فنقصت الشهادة فلا يكون النسب موجودًا إلا فما سيأتي في رواية عند الشافعية. • قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُقِرِّ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْئًا) (٢). وهذه إحدى الروايتين عن الإمام الشافعي والإمام الشافعي له رواية أخرى يرى أن النسب يثبت في هذة الحالة ويجب أيضًا الميراث (٣). • قوله: (وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي الْقَدْرِ). ومعهم كذلك الإمام أحمد.

стр. 8828

• قوله: (الَّذِي يجِبُ عَلَى الْأَخِ الْمُقِرِّ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَجِبُ عَلَيْهِ مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ لَوْ أَقَرَّ الْأَخُ الثَّانِي وَثَبَتَ النَّسَبُ) (١). أي: يجب عليه ما كان يجب عليه لو كان الثالث الذي أُنكِر معهم وكان شريكًا معهم في هذا المال الذي هو النصف فيكون بين ثلاثة فيأخذ الأخ المقر ثلث المال الذي بيد الأخ المقر به، وهذا عند الإمامين مالك وأحمد (٢)، وأما أبو حنيفة فيرى أنه يأخذ النصف (٣)؛ لأنه قد اعترف به وأقره أخًا له، وهذا المال الذي أخذه ينبغي أن يأخذ شطره أيضًا. • قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ نِصْفَ مَا بِيَدِهِ). فأبو حنيفة يرى أن يضرب صفحًا عن الأخ الثالث وكأن المال الموجود هو الذي بيد الأخ المقر، وبما أن هذه أخوة فيكون المال بينهما نصفين. • قوله: (وَكذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ مَالِكٍ (٤)، وَأَبِي حَنِيفَةَ (٥) فِيمَنْ تَرَكَ ابْنًا وَاحِدًا فَأَقَرَّ بِأَخٍ لَهُ آخَرَ، أَعْنِي: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ وَبجِبُ الْمِيرَاثُ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَعَنْهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَان).

стр. 8829

رواية يرى فيها ثبوت النسب والميراث بشهادة واحد، وأخرى لا يرى فيها نسبًا ولا ميراثًا. • قوله: (أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ وَلَا يَجِبُ الْمِيرَاثُ (١). وَالثَّانِي (٢): يَثْبُتُ النَّسَبُ وَبَجِبُ الْمِيرَاثُ (٣)، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ تَنَاظُرُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَسَائِلِ الطَّبْلُولِيَّةِ وَبَجْعَلُهَا مَسْأَلَةً عَامَّةً، وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَحُوزُ الْمَالَ يَثْبُتُ النَّسَبُ بِإِقْرَارِهِ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا أَخًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ). ولنفترض أن أحد الأخوين قد حاز المال، أي: أخذ نصفه، وما دام قد ثبتت حيازة المال في حقِّه فله أيضًا أن يثبت النسب عن طريقه إذا ادَّعى أخوه. • قوله: (وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، (أَعْنِي: الْقَوْلَ الْغَيْرَ الْمَشْهُورِ): أَنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَحَيْثُ لَا يَثْبُتُ فَلَا مِيرَاثٌ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ أَصْلٌ وَالْمِيرَاثَ فَرْعٌ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدِ الْأَصْلُ لَمْ يُوجَدِ الْفَرْعُ). فالإمام الشافعي ﵀ جعل الميراث فرعًا عن ثبوت النسب، فكيف يثبت ميراث لشخص لم يثبت نسبه؟ فما دام نسبه لم يثبت فلا يثبت ميراثه؛ لأن الميراث يكون بأحد أمور إما بثبوت النسب أو بالولاء أو

стр. 8830

بالنكاح الذي هو المصاهرة، وهنا يقول لم يثبت النسب، فلم يوجد الأصل الذي هو النسب فمن باب أولى ألا يوجد الفرع، وهذا في نظر الشافعية، أما الجمهور فيخالفون في ذلك. • قوله: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ هو حَقٌّ مُتَعَدٍّ إِلَى الْأَخِ الْمُنْكِرِ). يقول المؤلف: إنَّ ثبوت النسب متعدٍّ إلى الأخ المنكِرِ فهو يقوم على اعتراضه فلو اعترف بنسبه إلى جانب أخيه المُقِر لثبت ذلك وهذا منكر، وربما يكون إنكاره لحرصه على ألا يشركه في المال. • قوله: (فَلَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَأَمَّا حَظُّهُ مِنَ الْمِيرَاثِ الَّذِي بِيَدِ الْمُقِرِّ فَإِقْرَارُهُ فِيهِ عَامِل؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ أَقَرَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَيْهِ لَا يَصِحُّ مِنَ الْحَاكِمِ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ النَّسَبِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْنَ اللهِ تَعَالَى وَبَيْنَ نَفْسِهِ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ شَرِيكُهُ فِي الْمِيرَاثِ - حَظَّهُ مِنْهُ). لأنه من باب أكل أموال الناس بالباطل، فإذا علم إنسان بأن فلانًا أخوه وشريكه في الميراث فنفى ذلك وأنكره لأجل أن يأكل ذلك المال فإنه لا شك داخل في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. • قوله: (وَأَمَّا عُمْدَةُ الشَّافِعِيَّةِ فِي إِثْبَاتِهِمُ النَّسَبَ بِإِقْرَارِ الْوَاحِدِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ الْمِيرَاثُ: فَالسَّمَاعُ وَالْقِيَاسُ). وهذا في الرواية الأخرى التي يثبت فيها النسب، فقد بنوها على دليلين هما: السماع أي: دليل من السنة، والقياس. • قوله: (أَمَّا السَّمَاعُ: فَحَدِيثُ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ، قَالَتْ: "كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ). أوصى أخيه.

стр. 8831

• قوله: (سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ). الوليدة: هي الجارية الصغيرة. • قوله: (زَمْعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ، فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَقَالَ: ابْنُ أَخِي قَدْ كانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ). كما جاء في هذا الأثر ساقه، أي: أخذه معه. • قوله: (فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ). وعبد بن زمعة هو أخو زوج الرسول ﷺ . • قوله: (فَقَالَ: أَخِي، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَتَسَاوَقَاهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ أَخِي قَدْ كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ"، ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: "احْتَجِبِي مِنْهُ"، لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَتْ: فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللهَ (١)، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ بِأَخِيهِ، وَأَثْبَتَ نَسَبَهُ بِإِقْرَارِهِ؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ وَارِثٌ مُنَازِعٌ لَهُ"). وهذا هو دليل الشافعي في ثبوت النسب دون أن يشترط فيه شهادة عدلين؛ لأن الرسول ﷺ أثبته بمطالبة أخو هذا الذي ولد على فراش أبيه. • قوله: (وَأَمَّا أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ فَقَدْ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ لِخُرُوجِهِ عِنْدَهُمْ عَنِ الْأَصْلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ فِي إِثْبَاتِ النَّسَبِ). فالأصل الذي التقى حوله الفقهاء جميعًا أن النسب لا يثبت إلا

стр. 8832

بشهادة عدلين؛ لأن إثبات النسب ليس أمرًا سهلًا، فكل إنسان ربما يدَّعيه فلا بد من شهادة اثنين وأن يكون الاثنين عدلين حتى لا تكون مجرد شهادة، لكن هذا الحديث ليس فيه شهادة اثنين فكأنه خرج عن الأصل المتفق عليه. • قوله: (وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَأْوِيلَاتٌ، وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَثْبَتَ نَسَبَهُ بِإِقْرَارِ أَخِيهِ بِهِ، وَالْأَصْلُ أَنْ لَا يَثْبُتَ نَسَبٌ إِلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَلِذَلِكَ تَأَوَّلَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ تَأْوِيلَاتٍ). لأنه لما وقع ذلك وفي حديث صحيح وواضح الدلالة تأول العلماء بعد ذلك، وحاولوا أن يبحثوا عن إجابة لذلك. • قوله: (فَقَالَتْ طَائِفَةٌ (١): إِنَّهُ إِنَّمَا أَثْبَتَ نَسَبَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَأةُ وَالسَّلَامُ - بِقَوْلِ أَخِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ تِلْكَ الْأَمَةَ كَانَ يَطَؤُهَا زَمْعَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَأَنَّهَا كانَتْ فِرَاشًا لَهُ). كأن هؤلاء يقولون لعلَّ الرسول ﷺ حكم بعلمه وأنه علم بأن تلك الوليدة كان يطؤها زمعة وبخاصة زمعة؛ لأنه صهر لرسول الله ﷺ فهو والد إحدى زوجاته وهو قريب الصلة به ويعرف ما يدور حوله. • قوله. (قَالُوا: وَمِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ صِهْرَهُ، وَسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ كَانَتْ زَوْجَتَهُ ﵊، فَيُمْكِنُ أَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرُهَا، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ). وهذة مسألة معروفة وفيها خلاف، وسيأتي الكلام عنها، هل للقاضي أن يقضي بعلمه (٢)؟ فقد يأتي الحكمان المتخاصمان فيجلسان بين يدي

стр. 8833

القاضي فيدعي هذا دعوة وذاك يدعي دعوة أخرى أو هذا يدعي وذاك ينفي، والقاضي في قرارة نفسه يعلم الحق، فهل له أن يقضي بعلمه أو يقضي بما يثبت بين يديه؟ لأنه قد يأتي المدعي بشهود وهو صاحب باطل وذاك لا يكون عنده شهداء وهو صاحب الحق فهل يقضي القاضي بعلمه أو يقضي بما تثبت به البينة؟ وهذه مسألة انقسم فيها الأئمة الأربعة إلى قسمين فنجد بأن من الأئمة من يرى أنه لا يقضي بعلمه كمالك (١)، وأحمد (٢)، وهناك من يرى بأنه محل ثقة وله أن يقضي بعلمه ما دام يعلم الحق كأبي حنيفة (٣)، والشافعي (٤).

стр. 8834

• قوله: (وَلَا يَلِيقُ هَذَا التَّأوِيلُ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي الْقَاضِي عِنْدَهُ بِعِلْمِهِ، وَيَلِيقُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عَلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ، أَعْنِي: الَّذِي لَا يثْبُتُ فِيهِ النَّسَبُ. وَالَّذِينَ قَالُوا بِهَذَا التَّأْوِيلِ قَالُوا: إِنَّمَا أَمَرَ سَوْدَةَ بِالْحَجْبَةِ احْتِيَاطًا لِشُبْهَةِ الشَّبَهِ، لَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا، وَقَالَ لِمَكَانِ هَذَا بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَحْجُبَ الْأُخْتَ عَنْ أَخِيهَا (١)). فالشافعية جعلوا ذلك دليلًا بأن للأخ (٢) أن يحجب الأخت عن أخيها. • قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَمْرُهُ بِالِاحْتِجَابِ لِسَوْدَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُلْحِقْ نَسَبَهُ بِقَوْلِ عُتْبَةَ وَلَا بِعِلْمِهِ بِالْفِرَاشِ وَافْتَرَقَ هَؤُلَاءِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﵊: "هُوَ لَكَ"، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنَّمَا أَرَادَ هُوَ عَبْدُكَ؛ إِذَ كَانَ ابْنَ أَمَةِ أَبِيكَ، وَهَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ لِتَعْلِيلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُكْمَهُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَللْعَاهِرِ الْحَجَرُ"، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ (٣): إِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ ﵊: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ"، أَيْ: يَدُكَ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ مَا هُوَ يَدُ اللَّاقِطِ عَلَى اللُّقَطَةِ، وَهَذِهِ التَّأْوِيلَاتُ تَضْعُفُ لِتَعْلِيلِةِ ﵊ وَحُكْمُهُ بِأَنْ قَالَ: "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ" (٤).

стр. 8835

فالمؤلف قد ضعف هذه التأويلات لتصريح النبي ﷺ بالعلة في ذلك. • قوله: (وَأَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي يَعْتَمِدُهُ الشَّافِعِيَّةُ فِي هَذَا الْمَذْهَبِ، فَهُوَ أَنَّ إِقْرَارَ مَنْ يَحُوزُ الْمِيرَاثَ هُوَ إِقْرَارُ خِلَافَةٍ (١) (أَيْ: إِقْرَارُ مَنْ حَازَ خِلَافَةَ الْمَيِّتِ)). فالشافعية لاحظوا المعنى فقالوا: إن إقرار مَن يحوز الميراث هو إقرار خلافة وليس ثبوت نسب وفرق بين الأمرين؛ لأنه لو كانت القضية قضية نسب فلا بد من وجود شاهدين، لكن هذا إقرار خلافة؛ لأن الوارث يخلف المورث في التركة. • قوله: (وَعِنْدَ الْغَيْرِ أَنَّهُ إِقْرَارُ شَهَادَةٍ لَا إِقْرَارَ خِلَافَةٍ، يُرِيدُ أَنَّ الْإِقْرَارَ الَّذِي كَانَ لِلْمَيِّتِ انْتَقَلَ إِلَى هَذَا الَّذِي حَازَ مِيرَاثَهُ) فغير الشافعية قالوا: إن هذا إقرار شهادة وليس إقرار خلافة (٢). * * * [هَلْ يُلْحَقُ أَوْلَادُ الزِّنَى بِآبَائِهِمْ] • قوله: (وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ أَوْلَادَ الزِّنَى لَا يُلْحَقُونَ بِآبَائِهِمْ إِلَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ) (٣).

стр. 8836

فأولاد الزنى لهم حكمان: حكم في الجاهلية، وحكم في الإسلام، لكن هناك أولاد زنى لم يحكم بإلحاقهم ثم جاء الإسلام فكيف يعاملون؟ هذا الذي سيورد فيه المؤلف قصة عمر ﵁، لكن الجمهور اتفقوا على أن أولاد الزنى لا يلحقون بآبائهم إلا في الجاهلية فلا يلحقون بآبائهم في الإسلام؛ لأن الإسلام قد جبَّ ما قبله (١) وتغير الحكم بحديث رسول الله ﷺ ؛ لأن هناك شريعة تضبط الأمر وقد أقرت ذلك. • قوله: (عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (٢) عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: يَلْتَحِقُ وَلَدُ الزِّنَا فِي الْإِسْلَامِ (أَعْنِي: الَّذِي كَانَ عَنْ زِنًا فِي الْإِسْلَامِ) (٣). وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ لَا يُلْحَقُ بِالْفِرَاشِ فِي أَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ (٤)). لأن أقل مدة يحصل فيها الحمل والولادة هي ستة أشهر كما قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، وهذه القصة وقعت في زمن علي بن أبي طالب ﵁ (٥).

стр. 8837

• قوله: (إِمَّا مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ، وَإِمَّا مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ، وَأَنَّهُ يُلْحَقُ مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ إِلَى أَقْصَرِ زَمَان الْحَمْلِ، أَوْ إِنْ كَانَ قَدْ فَارَقَهَا وَاعْتَزَلَهَا) (١). لأن العقد قد يتم وتحصل فترة بين الوطء وبين العقد فالمعتبر في ذلك هو الوطء. • قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي أَطْوَلِ زَمَانِ الْحَمْلِ الَّذِي يُلْحِقُ بِهِ الْوَالِدُ الْوَلَدَ، فَقَالَ مَالِكٌ: خَمْسُ سِنِينَ (٢)، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: سَبْعٌ (٣)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَرْبَعُ سِنِينَ (٤)، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: سَنَتَانِ (٥)). فرواية الحنفية ومن معهم: سنتان وهي رواية غير مشهورة أو غير صحيحة عن الإمام أحمد ولكنها رواية عنه (٦)، وهناك من قال: سبع كبعض أصحاب مالك، وهناك من قال: خمس من الأئمة كمالك، وهناك

стр. 8838

من قال: أربع وهو مذهب الإمام الشافعي، والرواية الصحيحة عن الإمام أحمد (١). • قوله: (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ). من المالكية. • قوله: (سَنَةٌ (٢)، وَقَالَ دَاوُدُ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ (٣)، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَرْجُوعٌ فِيهَا إِلَى الْعَادَةِ وَالتَّجْرِبَةِ). وهذة قضية مهمة وبها يتبين لنا بأن العادة معتبرة وهي التي جعلت العلماء يضعون تلك القاعدة: (العادة محكمة) (٤)، واستنبطوا ذلك من أثر عبد الله بن مسعود ﵁: (مَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ سَيِّئٌ) (٥)، وكون العادة معتبرة ليست على الإطلاق وليس معنى هذا أن يتخذ الإنسان العادة حجة بأن يتعود أهل مكان أو أهل بلد عادة من العادات التي تخالف نصًّا فيقول وجدنا آباءنا على ذلك، وإنما المراد بالعادة أنه إذا لم يوجد نص في مسألة فحينئذ يُرجع إلى العادة. • قوله: (وَيَقُولُ ابْنِ عَبْدِ الحَكَمِ وَالظَّاهِرِيَّةِ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْمُعْتَادِ، وَالْحُكْمُ إِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالْمُعْتَادِ لَا بِالنَّادِرِ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِيلًا).

стр. 8839

فالمؤلف يقول إذا أُيِّد الحكم فيحكم بالمعتاد أو ما هو قريب منه لكن لا تأتي بشيء نادر أو أندر من النادر وربما يكون مستحيلًا. • قوله: (وَذَهَبَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢) إِلَى أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَوْ دَخَلَ بِهَا بَعْدَ الْوَقْتِ). أي: بعد مرور وقت بين العقد والوطء؛ لأنه إذا دخل بها وأغلق الستار فهذا شيء بينه وبين الله، يُحكم عليه بأنه وطئها. • قوله: (وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ لَا مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ أَنَّهُ لَا يُلْحَقُ بِهِ إِلَّا إِذَا أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ). لكن لو جاءت به من وقت الدخول فإنه يلحق به؛ لأن الأصل أنه إذا دخل بها لوطئها. • قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): هِيَ فِرَاشٌ لَهُ وَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ). لأنه نظر إلى العقد، لكن جمهور العلماء نظروا إلى المدة وإلى أقل

стр. 8840

مدة حمل، وأنها لا تكون أقل من ستة أشهر، وأبو حنيفة يرى أنه بمجرد العقد أصبحت فراشا له وقد قال الرسول ﷺ : "الولدُ للفراشِ" (١)، وإذا أثبته الرسول ﷺ للفراش فينبغي أن يكون ولدًا له. • قوله: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفِرَاشٍ إِلَّا بِإِمْكَانِ الْوَطْءِ وَهُوَ مَعَ الدُّخُولِ. وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ عُمُومُ قَوْلِهِ ﵊: "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ" وَكأَنَّهُ يَرَى أَنَّ هَذَا تَعَبُّدٌ بِمَنْزِلَةِ تَغْلِيبِ الْوَطْءِ الْحَلَالِ عَلَى الْوَطْءِ الْحَرَامِ فِي إِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِالْوَطْءِ الْحَلَالِ؛ وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي إِثْبَاتِ النَّسَبِ بِالْقَافَةِ) (٢). والقيافة كان يُعمل بها فيما مضى فهناك إناس خصَّهم الله بمعرفة الشبه وتتبع الأثر فإذا نظر إلى أعضاء الغلام قال هذا الغلام هو ولد لفلان، وأيضًا عُرفوا في تتبع الأثر فكانوا يُستخدَمون في البحث عن الجناة من السراق ونحوهم؛ لأنهم يعرفون أثر الأقدام. • قوله: (وَذَلِكَ عِنْدَمَا يَطَأُ رَجُلَانِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ بِمِلْكِ يَمِينٍ أَوْ بِنِكَاحٍ). وهذا كان كثيرًا في الجاهلية وربما يقع في الإسلام فيأتي شريكان في جارية فيقعان عليها هذا يرى أنها ملكه وهذا يرى أنها ملكه، أو يقع إنسان على امرأة وُطِئت بشبهة فتحمل فلا يُدْرى أمِن هذا أو من هذا فيُلْحق بأحدهما أو بهما معًا، فلو جاءت القافة وألحقته بالاثنين وستأتي قصة عمر في ذلك عندما ضرب ذلك القائف بالدِّرَّة، (أي: العصا) لما ألحقه باثنين

стр. 8841

وسنتكلم عن ذلك وأن الحنفية يحتجون بكون عمر ضرب القائف دليلًا على أن القيافة لا اعتبار لها وأن العلماء ردُّوا عليهم ذلك واعتبروا ذلك من التعسف في هذه الأمور وأن هذا أمر واضح وأن أمر القيافة قد اشتهر وأن الرسول ﷺ قد أخذ به وأقره. • قوله: (وَيُتَصَوَّرُ أَيْضًا الْحُكْمُ بِالْقَافَةِ فِي اللَّقِيطِ الَّذِي يَدَّعِيهِ رَجُلَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ). فيحتاج إلى القيافة في مواقف كثيرة عندما تلتبس الأمور ولا يتبين ذلك وفد رأينا أن هذا مذهب جمهور الصحابة ومنهم عمر بن الخطاب، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، حتى إن بعض العلماء قالوا بأن هؤلاء لم يخالفهم أحد من الصحابة (١) فيكون إجماعًا. • قوله: (وَالْقَافَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ: هُمْ قَوْمٌ كَانَتْ عِنْدَهُمْ مَعْرِفَةٌ بِفُصُولِ تَشَابُهِ أَشْخَاعىِ النَّاسِ، فَقَالَ بِالْقَافَةِ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَحْمَدُ (٤)، وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ (٥). وَأَبَى الحُكْمَ بِالْقَافَةِ

стр. 8842

الْكُوفِيُّونَ (١) وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَالْحُكْمُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى رَجُلَانِ وَلَدًا كَانَ الْوَلَدُ بَيْنَهُمَا، وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا فِرَاشٌ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لَقِيطًا أَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِرَاشًا مِثْلَ: الْأَمَةِ أَوِ الْحُرَّةِ يَطَؤُهَا رَجُلَانِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ). فعندما يطَأُ رجلان امرأة في شبهة ويكون ذلك في طهر فيختلط ماءهما فكلُّ واحد منهم يدعي ذلك كما سيأتي في الحديث الذي سيورده المؤلف أو في الأثر الذي أثر عن عمر ﵁. قوله: (وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنَ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ لِلِابْنِ الْوَاحِدِ أَبَوَانِ فَقَطْ (٢)، وَقَالَ مُحَمَّدٌ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ (٣): يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْنًا لِثَلَاثَةٍ إِنِ ادَّعَوْهُ). والخلاف يعود إلى إختلاط الماء هل من الممكن أن يتكون الجنين من أكثر من ماء واحد؟ قوله: (وَهَذَا كُلّهُ تَخْلِيطٌ وَإِبْطَالٌ لِلْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ). ولا أدري إن كان قوله: (تخليط وإبطال للمعقول والمنقول) يعود إلى كلام الحنفية فهو مسلم؛ لأنهم ينكرون ويردون القافة، وأما قوله: تخليط مخالف للمعقول إن كان يقصد القائلين بمجيء الولد من أبوين فهذا أيضًا مردود على المؤلف؛ لأن ذلك حصل في عهد عمر ﵁ وأقره وإن كان في الأول أنكره لكن بعد ذلك أقره كما سيأتي في الأثر.

стр. 8843

قوله: (وَعُمْدَةُ اسْتِدْلَالِ مَنْ قَالَ بِالْقَافَةِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ (١) عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَلِيطُ). (يليط) أي: يلحقهم وينسبهم لآبائهم في الجاهلية (٢) أما في الإسلام فلا يجوز. قوله: (أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ اسْتَلَاطَهُمْ (أَيْ: بِمَنِ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ)، فَأَتَى رَجُلَانِ كِلَاهُمَا يَدَّعِي وَلَدَ امْرَأَةٍ). فقد يأتي شخص في الإسلام يدَّعي أن فلانًا ابن له، وربما يختلف فيه اثنان كما سيأتي في نفس هذا الأثر، فأتى رجلان كلاهما يدعي ولد امرأة، أي: كل منهم يدعي الولد. قوله: (فَدَعَا قَائِفًا). وهذا دليل على أن عمر ﵁ يأخذ بالقافة وفي ذلك رُدَّ على الحنفية الذين أخذوا شاهد من هذا الأثر بأن عمر لا يأخذ بالقافة، وكونه دعى القائف واستمع إلى رأيه دليل أنه يأخذ بالقافة لكن عمر استنكر ذلك كما سيأتي بهذا الأثر. قوله: (فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ الْقَائِفُ: لَقَدِ اشْتَرَكا فِيهِ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ). لأن عمر استبعد أنه قد يولد ولد من ماء رجلين فهذا هو محل الاستنكار، ولذلك أخذ عمر ﵁ الدِّرة وضرب بها الرجل وعمر ﵁ مشهور بأن معه عصًا يضرب بها إذا رأى مناسبة لذلك، وقد رأى ذلك أمرًا غريبًا وهو أنه كيف يشترك اثنان؟ لكن سيتبين أن عمر بعد ذلك عندما دعا المرأة تغير رأيه في الحكم.

стр. 8844

قوله: (ثُمَّ دَعَا الْمَرْأَةَ، فَقَالَ: أَخْبَرِينِي بِخَبَرِكِ، فَقَالَتْ: كَانَ هَذَا - لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ - يَأْتِي فِي إِبِلٍ لِأَهْلِهَا فَلَا يُفَارِقُهَا حَتَّى يَظُنَّ وَنَظُنَّ أَنَّهُ قَدِ اسْتَمَرَّ بِهَا حَمْلٌ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهَا فَأُهْرِيقَتْ عَلَيْهِ دَمًا، ثُمَّ خَلَفَ). أي: أعقبها شخص آخر فوطئها. قوله: (هَذَا عَلَيْهَا (تَعْنِي: الْآخَرَ)، فَلَا أَدْرِي أَيُّهُمَا هُوَ، فَكَبَّرَ الْقَائِفُ، فَقَالَ عُمَرُ لِلْغُلَامِ: وَالِ أَيَّهُمَا شِئْتَ). أي: انتسب إلى أحدهما كما شئت. قوله: (قَالُوا: فَقَضَاءُ عُمَرَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْقَافَةِ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ هُوَ كالْإِجْمَاعِ). فعمر دعا القائف ثم بعد ذلك ضربه ثم دعا المرأة فجاء قول المراة مؤيدًا للقائف ثم إن عمر ﵁ خيَّر ذلك الابن. قوله: (وَهَذَا الْحُكْمُ عِنْدَ مَالِكٍ (١) إِذَا قَضَى الْقَافَةُ بِالِاشْتِرَاكِ أَنْ يُؤَخَّرَ الصَّبِيُّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَيُقَالُ لَهُ: وَالِ أَيَّهُمَا شِئْتَ، وَلَا يَلْحَقُ وَاحِدٌ بِاثْنَيْنِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)). فالإمام مالك هو أحد الأئمة الذين قالوا بالقافة لكن استنبط الإمام مالك من أن عمر قال للغلام: (انتسب إلى أيهما شئت) أن الغلام كان كبيرًا؛ لأنه في زمن عمر وهذا كان في الجاهلية، فالإمام مالك يرى أنه

стр. 8845

ينتظر حتى إذا كبر وشبَّ وأدرك وعرف ما ينفعه فله أن يختار أيهما شاء، ويرى الإمامان مالك والشافعي أنه لا يلحق واحد باثنين، وأحمد مع أبو ثور يريان أنه يلحق باثنين، أما أبو حنيفة فلا يرى الحكم بالقافة. قوله: (وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ) (١). وأحمد (٢). قوله: (يَكُونُ ابْنًا لَهُمَا إِذَا زَعَمَ الْقَائِفُ أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِيهِ). ويستدل بقصة المرأة التي وطئها رجلان في طهر واحد فجيء بها إلى عمر ﵁ فألحقه، أي: الغلام بالرجلين معًا (٣)، وأُثر ذلك عن عليٍّ ﵁ وقال: " يرثهما ويرثانه " (٤)، فهذا قد صحَّ عن عمر بن الخطاب وعن علي بن أبي طالب ﵁ وهذه حجة للذين يقولون بجواز إلحاق الولد باثنين. قوله: (وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ يَكُونُ ابْنًا لِلِاثْنَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (٥) [الحجرات: ١٣]). نعم هذه الآية وهذا هو الأصل لكن قد يأتي هذا الذي تكلم عنه الآخرون ويكون أمرًا نادرًا وقليلًا، والحكم جاء بالنسبة للغالب والأصل،

стр. 8846

فالأصل أن الإنسان يخلق من ماء واحد، أي: من ماء الرجل وماء المرأة. قوله: (وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْقَافَةِ أَيْضًا بِحَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ مِحْرِزٌ الْمُدْلِجِيُّ لِزَيْدٍ وَأُسَامَةَ، وَرَأَى أَقْدَامَهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ" (١)). فانظر إلى موقف رسول الله ﷺ وهو إمام المسلمين في هذا الحديث وهو في " الصحيحين " وسيأتي في رواية فيها مزيد أيضًا في البخاري: "وعليهما قطيفةً قد غَطَّيا رؤوسَهما، وَبَدَتْ أقدامُهما" (٢)، فالحديث الأول: لما جاء المدلجي وزيد بن حارث وأسامة وقد غطى رؤوسهم بقطيفة فهو لا يراهم وقد بدت أقدامهما، فماذا قال بحكم معرفته؟ قال: " إن هذه الأقدام بعضها من بعض "، مع أن إحدى القدمين بيضاء والأخرى سوداء، فنفى بذلك تلك الشبهة والفرية التي كانت تُدَّعى في الجاهلية وتلصق بأسامة، وفرح رسول الله ﷺ أولًا: لأن في ذلك تزكية وتطهيرًا للمؤمن من الوقوع في المعصية، وفرح كذلك لما كان لزيد وأسامة من مكانة عند رسول الله ﷺ فلم يملك الأمر عندما دخل على عائشة فقال لها: " ألم تري؟ "، والرؤية هنا ليست بصرية لكنها علمية أو خبرية فرسول الله ﷺ أخبرها بما حصل وبأن ذلك الرجل الذي اشتهر بالقافة مرَّ وأسامة مغطًى بقطيفة مع والده ولم تبد إلا أقدامهما فلما نظر قال: "هذه الأقدام بعضها من بعض "، فسُرَّ رسول الله ﷺ حتى برقت أسارير وجهه ولمعت، أي: الخطوط التي في جبهته ﵊. قوله: (قَالُوا: وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ). فقضية القافة قد اشتهرت وعرفت في الجاهلية وأقرها الإسلام ويكفي

стр. 8847

فيها هذا الحديث وأن الرسول ﷺ قد حصل هذا المشهد أمامه ثم دخل على عائشة يبشرها بما حصل ودخل عليها وهو في غاية السرور، وهذا دليل على صحة العمل بالقافة. قوله: (وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَقَالُوا: الْأَصْلُ أَنْ لَا يُحْكَمَ لِأَحَدِ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِي الْوَلَدِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ فِرَاشٌ لِقَوْلِهِ ﵊: " الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ " فَإِذَا عُدِمَ الْفِرَاشُ أَوِ اشْتَرَكَا لِلْفِرَاشِ كَانَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا، وَكأَنَّهُمْ رَأَوْا ذَلِكَ بُنُوَّةً شَرْعِيَّةً لَا طَبِيعِيَّةً). فكما مرَّ أن الحنفية ومن معهم لا يرون القافة وقد رأينا أن الصحابة ﵁ عملوا بها، والرسول ﷺ أيضًا أثبت الحكم بالقافة. قوله: (فَإِنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ وَاحِدٍ عَنْ أَبَوَيْنِ بِالْعَقْلِ أَنْ لَا يَجُوزَ وُقُوعُ ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ. وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ عَنْ عُمَرَ (١)، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَلِيٍّ (٢)). هذا الذي قالوه وأخذوا به أيضًا من أثر عمر أنه ضرب القائف بالدرة، قالوا: تلك ضربة في أول الأمر؛ لأن عمر ﵁ استبعد أن يولد شخص من ماءين فلما جاءت المرأة وقصت عليه القصة وأخبرته رجع بعد ذلك وحكم أيضًا في مسألة أخرى ذكر القائف بأنهما اشتركا فيها فألحقة عمر بالاثنين وفعل ذلك علي بن أبي طالب ﵁. قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): لَا يُقْبَلُ فِي الْقَافَةِ إِلَّا رَجُلَانِ).

стр. 8848

ثم يأتي العلماء فيختلفون في مسألة جزئية، هل يكفي في حكم القافة واحد أو لا بد فيه أكثر من واحد؟ والذي اشتهر هو قائف واحد فقد حضر في قضيتين أمام عمر ﵁ قائف واحد. قوله: (وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ قَائِفٍ وَاحِدٍ (١)، وَالْقَافَةُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْ مَالِكٍ (٢) إِنَّمَا يُقْضَى بِهَا (٣) فِي مِلْكِ الْيَمِينِ فَقَطْ لَا فِي النِّكَاحِ). فمالك يقضي فيها في المملوكين دون الحرائر وهذة مسألة اختلفوا فيها، وكونه يقضي فيها في المملوكين يحتاج إلى دليل، ولكن أكثر العلماء لا يرون التفريق. قوله: (وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (٤): فِي هَذَا حَدِيث حَسَنٌ مُسْنَدٌ أَخَذَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ، رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ الشَّعْبِيِّ، عَنْ زيدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: "كَانَ عَلِيٌّ بِالْيَمَنِ فَأُتِيَ بِامْرَأَةٍ وَطِئَهَا ثَلَاثَةُ أُنَاسٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُقِرَّ لِصَاحِبِهِ بِالْوَلَدِ فَأَبَى، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ وَقَضَى بِالْوَلَدِ لِلَّذِي أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ وَجَعَلَ عَلَيْهِ ثُلُثَيِ الدِّيَةِ،

стр. 8849

فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَعْجَبَهُ، وَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ " (١)، وَفِي هَذَا الْقَوْلِ إِنْفَاذُ الْحُكْمِ بِالْقَافَةِ، وَإِلْحَاقُ الْوَلَدِ بِالْقُرْعَةِ). فقد ادَّعى ثلاثة رجال ابنًا وأراد عليٌّ ﵁ أن يقضي بينهم وبأن يعترف كلُّ واحد منهم للآخر بأنه ابن لفلان فأبى بهل واحد منهم، فانتقل إلى حكم آخر من الأحكام التي أقرتها الشريعة وهو أن يقرع بين هؤلاء الثلاثة؛ لأنه لا طريق لذلك إلا هذا الطريق والقرعة معتبرة شرعًا وقد عمل بها رسول الله ﷺ فكان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه (٢) كما هو معلوم في الأحاديث الصحيحة، فأقرع بينهم فأصابت القرعة واحدًا منهم لكن ليس معنى هذا إصابة القرعة أحدهم أنه صاحب الحق ولكن هذا هو الطريق الذي يُنتهَى إليه في الحكم، فانظر إلى دقته في الحكم، فهم ثلاثة ولو كانت هناك دية اشتركوا فيها لثلِّثت بينهم، وهذا الذي أخذ الغلام عليه أن يدفع ثلثي الدية ثلث لهذا وثلث للآخر؛ لأنه قد ظفر بالابن، فنقلت هذه القصة إلى رسول الله ﷺ فضحك ﵊ حتى بدت نواجذه، أي: مقرًّا لذلك. وفي بعض الروايات: أن الرسول ﷺ سُئِل عن الحكم في ذلك، فقال: "لا حكم غير ذلك " (٣)، وهذا إقرار منه ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁. * * *

стр. 8850

[مِيرَاثُ الْقَاتِلِ] قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي مِيرَاثِ الْقَاتِلِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ أَصْلًا مَنْ قَتَلَهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَرِثُ الْقَاتِلُ وَهُمُ الْأَقَلُّ). والمؤلف انتقل بنا إلى حكم آخر؛ لأن القتل ذكره العلماء بأنه مانع من موانع الإرث؛ لأن موانع الإرث منها اختلاف الدين ومنها الرق ومنها القتل، والقتل على نوعين، هناك من يَقتُل عمدًا وهناك من يَقتُل خطأً، فإذا قتل إنسان آخر وكان وارثًا له فهل له أن يرث منه أو لا؟ وهل هناك فرق بين أن يكون قتله عمدًا أو قتله خطأً؟ وهذه مسألة تكلم عنها العلماء وهي في الحقيقة تنقسم إلى قسمين؛ لأن القتل على نوعين قتل محمد، وقتل خطإٍ، فإذا قتل وارث مورثه عمدًا فقد حكي إجماع العلماء على أنه لا يرثه بأن القاتل لا يرث المقتول (١)، وقالوا: قد خالف في ذلك إمامان هما سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير (٢) وهما من التابعين لكن العلماء اعتبروا رأيهما شاذًا في ذلك " لأنه قد صحَّ عن عمر ﵁ أنه أعطى دية ابن قتادة المدلجي لأخيه دون أبيه؛ لأن أباه قد رماه بسيف فقتله (٣) ثم إن

стр. 8851

ذلك قد حصل بمشهد من الصحابة وانتشر بينهم فلم يُعرَف بينهم معارض فكان إجماعًا ثم بعد أن حكم عمر ﵁ بذلك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ليس للقاتل شيء"، وهو حديث صحيح (١)، وفي حديث عمرو بن شعيب: " لا يرث القاتل " (٢)، وفي حديث عبد الله بن عباس ﵁ ذكر ألَّا يرث القاتل المقتول وإن لم يوجد وارث غيره، وقد رفع ذلك إلى رسول الله ﷺ (٣). فمن حيث الجملة الذين قالوا: لا يرث مطلقًا، هم الأئمة الثلاثة، ومالك وافقهم في العمد، وخالفهم في الخطإ لكنه قيده بأنه لا يرث من ديته، يعني: يرثه لكن لا يرث من الدية. قوله: (وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ الْخَطَإِ وَالْعَمْدِ، فَقَالُوا: لَا يَرِثُ فِي الْعَمْدِ شَيْئًا، وَيَرِثُ فِي الْخَطَإِ إِلَّا مِنَ الدِّيَةِ). الذي فرق هو مالك وأصحابه. قوله: (وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الْعَمْدِ قَتْلٌ بِأَمْرٍ وَاجِبٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاجِبٍ). ولهذا يختلف الذي يقتل بالحق. فلا يدخل في ذلك، فالقاتل الذي ينفذ حقًّا من الحقوق وإن كان فيه خلاف يختلف أمره والنبي ﷺ قال: "لحدٌّ يقام في الأرض خير من أن يُمطَر الناس أربعين يومًا" (٤)، فهذه الحدود التي تطبق فيها تطهير لصاحبها، وفي نفس الوقت فيها حفظ للمجتمع من أن تنتشر فيه الفاحشة، وأن ينتشر فيه الإثم، وأن يتعدَّى بعض

стр. 8852

الناس على بعض، فمن الناس من لا يردعه إلا القوة والله تعالى يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وقال الله تعالى في شأن المحاربين: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾، فلا يخلو زمان من وجود مفسدين ومن وجود عصاة حتى في زمن رسول الله ﷺ وارتكبت الموبقات فما بالكم بغيره. قوله: (مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مَنْ لَهُ إِقَامَةُ الْحُدُودِ، وَبِالْجُمْلَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ أَوْ لَا يُتَّهَمُ). والتُّهمة كما هو معلوم معتبرة في مذهب المالكية ومرت بنا في عدة مسائل، يعني: عندما يتَّهم الإنسان يوقف، حتى إنهم أحيانًا كما جاء في الحديث: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" (١) فأحيانًا يقلبون الأمر فيجعلون اليمين على المدعي مع أنه صاحب البينة إذا وجدت شبهة. قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ مُعَارَضَةُ أَصْلِ الشَّرْعِ فِي هَذَا الْمَعْنَى لِلنَّظَرِ الْمَصْلَحِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّظَرَ الْمَصْلَحِيَّ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَرِثَ؛ لِئَلَّا يَتَذَرَّعَ النَّاسُ مِنَ الْمَوَارِيثِ إِلَى الْقَتْلِ وَاتِّبَاعِ الظَّاهِرِ). يقول المؤلف: لو نظرنا أيضًا للمصلحة ومن باب ردع الجناة والمعتدين فالمصلحة تقتضي ألا يرث، وهذا ما نسميه بسدِّ باب الذرائع (٢)؛ لأنه إذا أُغلِق هذا الباب فلن يفكر أحد فيه، كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، يعني: لو لم يعلم كثير من الناس أصحاب

стр. 8853

النفوس الشريرة بأنهم سيُقتلَون عند أتفه الأمور فربما يقتل غيرهم لو اختلف أحدهم مع شخص آخر، فإذا فكر الإنسان أنه سيجازى والجزاء من جنس العمل هذا إلى جانب ما يترتب من العقاب. قوله: (وَالتَّعَبُّدُ يُوجِبُ أَنْ لَا يُلْتَفَتَ إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَصَدَ لَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الشَّارعُ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم: ٦٤]. فالمؤلف يضعف ذلك القول أو ذلك التعليل، التعليل بأن لو ورث القاتل من مقتوله ربما أدَّى ذلك لأن يتساهل بعض الناس بالقتل فيقتل مورثه حتى يرث منه، قالوا: وهذا ضعيف، والحقيقة أنه ليس بضعيف؛ لأن أصحاب النفوس المريضة هذا طريقهم، فهو قول ضعيف وتعليل عند من يخشى الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)﴾، أما الذين لا يخافون الله فالإنسان والحيوان عندهما سيان. قوله: (كمَا تَقُولُ الظَّاهِرِيَّةُ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَارِثِ الَّذِي لَيْسَ بِمُسْلِمٍ يُسْلِمُ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ الْمُسْلِمِ وَقَبْلَ قَسْمِ الْمِيرَاثِ). فلو توفي إنسان وله ورثة غير مسلمين وقبل أن تقسم تركته أسلم ذلك الرجل وهو ممن يرث أي: يستحق الميراث، فلا خلاف بين العلماء بأنه لو أسلم قبل موته ولو بلحظات حتى في وقت الغرغرة أنه يرث، لكنه أسلم بعد أن مات، فهل إسلامه لأجل أن يرث أو لأنه أسلم فعلًا ودخل في الإسلام؟ هذه ليست هي المقصودة، والقصد مَن يسلم بعد موت من يستحق الميراث منه لو كان مسلمًا ولكن قبل قسمة التركة، هل له أن يدلي بدلوه ويأخذ مع الورثة أو لا؟ وهذه مسألة اختلف فيها العلماء، فجمهورهم على أنه لا يرث ومنهم الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي، ومن العلماء من يرى أنه يرث كالإمام أحمد وجماعة. قوله: (كَذَلِكَ إِنْ كَانَ مُوَرِّثُهُ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ وَقْتُ الْمَوْتِ).

стр. 8854

والجمهور هم الأئمة الثلاثة (أبو حنيفة ومالك والشافعي) ومعهم غيرهم، يعني: أكثر العلماء قالوا: إن إسلامه بعد موت هذا الذي يستحق منه الإرث لا يجوِّز له الإرث؛ لأن المعتبر في ذلك هو الحياة، بأن يكون مسلمًا قبل الموت، أما بعد موته فإن التركة حينئذٍ أصبحت مستحقة ومستحقة لأناس معينين هم الورثة الذين يجوز لهم أن يدلوا بذلك ولا يوجد مانع، أما ذاك فوجد مانعًا يمنع منه وهو قول رسول الله ﷺ : " لا يرث الكافر المسلم "، وهذا قد كان كافرًا قبل أن يموت هذا الإنسان. قوله: (فَإِنْ كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَارِثُهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ لَمْ يَرِثْهُ أَصْلًا سَوَاءٌ أَسْلَمَ قَبْلَ قَسْمِ الْمِيرَاثِ أَوْ بَعْدَهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَان مُوَرّثُهُ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ وَكَانَ الْوَارِثُ يَوْمَ مَاتَ غَيْرَ مُسْلِمٍ وَرِثَهُ ضَرُورَةً سَوَاءٌ أَكَانَ إِسْلَامُهُ قَبْلَ الْقَسْمِ أَوْ بَعْدَهُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَجَمَاعَةٌ). ومنهم الإمام أحمد في المشهور عنه. قوله: (الْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ يَوْمُ الْقَسْمِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ). فهذا مروي عن بعض الصحابة ومنهم عمر ﵁، وقالوا: ذلك أيضًا حافز لمثل هذا أن يدخل في الإسلام، وتعلمون بأن الرسول ﷺ كان يعطي المؤلَّفة قلوبهم، والله عدَّ المؤلفة قلوبهم من أصحاب الزكاة فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فلماذا كان يعطي المؤلفة قلوبهم مع أنهم ليسوا بحاجة لتأليفهم في الإسلام وترغيبهم فيه وتحبيبهم فيه ليكون دافعًا لهم؟ وهكذا كل داعية يبذل غاية جهده ليحبب الناس في الإسلام ويرغبهم فيه ويبين ما فيه من المزايا، وما فيه من الحكمة، وما فيه من العفو، والإحسان، والخصال الكثيرة.

стр. 8855

قوله: (وَعُمْدَةُ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ قَوْلُهُ ﷺ : " أَيُّمَا دَارٍ أَوْ أَرْضٍ قُسِّمَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهِيَ عَلَى قَسْمِ الْجَاهِلِيَّةِ). وهذا دليل أورد في هذه المسألة لكن أصحاب القول الأول الذين يمنعون يقولون: بأن لما حصل إسلامه كان بعد موت صاحب التركة وهو لما كان حيًّا كان هذا على غير دين الإسلام، فاستدلوا على ذلك بقوله ﷺ : " لا يرث الكافر المسلم " (١)، وأولئك كما قلت احتجوا بحديث آخر لم يورده المؤلف وهو: "من أسلم على شيء فهو له" (٢)، فهذا قد أسلم ولما أسلم ووجد تركة لم تقسم وهو واحد ممن يرثون تلك التركة لكن بوجود المانع من ذلك وهو الكفر وقد زال ذلك المانع قبل أن تقسم التركة فكان له الحق بأن يكون واحدًا من مستحقيه. قوله: (وَأَيُّمَا دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَدْرَكَهَا الْإِسْلَامُ وَلَمْ تُقْسَمْ فَهِيَ عَلَى مَا قَسَمَ الْإِسْلَامُ" (٣)). فما كان قسم في الجاهلية قد انتهى؛ لأن الإسلام كما هو معلوم أعرض عما كان في الجاهلية، وأما ما أدركه الإسلام فإنه يقسم على الإسلام؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، والإسلام شريعة وهذه الشريعة تطبق منذ وقت نزولها. قوله: (فَمَنِ اعْتَبَرَ وَقْتَ الْقِسْمَةِ حَكَمَ لِلْمَقْسُومِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَمَنِ اعْتَبَرَ وُجُوبَ الْقِسْمَةِ حَكَمَ فِي وَقْتِ الْمَوْتِ لِلْمَقْسُومِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ). والذين لاحظوا أمرًا معنويًّا قالوا: إن في توريث مثل هؤلاء ما

стр. 8856

يشجعهم على الدخول في الإسلام، وواجب المسلم أن يبذل كلَّ وسيلة ويسلك كل طريق في تحبيب الناس في الإسلام وترغيبهم فيه عن طريق القول أو العمل فهو يدعو إلى الحق بحكمة وبصيرة وأن يكونوا قدوة في أعمالهم يمثلوا في ذلك الإسلام حتى يُقبل الناس على الإسلام ويحبونه ويدخلون فيه كما كان في زمن رسول الله ﷺ وفي زمن أصحابه. قوله: (وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ "أَنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ- ﷺ - نَصِيبَهُ " (١)، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَهُمْ فِيمَنْ أُعْتِقَ مِنَ الْوَرَثَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ الْقَسْمَةِ. فَهَذ هِيَ الْمَسَائِلُ الْمَشْهُورَةُ الَّتِي تتَعَلَّقُ بِهَذَا الْكِتَابِ). أي: التي تتعلق بكتاب الفرائض، نعم لم يستوعب المؤلف جميع ما فيها ولم يعرج على أكثرها بل أخذ أصولها وأمهاتها وترك كثيرًا من المسائل، ولكن منهج هذا الكتاب بأنك إذا ربطت الأصل استطعت أن تلحق به ما يمكن أن يتبعه من فروع، وتعلمون أن الفرائض لها أصول، وهناك أسس تقوم عليها فإذا ربطت تلك الأصول عرفت أصحاب الفروض (٢) ونصيبهم، وأهل التعصيب وأنواعهم، ثم تأتي بعد ذلك إلى الولاء الذي سننتقل إليه، فإذا عرفت هذا كله وعرفت موانع الإرث أمكنك أن تكون على بينة مما يتعلق بهذا العلم. قوله: (قَالَ الْقَاضِي (٣): وَلَمَّا كَانَ الْمِيرَاثُ إِنَّمَا يَكُونُ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ: إِمَّا بِنَسَبٍ، أَوْ صِهْرٍ، أَوْ وَلَاءٍ، وَكَانَ قَدْ قِيلَ فِي الَّذِي يَكُونُ بِالنَّسَبِ وَالصِّهْرِ).

стр. 8857

أسباب الميراث كما عرفنا ثلاثة: نكاح ونسب وولاء. قوله: (فَيَجِبُ أَنْ نَذْكُرَ هَاهُنَا الْوَلَاءَ، وَلمَنْ يَجِبُ فِيهِ مِمَّنْ لَا يَجِبُ، وَمَا أَحْكَامُهُ؟). إذًا سيشرع المؤلف ﵀ في بيان أحكام السبب الثالث من أسباب الميراث وهو الولاء. * * * قال المصنف رحمه الله تعالى: (بَابٌ فِي الْوَلَاءِ (١): فَأَمَّا مَنْ يَجِبُ لَهُ الْوَلَاءُ، فَفِيهِ مَسَائِلُ مَشْهُورَةٌ تَجْرِي مَجْرَى الْأُصُولِ لِهَذَا الْبَابِ. الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ وَلَاءَهُ لَهُ وَأَنَّهُ يَرِثُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ) (٢).

стр. 8858

قال المؤلف: أجمع العلماء على أن من أعتق مملوكه (عبده) عن نفسه فإن ولاءه له، وفائدة قيد (عن نفسه)؛ لأن كلمة: (عن نفسه) لها مفهوم وقد قصدها المؤلف؛ لأن فيها خلافًا سيأتي لو أعتق عن غير نفسه، لأنه قد يعتق إنسانًا عبدًا عن غيره فمن الذي يكون المولى هل هو المعتق أو المعتق عنه؟ وسيأتي الكلام في هذه المسألة، فالشخص الذي يجب له الإرث إذا أعتق عن نفسه إجماعًا، أي: لو أن إنسانًا كان عنده مملوك فأعتقه أو اشترى مملوكًا فأعتقه أو كانت عليه كفارة فأعتق بها رقبة أو كاتب مملوكًا أو بعضه أو دبَّره أو غير ذلك من الأمور الكثيرة، فإنه بذلك يكون مولاه وهو الذي يستحق الإرث منه، ومعنى هذا بأن ورثة الميت يقدَّمون حتى وإن كان فيما مضى رقيقًا فإن ورثته يقدمون فيأخذون كما يأخذ الذين ذكرنا أحوالهم في النسب، وكذلك المصاهرة، لكن عندما يبقى شيء يقدم صاحب الولاء على الرد وعلى ذوي الأرحام عند من يقول بتوريثهم. قوله: (وَأَنَّهُ عَصَبَةٌ لَهُ إِذَا كَانَ هُنَالِكَ وَرَثَةٌ لَا يُحِيطُونَ بِالْمَالِ). فهو يرث تعصيبًا، ويسمى تعصيبًا؛ لأن التعصيب بسبب، والسبب هو هذه النعمة التي أنعم بها المعتق على عتيقه. قوله: (فَأَمَّا كَوْنُ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلِمَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ: " إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ " (١). وبريرة هذه كانت مملوكة وكان لها زوج واختلف في هذا الزوج،

стр. 8859

هل كان مملوكًا أو كان حرًّا؟ فهناك من يرى بأنه كان حرًّا، وابن عباس وهو ممن شاهد ذلك قال: بأنه كان مملوكًا (١)، وأن عائشة ﵁ ساعدت بريرة على أن تدفع لأهلها ما يؤدي إلى عتقها (٢)، وأنهم وافقوا على ذلك وأصروا شريطة أن يكون الولاء لهم، فقال رسول الله ﷺ : " أعتقيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق " (٣)، "إنما" أداة حصر سيتكلم عنها المؤلف، وفي بعض الروايات: " الولاء لمن أعتق " (٤). قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ غَيْرِهِ). أجمعوا على إذا أعتق عن نفسه أن الولاء له، لكن إذا أعتق عن غيره فما الحكم هنا؟ قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: الْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ لَا الَّذِي بَاشَرَ الْعِتْقَ) (٥). فإذا أعتقت عن إنسان عتيقًا فالإمام مالك يقول: الولاء للمعتق عنه وأنت المعتق لا شيء لك؛ لأنك نويت وقصدت به فلانًا، وجمهور العلماء خالفوا في ذلك فقالوا: لا، بل هو للمعتق وإن كان عن فلان؛ لأنه هو صاحب اليد البيضاء فهو المحسن وهو السبب، والرسول ﷺ يقول: " إنما الولاء لمن أعتق " (٦)، والذي أعتق هو هذا لا من أعتق عنه.

стр. 8860

قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)). وأحمد (٣). قوله: (إِنْ أَعْتَقَهُ عَنْ عِلْمِ الْمُعْتَقِ عَنْهُ، فَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ عَنْ غَيْرِ عِلْمِهِ، فَالْوَلَاءُ لِلْمُبَاشِرِ لِلْعِتْقِ). إن كان عالمًا بذلك فاتَّفق معه على أن يعتق عنه فالولاء للمعتَقِ عنه، أما إذا لم يكن على علم ولم يتفق معه فالولاء يكون للمباشر العتق. قوله: (وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ ﵊: " الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ " (٤). وفي رواية وهي في "الصحيحين" وهي المشهورة: " إنما الولاء لمن أعتق " (٥).
следующие страницы →