أرثها فأنا أولى به، فاختصما عند عمر بن الخطاب ﵁ فقضى بالميراث للزبير بن العوام، فانضم قول عمر إلى قول الزبير، فعلي ﵁ نظر إلى ما يتعلق إلى العقل، والزبير قال: هي أمي وهذا مولاها وأنا أولى به فكما أنني أرث الأم كذلك أن أولى بميراث هذا المولى، فحكم عمر بالميراث للزبير بن العوام وعلى أن العقل على علي بن أبي طالب (١)، ومن هنا أخذ جمهور العلماء بالقول الثاني الذي قضى به عمر ﵁.
стр. 8892
[كِتَابُ الْعِتْق]
والعتق في اللغة: هو الخلوص (١) فكل شيء يخلص منه يقول له خلص، فالذي يعتق إنسانًا خلصه من الرق ولذلك نجد أن المعنى اللغوي له ارتباط بالمعنى الاصطلاحي، أما المعنى الاصطلاحي الفقهي: فهو عتق الرقيق وتخليصه من الرق (٢)، وقد جاء العتق في كتاب اللّه وفي سنة رسول اللّه ﷺ ونجد أن اللّه عندما أمر بعبادته وببر الوالدين في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾، فاللّه دعا إلى عبادته وإلى بر الوالدين وإلى الإحسان إلى الوالدين وإلى الأقارب وابن السبيل واليتيم والمسكين ثم قال: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، إذًا لقد دعا الإسلام إلى الإحسان إلى الرقيق والإحسان إليهم يكون بعتق رقابهم واللّه تعالى يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾
стр. 8893
ولا شكَّ أن إعتاق الرقيق من الإحسان، واللّه رغَّب في الإحسان والإحسان كما جاء في حديث جبريل ركن واحد وهو: "أن تعبد اللّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١)، وبالنسبة إلى الرقيق كما جاء في سورة المجادلة: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، وقال في سورة البلد: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)﴾، وقد بيَّن الرسول ﷺ فضل إعتاق الرقيق ومكانته وما أعدَّه اللّه لمن يعتق رقبة في سبيل اللّه ويقول الرسول ﷺ : "من أعتق رقبة مؤمنة أعتق اللّه بكل إرب منها أربًا منه من النار" (٢) "أيما رجل مسلم أعتق رجلًا مسلمًا كان فكاكه من النار" (٣).
قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِيمَنْ يَصِحُّ عِتْقُهُ وَمَنْ لَا يَصِحُّ، وَمَنْ يَلْزَمُهُ وَمَنْ لَا يَلْزَمُهُ (أَعْنِي: بِالشَّرْعِ)، وَفِي أَلْفَاظِ الْعِتْقِ، وَفِي الْإِيمَانِ بِهِ).
والعتق مشروع في كتاب اللّه وفي سنة رسول اللّه ﷺ وأجمع العلماء على فضيلته وأنه قربة من القرب التي يتقرب بها العبد إلى اللّه وأنه طريق وسبيل لنجاة المؤمن من النار (٤).
стр. 8894
* قوله: (وَفِي أَحْكَامِهِ وَفِي الشُّرُوطِ الْوَاقِعَةِ فِيهِ. وَنَحْنُ فَإِنَّمَا نَذْكُرُ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ مَا فِيهَا مِنَ الْمَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ أَكْثَرُهَا بِالْمَسْمُوعِ).
فالمؤلف يبيِّن أن هذه المسائل ما نطق بها النص المسموع فهو يأخذ بالنص أو الظاهر.
* قوله: (فَأَمَّا مَنْ يَصِحُّ عِتْقُهُ، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ عِتْقُ الْمَالِكِ التَّامِّ الْمِلْكِ الصَّحِيحِ الرَّشِيدِ الْقَوِيِّ الْجِسْمِ الْغَنِيِّ غَيْرِ الْعَدِيمِ) (١).
ومن يصحُّ عتقه هو البالغ الراشد العاقل ولا يشترط الإسلام أيضًا في هذة الحالة كما قلنا من قبل الذمي يعتق وأيضًا الحربي على خلاف فيه، فيشترط في المعتق أن يكون كامل الملك لهذه الرقبة كما ذكر المؤلف فليس من حقه أن يعتق رقبة غيره لكن إذا كانت هناك رقبة مشتركة فإنه
стр. 8895
يعتق ما يخصُّه ثم يسري بعد ذلك إلى نصيب شركائه فإنه يقوم ويدفع لهم ذلك الملك التام ملكًا صحيحًا وأن يكون رشيدًا فلا يكون محجورًا عليه.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي عِتْقِ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ وَفِي عِتْقِ الْمَرِيضِ وَحُكْمِهِ.
فَأَمَّا مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ).
أي: عنده مال ولكن عنده دين يحيط بماله بحيث لو وفَّى الغرماء لم يبق عنده شيء، فهل له أن يعتق هؤلاء العبيد الذين عنده؟ على العبد أن يتخلص من حقوق العبيد ثم بعد ذلك يفعل الخير بالنسبة إلى أعمال البر ونحوها.
* قوله: (فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ عِتْقِهِ، فَقَالَ أكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: مَالِكٌ وَغَيْر: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ) (١).
فالأئمة انقسموا إلى قسمين: فريق يمنع ذلك وهو الإمام مالك (٢)، وأحمد (٣)، والفريق الآخر يجيز، وهما الإمامان الشافعي (٤)،
стр. 8896
وأبو حنيفة (١).
* قوله: (وَقَالَ فُقَهَاءُ الْعِرَاقِ (٢): وَذَلِكَ جَائِزٌ حَتَّى يَحْجُرَ عَلَيْهِ الْحَاكمُ، وَذَلِكَ عِنْدَ مَنْ يَرَى التَّحْجِيرَ مِنْهُمْ، وَقَدْ يَتَخَرَّجُ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ الْجَوَازُ قِيَاسًا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي الرَّهْنِ أَنَّهُ يَجُوزُ (٣)).
فما نُقِل عن مالك هو المنع لكن هناك ما يعرف بالتخريج، أي: تخريج مسائل عن أصول مالك، وقد مرَّ في الرهن شيء ممكن، فيقال: يجوز ذلك على أصول مالك لكن الذي نقل عنه هو المنع.
* قوله: (وَإِنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِ الرَّاهِنِ مَا لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ.
وَعُمْدَةُ مَنْ مَنَعَ عِتْقَهُ أَنَّ مَالَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ مُسْتَحَقٌّ لِلْغُرَمَاءِ).
فلا يعتبر مالًا له؛ لأنه لو وفَّى الحقوق لم يبق عنده شيء.
* قوله: (فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَهِيَ الْعِلَّةُ الَّتِي بِهَا يَحْجُرُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ التَّصَرُّفَ).
стр. 8897
فإذا اشتكى أصحاب الحقوق هذا المدين ورفعوا الأمر إلى الحاكم، فالحاكم حينئذٍ يحجر عليه.
* قوله: (وَالْأَحْكَامُ يَجِبُ أَنْ تُوجَدَ مَعَ وُجُودِ عِلَلِهَا، وَتَحْجِيرُ الْحَاكِمِ لَيْسَ بِعِلَّةٍ وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ وَاجِبٌ مِنْ مُوجِبَاتِ الْعِلَّةِ فَلَا اعْتِبَارَ بِوُقُوعِهِ).
أما قبل ذلك فلا، ومجرد إحاطة الدين غير كافية بدليل أنه قد تحصل منه بعض التصرفات.
* قوله: (وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي أَنَّهُ قَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَطَأَ جَارِيَتَهُ وَيُحْبِلَهَا وَلَا يَرُدَّ شَيْئًا مِمَّا أَنْفَقَهُ مِنْ مَالِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ حَتَّى يَضْرِبَ الْحَاكِمُ عَلَى يَدَيْهِ) (١).
وقد مرَّ بنا أنه إذا حُجِر عليه فإنه يحدد له جزء من المال ينفق منه على نفسه وعلى عياله وعلى أولاده، وليس معنى هذا أن تُؤخذ أمواله وتسلب من بين يديه فلا يأكل ولا يشرب فهناك مصالح تتعارض، والحفاظ على النفس تأتي في المقدمة.
* قوله: (فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ تَصَرُّفَاتِهِ هَذَا الْحُكْمَ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (٢).
стр. 8898
وَلَا خِلَافَ عِنْدِ الْجَمِيعِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتِقَ غَيْرُ الْمُحْتَلِمِ مَا لَمْ تَكُنْ وَصِيَّةً مِنْهُ (١)).
وغير المحتلم أمر لا يختلف فيه العلماء، فإن العتق من المحتلم، وليس المراد أنه يُعتَق، بل المراد هل يعتِق المحتلم أو لا؟ وهذا هو الظاهر، فلا يجوز أن يعتق الصغير.
* قوله: (وَكَذَلِكَ الْمَحْجُورُ) (٢).
سواء كان الحجر لمصلحة الغرماء أو أحجر عليه لكونه غير رشيد كأن يكون كبيرَ السنِّ لكن لا يحسن التصرف في ماله فيحجر عليه.
* قوله: (وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عِتْقُهُ لِشَيْءٍ مِنْ مَمَالِيكِهِ إِلَّا مَالِكًا وَأَكْثَرَ أَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ أَجَازُوا عِتْقَهُ لِأُمِّ وَلَلِإِ (٣)، وَأَمَّا الْمَرِيضُ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ عِتْقَهُ إِنْ صَحَّ وَقَعَ).
وإعتاق المريض فيه كلام كثير للعلماء لا يتعلق بالعتق وحده، بل
стр. 8899
يتعلق أيضًا بإعطاء بعض ماله لغيرهم وكذلك فيما يتعلق بطلاقه لزوجته في مرضه المخوف الذي هو مرض الموت فهل يكون ذلك مانعًا لها من الميراث أم لا؟ وقد مر بنا عدة مسائل بأن المريض له أحكام تخصه.
* قوله: (وَإِنْ مَاتَ كَانَ مِنَ الثُّلُثِ) (١).
إن صحَّ وشفي من مرضه فإنه من الصحيح كأن يكون متصرفًا في حال صحته ولكن إن مات فإن ذلك محصور في الثلث كما مرَّ في كتاب الوصية.
* قوله: (وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: هُوَ مِثْلُ عِتْقِ الصَّحِيحِ (٢)، الْجُمْهُورِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ).
стр. 8900
فأهل الظاهر يأخذون بعموم الدليل، وقد أورد المؤلف دليل الجمهور في قصة الرجل الذي أعتق ستة أعبدٍ لا يملك غيرهم فبلغ ذلك رسول اللّه ﷺ فجزأهم أثلاثًا فأعتق اثنين وأرقَّ أربعة.
* قوله: (أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَهُ، الْحَدِيثُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ).
والحديث مر بنا وهو حديث صحيح وأحد روايات الإمام مسلم في الصحيح (١)، وأخرجه أيضًا أصحاب السنن (٢).
* قوله: (وَأَمَّا مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهِمُ الْعِتْقُ كَرْهًا فَهُمْ ثَلَاثَة: مَنْ بَعَّضَ الْعِتْقَ).
فهناك من يدخل عليهم العتق كرها، أي: يلزمه العتق وهم أصناف ثلاثة: كمَن يملك رقيقًا فأعتق جزءًا منه وهو أيضًا ملكه لا يشركه غيره فيه، فهذا بلا شك يسري العتق إلى جميعه فأصبح العتق في حقِّه كرها، أي: أنه ملزم بذلك وهذا ما عبر عنه المؤلف.
* قوله: (وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي أَحَدِ قِسْمَيْهِ).
فلا يختلف العلماء في أن مَن أعتق بعض مملوك له كأن أعتق ربعَه
стр. 8901
أو نصفه أو ثلثه وهو يملكه فلا خلاف بين العلماء في أنه يعتق جميعًا (١)، وهذا الذي يريده المؤلف.
* قوله: (وَاثْنَانِ مُخْتَلَفٌ فِيهِمَا وَهُمَا مَنْ مَلَكَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَمَنْ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ).
فلو ملك إنسان ذا رحم وسيأتي الخلاف في هذه المسألة: من هم الذين إذا ملكهم إنسان عتقوا عليه هل هم الأصول الآباء وإن علو أو
стр. 8902
الأصول الأبناء وإن نزلوا أو يدخل في ذلك الحواشي كالأخوة أو أنه مقصور على الآباء والأبناء ويخرج الإخوة؟ الأول: مذهب المالكية (١)، والثاني: مذهب الشافعية (٢)، والثالث: مذهب الحنفية (٣) والحنابلة (٤) بأنه يعتق كل ذي رحم محرم، وأيضًا لو تعدى الملك على مملوكه وقد مرت الأحاديث التي أوصت بالمحافظة على الرقيق وأن "من أعتق رقبة مسلمة أعتق اللّه عنه بكل إرب منها إربًا منه من نار جهنم"، أي: يعتق اللّه تعالى بكل عضو منها ما يقابله عضو منه من النار حتى لا يعتق اليد باليد والرجل بالرجل والفرج بالفرج وهناك أحاديث كثيرة في هذا المعنى.
* قوله: (فَأَمَّا مَنْ بَعَّضَ الْعِتْقَ، فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: مَنْ وَقَعَ تَبْعِيضُ الْعِتْقِ مِنْهُ وَليْسَ لَهُ مِنَ الْعَبْدِ إِلَّا الْجُزْءُ الْمُعْتَقُ).
وهذا يسمى بالذي له شريك، أي: أعتق بعضه ولكنه لا يملك إِلَّا هذا الجزء الذي أعتقه وهذا أيضًا ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون موسرًا
стр. 8903
أو يكون معسرًا، أي: قادرًا على أن يشتري نصيب شريكه فيقوم عليه فيعتق هاما أن يكون عاجزًا.
* قوله: (وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ يَمْلِكُ الْعَبْدَ كُلَّهُ وَلَكِنْ بَعَّضَ عِتْقَهُ اخْتِيَارًا مِنْهُ).
فهذا الرقيق عنده عبد اسمه أحمد أو محمد أو علي فأعتق بعضه وهو يملكه نقول بأنه قد أعتق جميعًا.
* قوله: (فَأَمَّا الْعَبْدُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يُعْتِقُ أَحَدُهُمَا حَظَّهُ مِنْهُ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (٣): إِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ).
فهذا هو رأي جمهور العلماء، فإذا أعتق أحد الشريكين نصيبه، أي: نصفة مثلًا وبقي النصف الآخر وكان هذا المعتق موسرًا، أي: عنده مال
стр. 8904
ويستطيع بهذا المال أن يشتري النصف الباقي من شريكه فإنه يقوم عليه قيمة عدل، أي: دون زيادة أو نقصان فيقوم كما هي قيمته ويدفع للآخر فيكون الولاء حينئذٍ للمعتق؛ لأن هذه نعمة أنعم بها المعتق وكان يستحق ولاؤه دون الآخر الذي أخذ مقابل العتق لكن لو اشترك في العتق كان الولاء بينهما.
* قوله: (فَدَفَعَ ذَلِكَ إِلَى شَرِيكِهِ وَعَتَقَ الْكُلَّ عَلَيْهِ وَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَبَقِيَ الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ عَبْدًا وَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ الْعَبْدِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: إِنْ كَانَ مُعْسِرًا سَعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَتِهِ لِلسَّيِّدِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ حَظَّهُ مِنْهُ وَهُوَ حُرٌّ يَوْمَ أَعْتَقَ حَظَّهُ مِنْهُ (١)).
ومعنى سعى هو أن يعطيه فرصة كأن يعمل عنده يومًا، ويعمل خارج عمل سيده يومًا آخر؛ فيجمع شيئًا من المال فيدفعه إلى سيده، وهذا هو السعي المذكور ثم بعد ذلك يتحرر، وهذا هو قول أبي يوسف ومحمد وهي رواية للإمام أحمد ومعهم جماعة من التابعين (٢).
стр. 8905
* قوله: (وَهُوَ حُرٌّ يَوْمَ أَعْتَقَ حَظَّهُ مِنْهُ الْأَوَّلُ وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لِلْأَوَّلِ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى (١)، وَجَمَاعَةُ الْكُوفِيِّينَ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ شُبْرُمَةَ، وَابْنَ أَبِي لَيْلَى (٢) جَعَلَا لِلْعَبْدِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُعْتِقِ بِمَا سَعَى فِيهِ مَتَى أَيْسَرَ).
لأن الولاء أصبح له فقالوا: يرجع عليه، وهذا خلاف مذهب الفريق الأول.
* قوله: (وَأَمَّا شَرِيكُ الْمُعْتِقِ فَإِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ فِي أَنْ يُعْتِقَ أَوْ يُقَوِّمَ نَصِيبَهُ عَلَى الْمُعْتِقِ).
الشريك الذي أعتق شريكه نصيبه وبقي نصيبه مخير في رأي الجمهور بين أن يعتق نصيبه فحينئذ يشارك الأول في الولاء، وبين أن يطلب القيمة فيعطيه الشريك الذي أعتق النصف الخاص به ويصبح الولاء للأول الذي أعتق.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣): لِشَرِيكِ المُوسِرِ ثَلَاثَةُ خِيَارَاتٍ؛
стр. 8906
أَحَدُهَا: أَنْ يُعْتِقَ كَمَا أَعْتَقَ شَرِيكُهُ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَهُمْ. وَالْخِيَارُ الثَّانِي: أَنْ تُقَوَّمَ عَلَيْهِ حِصَّتُهُ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يُكَلَّفَ الْعَبْدُ السَّعْيَ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا).
ويكون الولاء بينهما مع أنه حينئذٍ لم يفعل الآخر شيئًا، وهنا خالف الجمهور في هذه الجزئية.
* قوله: (وَللسَّيّدِ الْمُعْتِقِ عَبْدَهُ عِنْدَهُ).
أي: عند أبي حنيفة.
* قوله: (إِذَا قَوَّمَ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ نَصِيبَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْعَبْدِ فَيَسْعَى فِيهِ وَيَكُونَ الْوَلَاءُ كُلُّهُ لِلْمُعْتِقِ).
على أساس أنه يرجع إلى الأول.
* قوله: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ).
وكذلك أحمد (١).
стр. 8907
* قوله: (حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ).
وهذا الحديث والذي يليه خُرِّج في "الصحيحين"، ومع ذلك قيل عن الأول بأن أحد رواته شكَّ في هذه الزيادة التي ستأتي في آخره: "عتق منه ما عتق"، وأيضًا سيأتي في الحديث الآخر حديث أبي هريرة أمر الاستسعى، هل هو مدرج أو لا؟ فسيذكر المؤلف اعتراض الجمهور على الحنفية واعتراض الحنفية أو الكوفيين على الجمهور.
* قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَاذ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدَ، وَإِلَّا فَقَدَ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ" (١)).
وهنا الزيادة في هذا الحديث الذي رواه مالك عن نافع ورواه عنه أيضًا أيوب، وقد تردَّد أيوب فيما يتعلق بهذه الفقرة، ومن هنا وقع الخلاف فأخذ الحنفية منها اعتراضًا أوردوه عن الجمهور.
* قوله: (وَعُمْدَةُ مُحَمَّدٍ، وَأَبِي يُوسُفَ صَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ يَقُولُ بِقَوْلِهِمْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْد فَخَلَاصُهُ مَالُهُ إِنْ كلانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتَسْعَى الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ" (٢)).
غير إلحاق المشقة أيضًا بهذه الفقرة، اختلف فيها هل هي من كلام رسول اللّه ﷺ أو من كلام قتادة التابعي راوي هذا الحديث؟ هناك من قالوا: إن تلك الزيادة: "عتق منه ما عتق بعضهم"، تردد فيها أيوب ومالك وجزم بها وبأنها من الحديث وهناك أيضًا أصحاب قتادة كشعبة وهشام
стр. 8908
وكذلك همام قالوا: لم يذكر هذه الزيادة، وانفرد بها سعيد بن أبي عروبة فما الذي يقدم؟ قالوا: إن أولئك أحفظ ..
* قوله: (وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ خَرَّجَهُ أَهْلُ الصحِيحِ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا، وَلِكُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ قَوْلٌ فِي تَرْجِيحِ حَدِيثِهِ الَّذِي أَخَذَ بِهِ. فَمِمَّا وَهَّنَتْ بِهِ الْكُوفِيَّةُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ بَعْضَ رُوَاتِهِ شَكَّ فِي الزِّيَادَةِ الْمُعَارِضَةِ فِيهِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ).
فالذي شكَّ هو أيوب، والراوي الذي جزم هو الإمام مالك، وقد تكلم العلماء عن هذه المسألة وبيَّنوا أن الإمام مالكًا أحفظ الرواة عن نافع لكثرة ملازمته له وكثرة روايته له ومن دافعوا عن هذة المسألة الإمام الشافعي (١)، فإنه بين مكانة مالك وحفظه وأنه لا يُسَاوى في حفظ هذا المكان، وأيضًا تكلَّم عن ذلك الحافظ ابن حجر من المتأخرين (٢)، والشافعي من المتقدمين ويكفي في ذلك أن الشيخين البخاري ومسلمًا خرَّجا هذا الحديث مرفوعًا دون تردد فيه.
* قوله: (وَهُوَ قَوْلُهُ: "وَإِلَّا فَقَدَ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ"، فَهَلْ هُوَ مِنْ قَوْلِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ-، أَمْ مِنْ قَوْلِ نَافِعٍ، وَأنَّ فِي أَلْفَاظِهِ أَيْضًا
стр. 8909
بَيْنَ رُوَاتِهِ اضْطِرَابًا. وَمِمَّا وَهَّنَ بِهِ الْمَالِكِيُّونَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ قَتَادَةَ فِيهِ عَلَى قَتَادَةَ فِي ذِكرِ السِّعَايَةِ).
فننتهي من ذلك إلى أن كثيرًا من العلماء المحققين يذهبون إلى أن ما في الحديث الأول وما في الحديث الثاني يتعلق بالاستسعاء فإنها جاءت في الحديث وأنها من قول رسول اللّه ﷺ ، وهناك فرق بين أن يكون القول من قول قتادة ومن قول رسول اللّه ﷺ ؛ لأن كونه من قول رسول اللّه ﷺ هو حكم ويكون ملزمًا أما قول قتادة فيكون فتوى منه ﵁.
* قوله: (وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى فَاعْتَمَدَتِ الْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا لَزِمَ السَّيِّدَ التَّقْوِيمُ إِنْ كلانَ لَهُ مَالٌ لِلضَّرَرِ الَّذِي أَدْخَلَهُ عَلَى شَرِيكِهِ وَالْعَبْدُ لَمْ يُدْخِلْ ضَرَرًا فَلَيْسَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ).
فالعبد لم يدخل ضررًا وإنما الذي أعتق هو الشريك فترتب عليه أن يعتق نصيب الآخر، أما المملوك فلا ضرر حصل منه ولا أثر، ثم إن هذا لا يسمى ضررًا بل هو مصلحة لكل من الطرفين.
* قوله: (وَعُمْدَةُ الْكُوفِيِّينَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ الْحُرِّيَّةَ حَقٌّ شَرْعِيٌّ لَا يَجُوزُ تَبْعِيضُهُ، فَإِذَا كَانَ الشَّرِيكُ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا عَتَقَ الْكُلَّ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ مُعْسِرًا سَعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَتِهِ وَفِيهِ مَعَ هَذَا رَفْعُ الضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَى الشَّرِيكِ وَلَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْعَبْدِ وَرُبَّمَا أَتَوْا بِقِيَاسٍ شَبَهِيٍّ).
قياس شبه (١).
стр. 8910
* قوله: (وَقَالُوا: لَمَّا كَانَ الْعِتْقُ يُوجَدُ مِنْهُ فِي الشَّرْعِ نَوْعَانِ؛ نَوْعٌ يَقَعُ بِالِاخْتِيَارِ، وَهُوَ إِعْتَاقُ السَّيِّدِ عَبْدَهُ ابْتِغَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ).
إذًا المؤلف قسم العتق إلى نوعين نوع بالاختيار وآخر بغير اختيار. * قوله: (وَنَوْعٌ يَقَعُ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ، وَهُوَ أَنْ يَعْتِقَ عَلَى السَّيِّدِ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ بِالشَّرِيعَةِ مِلْكُهُ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعِتْقُ بِالسَّعْيِ كَذَلِكَ. فَالَّذِي بِالِاخْتِيَارِ مِنْهُ هُوَ الْكِتَابَةُ. وَالَّذِي هُوَ دَاخِلٌ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ هُوَ السَّعْيُ. وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ).
في أحد قوليه يرجع إلى الشافعي.
* قوله: (إِذَا كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا هَلْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ نَصِيبَ شَرِيكِهِ بِالْحُكْمِ أَوْ بِالسِّرَايَةِ؟ أَعْنِي: أَنَّهُ يَسْرِي وُجُوبُ عِتْقِهِ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الْعِتْقِ).
فالإمام أحمد (١) مع الشافعي (٢) في هذه المسألة بأنه يعتق سراية، والحديث يدل على ذلك.
стр. 8911
* قوله: (فَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ:).
ومعهم الحنابلة.
* قوله: (يَعْتِقُ بِالسَّرَايَةِ، وَقَالَتِ الْمَالِكِيَّةُ: بِالْحُكْمِ (١)؛ وَاحْتَجَّتِ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا بِالسَّرَايَةِ لَسَرَى مَعَ الْعَدَمِ وَالْيُسْرِ).
سواء كان المعتق موسرًا أو معسرًا، وقد أورد عليه اعتراض؛ لأنه كيف يسري إذا كان قد أعتق نصيبه وذلك ملك للآخر.
* قوله: (وَاحْتَجَّتِ الشَّافِعِيَّةُ بِاللَّازِمِ عَنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﵊: "قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ").
لأن كون قومه عليهم قيمة العدل فيلزم من ذلك السراية؛ لأنه لو كان التقويم لازمًا فلا يتم إِلَّا عن طريق السراية ولا يحتاج إلى حكم حاكم.
* قوله: (فَقَالُوا: مَا يجِبُ تَقْوِيمُهُ فَإِنَّمَا يَجِبُ بَعْدَ إِتْلَافِهِ فَإِذَنْ بِنَفْسِ الْعِتْقِ أَتْلَفَ حَظَّ صَاحِبِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ تَقْوِيمُهُ فِي وَقْتِ الْإِتْلَافِ).
فالذي كان يملكه أذهبه عليه، ولكنه أخذ عوضه.
* قوله: (وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ حَاكِمٌ).
أي: لا يحتاج إلى حكم حاكم.
* قوله: (وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ لِلشَّرِيكِ أَنْ يُعْتِقَ نَصِيبَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَفَذَ الْعِتْقُ وَهَذَا بَيِّن).
стр. 8912
وهذه من لفتات المؤلف ومن دقته، فإن إشارته هذه تدلُّ على أنه مع مذهب الشافعية والحنابلة.
* قوله: (وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ (١) في هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثَيْنِ).
لا هو مع حديث ابن عمر ولا حديث أبي هريرة؛ لأنه أيضًا خالف أصحابه في المسألة.
* قوله: (وَقَدْ رُوِيَ فِيهَا خِلَافٌ شَاذٌّ، فَقِيلَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: إِنَّهُ جَعَلَ حِصَّةَ الشَّرِيكِ فِي بَيْتِ الْمَالِ (٢)، وَقِيلَ عَنْ رَبِيعَةَ فِيمَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي عَبْدٍ: أَنَّ الْعِتْقَ بَاطِلٌ (٣)؛ وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُقَوَّمُ عَلَى الْمُعْسِرِ الْكُلُّ، وَيَنْفُذُ الْعِتْقُ فِيمَا أَعْتَقَ. وَقَالَ قَوْمٌ بِوُجُوبِ التَّقْوِيمِ عَلَى الْمُعْتِقِ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا وَيَتْبَعُهُ شَرِيكُهُ، وَسَقَطَ الْعُسْرُ فِي بَعْضِ الرّوَايَاتِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَهَذَا كُلُّهُ خِلَافُ الْأَحَادِيثِ، وَلَعَلَّهُمْ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الْأَحَادِيثُ).
стр. 8913
وقال المؤلف وهذا كلُّه خلاف الأحاديث؛ لأن هذه الأقوال بنيت على الرأي ولا تلتقي مع حديث، وقد رأينا الأقوال التي بنيت على الأحاديث ولا شكَّ أن الراجح يتردد بين قولين حتى مذهب أبي حنيفة انفرد به عن أصحابه فهو ضعيف في هذه المسألة.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ مِنْ هَذَا فِي فَرْع وَهُوَ إِذَا كَانَ مُعْسِرًا فَأُخِّرَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِإِسْقَاطِ التَّقْوِيمِ حَتَّى أَيْسَرَ، فَقِيلَ: يُقَوَّمُ، وَقِيلَ: لَا يُقَوَّمُ (١). وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِهَذِهِ الْآثَارِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَلَكَ بِاخْتِيَارِهِ شِقْصًا يُعْتَقُ عَلَيْهِ مِنْ عَبْدٍ: أَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ الْبَاقِي إِنْ كانَ مُوسِرًا إِلَّا إِذَا مَلَكَهُ بِوَجْهٍ لَا اخْتِيَارَ لَهُ فِيهِ، وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَهُ بِمِيرَاثٍ).
وهذة المسألة إذا ملك عن طريق الميراث فيها كلام للعلماء.
* قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: يُعْتَقُ عَلَيْهِ فِي حَالِ الْيُسْرِ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ قَوْم: فِي حَالِ الْيُسْرِ بِالسِّعَايَةِ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا. وَإِذَا مَلَكَ السَّيِّدُ جَمِيعَ الْعَبْدِ فَأَعْتَقَ بَعْضَهَ، فَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ (٢) مَالِكٌ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤)، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ،
стр. 8914
وَأَحْمَدُ (١)، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَبُو يُوسُفَ (٢) يَقُولُونَ: يُعْتَقُ عَلَيْهِ كُلُّهُ).
فلو ملك سيد عبدًا ملكًا تامًّا لا يشاركه فيه غيره وأعتق بعضه نصفه أو ثلثه فيعتق عليه جميعًا؛ لأنه لا شريك له في ذلك فلا سحاية ولا تقويم ومع ذلك خالف البعض في هذه المسألة.
* قوله: (وَقَالَ: أَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ (٤): يُعْتَقُ مِنْهُ ذَلِكَ الْقَدْرُ الَّذِي عُتِقَ وَيَسْعَى الْعَبْدُ فِي الْبَاقِي، وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ وَحَمَّادٍ (٥)).
стр. 8915
ولكن في الحقيقة هذا ضعيف؛ لأنه يتعارض مع عموم الأدلة فهؤلاء يقولون لو ملكه وأعتق بعضه فإنه يبقى العتق في بعضه ويطالَب بالاستسعاء، وهو قياس مع الفارق.
* قوله: (وَعُمْدَةُ اسْتِدْلَالِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لمَّا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ فِي إِعْتَاقِ نَصِيبِ الْغَيْرِ عَلَى الْغَيْرِ لِحُرْمَةِ الْعِتْقِ كلانَ أَحْرَى أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ).
فالجمهور يقولون إذا ثبت أن أحد الشريكين أعتق نصيبه فسار هذا العتق إلى نصيب الآخر فقُوِّم فأخذ فما بالك بما يملكه الإنسان، إذا كان إنسان أعتق جزءًا له في مملوكه فيتعدى ذلك إلى أن يشتري القسم الآخر فيعتقه فهذا الشيء بين يديه فلا يحتاج إلى الشراء فهو أولى.
* قوله: (وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْعِتْقِ عَلَى الْمُبَعِّضِ لِلْعِتْقِ هُوَ الضَّرَرُ الدَّاخِلُ عَلَى شَرِيكِهِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كلُّهُ مِلْكًا لَهُ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ ضَرَرٌ).
وأبو حنيفة إنما نظر إلى الضرر والجمهور نظروا إلى معنى أدق وهو ما يتعلق بأمر العتق والترغيب فيه.
* قوله: (فَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى هَلْ عِلَّةُ هَذَا الْحُكْمِ حُرْمَةُ الْعِتْقِ، (أَعْنِي: أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِيهِ تَبْعِيضٌ)، أَوْ مَضَرَّةُ الشَّرِيكِ؟).
هل هي حرمة العتق وأن هذا العتق له مكانة في الإسلام؛ لأن الإسلام رغب فيه ونادى بإعتاق الرقيق، فلا شكَّ أن هذا حكمته ظاهرة وغايتة بينة وبارزة أو أن القصد عدم إدخال الضرر على الشريك؟ ولا أعتقد أن هذا مقصود وأن الأقرب لروح الشريعة هو قول جمهور العلماء.
стр. 8916
* قوله: (وَاحْتَجَّتِ الْحَنَفِيَّةُ بِمَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ، فَلَمْ يُنْكِرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِتْقَهُ (١).
وهذا له عدة احتمالات، الأول: هو أن الحديث فيه مقال وقد اختلفوا في صحته، الأمر الآخر: أنه أعتق نصفه لاحتمال أنه لا يملك غيره واحتمال أنه لا يستطيع أن يعتق الباقي.
* قوله: (وَمِنْ عُمْدَةِ الْجُمْهُورِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (٢)، وَأَبُو دَاوُدَ (٣) عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكٍ فَتَمَّمَ النَّبِيُّ ﵊ عِتْقَهُ، وَقَالَ: "لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ").
فأجازه النَّبِيّ ﷺ وفي رواية لابن كثير أجازه النَّبِيّ ﷺ ، وقوله: "وليس للّه شريك"، يؤيد مذهب الجمهور؛ لأن هذا القدر الذي يعتق من هذا العبد أصبح به العبد حرًّا طليقًا ليس متعبدًا إِلَّا للّه وحده فلا سلطة لأحد عليه في هذا الجزء، ولمَّا كان هذا الجزء حُرِّر للّه كصلىتَ فينبغي أن لا يكون هناك شريك للّه -والترغيب على عتق باقيه لا شكَّ أن هذا ملحظ جيد أخذ به جمهور العلماء واستمدوه من هذا النص وهو حديث صحيح.
* قوله: (وَعَلَى هَذَا فَقَدَ نَصَّ عَلَيَّ الْعِلَّةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا الْجُمْهُورُ).
стр. 8917
فهذا الحديث دلَّ على العلة التي أخذ بها الجمهور والعلماء وليس كما قال أبو حنيفة: هو إدخال الضرر على الشريك، وليس المراد هذا، وإنما المراد كما قال الجمهور: هو حرمة العتق والقصد والمحافظة على العتق والدفع إليه والترغيب فيه؛ ولهذا قال الرسول ﷺ : "ليس للّه شريك"، فهو يدفع إلى إعتاق الباقي حتى يكون خالصًا للّه ، وليس القصد بالعبودية وإنما القصد من ذلك هي الرقّ، أما العبودية بمعنى العبادة فهذه لا تجوز إِلَّا للّه ولا يختلف فيها إنسان عن آخر إذا كان حرًّا أو مملوكًا.
* قوله: (وَصَارَتْ عِلَّتُهُمْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا أَوْلَى مِنَ الْمُسْتَنْبَطَةِ).
فالجمهور أوردوا علَّةً، والحنفية أوردوا علة، وكأن المرأَة متردد بينهما فلما جاء هذا الحديث: "ليس للّه شريك"، في قصة ظاهرة تبين لنا أن علة الجمهور هي الصحيحة، وأن علة الجمهور منصوص عليها، وعلة أبو حنيفة إنما هي مستنبطة مفهومة، فكيف نقدم علة استنبطها أحد العلماء على علة جاء ذكرها في حديث عن رسول اللّه ﷺ ؟
* قوله: (فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَعَارُضُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ وَتَعَارُضُ الْقِيَاسِ. وَأَمَّا الْإِعْتَاقُ الَّذِي يَكُونُ بِالْمُثْلَةِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ: مَالِكٌ (١) وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ (٢): مَنْ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ أَعْتَقَ عَلَيْهِ، وَقَالَ
وليس هذا الأمر إيجابًا لكن كفارة هذا العمل هو أن يعتقه، وقضية الكفارة تدلُّ على أنه تكفير للذنب.
* قوله: (قَالُوا: فَلَمْ يَلْزَمِ الْعِتْقُ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا نُدِبَ إِلَيْهِ. وَلَهُمْ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّرْعِ هُوَ أَنَّهُ لَا يُكْرِهُ السَّيِّدَ عَلَى عِتْقِ عَبْلِإِ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الدَّلِيلُ).
والأصل في الشرع أن الإنسان لا يُجبر على إعتاق عبده تأييدًا لمذهب الجمهور.
* قوله: (وَأَحَادِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّتِهَا، فَلَمْ تَبْلُغْ مِنَ الْقُوَّةِ أَنْ يُخَصَّصَ بِهَا مِثْلُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ).
وحديث عمرو بن شعيب اختلفوا فيه لكن الحديث جاءت له متابعات وشواهد وأدلة لكن لا يقارن بالحديث الآخر؛ لأنه جاء في "صحيح مسلم" فلا شكَّ أن الحديث الثاني أصحُّ وأقوى؛ لأنه في "صحيح مسلم" وفي كتب السنن (١).
* قوله: (وَأَمَّا هَلْ يَعْتِقُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَحَدٌ مِنْ قَرَابَتِهِ، وَإِنْ عَتَقَ فَمَنْ يَعْتِقُ؟).
فإذا اشثرى إنسان قريبًا له فهل يعتق عليه أو لا يعتق؟ وهل المراد بالقريب أيُّ قريب يكون له أو قريب محدد؟
* قوله: (فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَى الرَّجُلِ بِالقَرَابَةِ).
الجمهور يرون هذا من حيث الجملة لكن عند التفصيل يحصل الخلاف.
* قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ (١) فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْعَمُودَيْنِ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ، وَخَالَفَهُ فِي الْإِخْوَةِ فَلَمْ يُوجِبْ عِتْقَهُمْ. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ (٢) فَأَوْجَبَ عِتْقَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ بِالنَّسَبِ كَالْعَمِّ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالِ وَالْخَالَةِ وَبَنَاتِ الْأَخِ، وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِمَّنْ هُوَ مِنَ الْإِنْسَانِ ذُو مَحْرَمٍ).
فيدخل في ذلك العمود الأعلى وهم الآباء وإن علوا، والعمود الأسفل وهم الأبناء وإن سفلوا، وهذا عند المالكية والشافعية، وكذلك الإخوة عند مالك، وكل أنثى يكون محرم لها، فهذا المذهب هو أشمل تلك المذاهب.
" قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِ أَهْلِ الظَّاهِرِ مَعَ الْجُمْهُورِ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ الْحَدِيثِ الثَّالِثِ).
فسبب الخلاف بين الجمهور وأهل الظاهر في إثبات الأصل.
" قوله: (وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊: "لَا يَجْزِي وَلَدٌ عَنْ وَالِدِهِ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ" خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ (٣) وَالتِّرْمِذِيُّ (٤) وَأَبُو دَاوُدَ (٥) وَغَيْرُهُمْ (٦)).
стр. 8922
لا يجزي، أي: لا يساوي ولا يكفي ولا يوازي ولد ما عمل له والده إِلَّا أن يشتريه فيعتقه؛ لأنه حرره من الرق.
* قوله: (فَقَالَ: الْجُمْهُورُ: يُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَاهُ وَجَبَ عَلَيْهِ عِتْقُهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ شِرَاؤُهُ (١). وَقَالَتِ الظَّاهِرِيَّةُ: الْمَفْهُومُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ شِرَاؤُهُ وَلَا عِتْقُهُ إِذَا اشْتَرَاهُ (٢)).
وجاءت رواية أخرى تنفي هذه التعليلات التي ذكرها أهل الظاهر ولم يوردها المؤلف، ولا شكَّ أن قولهم ضعيف، وقول الجمهور هو الظاهر.
* قوله: (قَالُوا: لِأَنَّ إِضَافَةَ عِتْقِهِ إِلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مِلْكِهِ لَهُ، وَلَوْ كَانَ مَا قَالُوا صَوَابًا، لَكَانَ اللَّفْظُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ فَيَعْتِقَ عَلَيْهِ).
стр. 8923
هذا كلُّه تعليل أهل الظاهر ولكنه مردود.
* قوله: (وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ مَا رَوَاهُ قَتَادَةُ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ فَهُوَ حُرٌّ" (١)، وَكَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ).
والشافعي يقول: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي، ولو صحَّ عندهم الحديث لعملوا به فنحن لا نلزمهم؛ لأنه لم يصحَّ عندهم وصحَّ عند غيرهم فعملوا به.
* قوله: (وَقَاسَ مَالِكٌ الْإِخْوَةَ عَلَى الأَبْنَاءِ وَالْآبَاءِ، وَلَمْ يُلْحِقْهُمْ بِهِمُ الشَّافِعِيُّ وَاعْتَمَدَ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ فَقَطْ، وَقَاسَ الْأَبْنَاءَ عَلَى الْآبَاءِ. وَقَدْ رَامَتِ الْمَالِكِيَّةُ أَنْ تَحْتَجَّ لِمَذْهَبِهَا).
رامت أي: قصدت، وسيأتي المؤلف بكلام غريب جدًّا وسينقذه بنفسه.
* قوله: (بِأَنَّ الْبُنُوَّةَ صِفَةٌ هِيَ ضِدُّ الْعُبُودِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ تَجْتَمِعُ مَعَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ [مريم: ٩٢] ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] وَهَذِهِ الْعُبُودِيَّةُ هِيَ مَعْنًى غَيْرِ الْعُبُودِيَّةِ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا).
وقد بدأ المؤلف يرد عليهم فيقول: إن العبودية ذكرت هنا لكن غير المعنى المراد؛ لأن هذه العبودية التي تكون بين العبد وبين سيده هي عبودية السلطة أو هيمنة عليه أما عبودية اللّه فهي عبودية الخضوع والذل والطاعة والاستكانة وعبادة اللّه فهذه لا تشبه تلك وليس مجرد كلمة عبودية يلتقي فيها.
стр. 8924
* قوله: (فَإِنَّ هَذِهِ الْعُبُودِيَّةَ مَعْقُولَةٌ وَبُنُوَّةٌ مَعْقُولَةٌ).
هذه العبودية التي للّه عبودية خضوع وطاعة وذلّ له وكذلك البنوة التي نفيت هي لا تليق باللّه ، فالعبودية والبنوة التي تقع بين المخلوقين واردة، لكن في هذا المقام لا تجتمع؛ لأنه لا يجتمع رقّ وابن في وقت واحد والقصد بذلك الحرية.
وما سنشرع في شرحه من المصنف ﵀ تابع لكلامه على الاختلاف في عتق القريب بالشراء، فقد ذكر أولا الفرق بين الجمهور وأهل الظاهر؛ فإن أهل الظاهر لم يلزموا شراء القريب، ولا جعلوه يعتق بالشراء، وأما الجمهور؛ فخالفوهم: واتفقول على أن الأصول والفروع يعتقون، وزاد مالك الحواشي، أي: الإخوة، وخالفه الشافعي. بينما وسعه أبو حنيفة ليشمل الرحم المحرم كالعمة والخالة.
ثم شرع ﵀ يقرر مذهب المالكية؛ فقال: " (وقد رامت المالكية أن تحتج لمذهبها بأن البنوة صفة هي ضد العبودية وأنه ليس تجتمع معها لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ ".
إيضاحه أن الآية دلَّت على أن العبودية تنافي الولدية؛ فأفاد أن الولد لا يكون عبدًا لأبيه (١).
وقد اعترض ابن رشد ذلك باعتراض دقيق، وهو أن العبودية في الآية الكريمة تختلف عن العبودية المقصودة في باب العتق؛ فقال: "وهذه العبودية هي معنى غير العبودية التي يحتجون بها فإن هذه العبودية للّه
стр. 8925
المذكورة في الآية معقولة المعنى، وكذلك البنوة معقولة. بخلاف العبودية المرادة في كتاب العتق".
* قوله: (وَالْعُبُودِيَّةُ الَّتِي بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ وَلِلْوِلَايَةِ هِيَ عُبُودِيَّةٌ بِالشَّرْعِ لَا بِالطَّبْعِ (أَعْنِي: بِالْوَضْعِ) لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ كَمَا يَقُولُونَ فِيهَا عِنْدَهُمْ، وَهُوَ احْتِجَاجٌ ضَعِيفٌ).
مراده: أن العبودية التي نقررها في هذا الكتاب (العتق) والتي بين المخلوقين بعضهم بعضًا، ويترتب عليها ثبوت الولاية بينهما؛ إذ المعتِق عصبة سببية لعبده يرثه إن لم يكن له وارث.
فهذه عبودية بالشرع، وليست بمقتضى الطبع؛ فلولا أن اللّه شرع هذه الأحكام، لما أمكن الاستقلال بفهمها، وتقريرها بحجج العقول.
وقوله: "وهو احتجاج ضعيف"، يعني: احتجاج المالكية بالآية، فهو ضعيف على ما بيَّنه ﵀.
* قوله: (وَإِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْبُنُوَّةَ تُسَاوِي الْأُبُى في جِنْسِ الْوُجُودِ أَوْ فِي نَوْعِهِ (١) أَعْنِي: أَنَّ الْمَوْجُودَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبٌ وَالْآخَرُ ابْنٌ هُمَا مُتَقَارِبَانِ جِدًّا، حَتَّى إِنَّهُمَا إِمَّا أَنْ يَكُونَا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ أَوْ جِنْسٍ وَاحِدٍ).
يعني: بخلاف ما بين العبد وربه؛ كما سيبين.
* قوله: (وَمَا دُونَ اللَّهِ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ فَلَيْسَ يَجْتَمِعُ مَعَهُ سُبْحَانَهُ فِي جِنْسٍ قَرِيبٍ وَلَا بَعِيدٍ، بَلِ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا غَايَةُ التَّفَاوُتِ، فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَوْجُودَاتِ الَّتِي هَاهُنَا شَيْءٌ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ نِسْبَةُ الْأَبِ إِلَى الِابْنِ، بَلْ إِنْ كَانَ نِسْبَةُ الْمَوْجُودَاتِ إِلَيْهِ نِسْبَةَ الْعَبْدِ إِلَى السَّيِّدِ كَانَ أَقْرَبَ
стр. 8926
إِلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ مِنْ نِسْبَةِ الِابْنِ إِلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّ التَّبَاعُدَ الَّذِي بَيْنَ السَّيِّدِ وَالْعَبْدِ فِي الْمَرْتَبَةِ أَشَدُّ مِنَ التَّبَاعُدِ الًّذِي بَيْنَ الْأَبِ وَالِابْنِ، وَعَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَا شَبَهَ بَيْنَ النِّسْبَتَيْنِ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَوْجُودَاتِ نِسْبَةٌ أَشَدُّ تَبَاعُدًا مِنْ هَذِهِ النِّسْبَةِ (أَعْنِي: تَبَاعُدَ طَرَفَيْهِمَا فِي الشَّرَفِ وَالْخِسَّةِ) ضُرِبَ الْمِثَالُ بِهَا (أَعْنِي: نِسْبَةَ الْعَبْدِ لِلسَّيِّدِ)).
معلوم أن ابن رشد ﵀ مُعرِق في الفلسفة، ومُتقن جدًّا لأبواب حجج العقول، وقد أجاد هنا نقد دليل المالكية، فالمراد في الآية الكريمة ذكر الفرق الهائل بين العبد وربه، مما يستحيل معه أن يكون ولدًا له. ولا تعرض في الآية للعبودية بالمعنى الشرعي (الرقّ لآدمي)، وفرق كبير جدًّا بين العبوديتين، كما قرَّر.
* قوله: (وَمَنْ لَحَظَ الْمَحَبَّةَ الَّتِي بَيْنَ الْأَبِ وَالِابْنِ وَالرَّحْمَةَ وَالرَّأْفَةَ وَالشَّفَقَةَ أَجَازَ أَنْ يَقُولَ فِي النَّاسِ إِنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ عَلَى ظَاهِرِ شَرِيعَةِ عِيسَى).
هذا استطراد من المؤلف، يزيد فيه بيان ضعف دليل المالكية؛ فيقول: أنه جاء في شريعة عيسى إطلاق "ابن الله" على مُحِبه، فهذه تسمية مجازية على بعض ظواهر الإنجيل، وليس مفادها البنوة الحقيقية، فبطل دليل المالكية؛ إذا صححنا هذه النسبة: فلان ابن اللّه، يعني: محبّه. أي: فهو مع كونه عبده، يُسمَّى ولده؛ فالولدية بهذا المعنى لا تنافي العبودية، فبطل استدلالهم بالآية (١).
стр. 8927
ولا نرى داعيًا لمثل هذا الاستدلال، فشريعة عيسى قد نُسِخت، ولا ندري أهذا مما فيها أمما حرفوه منها، وكان تقريره أوَّلًا كافيًا في الاستدلال.
ومع أن كلامه في التسمية بابن اللّه له وجه مجازي؛ كما يقال: ابن السبيل، ابن الكتب، … إِلَّا أن المنع من إطلاق هذه العبارات الموهمة هو الأصل، لا سيما والمؤلف مالكي يتوسع في سدِّ الذرائع.
* قوله: (فَهَذِهِ جُمْلَةُ الْمَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْعِتْقِ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَى الْإِنْسَان بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ).
أي: أنه فرغ من مقصود ببيان هذه الثلاث التي يعتق فيها العبد على سيده بغير اختياره، والتي أشار إليها آنفًا بقوله: "فهم ثلاثة من بعض العتق
стр. 8928
وهذا متفق عليه في أحد قسميه واثنان مختلف فيهما وهما من ملك من يعتق عليه ومن مَثَّل بعبده".
* قوله: (وَقَدِ اخْتَلَفُوا مِنْ أَحْكَامِ الْعِتْقِ فِي مَسْأَلَةٍ مَشْهُورَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالسَّمَاعِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ فِي مَرَضِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ. فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢) وَأَصْحَابُهُمَا، وَأَحْمَدُ (٣)، وَجَمَاعَة: إِذَا أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ وَلَا
стр. 8929
مَالَ لَهُ سِوَاهُمْ قُسِّمُوا ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ وَعُتِقَ مِنْهُمْ جُزْءٌ بِالْقُرْعَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِهِمْ).
مثاله: هلك هالك، وقد أعتق في مرض موته ستة أعبُدٍ لا مال له غيرهم، أو أوصى بعتقهم؛ فمالك والشافعي وأحمد على أنهم يقسمون ثلاثة أقسام، ويُعتق قسم منهم بالقرعة.
* قوله: (وَخَالَفَ أَشْهَبُ وَأَصْبَغُ مَالِكًا فِي الْعِتْقِ الْمُبَتَّلِ (١) فِي الْمَرَضِ، فَقَالَا جَمِيعًا: إِنَّمَا الْقُرْعَةُ فِي الْوَصِيَّةِ، وَأَمَّا حكْمُ الْعِتْقِ الْمُبَتَّلِ فَهُوَ كَحُكْمِ الْمُدَبَّرِ) (٢).
أفاد ﵀ أن أشهب وأصبغ من المالكية، وافق مالكًا في الموصى بعتقهم ولا مال له غيرهم، أنهم يقسمون ثلاثة أجزاء، فيعتق الثلث، ويرقُّ الباقون. وخالفوه في من نجز عتق عبيد - لا مال له غيرهم - في مرض موته المخوف، فجعل حكمهم حكم المدبر، وهو الذي أعتقه سيِّدُه عن دبر؛ كان قال: إذا متُّ فأنت حرٌّ.
стр. 8930
* قوله: (وَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الْمُدَبَّرِينَ (١) فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ إِذَا ضَاقَ عَنْهُمُ الثُّلُثُ أَنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ حَظِّهِ مِنَ الثُّلُثِ (٢). وَقَالَ: أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَاُبهُ فِي الْعِتْقِ الْمُبَتَّلِ: "إِذَا ضَاقَ عَنْهُ الثُّلُثُ أَنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُ ثُلُثُهُ") (٣).
ولا يختلف قول مالك في المدبر أنه لا يكمل العتق في بعضهم، بل يعتق من كل واحد بعضه بالقيمة إذا جاوزوا الثلث.
وأما أبو حنيفة، فقال في من نجز عتقه في المرض: "يعتق من كل واحد ثلثه".
وقال الغير: يعتق من الجميع الثلث، فلو هلك هالك، وقد نجز عتق ثلاثة أعبد في مرض موته المخوف، وقيمة الأول: ٣٠٠، والثاني: ٦٠٠، والثالث، ١٢٠٠ من الدارهم؛ فالقدر الذي يعتق ما قيمته ٧٠٠، تُوزع على الثلاثة، فيعتق من الأول: ١٠٠، ومن الثاني: ٢٠٠، ومن الثالث: ٤٠٠.
ووافقه أبو حنيفة إذا نجز عتقهم، ولم يكملوا العتق في أحد منهم.