← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.

стр. 8856

يشجعهم على الدخول في الإسلام، وواجب المسلم أن يبذل كلَّ وسيلة ويسلك كل طريق في تحبيب الناس في الإسلام وترغيبهم فيه عن طريق القول أو العمل فهو يدعو إلى الحق بحكمة وبصيرة وأن يكونوا قدوة في أعمالهم يمثلوا في ذلك الإسلام حتى يُقبل الناس على الإسلام ويحبونه ويدخلون فيه كما كان في زمن رسول الله ﷺ وفي زمن أصحابه. قوله: (وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ "أَنَّ رَجُلًا أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللهِ- ﷺ - نَصِيبَهُ " (١)، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَهُمْ فِيمَنْ أُعْتِقَ مِنَ الْوَرَثَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ الْقَسْمَةِ. فَهَذ هِيَ الْمَسَائِلُ الْمَشْهُورَةُ الَّتِي تتَعَلَّقُ بِهَذَا الْكِتَابِ). أي: التي تتعلق بكتاب الفرائض، نعم لم يستوعب المؤلف جميع ما فيها ولم يعرج على أكثرها بل أخذ أصولها وأمهاتها وترك كثيرًا من المسائل، ولكن منهج هذا الكتاب بأنك إذا ربطت الأصل استطعت أن تلحق به ما يمكن أن يتبعه من فروع، وتعلمون أن الفرائض لها أصول، وهناك أسس تقوم عليها فإذا ربطت تلك الأصول عرفت أصحاب الفروض (٢) ونصيبهم، وأهل التعصيب وأنواعهم، ثم تأتي بعد ذلك إلى الولاء الذي سننتقل إليه، فإذا عرفت هذا كله وعرفت موانع الإرث أمكنك أن تكون على بينة مما يتعلق بهذا العلم. قوله: (قَالَ الْقَاضِي (٣): وَلَمَّا كَانَ الْمِيرَاثُ إِنَّمَا يَكُونُ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ: إِمَّا بِنَسَبٍ، أَوْ صِهْرٍ، أَوْ وَلَاءٍ، وَكَانَ قَدْ قِيلَ فِي الَّذِي يَكُونُ بِالنَّسَبِ وَالصِّهْرِ).

стр. 8857

أسباب الميراث كما عرفنا ثلاثة: نكاح ونسب وولاء. قوله: (فَيَجِبُ أَنْ نَذْكُرَ هَاهُنَا الْوَلَاءَ، وَلمَنْ يَجِبُ فِيهِ مِمَّنْ لَا يَجِبُ، وَمَا أَحْكَامُهُ؟). إذًا سيشرع المؤلف ﵀ في بيان أحكام السبب الثالث من أسباب الميراث وهو الولاء. * * * قال المصنف رحمه الله تعالى: (بَابٌ فِي الْوَلَاءِ (١): فَأَمَّا مَنْ يَجِبُ لَهُ الْوَلَاءُ، فَفِيهِ مَسَائِلُ مَشْهُورَةٌ تَجْرِي مَجْرَى الْأُصُولِ لِهَذَا الْبَابِ. الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ وَلَاءَهُ لَهُ وَأَنَّهُ يَرِثُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ) (٢).

стр. 8858

قال المؤلف: أجمع العلماء على أن من أعتق مملوكه (عبده) عن نفسه فإن ولاءه له، وفائدة قيد (عن نفسه)؛ لأن كلمة: (عن نفسه) لها مفهوم وقد قصدها المؤلف؛ لأن فيها خلافًا سيأتي لو أعتق عن غير نفسه، لأنه قد يعتق إنسانًا عبدًا عن غيره فمن الذي يكون المولى هل هو المعتق أو المعتق عنه؟ وسيأتي الكلام في هذه المسألة، فالشخص الذي يجب له الإرث إذا أعتق عن نفسه إجماعًا، أي: لو أن إنسانًا كان عنده مملوك فأعتقه أو اشترى مملوكًا فأعتقه أو كانت عليه كفارة فأعتق بها رقبة أو كاتب مملوكًا أو بعضه أو دبَّره أو غير ذلك من الأمور الكثيرة، فإنه بذلك يكون مولاه وهو الذي يستحق الإرث منه، ومعنى هذا بأن ورثة الميت يقدَّمون حتى وإن كان فيما مضى رقيقًا فإن ورثته يقدمون فيأخذون كما يأخذ الذين ذكرنا أحوالهم في النسب، وكذلك المصاهرة، لكن عندما يبقى شيء يقدم صاحب الولاء على الرد وعلى ذوي الأرحام عند من يقول بتوريثهم. قوله: (وَأَنَّهُ عَصَبَةٌ لَهُ إِذَا كَانَ هُنَالِكَ وَرَثَةٌ لَا يُحِيطُونَ بِالْمَالِ). فهو يرث تعصيبًا، ويسمى تعصيبًا؛ لأن التعصيب بسبب، والسبب هو هذه النعمة التي أنعم بها المعتق على عتيقه. قوله: (فَأَمَّا كَوْنُ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلِمَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ: " إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ " (١). وبريرة هذه كانت مملوكة وكان لها زوج واختلف في هذا الزوج،

стр. 8859

هل كان مملوكًا أو كان حرًّا؟ فهناك من يرى بأنه كان حرًّا، وابن عباس وهو ممن شاهد ذلك قال: بأنه كان مملوكًا (١)، وأن عائشة ﵁ ساعدت بريرة على أن تدفع لأهلها ما يؤدي إلى عتقها (٢)، وأنهم وافقوا على ذلك وأصروا شريطة أن يكون الولاء لهم، فقال رسول الله ﷺ : " أعتقيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق " (٣)، "إنما" أداة حصر سيتكلم عنها المؤلف، وفي بعض الروايات: " الولاء لمن أعتق " (٤). قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ غَيْرِهِ). أجمعوا على إذا أعتق عن نفسه أن الولاء له، لكن إذا أعتق عن غيره فما الحكم هنا؟ قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: الْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ لَا الَّذِي بَاشَرَ الْعِتْقَ) (٥). فإذا أعتقت عن إنسان عتيقًا فالإمام مالك يقول: الولاء للمعتق عنه وأنت المعتق لا شيء لك؛ لأنك نويت وقصدت به فلانًا، وجمهور العلماء خالفوا في ذلك فقالوا: لا، بل هو للمعتق وإن كان عن فلان؛ لأنه هو صاحب اليد البيضاء فهو المحسن وهو السبب، والرسول ﷺ يقول: " إنما الولاء لمن أعتق " (٦)، والذي أعتق هو هذا لا من أعتق عنه.

стр. 8860

قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)). وأحمد (٣). قوله: (إِنْ أَعْتَقَهُ عَنْ عِلْمِ الْمُعْتَقِ عَنْهُ، فَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ عَنْ غَيْرِ عِلْمِهِ، فَالْوَلَاءُ لِلْمُبَاشِرِ لِلْعِتْقِ). إن كان عالمًا بذلك فاتَّفق معه على أن يعتق عنه فالولاء للمعتَقِ عنه، أما إذا لم يكن على علم ولم يتفق معه فالولاء يكون للمباشر العتق. قوله: (وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ ﵊: " الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ " (٤). وفي رواية وهي في "الصحيحين" وهي المشهورة: " إنما الولاء لمن أعتق " (٥).

стр. 8861

قوله: (وَقَوْلُهُ ﵊: "الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ") (١). وهذا الذي أشرنا إليه من قبل بأن الرسول ﷺ شبَّه الولاء، وقال بأنه لحمة كلحمة النسب، والقصد هنا الارتباط، فالرابط بين المعتِق والمعتَق هي رابطة قوية كالعلاقة التي تجمع بين الأب وابنه، كعلاقة اللحمة التي تكون بينهما، فهنا علاقة وهناك علاقة، وهما متشابهان فيها وقد بيَّنت ذلك فيما مضى. قوله: (قَالُوا: فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَلْتَحِقَ نَسَبٌ بِالْحُرِّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ). فلا يمكن أن ينسب أحد إلى الحرِّ إلا أن يوافق عليه فكذلك الولاء. قوله: (وَمِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى؛ فَلأنَّ عِتْقَهُ حُرِّيَّةٌ وَقَعَتْ فِي مِلْكِ الْمُعْتِقِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُ). وهذه قد أشرنا إليها وقلنا كأن هذا الرقيق غير موجود؛ لأنه سلعة تباع وتشترى فلا يملك شيئًا، وقد مر أنه إذا بيع فماله إن كان قد ملكه سيده فهو لسيده إلا أن يشترط ذلك المبتاع، فهو لا يتصرف ولا يملك شيئًا، فأصبح كأن لم يكن، لذلك عندما يأتي العلماء فيعدون أسباب التخفيف في الشريعة الإسلامية فيأتون إلى ما يتعلق بالنقص، يعني: من أسباب التخفيف التنقص فيعدون من ذلك الرقيق. قوله: (أَصْلُة إِذَ أَعْتَقَهُ مِنْ نَفْسِهِ). قياسًا على إعتاقه له عن نفسه لا عن غيره، فكما أنه إذا أعتقه عن

стр. 8862

نفسه فالولاء له دون خلاف كذلك إذا أعتقه عن غيره؛ لأن القصد هو السبب، والمتسبب هو الذي أعتق. قوله: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَهُ عَنْهُ فَقَدْ مَلَّكَهُ إِيَّاهُ، فَأَشْبَهَ الْوَكِيلَ). فكأنه ملَّكه إياه وجعله ملكًا له، ولكن مذهب الجمهور أقوى في ذلك وأولى. قوله: (وَلذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَذِنَ لَهُ الْمُعْتَقُ عَنْهُ كَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ لَا لِلْمُبَاشِرِ). وهذا يسمى مولى نعمة (١)، أي: صاحب نعمة ويدٍ على هذا الإنسان، فالذي أنعم عليه هو الذي يستحق أن يقابل بالإحسان، وهو الذي يستحق أن يرد إليه، والذي يستحق أن يأخذ المكافأة على ذلك حتى أنه فيما يتعلق بالعتق الذي يسمى السائبة، ومن العلماء من يرى أن الولاء باقٍ حتى وإن أعتقه سائبة. قوله: (وَعِنْدَ مَالِكٍ (٢) أَنَّهُ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ وَللْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْوَلَاءَ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَعِنْدَهُمْ يَكُونُ لِلْمُعْتِقِ). فالجمهور تمسكوا بالأصل الذي جاء في الأحاديث: " إنما الولاء لمن أعتق " (٣)، وهذا هو المعتق هو الذي باشر العتق وهو الذي يستحقه.

стр. 8863

قوله: (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ هَلْ يَكُونُ وَلَاؤُهُ لَهُ؟). وهذه مسألة أخرى، إنسان دعى إنسانًا آخر غير مسلم إلى الإسلام فهل يكون له ولاؤه مقابل أنه كان سببًا في دخوله في هذا الدين العظيم الذي خالط بشاشة قلبه فالتحق به، ولا شكَّ أن هذه نعمة من نعم الله ومن أجلِّ ما يتقرب به المسلم إلى الله ومما يرفعه درجات؛ ولذلك لمَّا أرسل رسول الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب وقبله لما قال: "لأعطين الراية غدًا رجلًا يحبُّه الله ورسوله ويحب الله ورسوله "، فارتفعت وتطلعت أعين الصحابة وارتفعت أعناقهم من يكون ذلك؟ فسأل رسول الله ﷺ عن علي بن أبي طالب فقيل: إنه أرمد، فدعاه فبسق في عينه فبرئ، والشاهد أنه قال: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمر النعم" (١)، والمقصود بـ "حُمر النعم" الإبل، وكانت أغلى وأثمن تجارة عند العرب في ذاك الوقت، فهي التي كان يُضرَب بها المثل، فأخبر الرسول ﷺ : " لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمر النعم " (٢)، ففي ذلك فضل عظيم فما بالكم فيمن يهدي به الله على يديه عددًا من الناس، فإذا دعى مسلم غيره إلى الإسلام فأسلم على يديه فهو صاحب فضل وإحسان وسينال جزاء ذلك من الله ، أما ذاك الأول (الرقيق) فإنه يختلف؛ لأنه كان كالمقيد كالطير الذي وُضِع في قفص وأُغلِق عليه ثم فُتِح ذلك القفص فأصبح يحلق في جوِّ السماء، فالأمر يختلف، وهذه مسألة اختلف فيها العلماء؛ هل يكون له الولاء أو لا يكون؟ أما الأجر والثواب فأجره بلا شكٍّ عظيم وهو عند الله أيضًا مدون أو مسجل له في سجل حسناته.

стр. 8864

قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢) وَالثَّوْرِيُّ (٣) وَدَاوُدُ (٤)، وَجَمَاعَةٌ: لَا وَلَاءَ لَهُ). هؤلاء قالوا: لا ولاء له، ومعهم أيضًا الإمام أحمد في المشهور عنه (٥). قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٦): لَهُ وَلَاؤُهُ إِذَا وَالَاهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَذْهَبَهُمْ أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَالِيَ رَجُلًا آخَرَ فَيَرِثَهُ وَبَعْقِلَ عَنْهُ، وَأَنَّ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ وَلَائِهِ إِلَى وَلَاءِ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بِنَفْسِ الْإِسْلَامِ عَلَى يَدَيْهِ يَكُونُ لَهُ وَلَاؤُهُ).

стр. 8865

وهذا هو قول إسحاق بن راهويه (١)، وهي الرواية الأخرى للإمام أحمد (٢)، ورجَّحها بعض المحققين من الحنابلة كابن القيم (٣)، إذًا القول الأول: بأنه لا ولاء له، وهذا قول الجمهور، الثاني: له الولاء وقيده الحنفية، الثالث: بأن له الولاء، وهناك من فرق بين أن يعقل عنه أو لا يعقل عنه، فقالوا: إن عقل عنه فهو مولاه، وهذا قال به سعيد بن المسيب (٤)، ومنهم من قال: هو مولاه وإن لم يعقل عنه وإن لم يواله - لم تحصل موالاة - ولكنه كان سببًا في إسلامه وهذا أثر عن عمر بن الخطاب ﵁ (٥)، وعن عمر بن عبد العزيز (٦).

стр. 8866

قوله: (فَعُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى قَوْلُهُ ﷺ : "إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (١)). وهذا لم يعتق لكنه كان سببًا فيما هو أعظم من العتق؛ لأن العتق ثوابه عظيم والله حضَّ على ذلك ورغَّب فيه، والرسول ﷺ بيَّن ثواب من تكون عنده جارية فيعلمها ويحسن تعليمها ويؤدبها فيحسن تأديبها ثم يعتقها (٢)، له فضل عظيم عند الله ، فإعتاق الرقاب أجره عظيم، لكن هذا انتشل هذا الإنسان من ظلمة الكفر إلى رحاب الإسلام ونور الإيمان، فنقله إلى ما فيه سعادته، وحوله من نار جهنم بأن فتح له الطريق إلى الجنة، ولا شك أن الأمر عظيم من حيث النتيجة. قوله: (وَإِنَّمَا هَذِهِ هِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْحَاصِرَةَ (٣)). فالولاء هنا حصر في المعتق، فلا يتجاوزه. قوله: (وَكَذَلِكَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ هِيَ عِنْدَهُمْ لِلْحَصْرِ، وَمَعْنَى الْحَصْرِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ خَاصًّا بِالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ لَا يُشَارِكهُ فِيهِ غَيْرُهُ). يعني: قصر الحكم هنا على المولى. قوله: (أَعْنِي: أَنْ لَا يَكُونَ وَلَاءٌ بِحَسَبِ مَفْهُومِ هَذَا الْقَوْلِ إِلَّا لِلْمُعْتِقِ فَقَطِ الْمُبَاشِرِ. وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ فِي إِثْبَاتِ الْوَلَاءِ بِالْمُوَالَاةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]).

стр. 8867

وهذه الآية الأخيرة سبق الكلام عنها وأن ذلك كان في الجاهلية وفي أول الإسلام وأن هناك من قال بأن آية المواريث نُسخت ذلك، وأيضًا هناك من قال كالحسن البصري: نسخها قول الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (١). قوله: (وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ: الْوَلَاءُ يَكُونُ بِنَفْسِ الْإِسْلَامِ فَقَطْ حَدِيثُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ (٢)). وهذا الحديث أخرجه أصحاب السنن (٣)، وكذلك الإمام أحمد (٤)، والبيهقي (٥)، وجمع (٦). وهو مختلف فيه صحة وضعفًا، فمن العلماء من يصححه (٧)، ومنهم مَن يضعفه (٨)، وقد جاء من عدة طرق. قوله: (قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُشْرِكِ يُسْلِمُ عَلَى يَدِ

стр. 8868

مُسْلِمٍ؟ فَقَالَ: "هُوَ أَحَقُّ النَّاسِ وَأَوْلَاهُمْ بِحَيَاتِهِ وَمَمَاتِهِ"). وهذا ليس صريحًا في الولاء ولا في الإرث، فهو أحق الناس بحياته ومماته، وأيضًا الذين قالوا: بأنه لا ولاء هنا قالوا: بأن الحديث فيه مقال، والأمر الآخر بأنه ليس صريحَ الدلالة على ما يتعلق بالإرث وإنما قال: "بحياته ومماته". قوله: (وَقَضَى بِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (١)، وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] مَنْسُوخَة بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ). هذه مرت بنا: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. قوله: (وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ). والذي كان في صدر الإسلام هو ولاء الحلف، فكان الرجل يعقد حلفًا مع آخر فيما يتعلق بالعهد والمدافعة وأيضًا الدفاع عن الذمم ثم بعد ذلك لكي يرث كلُّ واحد منهما الآخر، ثم قال العلماء: إنه نسخ، ومما نسخه آيات المواريث. قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَلَاءِ وَلَا هِبَتُهُ لِثُبُوتِ نَهْيِهِ ﵊ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا وَلَاءَ السَّائِبَةِ). قال المؤلف: أجمع العلماء؛ لأنه ورد في ذلك نص صريح وهو حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه قال: " نهى رسول الله ﷺ عن بيع

стр. 8869

الولاء وهبته" (١)، فالولاء ليست سلعة تُباع، وإنما هو ثابت لصاحب النعمة للمنعم وأيضًا لا يوهَبُ فليس لأحد أن ينقله إلى غيره. قوله: (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ إِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ أَنْتَ سَائِبَةٌ). وهذا الأمر كانوا يعملون به في الجاهلية، فيأتي السيد المالك فيقول لمملوكه: أنت سائبة (٢)، وقال الله فيما يتعلق بالإبل: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] فهذا كان معروفًا في الجاهلية، لكن ذاك يتعلق بتلك التي كانوا يسرحونها لأصنامهم، والمراد بالسائبة هنا هو المملوك الذي يسيبه سيده، أي: يقول له: أنت سائبة، أو يقول له: أنت عتيق حرٌّ ليس لأي أحد عليك ولاية، وهنا ثمرة الخلاف هي ما يترتب على ذلك فلو قُدِّر أن هذا مات ثم لا يكون له ورثة يرثونه فهل لهذا الذي سيبه أن يرثه؟ وهذا كان موجودًا في الجاهلية، وقد جاء ذلك قصة ابن شرحبيل عندما قال: جاء رجل إلى عبد الله، يعني: عبد الله بن مسعود، فقال: "إني سيبت أو تركت مملوكًا لسائبة وإنه مات ولا وارث له "، فقال له عبد الله بن مسعود: " إن أهل الإسلام لا يسيبون وإنما الذين يسيبون هم أهل الجاهلية" (٣)، ثم قال له: " إن شئت ورثته وإن تأثمت أو تحرجت فدعه لنا في بيت المال "، فهذه قصة وقعت وأيضًا ورد في حديث هزير بن شرحبيل في "صحيح مسلم ": جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود يستفتيه في هذا الأمر ويخبره بأنه سيب عبدًا له، بمعنى: أنه أعتقه وبأن هذا العبد مات وترك مالًا فما يصنع به؟ فقال له عبد الله بن مسعود:

стр. 8870

"إن أهل الإسلام لا يسيبون وأهل الجاهلية يسيبون" (١)، إذًا لا سائبة في الإسلام، وهذا معنى قول عبد الله بن مسعود، "ولك أن ترثه وإن تحرجت فدعه لنا في بيت المال "، إذًا إذا كنت متحرجًا أو لا تريد ذلك فاترك هذا الأمر يدخل في بيت مال المسلمين، وهذا حديث صحيح (٢). قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٣): وَلَاؤُهُ وَعَقْلُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَجَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَعْتَقَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَعْنَى الْعِتْقِ فَقَطْ، فَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لَهُ). وقد ورد أن عبد الله بن عمر ﵁ أعتق مملوكًا له سائبة (٤)، وهذا كان جائزًا في أول الأمر، ثم إن ذلك المملوك تُوفي وترك مالًا، ولا وارث له، فأخذه عبد الله بن عمر فأعتق به الرقاب، ولذلك تردد قول الإمام أحمد في هذه المسألة (٥)، فإنه حكى في ذلك قول عبد الله بن عمر، فهل هذا هو مذهبه أو أنه يستحب ذلك ومذهبه مع الجمهور الذي أورده المؤلف أو لا؟ قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٦)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٧): وَلَاؤُهُ لِلْمُعْتِقِ عَلَى

стр. 8871

كُلِّ حَالٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ (١)، وَدَاوُدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ (٢)). عدَّ المؤلف هذه على أنها رواية لأحمد، وقال بها الحنابلة، والإمام أحمد كما ذكرت أُثِر عنه أنه أخذ بما جاء تطبيقًا عن عبد الله بن عمر عندما أعتق عبدًا سائبًا فترك ميراثًا فاشترى به رقابًا فأعتقها، هل هذا الذي فعله عبد الله بن عمر هو هذا الذي يفعل أو أنه تجنب ذلك المال ورأى أن يعتق به الرقاب ولذلك قال: الحنابلة، واعتُبر من الإمام أحمد استحبابًا؟ قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَهُ أَنْ يَجْعَلَ وَلَاءَهُ حَيْثُ شَاءَ، وَإِنْ لَمْ يُوَالِ أَحَدًا كَانَ وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ (٣). وَكَان إِبْرَاهِيمُ، وَالشَّعْبِيُّ (٤) يَقُولَانِ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ وَلَاءِ السَّائِبَةِ وَهِبَتِهِ. وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ هِيَ الْحُجَجُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا). وقد أوردت لكم ما يتعلق بالموضوع وأوردت لكم قصة عبد الله بن مسعود وهو نصٌّ في حديث هزيل بن شرحبيل (٥). قوله: (وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ بَيْعَهُ فَلَا أَعْرِفُ لَهُ حُجَّةً فِي هَذَا الْوَقْتِ).

стр. 8872

وهو كما قال المؤلِّف من أجاز بيعه لا حجة له؛ لأن هذا المعتق لا يباع ولا يوهب، ولكن ربما حجة من قال ببيعه؛ لأنه خرج وأصبح سائبًا لا مولى له؛ لأنه في بعض الصور التي يريدونها أن يقول: أنت سائبة ليس لأحد عليك ولاية، فكأنه جعله حرًّا من الأصل. قوله: (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَلَاءِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ إِذَا أَعْتَقَهُ النَّصْرَانِيُّ قَبْلَ أَنْ يُبَاعَ لِمَنْ يَكُونُ؟). فلو كان مولى عند نصراني - وهذا يحصل - فأعتقه النصراني، والعتق جائز هنا ومقبول أيضًا؛ لأن فيه مصلحة، فإذا ما أعتق نصرانيٌّ مسلمًا كان مولًا له فما الحكم في هذه المسألة؟ هل يرث النصرانيُّ المسلم؛ لأنه مولاه " إنما الولاء لمن أعتق " (١)، أو أنه يكون واليًا له وليس له أن يرثه كما هو المعروف إلا لو أسلم فإنه يتغير الحال؟ فمراده هل الولاء يثبت للنصرانيِّ أو لا؟ لأنه إذا أعتق مسلمٌ مسلمًا فإن الولاء له إجماعًا إذا أعتقه عن نفسه، وإذا أعتقه عن غيره ففيه خلاف، والصحيح أن ولاءه للمعتق إلا أن يكون بمعرفة وعلم من المعتق عنه، بمعنى: أنه طلب منه ذلك أو رغب فيه أو أخبره بذلك، لكن هنا هذا النصراني أعتق هذا المسلم فهل يحتفظ بالولاء أو لا يحتفظ؟ أما بخصوص الإرث فإنه لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم مع أن هناك خلافًا قد مر بنا في إرث المسلم من الكافر. قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ (٢): وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ أَسْلَمَ مَوْلَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ وَلَاؤُهُ وَلَا مِيرَاثُهُ).

стр. 8873

والإمام مالك قد تشدَّد في هذا الأمر، فقال: إذا أعتق نصرانِيٌّ مسلمًا فإنه لا ولاء للنصراني على المسلم لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]، وأيضًا لو أسلم النصرانِيُّ بعد ذلك فإنه لا يرثه، وهذا هو قول الإمام مالك، وخالف الجمهور مالكًا في أحد شطري قوله كما سيأتي. قوله: (وَقَالَ الْجُمْهُورُ (١): وَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ). لأن الحديث الذي جاء عن من لا ينطق عن الهوى عام، فالرسول ﷺ قال: " إنما الولاء لمن أعتق " (٢)، والرسول ﷺ عندما تكلَّم عن الإرث قال: " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم " (٣)، ولكنه عندما قال: "إنما الولاء لمن أعتق " (٤) لم يقيده الرسول ﷺ ولو كان ذلك خاصًا بالمسلم بالنسبة للولاء لبيَّنه الرسول ﷺ ؛ لأن الرسول مطالب بالبيان، والله تعالى يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فوظيفة الرسول أن يبين عن الله وهذه مسألة تحتاج إلى بيان فقالوا: إن الرسول سكت عنها فدلَّ على أنها عامة، ثم إن هذا

стр. 8874

النصراني مُنعم فحتى ولو كان غير مسلم فإنه أنعم على هذا المسلم فقدَّم له جميلًا فأعتقه، فتبقى الولاية لكن جاء فيما يتعلق بالإرث ما يمنع من ذلك فيبقى على أصله، ويقصد بالجمهور: بقية الأئمة الثلاثة. قوله: (فَإِنْ أَسْلَمَ كَانَ لَهُ مِيرَاثُهُ). وفي نظري أن مذهب الجمهور هو الأقرب والأولى، وهو الذي يلتقي مع روح الشريعة، أولًا قالوا: هناك ولاء وميراث فإذا ما أعتق النصراني مسلمًا فإن الولاء يبقى لذلك النصراني؛ لأن الرسول ﷺ قال: " إنما الولاء لمن أعتق " (١)، وهذا قد أعتق فيكون له الولاء، والرسول لم يخصَّ ذلك بالمسلم فيبقى عامًّا، لكن لا يرث؛ لأنه ورد فيه نص مستقلٌّ " لا يرث الكافر المسلم " فنمنعه من الميراث، لكن لو أسلم هذا النصراني وهو والي النعمة لهذا فإنه يرثه، وهذا لا شكَّ أقرب وفي هذا يرى تشجيعًا على ما يتعلق بإعتاق الرقيق. قوله: (وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ، وَأَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ الْأَبُ بَعْدَ إِسْلَامِ الِابْنِ أَنَّهُ يَرِثُهُ، فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ). وهذا قياسٌ جيد من المؤلف حيث يقول: الولاء كالنسب فإذا ما أسلم الأب بعد ابنه، أسلم الابن ثم تلاه الأب ألا يرث منه؟ الجواب: نعم، فما الفرق بين هذا وذاك؟ هذا أب وهذا مولى وذكرنا من قبل بأن كل واحد من النوعين صاحب نعمة، فهذا صاحب نعمة على ابنه؛ لأنه هو السبب في وجوده بعد الله وهو الذي يقوم برعايته وهو الذي ينفق عليه، وهو الذي يسهر عليه، وهو الذي يسعى في سعادته، وهو الذي يشقى إذا شقي، كذلك أيضًا هذا المولى أخرجه من عبودية المخلوقين فأصبح حرًّا طليقًا يتصرف في نفسه كيف شاء.

стр. 8875

قوله: (وَأَمَّا عُمْدَةُ مَالِكٍ فَعُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]). فقالوا: هذه الآية عامة وليس هناك سبيل، وهذا فيما يتعلق بالسلطة، لكن هذه ولاية نعمة وهي ثابتة ونحن لا نقول بتوريثه؛ لأن الرسول نهى عن ذلك، لكن الرسول ﷺ قال: " الولاء لمن أعتق " (١)، وفي حديث آخر أيضًا: "الولاء لمن أعطى الورق" (٢)، والورق (٣) إنما هي الدراهم، والمراد بها الفضة؛ لأنها تسمى الورق، فمن دفع الورق فهو صاحب الولاء. قوله: (فَهُوَ يَقُولُ: إِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِبْ لَهُ الْوَلَاءُ يَوْمَ الْعِتْقِ لَمْ يجِبْ لَهُ فِيمَا بَعْدُ. وَأَمَّا إِذَا وَجَبَ لَهُ يَوْمَ الْعِتْقِ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِهِ فَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ إِذَا ارْتَفَعَ ذَلِكَ الْمَانِعُ أَنَّهُ يَعُودُ الْوَلَاءُ لَهُ، وَيذَلِكَ اتَّفَقُوا أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَ النَّصْرَانِيُّ الذِّمِّيُّ عَبْدَهُ النَّصْرَانِيَّ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ أَسْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ الْوَلَاءَ يَرْتَفِعُ). وسيأتي أن المؤلف سينقد هذا القول ويبين بأنه أقرب إلى الفرق من الوقوع، وأن هذا أمر مقدر. قوله: (فَإِنْ أَسْلَمَ الْمَوْلَى عَادَ إِلَيْهِ. وَإنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِي الْحَرْبِيِّ يُعْتِقُ عَبْدَهُ وَهُوَ عَلَى دِينِهِ، ثُمَّ يَخْرُجَان إِلَيْنَا مُسْلِمَيْنِ، فَقَالَ مَالِكٌ (٤):

стр. 8876

هُوَ مَوْلَاهُ يَرِثُهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): لَا وَلَاءَ بَيْنَهُمَا، وَلِلْعَبْدِ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الْوَلَاءِ وَالتَّحَالُفِ). وهذه قضية اختلاف الملل في الميراث وسبق أن تكلمنا عنها. قوله: (وَخَالَفَ أَشْهَبُ) (٢). من المالكية. قوله: (مَالِكًا فَقَالَ: إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ قَبْلَ الْمَوْلَى لَمْ يَعُدْ إِلَى الْمَوْلَى وَلَاؤُهُ أَبَدًا. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ (٣): يَعُودُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مَالِكًا يَعْتَبِرُ وَقْتَ الْعِتْقِ.

стр. 8877

وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ كلُّهَا هِيَ مَفْرُوضَةٌ فِي الْقَوْلِ لَا تَقَعُ بَعْدُ). يعني: لا تقع بين أولئك أصحاب تلك الديانات، وإنما هي مفروضة فرضًا، وتعلمون بأن هناك ما يعرف بالفقه الفرضي أو التقديري، يعني: لا تكون هناك واقعة، فيفرض إنسان لو وقعت المسألة الفلانية أو حدثت فما الحكم فيها، فهذا يعرف بالفقه التقديري وهذا محل خلاف بين العلماء، وكان الصحابة ﵁ إذا سُئل أحدهم عن مسألة قال: أوقعت أو لا؟ فإن قيل: نعم، أجاب فيها، وإن لم يكن قال: حتى تقع، وأكثر العلماء توسعًا في الفقه التقديري هم الحنفية (١) فإنهم توسعوا في هذا المقام فرضوا مسائل كثيرة لم تقع ثم أفتوا فيها ووافقهم الشافعية في بعضها، وقد نبَّهت على هذا، وقال بعض العلماء إجابة عن الشافعي: بأن الشافعي ﵀ إنما احتاج إلى فرض المسائل عندما وضع كتابه الرسالة (٢) في أصول الفقه فإنك لكي تضع أصلًا وهو أول من دوَّن هذا العلمَ وأخرجه على الرأي الصحيح فإنه يحتاج إلى أن يجرب تلك الأصول ويمحصها ولا تتضح تلك الأصول إلا عن طريق تطبيق الفروع عليها، أي: تخريج الفروع عليها، فإذا انضبط ذلك الأصل وما اختلَّ اندرجت تحته تلك الفروع، وكان ذلك طريقًا لصحة ذلك الأصل. قوله: (فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ دِينِ النَّصَارَى أَنْ يَسْتَرِقَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَا مِنْ دِينِ الْيَهُودِ فِيمَا يَعْتَقِدُونَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ مِنْ مِلَلِهِمْ).

стр. 8878

وهذا مع الأسف يأخذونه على المسلمين الآن ويقولون إن المسلم يسترق الإنسان، فيرون فيه ذلًّا وتعديًا وهذا لعدم إدراكهم روح الإسلام وعدم معرفتهم به وأن هذا الرق لا يأتي أصلًا مباشرًا فى ون سبب، ولكن هذا الإنسان قد أخذ أسيرًا فحفظت رقبته من أن تقطع وأخذته أسيرًا ومع ذلك نجد أن الإسلام فتح كلَّ الطرق والمنافذ ورغب ودعى إلى إعتاق الرقيق، حتى العتق في الكفارات: كمن يجامع في نهار رمضان، أو من ظاهر من امرأته، أو كفارة اليمين أيضًا، ففيه ترغيب وحض للمالكين للرقاب عن طريق الإحسان، وعن طريق المكاتبة، وعن طريق التبعيض، وهناك طرق كثيرة جدًّا رغب الإسلام فيها. قوله: (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: أَجْمَعَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ لَيْسَ لَهُنَّ مَدْخَل فِي وِرَاثَةِ الْوَلَاءِ) (١). فلا ينتقل إليها عن طريق الميراث، فلو قُدِّر أن لها وارثًا ترثه فأعتق عتيقًا فإنها لا ترث ذلك، لكن ميراثها مقصور على من أعتقته أو أعتق من أعتقته، وهذا الثاني يعرف بجر الولاء، أو بالنسبة لابن معتقها. قوله: (إِلَّا مَنْ بَاشَرْنَ عِتْقَهُ بِأَئفُسِهِنَّ أَوْ هَاجَرَ إِلَيْهِنَّ مَنْ بَاشَرْنَ عِتْقَهُ).

стр. 8879

كما في قصة عائشة ﵁ مع بريرة (١)، أو أن هذا الذي أعتقته أعتق غيره فإنه ينجر الولاء إلى تلك المرأة أو ابنها، هذا فيما يتعلق بها، وكذلك أيضًا يشمل ذلك الكتابة، فلو كاتبت أحدًا فإنه أيضًا يدخل في ذلك وينجر الولاء، فالولاء كما هو معلوم بأيِّ طريق كان سواء كان عن طريق العتق إنجازًا أو العتق المؤجل أو الكتاب أو بأي طريق كان سواء كان واجبًا كما يحصل في بعض الكفارات أو النذور أو كان غير واجب، وسواء بدأ بعتق بعضه أو أعتقه كاملًا فإن الولاء يثبت للمعتق. قوله: (إِمَّا بِوَلَاءٍ أَوْ بِنَسَبٍ، مِثْلَ مُعْتَقِ مُعْتَقِهَا أَوِ ابْنِ مُعْتَقِهَا). الذي يكون عن طريق النسب، أما ذلك عن طريق الولاء ولاء جرٍّ. قوله: (وَأَنَّهُنَّ لَا يَرِثْنَ مُعْتَقَ مَنْ يًرِثْنَهُ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ شُرَيْحٍ (٢)). فلو قُدِّر أن أخاها أعتق مملوكًا فإنها لا ترثه مع أنها ترث أخاها لكن هنا لا ترثه فلا ترث الولاء عن طريق من ترثه، لكنها ترث من أعتقته هي، أو من أعتق من أعتقته، أو ولد معتقها، أما من ترثهم فلو أعتق أحدهم عتيقًا فإنه لا يكون لها الولاء عليه ولا ترثه. قوله: (وَعُمْدَتُهُ أَنَّهُ لَمَّا كانَ لَهَا وَلَاءُ مَا أَعْتَقَتْ بِنَفْسِهَا كانَ لَهَا وَلَاءُ مَا أَعْتَقَهُ مُوَرِّثُهَا قِيَاسًا عَلَى الرَّجُلِ). فالمسألة مقايسة، وهناك قول ولكن ليس قول الجمهور بأنه يثبت لهما الولاء بالنسبة لمن أعتق من ترثه، يعني: معتق من ترثه يثبت لها

стр. 8880

الولاء عليه؛ لأنها ترثه فكذلك الولاء فقاسوا بين الأمرين، يعني: قاسوا الولاء على الإرث. قوله: (وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ بِقِيَاسِ الْمَعْنَى (١)، وَهُوَ أَرْفَعُ مَرَاتِبِ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُوهِنُهُ الشُّذُوذُ). قياس المعنى؛ لأن هذا إرث وهذا إرث، فهي ترث هذا فلماذا لا يكون الولاء؟ وألحقوا هذا بهذا عن طريق المعنى، ولكن الشهود كما قال بأن الولاء لا ينجر في هذه الحالة ولكنه قاصر على معتقها أو معتق من يعتقه معتقها. قوله: (وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْوَلَاءَ إِنَّمَا وَجَبَ لِلنِّعْمَةِ الَّتِي كَانَتْ لِلْمُعْتِقِ عَلَى الْمُعْتَقِ). فبسبب ذلكم الإحسان، تلك النعمة التي أسداها المعتِق للمعتَق فإنه خلصة من رقِّ الملك وأخرجه إلى دنيا الحرية. قوله: (وَهَذِهِ النِّعْمَةُ إِنَّمَا تُوجَدُ فِيمَنْ بَاشَرَ الْعِتْقَ، أَوْ كَانَ مِنْ سَبَبٍ قَوِيٍّ مِنْ أَسْبَابِهِ، وَهُمُ الْعَصَبَةُ) (٢).

стр. 8881

أما المرأة فليست من العصبة. قوله: (قَالَ الْقَاضِي). هو ابن رشد. قوله: (وَإِذْ قَدْ تَقَرَّرَ مَنْ لَهُ وَلَاءٌ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ وَلَاءٌ). وسيفرع المؤلف على هذه المسألة مسألة أخرى وربما يعتبرها أصلًا، هل ترتيب الولاء في الميراث كترتيبه في الميراث الذي مر بنا في النسب أو لا يكون كذلك أو يختلف؟ لا شكَّ أنه يختلف، فما هو المعتبر في ذلك هل ينظر إلى الأكبر المتقدم رتبة، أو أنه كما درسنا فيما يتعلق بالمواريث؟ لا شكَّ أنه يختلف منهجًا عن المنهج الذي درسناه بالنسبة للإرث. قوله: (فَبَقِيَ النَّظَرُ فِي تَرْتِيبِ أَهْلِ الْوَلَاءِ في الْوَلَاءِ؛ فَمِنْ أَشْهَرِ مَسَائِلِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ الْمَسْأَلَةُ التِي يَعْرِفُونَهَا بِالْوَلَاءِ لِلْكِبَرِ (١)). ويقصد بالكبر هنا ليس الكبر سنًّا، ولكنه الأقرب درجة. قوله: (مِثَالُ ذَلِكَ: رَجُلٌ أَعْتَقَ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَتَرَكَ أَخَوينِ أَوِ ابْنَيْنِ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الْأَخَوَيْنِ وَتَرَكَ ابْنًا، أَوْ أَحَدُ الِابْنَيْنِ). فهل ينتقل له الميراث أو لا؟ وقد مر بأنه لو هلك هالك، كان له أبناء ومات أحدهم قبل هذا الذي ترك التركة فلا يرث، لكن لو قُدِّر أنه مات وله أبناء فإنهم يشتركون، فحق هذا الابن الذي توفي بعد استحقاقه الإرث ينتقل إلى أقرب ورثته ويأتي في المقدمة أبناؤه.

стр. 8882

أي: بقي أحد الأخوين ومات الآخر وترك ابنًا أو مات الابن وترك ابنًا. قوله: (فَقَالَ الْجُمْهُورُ) (١). وهم الأئمة الأربعة.

стр. 8883

قوله: (فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إِنَّ حَظَّ الْأَخِ الْمَيِّتِ مِنَ الْوَلَاءِ لَا يَرِثُهُ ابْنُهُ). وإنما الذي يرث هنا هو الذي يرث الأخ لأنه أقرب درجة فليس المعتبر هنا القوة كما عرفنا في المواريث، لكن المعتبر هنا الأقرب للميت في درجته. قوله: (وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَخِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ مِنِ ابْنِهِ بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ). لأن الولاء يأتي درجات الأقرب فالأقرب. قوله: (لِأَنَّ الْحَجْبَ فِي الْمِيرَاثِ يُعْتَبَرُ بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَيِّتِ، وَهُنَا بِالْقُرْبِ مِنَ الْمُبَاشِرِ لِلْعِتْقَ). فهذا أخوه في درجته. قوله: (وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (١)، وَعَلِيٍّ (٢)، وَعُثْمَانَ (٣)، وَابْنِ مَسْعُودٍ (٤)، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ (٥) مِنَ الصَّحَابَةِ). فهذا القول هو قول أولئك الصحابة ﵁، وقد اشتهر ذلك عنهم، ومن هنا رأينا اتفاق الأئمة الأربعة على الأخذ بذلك القول. قوله: (وَقَالَ شُرَيْحٌ (٦) وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: حَقُّ الْأخِ الْمَيِّتِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِبَنِيهِ).

стр. 8884

فقاسوا ذلك على الإرث. قوله: (وَعُمْدَةُ هَؤُلَاءِ تَشْبِيهُ الْوَلَاءِ بِالْمِيرَاثِ، وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْوَلَاءَ نَسَبٌ مَبْدَؤُهُ مِنَ الْمُبَاشِرِ). أي: من المباشر للعتق. قوله: (وَمِنْ مَسَائِلِهِمُ الْمَشْهُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ الْمَسْأَلَةُ التِي تُعْرَفُ بِجَرِّ الْوَلَاءِ (١)). فمن مصالح الولاء أنه يجرُّ ولاءً آخر. قوله: (وَصُورَتُهَا أَنْ يَكُونَ عَبْدٌ لَهُ بَنُونَ مِنْ أَمَةٍ، فَأُعْتِقَتِ الأمَةُ ثُمَّ أُعْتِقَ الْعَبْدُ بَعْدَ ذَلِكَ). فعندما أُعتقت الأمةُ وأصبحت حرة فإن أولادها تابعون لها، لكن بعد ذلك أعتق الأب، فلما أعتق الأب صار حرًّا فهل عتقه وانتقاله من الرقِّ إلى الحرية يجعله يجرُّ ولاء الأولاد إليه فيكونون تبعًا لمواليه؟ لا يكونون تبعًا لموالي الأم، والأم في الأول أصبحت حرة فكانت أولى، فهؤلاء ولائهم لمواليهم، لكن العبد، أي: الزوج أُعتق فصار حرًّا، فهل بعتقه وانتقاله إلى الحرية يجر ولاء الأبناء إليه، ويكون ذلك أيضًا ينجر تبعًا لمواليه؟

стр. 8885

قوله: (فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا لِمَنْ يَكُونُ وَلَاءُ الْبَنِينَ إِذَا أُعْتِقَ الْأبُ؟ وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهُمْ بَعْدَ عِتْقِ الْأُمِّ إِذَا لَمْ يَمَسَّ الْمَوْلُودَ الرِّقُّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ). يعني: إذا لم يلحقه الرقُّ وهو في بطن أمِّه، والأصل فيه أنه يكون رقيقًا ما دامت الأم كانت مملوكة. قوله: (وَذَلِكَ يَكُونُ إِذَا تَزَوَّجَهَا الْعَبْدُ بَعْدَ الْعِتْقِ وَقَبْلَ عِتْقِ الْأَبِ هُوَ لِمَوَالِي الْأُمِّ). وهذه المسألة ليس فيها خلاف. قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا أُعْتِقَ الْأَبُ هَلْ يَجُرُّ وَلَاءَ بَنِيهِ لِمَوَالِيهِ أَمْ لَا يَجُرُّ؟). يعني: أصبح العبد، أي: الأب حرًّا كالحال بالنسبة للأم والولد ينتسب إلى أبيه لا إلى أمه، فهل هذا الذي أصبح حرًّا يجر الولاء معه ويعود أبناؤه إليه ويكون الولاء لمواليه؟ قوله: (فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَمَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)).

стр. 8886

وأحمد (١). قوله: (وَأَصْحَابُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَجُرُّ، وَبِهِ قَالَ عَلِيٌّ (٢) ﵁ وَابْنُ مَسْعُودٍ (٣) وَالزُّبَيْرُ (٤)، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ (٥)، وَقَالَ عَطَاءٌ (٦)، وَعِكْرِمَةُ (٧)، وَابْنُ شِهَابٍ (٨) وَجَمَاعَةٌ: لَا يَجُرُّ وَلَاءَهُ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَقَضَى بهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ لِمَا حَدَّثَهُ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَبْبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (٩)، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ (١٠) مِثْلُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْوَلَاءَ مُشَبِّهٌ بِالنَّسَبِ، وَالنَّسَبُ لِلْأَبِ دُونَ الْأُمِّ). فلا ينتسب إلى أُمِّه، وإنما ينتسب إلى أبيه. قوله: (وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي أَنَّ الْبَنِينَ لَمَّا كَانُوا فِي الْحُرِّيَّةِ

стр. 8887

تَابِعِينَ لِأُمِّهِمْ كَانُوا فِي مُوجِبِ الْحُرِّيَّةِ تَابِعِينَ لَهَا، وَهُوَ الْوَلَاءُ، وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الْجَدَّ يَجُرُّ وَلَاءَ حَفَدَتِهِ إِذَا كَانَ أَبُوهُمْ عَبْدًا) (١). فإذا كان الأب عبدًا أو كان قد مات فهل الجد يجرُّ الولاء؟ وقد أطلق المؤلف، والمراد: إذا كان الجد حرًّا والأب رقيقًا، فهل يجر الجد ولاءَ أحفاده أو لا؟ يرى الإمام مالك ذلك وهي رواية أخرى، لكن الرواية المشهورة عن الإمام أحمد مع الفريق الآخر (٢). قوله: (إِلَّا أَنْ يُعْتَقَ الْأَبُ). فإذا عتق الأب رجع حينئذٍ إليه؛ لأنه هو الأقرب؛ لأن الجد إنما يدلي أصلًا بواسطة الأب فعاد الأب إلى الحرية فعادت له سلطته وأولويته. قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ الْكُوفِيُّونَ) (٤).

стр. 8888

والكوفيون هم أبو حنيفة وأصحابه. قوله: (وَاعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ وَلَاءَ الْجَدِّ إِنَّمَا يَثْبُتُ لِمُعْتِقِ الْجَدِّ عَلَى الْبَنِينَ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ وَلَاءٌ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ لِلْجَدِّ. وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي أَنَّ عُبُودِيَّةَ الْأَبِ هِيَ كَمَوْتِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ الْوَلَاءُ إِلَى أَبِي الْأَبِ). حتى وإن كان الأب موجودًا فإنه رقيق فكأنه غير موجود. قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْوَلَاءَ لِلْعَصَبَةِ فِيمَا أَعْلَمُ أَنَّ الْأَبْنَاءَ أَحَقُّ مِنَ الْآبَاءِ، وَأَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ إِلَى الْعَمُودِ الْأَعْلَى إِلَّا إِذَا فَقَدَ الْعَمُودَ الْأَسْفَلَ بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ عِنْدَهُمْ أَقْوَى تَعْصِيبًا مِنَ الْأُبُوَّةِ). وهذا أمر عرفناه. قوله: (وَالْأَبُ أَضْعَفُ تَعْصِيبًا، وَالْإِخْوَةُ وَبَنُوهُمْ أَقْعَدُ عِنْدَ مَالِكٍ مِنَ الْجَدِّ) (١).

стр. 8889

بالنسبة للولاء، وكلمة " أقعد" بمعنى: أقرب، أو أولى. قوله: (وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ الْجَدُّ أَقْعَدُ مِنْهُمْ. وَسَبَبُ الْخِلَافِ مَنْ أَقْرَبُ نَسَبًا وَأَقْوَى تَعْصِيبًا؟ وَلَيْسَ يُورَثُ بِالْوَلَاءِ جُزْءٌ مَفْرُوضٌ وَإِنَّمَا يُورَثُ تَعْصِيبًا، فَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى الْأَسْفَلُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ أَصْلًا، أَوْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ لَا يُحِيطُونَ بِالْمِيرَاثِ كَانَ عَاصِبُهُ الْمَوْلَى الْأَعْلَى). متى يرث المولى؟ يرث في عدم وجود أصحاب فروض أو عصبة بالنسبة لأولاد أو عصبة هذا الرجل من إخوته، فحينئذ ينتقل إلى الولاء، يعني: لو قُدِّر أن هذا المملوك مات وترك بنتًا فإنها تأخذ نصيبها (النصف)، وما بقي يرجع إلى المولى. قوله: (وَكَذَلِكَ يُعَصِّبُ الْمَوْلَى الْأَعْلَى كُلَّ مَنْ لِلْمَوْلَى الْأَعْلَى عَلَيْهِ وِلَادَةُ نَسَبٍ (أَعْنِي: بَنَاتِهِ وَبَنِيهِ وَبَنِي بَنِيهِ)؛ وَفِي هَذَا الْبَابِ مَسْأَلَةٌ مَشْهُورَةٌ وَهِيَ: إِذَا مَاتَتِ امْرَأَةٌ وَلَهَا وَلَاءٌ وَوَلَدٌ وَعَصَبَةٌ لِمَنْ يَنْتَقِلُ الْوَلَاءُ؟). هل هو للعصبة أو للولاء؟ وهذه قضية اختصم فيها علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ﵁ عند عمرَ ﵁ (١).

стр. 8890

قوله: (فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لِعَصَبَتِهَا؛ لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ عَنْهَا، وَالْوَلَاءُ الْعَصَبَةُ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَالَ قَوْمٌ: لِابْنِهَا، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِأَهْلِ هَذَا السَّلَفِ؛ لِأنَّ ابْنَ الْمَرْأَةِ لَيْسَ مِنْ عَصَبَتِهَا، تَمَّ كتَابُ الْفَرَائِضِ وَالْوَلَاءِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَقَّ حَمْدِهِ). وجمهو العلماء كالأئمة الأربعة أبو حنيفة (١)، ومالك (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد (٤)، وهذه القضية اختصم فيها كلٌّ من علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ﵁، وكما هو معلوم أن علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله ﷺ ، والزبير بن العوام ابن عمة رسول الله ﷺ ، وكان لصفية مولى، فاختصما فيه، فقال علي بن أبي طالب: أنا أولى به؛ لأننا نعقله؛ (أي: علينا عقله) لأنه مولى لعمتي، وقال الزبير: بل هو مولى لأمي وأنا

стр. 8891

أرثها فأنا أولى به، فاختصما عند عمر بن الخطاب ﵁ فقضى بالميراث للزبير بن العوام، فانضم قول عمر إلى قول الزبير، فعلي ﵁ نظر إلى ما يتعلق إلى العقل، والزبير قال: هي أمي وهذا مولاها وأنا أولى به فكما أنني أرث الأم كذلك أن أولى بميراث هذا المولى، فحكم عمر بالميراث للزبير بن العوام وعلى أن العقل على علي بن أبي طالب (١)، ومن هنا أخذ جمهور العلماء بالقول الثاني الذي قضى به عمر ﵁.

стр. 8892

[كِتَابُ الْعِتْق] والعتق في اللغة: هو الخلوص (١) فكل شيء يخلص منه يقول له خلص، فالذي يعتق إنسانًا خلصه من الرق ولذلك نجد أن المعنى اللغوي له ارتباط بالمعنى الاصطلاحي، أما المعنى الاصطلاحي الفقهي: فهو عتق الرقيق وتخليصه من الرق (٢)، وقد جاء العتق في كتاب اللّه وفي سنة رسول اللّه ﷺ ونجد أن اللّه عندما أمر بعبادته وببر الوالدين في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾، فاللّه دعا إلى عبادته وإلى بر الوالدين وإلى الإحسان إلى الوالدين وإلى الأقارب وابن السبيل واليتيم والمسكين ثم قال: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، إذًا لقد دعا الإسلام إلى الإحسان إلى الرقيق والإحسان إليهم يكون بعتق رقابهم واللّه تعالى يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾

стр. 8893

ولا شكَّ أن إعتاق الرقيق من الإحسان، واللّه رغَّب في الإحسان والإحسان كما جاء في حديث جبريل ركن واحد وهو: "أن تعبد اللّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١)، وبالنسبة إلى الرقيق كما جاء في سورة المجادلة: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، وقال في سورة البلد: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)﴾، وقد بيَّن الرسول ﷺ فضل إعتاق الرقيق ومكانته وما أعدَّه اللّه لمن يعتق رقبة في سبيل اللّه ويقول الرسول ﷺ : "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق اللّه بكل إرب منها أربًا منه من النار" (٢) "أيما رجل مسلم أعتق رجلًا مسلمًا كان فكاكه من النار" (٣). قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِيمَنْ يَصِحُّ عِتْقُهُ وَمَنْ لَا يَصِحُّ، وَمَنْ يَلْزَمُهُ وَمَنْ لَا يَلْزَمُهُ (أَعْنِي: بِالشَّرْعِ)، وَفِي أَلْفَاظِ الْعِتْقِ، وَفِي الْإِيمَانِ بِهِ). والعتق مشروع في كتاب اللّه وفي سنة رسول اللّه ﷺ وأجمع العلماء على فضيلته وأنه قربة من القرب التي يتقرب بها العبد إلى اللّه وأنه طريق وسبيل لنجاة المؤمن من النار (٤).

стр. 8894

* قوله: (وَفِي أَحْكَامِهِ وَفِي الشُّرُوطِ الْوَاقِعَةِ فِيهِ. وَنَحْنُ فَإِنَّمَا نَذْكُرُ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ مَا فِيهَا مِنَ الْمَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ أَكْثَرُهَا بِالْمَسْمُوعِ). فالمؤلف يبيِّن أن هذه المسائل ما نطق بها النص المسموع فهو يأخذ بالنص أو الظاهر. * قوله: (فَأَمَّا مَنْ يَصِحُّ عِتْقُهُ، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ عِتْقُ الْمَالِكِ التَّامِّ الْمِلْكِ الصَّحِيحِ الرَّشِيدِ الْقَوِيِّ الْجِسْمِ الْغَنِيِّ غَيْرِ الْعَدِيمِ) (١). ومن يصحُّ عتقه هو البالغ الراشد العاقل ولا يشترط الإسلام أيضًا في هذة الحالة كما قلنا من قبل الذمي يعتق وأيضًا الحربي على خلاف فيه، فيشترط في المعتق أن يكون كامل الملك لهذه الرقبة كما ذكر المؤلف فليس من حقه أن يعتق رقبة غيره لكن إذا كانت هناك رقبة مشتركة فإنه

стр. 8895

يعتق ما يخصُّه ثم يسري بعد ذلك إلى نصيب شركائه فإنه يقوم ويدفع لهم ذلك الملك التام ملكًا صحيحًا وأن يكون رشيدًا فلا يكون محجورًا عليه. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي عِتْقِ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ وَفِي عِتْقِ الْمَرِيضِ وَحُكْمِهِ. فَأَمَّا مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ). أي: عنده مال ولكن عنده دين يحيط بماله بحيث لو وفَّى الغرماء لم يبق عنده شيء، فهل له أن يعتق هؤلاء العبيد الذين عنده؟ على العبد أن يتخلص من حقوق العبيد ثم بعد ذلك يفعل الخير بالنسبة إلى أعمال البر ونحوها. * قوله: (فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ عِتْقِهِ، فَقَالَ أكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: مَالِكٌ وَغَيْر: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ) (١). فالأئمة انقسموا إلى قسمين: فريق يمنع ذلك وهو الإمام مالك (٢)، وأحمد (٣)، والفريق الآخر يجيز، وهما الإمامان الشافعي (٤)،
следующие страницы →