← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

ليس هناك اضطراب، لكنها قضايا متعددة؛ لأن المنِيَّ ليس في مرةٍ واحدةٍ، بل يحصل ويتكرر من الإنسان، فمرة كذا، ومرة كذا، لكن عائشة ﵂ وضعت مقياسًا ومنهجًا في بعض الأحاديث أنها كانت تغسله إذا كان رطبًا، وتَفْركه إذا كان يابسًا؛ ولذَلكَ فرارًا من الاحتجاج على الحنفيَّة بالفرك، قالوا: لو فركَ من الثوب، فإنه يُصلِّي فيه حتى لا يحتجَّ عليهم بذلك، فهم يَقُولون بنجاسته، لكن الفرك يُطَهِّر عندهم، وسيأتي معنا أن الحنفية يُخَالفون غير ما ظن في المسألة، والبَاب الَّذي بعد هذا، وَيتَوسَّعون فيما تُزَال به النجاسة. قال الجمهور: لا يُزال إلَّا بالماء، وسيأتي حديث عائشة الذي ذكَرنا أنها بلَّت مكان دم الحيض في ثوبها فَقَعصته، أي: فركته. كذلك في المسألة، هناك مِن العلماء كالليث بن سعد (١) وهو من الأئمة المشهورين، وإمام مصر قبل الشافعي، وكان بمنزلة مالكٍ، وربما البعض يعرف الرسائل التي دارت بينه وبين الإمام مالك ﵏. قوله: (وَالسَّبَبُ الثَّانِي: تَرَدُّدُ المَنِيِّ بَيْنَ أَنْ يُشَبَّهَ بِالأَحْدَاثِ الخَارِجَةِ مِنَ البَدَنِ، وَبَيْنَ أَنْ يُشَبَّهَ بِخُرُوجِ الفَضَلَاتِ الطَّاهِرَةِ كَاللَّبَنِ وَغَيْرِهِ، فَمَنْ جَمَعَ الأَحَادِيثَ كُلَّهَا بِأَنْ حَمَلَ الغَسْلَ عَلَى بَابِ النَّظَافَةِ، وَاسْتَدَلَّ مِنَ الفَرْكِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَعَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الفَرْكَ لَا يُطَهِّرُ نَجَاسَةً، وَقَاسَهُ عَلَى اللَّبَنِ وَغَيْرِهِ مِنَ الفَضَلَاتِ الشَّرِيفَةِ -لَمْ يَرَهُ نَجِسًا، وَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ الغَسْلِ عَلَى الفَرْكِ، وَفَهِمَ مِنْهُ النَّجَاسَةَ، وَكانَ بِالأَحْدَاثِ عِنْدَهُ أَشْبَهَ مِنْهُ ممَّا لَيْسَ بِحَدَثٍ - قَالَ: إِنَّهُ نَجِسٌ، وَكَذَلِكَ

стр. 912

أَيْضًا مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ النَّجَاسَةَ تَزُولُ بِالفَرْكِ قَالَ: الفَرْكُ يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ كمَا يَدُلُّ الغَسْلُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَلَى هَذَا فَلَا حُجَّةَ لِأُولَئِكَ فِي قَوْلِهَا، فَيُصَلِّي فِيه، بَلْ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ النَّجَاسَةَ تُزَالُ بِغَيْرِ المَاءِ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ المَالِكِيَّةِ. البَابُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ المَحَالِّ الَّتِي يَجِبُ إِزَالَتُهَا عَنْهَا وَأَمَّا المَحَالُّ الَّتِي تُزَالُ عَنْهَا النَّجَاسَاتُ فَثَلَاثَةٌ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، أَحَدُهَا: الأَبْدَانُ، ثُمَّ الثِّيَابُ، ثُمَّ المَسَاجِدُ وَمَوَاضِعُ الصَّلَاةِ، وإِنَّمَا اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهَا مَنْطُوقٌ بِهَا فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَمَّا الثّيَابُ فَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] عَلَى مَذْهَبِ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى الحَقِيقَةِ، وَفي الثَّابِتِ مِنْ أَمْرِهِ ﵊: "بغَسْلِ الثَّوْبِ مِنْ دَمِ الحَيْضِ (١) وَصَبِّهِ المَاءَ عَلَى بَوْلِ الصَّبِيِّ الَّذِي بَالَ عَلَيْهِ" (٢)، وَأَمَّا المَسَاجِدُ فَلأمْرِهِ ﵊ بِصَبِّ ذَنُوبِ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَوْلِ الأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي المَسْجِدِ (٣)، وَكَذَلِكَ ثَبَتَ عَنْهُ ﵊: "أَنَّهُ أَمَرَ بِغَسْلِ المَذْيِ مِنَ البَدَنِ" (٤)، "وَغَسْلِ النَّجَاسَاتِ مِنَ المَخْرَجَيْنِ" (٥).

стр. 913

وَاخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ: هَلْ يُغْسَلُ الذَّكَرُ كُلُّهُ مِنَ المَذْيِ أَمْ لَا؟ لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ المَشْهُورِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنِ المَذْيِ فَقَالَ: "يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ" (١)، وَسَبَبُ الخِلَافِ فِيهِ هَلْ هُوَ الوَاجِبُ هُوَ الأَخْذُ بِأَوَائِلِ الأَسْمَاءِ أَوْ بِأَوَاخِرِهَا؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ بِأَوَاخِرِهَا (أَعْنِي: بِأَكْثَرِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسْمُ)، قَالَ بغْسَلِ الذَّكَرِ كُلِّهِ، وَمَنْ رَأَى الأَخْذَ بِأَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ قَالَ: إِنَّمَا يُغْسَلُ مَوْضِعُ الأَذَى فَقَطْ قِيَاسًا عَلَى البَوْلِ، وَالمَذْيِ. البَابُ الرَّابِعُ: فِي الشَّيءِ الَّذِي تُزَالُ بِهِ وَأَمَّا الشَّيْءُ الَّذِي بِهِ تُزَالُ، فَإِنَّ المُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ المَاءَ الطَّاهِرَ المُطَهِّرَ يُزِيلُهَا مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ المَحَالِّ، وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الحِجَارَةَ

стр. 914

تُزِيلُهَا مِنَ المَخْرَجَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ المَائِعَاتِ وَالجَامِدَاتِ الَّتِي تُزِيلُهَا، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَا كَانَ طَاهِرًا يُزِيلُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ؛ مَائِعًا كَانَ أَوْ جَامِدًا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَتْ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا تُزَالُ النَّجَاسَةُ بِمَا سِوَى المَاءِ إِلَّا فِي الاسْتِجْمَارِ فَقَط المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي إِزَالَتِهَا فِي الاسْتِجْمَارِ بِالعَظْمِ وَالرَّوَثِ، فَمَنَعَ ذَلِكَ قَوْمٌ، وَأَجَازَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُنَقِّي، وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ مَطْعُومٌ ذُو حُرْمَةٍ كَالخُبْزِ، وَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ فِيمَا فِي اسْتِعْمَالِهِ سَرَفٌ كالذَّهَبِ وَاليَاقُوتِ. وَقَوْمٌ قَصَرُوا الإِنْقَاءَ عَلَى الأَحْجَارِ فَقَطْ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَقَوْمٌ أَجَازُوا الاسْتِنْجَاءَ بِالعَظْمِ دُونَ الرَّوَثِ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا عِنْدَهُمْ، وَشَذَّ الطَّبَرِيُّ، فَأَجَازَ الاسْتِجْمَارَ بِكُلِّ طَاهِرٍ وَنَجِسٍ). سبق قول الحنفية بأنه يُنقَّى ويجفَّف، وَهُوَ كافٍ في ذلك. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِمَا عَدَا المَاءَ فِيمَا عَدَا المَخْرَجَيْنِ هُوَ: هَلِ المَقْصُودُ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالمَاءِ هُوَ إِتْلَافُ عَيْنِهَا فَقَطْ). المُؤلِّف بَحثَ المسألةَ بحثًا عقليًّا، وقَدْ بينت ذلك، ومسائله في هذا الأمر كثيرةٌ جدًّا، وقد ذكرنا أدلة الحنفية، وكذلك أدلَّة الجمهور، وأَصْرح دَلِيلٍ للحنفية ومَنْ معهم؛ لحديث عائشة ﵂: "ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد، إذا أصابه شيء من دم الحيض قالت بريقها أو بلته بريقها فقصعته" (١)، يعني: أذهبته. قوله: (فَيَسْتَوِيَ فِي ذَلِكَ مَعَ المَاءِ كُلُّ مَا يُتْلِفُ عَيْنهَا؟ أَمْ لِلْمَاءِ فِي ذَلِكَ مَزِيدُ خُصُوصٍ لَيْسَ بِغَيْرِ المَاءِ، فَمَنْ لَمْ يَظْهَرْ عِنْدَهُ لِلْمَاءِ مَزِيدُ

стр. 915

خُصُوصٍ قَالَ بِإِزَالَتِهَا بِسَائِرِ المَائِعَاتِ وَالجَامِدَاتِ الطَّاهِرَةِ، وَأَيَّدَ بِهَذَا المَفْهُوم بِالاتِّفَاقِ عَلَى إِزَالَتِهَا مِنَ المَخْرَجَيْنِ بِغَيْرِ المَاءِ، وَبِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: "إِنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي وَأَمْشِي فِي المَكَانِ القَذِرِ). أَيْ أنَّه من أدلة الحنفية، وأنَّ الجمهور أجابوا عنه بأنَّ ذلك في الأمور اليابسة، وقد عبر عنها المؤلف بالعشب، وليس قصده هو العشب الذي هو الكلأ، لكن قصده العشب الذي اختلط بنجاسةٍ كما سيذكر ذلك مرارًا. قوله: (فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ" (١)، وَكَذَلِكَ بِالآثَارِ الَّتِي خَرَّجَهَا أَبُو دَاوُدَ فِي هَذَا مِثْلَ قَوْلِهِ ﵊: "إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمُ الأَذَى بِنَعْلَيْهِ، فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ" (٢). هَذَا الحَديثُ أجاب عنه الجمهور بأنَّ فيه ضعفًا، لكن الحديث له عِدَّة طُرُق إلى غير ذلك ممَّا رُوِيَ في هذا المَعْنى (٣). قوله: (إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا رُوِيَ فِي هَذَا المَعْنَى، وَمَنْ رَأَى أَنَّ لِلْمَاءِ فِي ذَلِكَ مَزِيدَ خُصُوصٍ مَنَعَ ذَلِكَ إِلَّا فِي مَوْضِعِ الرُّخْصَةِ فَقَطْ، وَهُوَ المَخْرَجَان، وَلَمَّا طَالَبَتِ الحَنَفِيَّةُ الشَّافِعِيَّةَ بِذَلِكَ الخُصُوصِ المَزِيدِ الَّذِي لِلْمَاءِ، لَجَؤوا فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّهَا عِبَادَةٌ). يُحَاول المؤلف هنا أن يقيم حوارًا ومناقشةً بين الحنفية والشافعية،

стр. 916

والصحيح أن الشافعيَّة ما احتاروا وما فرُّوا، فكم ذكروا وقالوا: إن الذي ثبت عن الرسول ﷺ هو إزالة النجاسة بالماء، ولم يثبت أن أُزيلَت النجاسة بغير الماء إلا فيما ورد النص عليه، كالحجارة في المَخْرَجَيْن بالنسبة للخُفِّ وذَيْل المرأة؛ إذن ثبت عن الرَّسُول ﷺ في أحاديث عدة كحديث أسماء وغيرها إزالة النجاسة بالماء، وَفِي حديث الأعرابي ثبت ذلك في البدن، وفي الثوب، وفي موضع الصلاة. إذًا، كلُّ ذلك أُزيلَت النجاسة فيه بالمَاء، ولم يثبت أنْ أُزِيلَتْ النجاسة بماءٍ غير الماء، إذًا هذا الكلام الذي يقوله المؤلف أنَّ الحنفية دار حوار بينهم وبين الشافعية، وأن الشافعية لما ضاقت عليهم المسالك فرُّوا وحاروا وما أجابوا؛ فلا. قوله: (إِذْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُعْطُوا فِي ذَلِكَ سَبَبًا مَعْقُولًا، حَتَّى إِنَّهُمْ سَلَّمُوا أَنَّ المَاءَ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ بِمَعْنًى مَعْقُولٍ، وَإِنَّمَا إِزَالَتُهُ بِمَعْنًى شَرْعِيٍّ حُكْمِيٍّ، وَطَالَ الخَطْبُ وَالجَدَلُ بَيْنَهُمْ: هَلْ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِالمَاءِ عِبَادَةٌ أَوْ مَعْنًى مَعْقُولٌ (١)، خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ) (٢).

стр. 917

الوَاقعُ أنَّ النظافةَ بالماء أمر ظاهر لا إشكالَ في ذلك؛ لأنَّ الماءَ لا شك له خصوصية لا توجد في غيره، ولا يمكن أن يزيل الدهن إلا الماء مثلًا. قوله: (وَاضْطَرَّتِ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنْ تُثْبِتَ أَنَّ فِي المَاءِ قُوَّةً شَرْعِيَّةً فِي رَفْعِ أَحْكَامِ النَّجَاسَاتِ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهِ). لكن الحنفية أقوى ما يستدلُّون به هنا هو الخلُّ، فهم يقولون: إذا تخللت الخمرُ طَهُرتْ، أي: إذا تخللت بنفسها (١). مثال: لو أنَّ إنسانًا خلَّل الخمر، فإنها لا تَطْهُر، لكنهم يقولون: إذا تركت فتخلَّلَتْ؛ تطهر؛ إذًا هذا دليل عندهم على أن الخل يُطهِّر، ويقولون أيضًا من أدلتهم التي لم أذكرها: إن الخل أقوى في التطهيرِ والنظافةِ من الماء، وهذا تعليلهم، أما أولئك فلا يقولون بهذا.

стр. 918

قوله: (وَإِنِ اسْتَوَى مَعَ سَائِرِ الأَشْيَاءِ فِي إِزَالَةِ العَيْنِ، وَأَنَّ المَقْصودَ إِنَّمَا هُوَ إِزَالَةُ ذَلِكَ الحُكْمِ الَّذِي اخْتُصَّ بِهِ المَاءُ لِإِذْهَابِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ، بَلْ قَدْ يَذْهَبُ العَيْنُ وَيَبْقَى الحُكْمُ، فَبَاعَدُوا المَقْصِدَ). أَقُولُ: إنَّ المُؤلِّفَ لم يَقِفْ على حُجَج الشافعيَّة بدِقَّةٍ؛ ولذلك ما كان يحتاج إليه؛ لأن -كما قلت- العكس صحيح، فالشافعية هم الذين ألْجَمُوا الحنفية الحجة، وقالوا: إن الذي ثبت عن الرسول ﷺ أنه أمر بإزالة النجاسة به، ولم يثبت عنه ﷺ أنْ أمر وأزال النجاسة بغيره إلَّا في مواضع خاصة مستثناة، وهي التي مرت بنا بالنسبة للمَخْرَجَيْن، وهذا فيه تخفيف؛ لأن أثر النجاسة باقٍ، ولن تنتهي النجاسة بعد، لكنها مخففة، ولذلك أثنى الله تعالى على أهل قباء بقوله: ﴿فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]؛ لأنهم كانوا يستنجون بالماء (١). قوله: (وَقَدْ كَانُوا اتَّفَقُوا قَبْلُ مَعَ الحَنَفِيِّينَ أَنَّ طَهَارَةَ النَّجَاسَةِ لَيْسَتْ طَهَارَةً حُكْمِيَّةً، أَعْنِي: شَرْعِيَّةً). قَصْده هنا ليست طهارةً حكميةً، بل فَسَّرها شرعيةً، يعني يريد أن القصدَ من إزالة النجاسة هو النظافة بعكس رفع الحدث (الطهارة الحكمية)، فإنها -كما قلنا- عبادة غير معقولة المعنى. قوله: (وَلذَلِكَ لَمْ تَحْتَجْ إِلَى نِيَّةٍ، وَلَوْ رَامُوا الانْفِصَالَ عَنْهُمْ بِأَنَّا نَرَى أَنَّ لِلْمَاءِ قُوَّةَ إِحَالَةٍ لِلأَنْجَاسِ وَالأَدْنَاسِ وَقَلْعِهَا مِنَ الثّيَابِ وَالأَبْدَانِ لَيْسَتْ لغَيْرِهِ، وَلذَلِكَ اعْتَمَدَهُ النَّاسُ فِي تَنْظِيفِ الأَبْدَانِ وَالثِّيَابِ -لَكَانَ

стр. 919

قَوْلًا جَيِّدًا، وَغَيْرُهُ بَعِيدٌ، بَلْ لَعَلَّهُ وَاجِبٌ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا اعْتَمَدَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ غَسْلَ النَّجَاسَةِ بِالمَاءِ لِهَذِهِ الخَاصِّيَّةِ الَّتِي فِي المَاءِ). قَالُوا ذَلكَ عندما أَوْرَدوا الآيتين ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١]، قالوا ذلك وبيَّنوا أنَّ هذه مِنَّةٌ مِن الله على عباده أن امتَنَّ عليهم بإنزال الماء ليطهِّرَهُم به، وأن هذه خاصيَّة للماء، ولو لم تكن خاصية للماء بأنْ شاركه فيه غيره؛ لما كان هذا الكلام الذي قالوا. قوله: (وَلَوْ كانُوا قَالُوا هَذَا لَكَانُوا قَدْ قَالُوا فِي ذَلِكَ قَوْلًا هُوَ أَدْخَلُ فِي المَذْهَبِ الفِقْهِ الجَارِي عَلَى المَعَانِي، وَإِنَّمَا يَلْجَأُ الفَقِيهُ إِلَى أَنْ يَقُولَ: "عِبَادَةً"، إِذَا ضَاقَ عَلَيْهِ المَسْلَكُ مَعَ الخَصْمِ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ بَيِّنٌ مِنْ أَمْرِهِمْ فِي أَكْثَرِ المَوَاضِعِ). الحقيقة أن المؤلف هنا لم يقف بدِقَّةٍ علَى مذهب الشافعية، وتفصيل آرائهم في ذلك، وقد أشَرْنَا إلى أنه لا حاجة لذكر الحنفية والشافعية وأيضًا الحنابلة في ذلك، وكلٌّ منهم ذكر هذا وفصَّله. قوله: (وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الرَّوَثِ: فَسَبَبُهُ اخْتِلَافُهُمْ فِي المَفْهُومِ مِنَ النَّهْيِ الوَارِدِ فِي ذَلِكَ عَنْهُ ﵊، أَعْنِي أَمْرَهُ ﵊: "أَلَّا يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ، وَلَا رَوْثٍ" (١)، فَمَنْ دَلَّ عِنْدَهُ النَّهْيُ على الفَسَادِ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ، وَمَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ إِذْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ مَعْنًى مَعْقُولًا، حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى الكَرَاهِيَةِ، وَلَمْ يَعْدُهُ إِلَى إِبْطَالِ الاسْتِنْجَاءِ بِذَلِكَ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ العِظَامِ وَالرَّوَثِ، فَلِأَنَّ الرَّوَثَ نَجِسٌ عِنْدَهُ).

стр. 920

نَهَى في حديث سلمان (١)؛ لمَّا أشار إليه، وغيره، وحديث أبي هريرة (٢) وغيره. قال المصنف رحمه الله تعالى: البَابُ الخَامِسُ فِي صِفَةِ إِزَالَتِهَا وَأَمَّا الصِّفَةُ الَّتِي بِهَا تَزُولُ فَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا غَسْلٌ وَمَسْحٌ وَنَضْحٌ). عَرَفنا صفة إزالة النجاسة: إمَّا أن تُزَال بالغسل يعني: يغسل البدن من النجاسة أو الثوب، أو أن يصبَّ على البقعة، أو أن ينضح ذلك عليه (يرش عليه) أو أن يمسح ذلك كالحال بالنسبة للمخرجين، وهذه كلها وردت فيها نصوصٌ. قال: (لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ، وَثُبُوتِهِ فِي الآثَارِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الغَسْلَ عَامٌّ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ النَّجَاسَاتِ، وَلجَمِيعِ مَحَالِّ النَّجَاسَاتِ). هَذَا لا شَكَّ فيه؛ لأنَّ أيضًا الذي تنضحه تغسله، وبالنسبة للمخرجين

стр. 921

الأصلُ في ذلك هو الاستنجاء بالماء، وإنْ كان هناك مَنْ يُخَالِف في ذلك، يعني هناك مَن يُخَالف وَيرَى أنه لا ينبغي أن يُستَنْجَى بالماء، وإنَّما أن يُسْتَجمرَ بالحجارة. قوله: (وَأَنَّ المَسْحَ بِالأَحْجَارِ يَجُوزُ فِي المَخْرَجَيْنِ، وَيَجُوزُ فِي الخُفَّيْنِ، وَفي النَّعْلَيْنِ مِنَ العُشْبِ اليَابِسِ). مُراد المؤلِّف مِنَ العُشْب اليَابِس ليس علَى إطلاقه أن العشبَ نجسٌ، إنما مراده الكلأ إذا اختلطت به نجاسةٌ، فلا تخلو أن تكون هذه النجاسة رطبةً وسائلةً، فإن كان كذلك، فلها حكمٌ كما ذكرنا، وإن كانت جافَّةً، أو وطئ الإنسان عليها وهي رطبة ثُم جفَّت في الحذاء، ثم بعد ذلك فرَكَ الحِذَاء ومسَحهُ بالأرض، حِينئذٍ يختلف الأمر، لكن لو بقِيَت النَّجاسَةُ رطبةً في الحذاء أَوْ في الخف، ثم مَسَحه فسَتَنْتشر؛ فحِينَئذٍ قال العلماء: لا يصلَّى فيه، أمَّا لو أنه وطِئ نجاسة جافة، أي: يابسة جامدة، أو كانت رطبةً فجفَّت في الحذاء، ثم مسحها؛ فبعض العلماء يقولون: يصلي مطلقًا (١)، وبعضهم يقول: النجاسة موجودة، لكنه معفو عنها (٢)، وبعضهم يمنع ذلك مطلقًا (٣).

стр. 922

قوله: (وَكَذَلِكَ ذَيْلُ المَرْأَةِ الطَّوِيلُ). قَصْده بذيل المرأة أي: الثوب الطويل، وكان النساء إلى وقتٍ قريبٍ يلبسن فوق هذا الثوب الذي تلبسه ثوبًا آخر طويلًا له ذيل طويل، يمتَد ويرتخي شبرًا على الأرض أو ذراعًا، كما ورد: "ترخيه شبرًا أو ذراعًا" (١)، كما ورد في الحديث. إذًا، كان النساء يلبسن ذلك، ومعروفٌ أنها ربما وهي تمشي في الطريق تَمُرُّ على نجاسةٍ؛ فأرشدها الرسول ﷺ إلى أنه "يطهرها ما بعده" (٢). قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ طَهَارَتَهُ هِيَ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مِنَ العُشْبِ اليَابِسِ). ليس المراد ذيل المرأة نفس المرأة، إنَّما القصد الثَّوب الطويل الذي

стр. 923

تجرُّه خلفها، "إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي به في المكان القذر"، كما جاء في الحديث (١). قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ هِيَ أُصُولُ هَذَا البَابِ، أَحَدُهَا: فِي النَّضْحِ لِأَيِّ نَجَاسَةٍ هُوَ). هُنَا رَجَعَ المؤلِّف ليفصِّل النضح لأيِّ نجاسةٍ، هَلْ هو خاصٌّ ببول الصبي؟ وَكَانَ الصبيان يَقْتربون مِن رَسُولِ الله ﷺ ، وكان ﷺ يُبَرِّك عَلَيهم ويُحنِّكُهم (٢)، أو أنه يتجاوز ذلك إلى غيره، كما حَصَل في الحصير "فقمت إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ" (٣)، في حديث أنسٍ مِن طول ما لبس، ولكن هذا يدل علَى أَنَّ الحصير كان نجسًا. قوله: (وَالثَّانِي: فِي المَسْحِ لأيِّ مَحَلِّ هُوَ، وَلِأَيِّ نَجَاسَةٍ هُوَ بَعْدَ أَنِ اتَّفَقُوا عَلَى مَا ذَكرْنَاهُ. وَالثَّالِثُ: اشْتِرَاطُ العَدَدِ فِي الغَسْلِ وَالمَسْحِ). يَعْني: هل العدد معتبر؟ قد مرَّ معنا في حديث: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا" (٤)، وورد في الاستجمار "بثلاثة أحجار" (٥)، وإن قلنا: هو معتبر، فهل نقف به عند موضع النص ولا نتجاوزه، أو أننا نُعَمِّم

стр. 924

ذلك؟ هذا الذي يريد أن يذكره المؤلف في هذه المسألة (١). قوله: (أَمَّا النَّضْحُ: فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: هَذَا خَاصٌّ بِإِزَالَةِ بَوْلِ الطِّفْلِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، وَقَوْمٌ فَرَّقُوا بَيْنَ بَوْلِ الذَّكَرِ وَالأُنْثَى).

стр. 925

هذا القول نُسِبَ إلى الإمام الأوزاعي (١). وهذا هو مذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وهي روايةٌ للمالكية (٤)، والثاني: هذا قول الجمهور. قوله: (فَقَالُوا: يُنْضَحُ بَوْلُ الذَّكرِ، وَيُغْسَلُ بَوْلُ الأُنْثَى). وقد ورد فيه حديث سيذكره المؤلف. قوله: (وَقَوْمٌ قَالُوا: الغَسْلُ طَهَارَةُ مَا يُتَيَقَّنُ بِنَجَاسَتِهِ، وَالنَّضْحُ طَهَارَةُ مَا شَكَّ فِيهِ). وهَذَا هو المشهور في مَذْهب المالكية (٥)، وهو قول أبي حنيفة (٦) أيضًا.

стр. 926

قوله: (وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ﵁. ومَعَه أَبو حنيفةَ. قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ ظَوَاهِرِ الأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ، أَعْنِي اخْتِلَافَهُمْ فِي مَفْهُومِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ هَاهُنَا حَدِيثَيْنِ ثَابِتَيْنِ فِي النَّضْحِ؛ أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ). مَرَّ بنا مصطلح المؤلف عندما قال: "هذا حديث ثابت"، إما أن يكون متفقًا عليه، أو هو في أحد "الصحيحين"، إذًا هو حديث صحيح. قوله: ("أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ كانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ، فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ وَيُحَنِّكُهُمْ) (١). معنى "يُبَرك"، أيْ: يدعو لهم بالبَركة وَيمْسح عليهم. وأصل البركة: إنما هو كثرة الشيء واستمراره، فكان ﷺ يؤتَى بالصبيان له، فيبرك عليهم، ويمسح عليهم، ويحنكهم. و"التَّحنيك" (٢) إنَّما هو مضغ التمر وتحريكه داخلَ فَمِ الآخَر، وهذا إلى وقتٍ قريبٍ كان النساء يفعلونه. قوله: (فَأُتِيَ بِصَبِيِّ فَبَالَ عَلَيْهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ، وَلَمْ يَغْسِلْهُ" وَفي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: "فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ"، خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ) (٣). إذًا، هذا نصٌّ صريحٌ، "فنضحه ولم يغسله"، فأتبعه بالماء، إذًا هذا دليل على أنه كان يكتفي بالرش.

стр. 927

قوله: (وَالآخَرُ حَدِيثُ أَنَسٍ المَشْهُورُ حِينَ وَصَفَ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ قَالَ: "فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لَبِثَ، فَنَضَحْتُهُ بِالمَاءِ". (١) فَمِنَ النَّاسِ مَنْ صَارَ إِلَى العَمَلِ بِمُقْتَضَى حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَقَالَ: هَذَا خَاصٌّ بِبَوْلِ الصَّبِيِّ، وَاسْتَثْنَاهُ مِنْ سَائِرِ البَوْلِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ رَجَّحَ الآثَارَ الوَارِدَةَ فِي الغَسْلِ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَلَمْ يَرَ النَّضْحَ إِلَّا الَّذِي فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَهُوَ الثَّوْبُ المَشْكُوكُ فِيهِ عَلَى ظَاهِرِ مَفْهُومِهِ). يقولون: إن النضح طهارة لِمَا شكَّ فيه؛ لتطييب النفس عليه اتباعًا لعمر في قوله: "أغسلُ ما رأيتُ، وأنضحُ ما لم أرَ" (٢). ففسروه على أنه إنما ينضحه بالماء على سبيل تجديد نظافته وطهارته؛ لأنه ربما وقع في النفس من طول لبسه أنه لا يسلم من أن يناله شيء من النجاسة فنضحه ليُذهِبَ ما في النفس من ذلك لمَّا كان النضح طهورًا ولما لم يتيقن طهر الثوب. قوله: (وَأَمَّا الَّذِي فَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ بَوْلِ الذَّكرِ وَالأَنْثَى، فَإِنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي السَّمْحِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: "يُغْسَلُ بَوْلُ الجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ بَوْلُ الصَّبِيِّ" (٣). قالوا: يُنضَح بول الغلام ما لم يَطْعم، ويُغسَل بول الجارية، وليس ذلك من أجل أن بول الغلام غير نجس، ولكنه من أجل التخفيف الذي وقع في إزالته.

стр. 928

قوله: (وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُفَرِّقْ فَإِنَّمَا اعْتَمَدَ قِيَاسَ الأُنْثَى عَلَى الذَّكرِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ الحَدِيثُ الثَّابِتُ). قالت طائفة: يُغسَل بول الغلام والجارية معًا؛ فقاسوا الجارية على الذكر دون تفريق. قوله: (وَأَمَّا المَسْحُ: فَإِنَّ قَوْمًا أَجَازُوهُ فِي أَيِّ مَحَلٍّ كَانَتِ النَّجَاسَةُ إِذَا ذَهَبَ عَيْنُهَا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَلِكَ الفَرْكُ عَلَى قِيَاسِ مَنْ يَرَى أَنَّ كُلَّ مَا أَزَالَ العَيْنَ فَقَدْ طَهَّرَ). قالوا: إن أصابت النجاسة الخُفَّ، أو النعل؛ فإن كان رطبًا لا يطهر إلا بالغسل، لأن المسح بالأرض لا يزيل عين النجاسة إلا ما رُوي عن أبي يوسف -رحمه الله تعالى- قال: إذا مُسحَ بالأرض حتى لم تبقَ عين النجاسة، ولا رائحتها يُحكَم بطهارة الخف، واعتُبِرت البلوى فيه للناس. وإن كان يابسًا فهو على وجهين: إما أن لا يكون للنجاسة جِرم كالبول، والخمر فلا يطهر إلا بالغسل؛ لأن البلة تداخلت في أجزاء الخف، وليس على ظاهره جِرم حتى يزول بالمسح بالأرض فأما إذا كانت النجاسة لها جِرم كالعذرة، والروث فمسحه بالأرض ففي القياس لا يطهر إلا بالغسل؛ لأن النجاسة تداخلت في أجزاء الخف، ألا ترى أنها بعد الجفاف تبقى متصلة بالخفِّ فلا يطهرها إلا الغسل كما إذا أصابت الثوب، أو البساط. واستحسن أبو حنيفة وأبو يوسف -رحمهما الله تعالى- فقالا: يطهر بالمسح بالأرض؛ لِما جاء عن أبي سعيد الخدري، قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، قال: "ما حملكم على إلقاء نعالكم"، قالوا: رأيناك ألقيتَ نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ : "إن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا -أو قال:

стр. 929

أذًى-" وقال: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر: فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذًى فليمسحه وليصلِّ فيهما" (١). وقالت أم سلمة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله، إني ربما أمشي على مكان نجس، ثم على مكان طاهر، فقال: "الأرض يطهر بعضها بعضًا" (٢)، والمعنى فيه: أن للجلد صلابة تمنع دخول أجزاء النجاسة في باطنه، ولهذه النجاسة جِرم ينشف البلة المتداخلة إذا جفَّ، فإذا مسحه بالأرض، فقد زال عين النجاسة؛ فيحكم بطهارة الجلد كما كان عليه قبل الإصابة بخلاف الثوب، أو البساط فإنه رقيق تتداخل أجزاء النجاسة في باطنه فلا يخرجه إلا الماء، فإن الماء للطافته يتداخل في أجزاء الثوب فيخرج النجاسة، ثم يخرج على أثرها بالعصر (٣). قوله: (وَقَوْمٌ لَمْ يُجِيزُوهُ إِلَّا فِي المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَهُوَ المَخْرَجُ، وَفِي ذَيْلِ المَرْأَةِ وَفِي الخُفِّ، وَذَلِكَ مِنَ العُشْبِ اليَابِسِ لَا مِنَ الأذَى غَيْرِ اليَابِسِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يُعَدُّوا المَسْحَ إِلَى غَيْرِ المَوَاضِعِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الشَّرْعِ، وَأَمَّا الفَرِيقُ الآخَرُ فَإِنَّهُمْ عَدَّوْهُ، وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ هَلْ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ رُخْصَةٌ أَوْ حُكْمٌ؟ فَمَنْ قَالَ: رُخْصَةٌ، لَمْ يُعَدّهَا إِلَى غَيْرِهَا -أَعْنِي: لَمْ يَقِسْ عَلَيْهَا-، وَمَنْ قَالَ: هُوَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ كَحُكْمِ الغَسْلِ عَدَّاهُ، وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي العَدَدِ: فَإِنَّ قَوْمًا اشْتَرَطُوا الإِنْقَاءَ فَقَطْ فِي الغَسْلِ وَالمَسْحِ). " الإنقاء": هو أن يُرجِع الحجر يابسًا غير مبلول، أو يبقى أثر لا يزيله إلا الماء.

стр. 930

وعليه؛ فإنه يمسح واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا، فإن لم تنق الثلاث زاد عليها، وإذا أنقى بدون ثلاث كفى؛ لأن الحكم يدور مع علته. وهذا القول يرد بأنه ﷺ نهى أن نستنجي بأقلَّ من ثلاثة أحجار، وإذا نهى عن ذلك فإنه يجب أن لا نقع فيما نهى عنه. وأيضًا: الغالب أنه لا إنقاء بأقلَّ من ثلاثة أحجار؛ ولأن الثلاثة كمية رتَّب عليها الشارعُ كثيرًا من الأحكام. قوله: (وَقَوْمٌ اشْتَرَطُوا العَدَدَ فِي الاسْتِجْمَارِ وَفِي الغَسْلِ، وَالَّذِينَ اشْتَرَطُوهُ فِي الغَسْلِ مِنْهُمْ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى المَحَلِّ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ العَدَدُ فِي الغَسْلِ بِطَرِيقِ السَّمْعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَدَّاهُ إِلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ). جعلوا من شروط الاستجمار: أن يمسح محلَّ الخارج ثلاث مرات، والدليل على ذلك: حديث سلمان الفارسي ﵁ وهو في "صحيح مسلم" قال: "نهى رسول الله ﷺ أن نستنجي بأقلَّ من ثلاثة أحجار" (١). والعلَّة في أمره ﷺ بثلاثة أحجار: لأجل أن لا يكرر الإنسان المسح على وجه واحد؛ لأنه إذا فعل ذلك لا يستفيد، بل ربما يتلوث زيادة. قوله: (أَمَّا مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ العَدَدَ لَا فِي غَسْلٍ وَلَا فِي مَسْحٍ، فَمِنْهُمْ مَالِكٌ (٢) وَأَبُو حَنِيفَةَ) (٣). قالوا: الاستجمار بالحجر مسح، والمسح في الشرع لا يجب فيه التكرار، كمسح الرأس والخفين فمتى أنقي وجب الإجزاء.

стр. 931

قوله: (وَأَمَّا مَنِ اشْتَرَطَ فِي الاسْتِجْمَارِ العَدَدَ: أَعْنِي ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ لَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَمِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ). لم يشترط الشافعيُّ العدد شرط صحة، وإنما اشترطه شرط كمال (١). ويشترط أحمد (٢)، والظاهرية (٣) ﵏ اشتراط صحة وإجزاء. قوله: (وَأَمَّا مَنِ اشْتَرَطَ العَدَدَ فِي الغَسْلِ، وَاقْتَصَرَ بِهِ عَلَى مَحَلِّهِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ وَهُوَ غَسْلُ الإِنَاءِ سَبْعًا مِنْ وُلُوغِ الكَلْبِ، فَالشَّافِعِيُّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ، وَأَمَّا مَنْ عَدَّاهُ وَاشْتَرَطَ السَّبْعَ فِي غَسْلِ النَّجَاسَاتِ فَفِي أَغْلَبِ ظَنِّي أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ مِنْهُمْ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَشْتَرِطُ الثَّلَاثَةَ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَاتِ الغَيْرِ مَحْسُوسَةِ العَيْنِ -أَعْنِي الحُكْمِيَّةَ-، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا تَعَارُضُ المَفْهُومِ مِنْ هَذِهِ العِبَادَةِ؛ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ فِي الأَحَادِيثِ الَّتِي ذُكرَ فِيهَا العَدَدُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ المَفْهُومُ عِنْدَهُ مِنَ الأَمْرِ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ إِزَالَةَ عَيْنِهَا لَمْ يَشْتَرِطِ العَدَدَ أَصْلًا، وَجَعَلَ العَدَدَ الوَارِدَ مِنْ ذَلِكَ فِي الاسْتِجْمَارِ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ الثَّابِتِ الَّذِي فِيهِ الأَمْرُ أَلَّا يَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ (٤) عَلَى سَبِيلِ الاسْتِحْبَابِ حَتَّى

стр. 932

يَجْمَعَ بَيْنَ المَفْهُومِ مِنَ الشَّرْعِ، وَالمَسْمُوعِ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ، وَجَعَلَ العَدَدَ المُشْتَرَطَ فِي غَسْلِ الإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الكَلْبِ عِبَادَةً لَا لِنَجَاسَةٍ، كمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَأَمَّا مَنْ صَارَ إِلَى ظَوَاهِرِ هَذِهِ الآثَارِ وَاسْتَثْنَاهَا مِنَ المَفْهُومِ، فَاقْتَصَرَ بِالعَدَدِ عَلَى هَذِهِ المَحَالِّ الَّتِي وَرَدَ العَدَدُ فِيهَا، وَأَمَّا مَنْ رَجَّحَ الظَّاهِرَ عَلَى المَفْهُومِ، فَإِنَّهُ عَدَّى ذَلِكَ إِلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ، وَأَمَّا حُجَّة أَبِي حَنِيفَةَ فِي الثَّلَاثَةِ، فَقَوْلُهُ ﵊: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي إِنَائِهِ" (١). ما ذُكر في المستيقظ من النوم أن يغسل يده ثلاثًا قبل إدخالها الإناء يُحمَل على غير وجه الشرط. والدليل على أن الثلاثة ليست بحَدِّ: أنه لو لم يُنقَ بها لزاد عليها، فنستعمل النصوص كلها، فنحمل أخبارنا على جواز الاقتصار على الثلاثة إذا أنقت ولا يقتصر عليها إذا لم تنق، فعلم أن الفرض الإنقاء. ويجوز أن تحمل الثلاثة على الاستحسان، وإن أنقى بما دونها. قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 933

[البَابُ السَّادِسُ فِي آدَابِ الاسْتِنْجَاءِ] قد أسبغ اللَّهُ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، من المأكل والمشرب واللباس والمسكن، وغير ذلك من نِعَمِه التي لا تُحصى ولا تُعدُّ، ومن تلك النعم نعمة قضاء الحاجة، حيث يحصُل بها نعم جِسْميَّة وحسيَّة، شرعيَّة ودينية، مفصلة فليرجع إليها. و"الاستنجاء"، استفعال من النَّجْو، وهو في اللُّغة القطع، يقال: نَجوت الشَّجرة، أي: قطعتها. قوله: (وَأَمَّا آدَابُ الاسْتِنْجَاءِ وَدُخُولِ الخَلَاءِ، فَأَكْثَرُهَا مَحْمُولَةٌ عِنْدَ الفُقَهَاءِ عَلَى النَّدْبِ، وَهِيَ مَعْلُومَة مِنَ السُّنَّةِ). يعني بذلك: أن مسائل الاستنجاء يشملها اصطلاح الآداب أكثر من اصطلاح الأحكام، وبالتالي؛ فالندب في أحكامها يغلب على الوجوب. قوله: (كَالبُعْدِ فِي المَذْهَبِ إِذَا أَرَادَ الحَاجَةَ). لحديث المغيرة بن شعبة ﵁: أن النبي ﷺ : "كان إذا ذهب المذهب أبعد" (١). و"المذهب ": اسم موضع التغوط، يقال له: المذهب والخلاء والمرفق والمرحاض. وفي الحديث: استحباب الإبعاد في ذلك إذا أمكن.

стр. 934

قوله: (وَتَرْكِ الكَلَامِ عَلَيْهَا). أي: في الخلاء؛ لحديث أبي سعيد ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان، فإن الله يمقت على ذلك" (١). و"المقت": البُغض، وقيل: أشد البغض. قوله: (وَالنَّهْيِ عَنْ الاسْتِنْجَاءِ بِاليَمِينِ). لحديث النبي ﷺ : "إذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه". وعن عائشة ﵂، قالت: "كانت يدُ رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذًى". قوله: (وَأَلَّا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ). لقوله ﷺ : "إذا أتى الخلاء فلا يمسّ ذكره بيمينه" (٢). ونهيه عن مسِّ الذكر بيمينه، تنزيه لها عن مباشرة العضو الذي يكون منه الأذى والحدث، وكان ﷺ يجعل يمناه لطعامه وشرابه ولباسه، ويسراه لخدمة أسافل بدنه. وكذلك الأمر في نهيه عن الاستنجاء باليمين إنما هو تنزيه وصيانة لقدرها عن مباشرة ذلك الفعل. قوله: (وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ فِي الآثَارِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ مَشْهُورَةٍ، وَهِيَ اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ لِلْغَائِطِ وَالبَوْلِ وَاسْتِدْبَارُهَا، فَإِنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُسْتَقْبَلَ القِبْلَةُ لِغَائِطٍ، وَلَا بَوْلٍ أَصْلًا، وَلَا فِي مَوْضِعٍ مِنَ المَوَاضِعِ. وَقَوْلٌ: إِنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ بِإِطْلَاقٍ. وَقَوْلٌ: إِنَّهُ يَجُوزُ فِي المَبَانِي وَالمُدُنِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي

стр. 935

الصَّحْرَاءِ وَفِي غَيْرِ المَبَانِي وَالمُدُنِ، وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ هَذَا حَدِيثَانِ مُتَعَارِضَانِ ثَابِتَانِ، أَحَدُهُمَا: حَدِيتُ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ ﵊: "إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ، فَلَا تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرّبُوا" (١)، وَالحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: "ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِ أُخْتِي حَفْصَةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا لِحَاجَتِهِ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ، مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةَ" (٢). قد يتوهَّم السامع من قول ابن عمر أنه يريد إنكار ما رُوِي من النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة أو يراه نسخًا له بما حكاه من رؤيته النبيَّ ﷺ يقضي حاجته مستدبرًا للقبلة، وليس الأمر في ذلك على ما يُتوَهَّم؛ لأن المشهور من مذهب ابن عمر ومن فُتياه في هذا الباب أنه كان لا يجوِّزُ استقبال القبلة ولا استدبارها في الصحاري، ويجوِّز ذلك في الأبنية، وإنما أنكر ابن عمر قول مَن يزعم أن استقبال القبلة في الأبنية غير جائز، ولذلك تمثَّل بما شاهده من قعوده ﷺ في الأبنية مستدبر القبلة. قوله: (فَذَهَبَ النَّاسُ فِي هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ؛ أَحَدُهَا: مَذْهَبُ الجَمْع. وَالثَّانِي: مَذْهَبُ التَّرْجِيحِ. وَالثَّالِثُ: مَذْهَبُ الرُّجُوعِ إِلَى البَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ وَأَعْنِي بِالبَرَاءَةِ الأَصْلِيَّةِ: عَدَمَ الحُكْمِ. فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الجَمْعِ حَمَلَ حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ الأنْصَارِيِّ عَلَى الصَّحَارِي حَيْثُ لَا سُتْرَةَ، وَحَمَلَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ عَلَى السُّتْرَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ). كان ابن عمر يجمع بين الخبرين في ذلك، فيمنع الاستقبال

стр. 936

والاستدبار في الصحاري، ولا يمنع ذلك في الأبنية، وإليه ذهب مالك والشافعي. قوله: (وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ؛ رَجَّحَ حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ حَدِيثَانِ، أَحَدُهُمَا: فِيهِ شَرْعٌ مَوْضُوعٌ، وَالآخَرُ: مُوَافِقٌ لِلأَصْلِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الحُكْمِ، وَلَمْ يُعْلَمِ المُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا مِنَ المُتَأَخِّرِ -وَجَبَ أَنْ يُصَارَ إِلَى الحَدِيثِ المُثْبِتِ لِلشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ العَمَلُ بِنَقْلِهِ مِنْ طَرِيقِ العُدُولِ، وَتَرْكهُ الَّذِي وَرَدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ العُدُولِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ شَرْعِ ذَلِكَ الحُكْمِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ نَتْرُكَ شَرْعًا وَجَبَ العَمَلُ بِهِ بظَنِّ لَمْ نُؤْمَرْ أَنْ نُوجِبَ النَّسْخَ بِهِ إِلَّا لَوْ نُقِلَ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَهُ، فَإِنَّ الظُّنُونَ الَّتِي تَسْتَنِدُ إِلَيْهَا الأَحْكَامُ مَحْدُودَةٌ بِالشَّرْعِ، -أَعْنِي الَّتِي تُوجِبُ رَفْعَهَا أَوْ إِيجَابَهَا- وَلَيْسَتْ هِيَ أَيُّ ظَنٍّ اتَّفَقَ، وَلذَلِكَ يَقُولُونَ: إِنَّ العَمَلَ بِمَا لَمْ يَجِبْ بِالظَّنِّ، وَإِنَّمَا وَجَبَ بِالأَصْلِ المَقْطُوعِ بِهِ، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الشَّرْعَ المَقْطُوعَ بِهِ الَّذِي أَوْجَبَ العَمَلَ بِذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الظَّنِّ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي قُلْنَاهَا هِيَ طَرِيقَةُ أَبِي مُحَمَّدِ ابْنِ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيِّ، وَهِيَ طَرِيقَةٌ جَيِّدَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ الكَلَامِ الفِقْهِيِّ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ بِالشَّكِّ مَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ). يُشبه أن يكون قد بلغ ابنَ عمر قولُ أبي أيوب الأنصاري؛ فإنه كان يرى النهي في ذلك عامًّا في الصحاري والأبنية، وإليه كان يذهب سفيان الثوري من الفقهاء. قوله: (وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الرُّجُوعِ إِلَى الأَصْلِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الشَّكَّ يُسْقِطُ الحُكْمَ وَيَرْفَعُهُ، وَأَنَّهُ كَلَا حُكْمٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَلَكِنَّهُ خَالَفَهُ أَبُو مُحَمَّدِ ابْنُ حَزْمٍ فِي هَذَا الأَصْلِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِهِ).

стр. 937

خالفه؛ لأن نهيه ﷺ عن استقبال القبلة واستدبارها عند الخلاء، معناه: صيانة جهة القبلة وكراهة ابتذالها في غير ما جُعِلت له، وإنما يستقبل الرجل القبلة عند الصلاة والدعاء ونحوهما من أمور البر والخير، فكره ﷺ أن يُتوجَّه إليها عند الحدث، وكره أيضًا أن يوليها ظهرَه فتكون عورته بإزائها غير مستورة عنها. وقد قيل: إن المعنى في ذلك أن وجه الأرض متعبَّد للملائكة والإنس والجن، فالمتباعد فيه مستقبلًا للقبلة ومستدبرًا لها، مستهدف للأبصار. قوله: (قَالَ القَاضِي: فَهَذَا هُوَ الَّذِي رَأَيْنَا أَنْ نُثْبِتَهُ فِي هَذَا الكِتَابِ مِنَ المَسَائِلِ الَّتِي ظَنَنَّا أَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الأُصُولِ، وَهِيَ الَّتِي نَطَقَ بِهَا فِي الشَّرْعِ أَكْثَرُ ذَلِكَ، أَعْنِي: أَنَّ أَكْثَرَهَا يَتَعَلَّقُ بِالمَنْطُوقِ بِهِ، إِمَّا تَعَلُّقًا قَرِيبًا أَوْ قَرِيبًا مِنَ القَرِيبِ، وَإِنْ تَذَكَّرْنَا لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الجِنْسِ أَثْبَتْنَاهُ فِي هَذَا البَابِ، وَأَكْتَرُ مَا عَوَّلْتُ فِيمَا نَقَلْتُهُ مِنْ نِسْبَةِ هَذِهِ المَذَاهِبِ إِلَى أَرْبَابِهَا هُوَ كِتَابُ "الاسْتِذْكارِ"، وَأَنَا قَدْ أَبَحْتُ لِمَنْ وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَهَمٍ لِي أَنْ يُصْلِحَهُ، وَاللَّهُ المُعِينُ وَالمُوَفِّقُ). أراد المؤلف ﵀ أن يبيِّنَ منهجه في كتابه، وأنه يقتصر على ذكر المسائل الأصول التي يتفرع عليها غيرُها، وقد فعل ذلك حقًّا، وإن كان قد خالفه في بعض المواطن.

стр. 938

(كتاب الصلاة) الصلاة في اللغة: الدعاء، لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، أي: ادْعُ لهم. أما في الشرع: فأقوال وأفعال معلومة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم. * قوله: (الصَّلَاةُ تَنْقَسِمُ أَوَّلًا وَبِالجُمْلَةِ إِلَى فَرْضٍ وَنَدْبٍ، وَالقَوْلُ المُحِيطُ بِأُصُولِ هَذِهِ العِبَادَةِ يَنْحَصِرُ بِالجُمْلَةِ فِي أَرْبَعَةِ أَجْنَاسٍ: أَعْنِي أَرْبَعَ جُمَلٍ، الجُمْلَةُ الأُولَى: فِي مَعْرِفَةِ الوُجُوبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. وَالجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِهَا الثَّلَاثَةِ، أَعْنِي: شُرُوطَ الوُجُوبِ، وَشُرُوطَ الصِّحَّةِ، وَشُرُوطَ التَّمَامِ وَالكَمَالِ. وَالجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي مَعْرِفَةِ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ أَفْعَالٍ وَأَقْوَالٍ، وَهِيَ الأَرْكَانُ. وَالجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي قَضَائِهَا وَمَعْرِفَةِ إِصْلَاحِ مَا يَقَعُ فِيهَا مِنَ الخَلَلِ وَجَبْرِهِ، لِأَنَّهُ قَضَاءٌ ما إِذَا كَانَ اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَ). يذكر المؤلف في بداية كتاب الصلاة مقدمة وملخصًا يبيِّن فيه منهجه في العرض على الأصل الذي اشترطه على نفسه: أن لا يذكر إلا المسائل الأمهات.

стр. 939

[الجملة الأولى في معرفة وجوب الصلاة] قال المصنف رحمه الله تعالى: (الجُمْلَةُ الأُولَى: وَهَذ الجُمْلَةُ فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ: هِيَ فِي مَعْنَى أُصُولِ هَذَا البَابِ: المَسْأَلَةُ الأُولَى: فِي بَيَانِ وُجُوبِهَا. الثَّانِيَةُ: فِي بَيَانِ عَدَدِ الوَاجِبَاتِ فِيهَا). أي: في بيانِ وجوب الصلاة، وَما الواجب من الصلوات؟ وكم عدد الواجب منها؟! أهي الصلوات الخمس فقط، أم أن هناك واجبًا يزيد عليها؟! (١). * قوله: (الثَّالِثَةُ: فِي بَيَان عَلَى مَنْ تَجِبُ). أي: لها شروط؛ فمثلًا: تجب الصلاة على كلِّ مسلم بالغ عاقلٍ (٢)، ومعنى قولنا: "تجب على كل مسلم" يخرج من ذلك الكافر، ويتعلق بهذه المسألة قول الأصوليين: "إن الكفار مخاطَبون بفروع الشريعة" (٣). فهذه إشاراتٌ يأتي بيانها إن شاء الله تفصيلًا. » قوله: (الرَّابِعَةُ: مَا الوَاجِبُ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا؟ (٤).

стр. 940

أي: ما الواجب على تارك فريضة الصلاة متعمدًا؟! ولا يخلو حال تارك فريضة الصلاة من أمرين: ١ - أن يتركها متعمدًا منكرًا وجوبَها؛ فهذا -نسأل الله العافية- مرتدٌّ بإجماع العلماء لا خلاف فيه. ٢ - أن يتركها معترفًا بوجوبها؛ لكنه لا يصليها. والأخير يُعطى فرصة ويؤمر بها، وكذلك الأول؛ لكن بعض العلماء يرى: أن تارك الصلاة الذي يُؤمر بها وَيعترف بفرضيتها، ولا يصلي يلحق بالآخر، ولذا حكم عليه جمع من العلماء بأنه كافر؛ كما سيأتي بيان ذلك بأدلَّتهم.

стр. 941

» قوله: (المَسْأَلَةُ الأُولَى: أَمَّا وُجُوبُهَا، فَبَيِّن مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ، وَشُهْرَةُ ذَلِكَ تُغْنِي عَنْ تَكَلُّفِ القَوْلِ فِيهِ (١)). أحسن المؤلف ﵀، فوجوب الصلاة بَيِّنٌ واضح، ولكنها ليست بينةً لكل أحد، لذا ينبغي أن نبين وجوبها ولو بشيء من الإجمال. ولا شكَّ أن الصلاة واجبة وثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، ونقصد بذلك الصلوات الخمس فقط التي هي فرض عين، وهي التي يتحدث عنها المؤلف " فهناك أيضًا صلوات أُخرى سيأتي الحديث عنها؛ كصلاة الجنائز، وصلاة العيدين، والجمعة. أما الكتاب: فقد ورد ذلك في عدة آيات منها: - قول الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: ٥]، أي: أُمِرَ المؤمنون أن يعبدوا الله بإخلاص ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، والأمر يقتضي الوجوب، وهذا دليل قويٌّ من الكتاب العزيز على وجوب الصلاة.

стр. 942

- وَقول الله في آخر سورة الحج: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وَهذا أيضًا دليل على وجوبها. وأما السنة: فالأدلة على ذلك كثيرة، ومنها: قوله ﷺ : "خمس صلوات كتبهنَّ الله على العباد في اليوم والليلة" (١). وقوله ﷺ في الحديث الصحيح من حديث عبد الله بن عمر: "أُمِرت أن أُقاتِلَ الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة"، إلى أن قال: "فإذا فعلوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم" (٢)، وفي بعضها: "وبحقها" (٣). وحديث أبي بكر ﵁: "والله لأُقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة" (٤)

стр. 943

عندما ارتدَّ من ارتدَّ من العرب، وامتنع بعضهم عن أداء الزكاة، وأراد أبو بكر قتالهم، وتوقف عمر في ذلك، ثم رجع الصحابة وفي مقدمتهم عمر إلى رأي أبي بكر ﵁ لما تبيَّن لهم أنه الحق، وقاتلوا معه حتى استقرت شعائر الإسلام. ومعنى الحديث: أنه لا خلاف بين الصحابة في قتال تارك الصلاة أو مانع الزكاة. والأدلة في وجوب الصلوات الخمس أكثر من أن تحصر فى هذا الموضع، ونكتفي بهذه الإشارات. » قوله: (المَسْأَلَة الثَّانِيَة: وَأَمَّا عَدَد الوَاجِبِ مِنْهَا فَفِيهِ قَوْلَان؛ أَحَدُهُمَا: قَوْلُ مَالِكٍ (١) وَالشَّافِعِيِّ (٢) وَالأَكثَرِ، وَهُوَ أَنَّ الوَاجِبَ هِيَ الخَمْسُ صَلَوَاتٍ فَقَطْ لَا غَيْرُ. وَالثَّانِي: قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ أَنَّ الوِتْرَ وَاجِبٌ مَعَ الخَمْسِ (٣).

стр. 944

القول الأول: هو قول جماهير العلماء؛ كمالك والشافعي وأحمد (١) وغيرهم، فيقولون: إن المفروض من الصلوات -التي هي فرض عين- هي الصلوات الخمس فقط، وَهي أحد أركان الإسلام، كما جاء في الحديث الصحيح من حديث عبد الله بن عمر: "بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ" (٢)، والكلام هنا على الصلوات التي في اليوم والليلة، وإلا فهناك صلوات كالجمعة فرض عين بالإجماع، لكنها ليست التي يقصدها المصنف المأمور بها في اليوم والليلة، وسيأتي الكلام عنها وعن مسائلها، كَهَلْ هي بدل عن الظهر، أو هي أصل مستقل بذاته؟! (٣). والقول الثاني: هو قول أبي حنيفة؛ فرأى أن الصلوات الخمس فرض، كما يقول جماهير العلماء إلا أنه خالفهم، وأضاف إلى الصلوات الخمس المعروفة صلاة الوتر، ورأى وجوبها لا فرضيتها؛ فالحنفية -كما هو معلوم من دراسة أصولهم ومنهجهم- أنهم لا يرون أن وجوب الوتر بمنزلة وجوب الصلوات الخمس؛ لأنهم يفرقون بين الفرض وبين الواجب، والفرض عندهم آكد من الواجب (٤).

стр. 945

ومن هنا وقع الخلاف بين الجمهور وأبي حنيفة (١)، وَكلُّ فريق له أدلته الصحيحة، إلا أنهم يختلفون في الاستدلال. • وأما أدلة أصحاب القول الأول؛ فكثيرة منها: حديث أنس وغيره: فعندما أُسرِي برسول الله ﷺ ثم بعد ذلك عُرِج به إلى السماء، والتقى بعدد من الأنبياء؛ فالتقى بآدم في السماء الدنيا ثم إدريس ثم بموسى وعيسى ثم بإبراهيم، ثم فرضت عليه الصلاة أول ما فرضت خمسين صلاة؛ ثم أخذ يتردد رسول الله ﷺ بين موسى وبين ربِّه، يسأل ربَّه التخفيف ثم يعود لموسى، وفي كل مرة يقول له موسى ﵇: "إن أمتك لا تطيق ذلك" فيرجع إلى ربه إلى أن قلَّ عددها من خمسين صلاة إلى خمس صلوات؛ حتى قال رسول الله ﷺ : "فَرَجَعْتُ فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي" (٢). وفي رواية: قَالَ: "سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَبْتُ، وَلَكِنّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ، قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي" (٣)، وهذا نص على أن الواجب من الصلوات هي الصلوات الخمس المعروفة. وفي الحديث الصحيح المتفق عليه من حديث عبادة بن الصامت أن الرسول ﷺ قال: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ [فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ] كتَبَهُنَّ (أي: أوجبهن)

стр. 946

اللَّهُ عَلَى العِبَادِ، مَنْ أَنَى بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ" (١). وفي حديث طلحة بن عبيد الله عندما قال: جَاءَ رَجُل -من الأعرابِ- إِلَى رَسُول اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّاسِ، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ، وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، -يعني: يرفع صوته ولكنه بعيد يختلط بالهواء- حَتَّى دَنَا (أي: اقترب) مِنْ رَسُول اللهِ ﷺ ﷺ ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَل عَنِ الإِسْلَامٍ (أي: يسأل ما الواجب عليَّ من دين الإسلام)، فَقَال رَسُول اللهِ ﷺ ﷺ : "خمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ، وَاللَّيْلَةِ" فَقَال: هَلْ عليَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَال: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ، وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ"، فَقَال: هَلْ عليَّ غَيْرُهُ؟ فَقَال: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"، وَذَكَرَ لَهُ رَسُول اللهِ ﷺ ﷺ الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عليَّ غَيْرُهَا؟ قَال: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَقَال رَسُول اللهِ ﷺ : "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ" (٢). والشاهدُ قوله: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ، وَاللَّيْلَةِ" وهو- والذي قبله من الشواهد- نصٌّ في المدَّعى، يدل على أن المفروض من الصلوات هي الصلوات الخمس؛ فهي خمس في عددها، وخمسون في أجرها. * وأما أصحاب القول الثاني؛ فلهم أدلة منها: عَنْ أَبِي بَصْرَةَ، قَال: قَال رَسُول اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ زَادَكمْ صَلَاةً فَصَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ العِشَاءِ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ الوَتْرُ الوَتْرُ" (٣). وعن خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ، أَنَّهُ قَال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ:

стр. 947

"إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ: الوِتْرُ، جَعَلَهُ اللَّهُ لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ العِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ" (١). وعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : "الوَتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا" قَالَهَا ثَلَاثًا (٢). فهذه الأحاديث وغيرها يستدلُّ بها الحنفية على أن الوتر زِيدَ على الصلوات الخمس، وهذه الزيادة يختص بها الوتر، فدلَّ ذلك على أنَ الوتر واجبٌ. * أما جمهور العلماء فيقولون: لا يلزم من الزيادة أن تدل على الوجوب، والزيادة لا تختص بها الواجبات؛ لأن الزيادة قد تكون في السنن، كما في قوله ﷺ : "إِنَّ اللهَ زَادَكُمْ صَلَاةً إِلَى صَلَاتِكُمْ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، أَلَا وَهِيَ الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ" (٣)، وهذا الحديث أصحُّ من الحديث الذي أورده الحنفية، فهذه زيادةٌ، ولم يقل أحد من العلماء ومنهم الحنفية: إن الركعتين قبل الفجر واجبتان، وإنما هي سنة مؤكدة أرشد إليها رسول الله ﷺ ضمن العشر أو الاثني عشر ركعة التي نبَّه عليها وعدَّها، فهذا دليل على أنه لا يلزم من الزيادة أن تكون في الواجبات. وأيضًا قد تكلم العلماء عن هذه الأحاديث من حيث سندها؛ لكنها إذا اجتمعت ارتقت إلى الحسن؛ لكنها ليست دليلًا على الوجوب. وقضية الوتر حق؛ فلا شكَّ في ذلك؛ لكن ليس معنى هذا أنه واجب.

стр. 948

وأيضًا مما يدلُّ على عدم وجوب الوتر أن الرسول ﷺ صلَّى الوتر على الراحلة (١) من غير ضرورة، فيضاف هذا الدليل إلى الأدلة النقلية. ولا شكَّ أن أدلة الجمهور صريحة الدلالة في أن الصلوات المفروضة خمس صلوات؛ فهي خمس في العدد، وخمسون في الأجر، في اليوم والليلة، وأنه لا يزاد عليها. وأما الوتر فلا شكَّ أنه من السنن الثابتة المؤكدة التي حافظ عليها الرسول ﷺ والصحابة من بعده، ورغَّب فيها، وبيَّنها، وسيأتي الكلام عنه إن شاء الله مفصلًا في عدد ركعاته. » قوله: (وَاخْتِلَافُهُمْ هَلْ يُسَمَّى مَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَاجِبًا أَوْ فَرْضًا لَا مَعْنَى لَهُ). أي: لا معنى لاختلاف الحنفية في التفرقة بين الواجبات، مثل أن نفرق بين ما ثبت بالكتاب، وما ثبت بالسنة، فنقول: ما ثبت بالكتاب هو الفرض، وما ثبت بالسنة هو الواجب؛ فهذا لا معنى له كما يقول المؤلف. » قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ الأَحَادِيثُ المُتَعَارِضَةُ). أي: أن سبب اختلاف الحنفية هو التعارض بين الأحاديث، وهذا غير صحيح، فالأحاديمث التي استدلَّ بها الجمهور كما بينَّا أدلة قوية، ونصٌّ في المسألة، كقوله ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ، وَاللَّيْلَةِ" (٢)، فلا لبس فيها ولا غموض، وأما الأحاديث التي استدلَّ بها الحنفية فغير صريحة في هذا، ولا تبلغ صحتها ولا وضوحها؛ فلا يوجد تعارض بينهما في الحقيقة. لكن الحنفية قد فهموا من هذه الأدلة ما يدلُّ على الوجوب، وأن

стр. 949

الوتر يزاد على الصلوات الخمس، وأن الزيادة لا مانع منها، ولذلك قالوا بها وأوجبوها (١). » قوله: (أَمَّا الأَحَادِيثُ الَّتِي مَفْهُومُهَا وُجُوبُ الخَمْسِ فَقَطْ بَلْ هِيَ نَصّ فِي ذَلِكَ، فَمَشْهُورَةٌ وَثَابِتَةٌ، وَمِنْ أَبْيَنِهَا فِي ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الإِسْرَاءِ المَشْهُورِ: "أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَ الفَرْضُ إِلَى خَمْسٍ قَالَ لَهُ مُوسَى: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، قَالَ: فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ" (٢). حديث الإسراء طويل جدًا، وقد نمرُّ على بعض مقتطفاته، والكلام عليه مفسر في شروح الأحاديث. وآخر ما ورد في الحديث في شأن الصلوات هي خمس، يعني: في عددها، وهي خمسون، يعني: في أجرها، ثم قال الله: "لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ" (٣)، فاستقرَّت بذلك على خمس صلوات، يعني: في عددها. أما عدد ركعاتها؛ ففي حديث عائشة الصحيح، أَنَّهَا قَالَتْ: "فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ" (٤)؟ فهذا لا يتعرض لعدد الصلوات وإنما لعدد الركعات، وسيأتي الكلام فيه أيضًا. [مسألة] ولم نتعرض لكلام العلماء في أن صلاة الليل كانت في أول الأمر واجبة ثم نُسخت بعد ذلك في حقِّ هذه الأمة، وهل أيضًا بقيت في حقِّ رسول الله ﷺ ؟ (٥).

стр. 950

حديث عائشة يدلُّ على أنها نُسِخت نسخًا مطلقًا. وقد فرضت الصلوات الخمس بمكة، وَالآيات المكية عنيت أكثر بأمور العقيدة في الغالب؛ لأن المجتمع الذي نشأ فيه الرسول ﷺ مجتمع مشرك فيه البدع والشركيات والخرافات وعبادة الأوثان والأشجار ما فيه، ولذلك جاء هذا الدين ليجتثَّ تلكم العقائد الفاسدة من نفوس أولئك المشركين. [مسألة]: ومع هذا نزلت أيضًا بعض الأحكام بمكة، ومنها فرض الصلوات الخمس، هل كانت قبل الهجرة بسنوات أو بسنة؟! فيه خلاف بين العلماء، وربما يعرض له المؤلف ونعرض له (١). [مسألة]: هل فُرض الوضوء أيضًا في مكة أم في المدينة؟ هناك أدلة تدل على أن الوضوء شرع بمكة، وهناك كلام حول آية المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، وهذه السورة كما هو معلوم مدنية؛ فكيف يقال: إن الوضوء فُرِضَ؟! هل جاءت هذه الآية لتأكد فرضًا سابقًا، أو أن الوضوء كان معروفًا ومطلوبًا وإنما فُرِض؟ وهذه المسائل قد ذكرناها وحررنا الكلام فيها في باب الوضوء (٢).
следующие страницы →