← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.

стр. 8926

إِلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ مِنْ نِسْبَةِ الِابْنِ إِلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّ التَّبَاعُدَ الَّذِي بَيْنَ السَّيِّدِ وَالْعَبْدِ فِي الْمَرْتَبَةِ أَشَدُّ مِنَ التَّبَاعُدِ الًّذِي بَيْنَ الْأَبِ وَالِابْنِ، وَعَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَا شَبَهَ بَيْنَ النِّسْبَتَيْنِ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَوْجُودَاتِ نِسْبَةٌ أَشَدُّ تَبَاعُدًا مِنْ هَذِهِ النِّسْبَةِ (أَعْنِي: تَبَاعُدَ طَرَفَيْهِمَا فِي الشَّرَفِ وَالْخِسَّةِ) ضُرِبَ الْمِثَالُ بِهَا (أَعْنِي: نِسْبَةَ الْعَبْدِ لِلسَّيِّدِ)). معلوم أن ابن رشد ﵀ مُعرِق في الفلسفة، ومُتقن جدًّا لأبواب حجج العقول، وقد أجاد هنا نقد دليل المالكية، فالمراد في الآية الكريمة ذكر الفرق الهائل بين العبد وربه، مما يستحيل معه أن يكون ولدًا له. ولا تعرض في الآية للعبودية بالمعنى الشرعي (الرقّ لآدمي)، وفرق كبير جدًّا بين العبوديتين، كما قرَّر. * قوله: (وَمَنْ لَحَظَ الْمَحَبَّةَ الَّتِي بَيْنَ الْأَبِ وَالِابْنِ وَالرَّحْمَةَ وَالرَّأْفَةَ وَالشَّفَقَةَ أَجَازَ أَنْ يَقُولَ فِي النَّاسِ إِنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللَّهِ عَلَى ظَاهِرِ شَرِيعَةِ عِيسَى). هذا استطراد من المؤلف، يزيد فيه بيان ضعف دليل المالكية؛ فيقول: أنه جاء في شريعة عيسى إطلاق "ابن الله" على مُحِبه، فهذه تسمية مجازية على بعض ظواهر الإنجيل، وليس مفادها البنوة الحقيقية، فبطل دليل المالكية؛ إذا صححنا هذه النسبة: فلان ابن اللّه، يعني: محبّه. أي: فهو مع كونه عبده، يُسمَّى ولده؛ فالولدية بهذا المعنى لا تنافي العبودية، فبطل استدلالهم بالآية (١).

стр. 8927

ولا نرى داعيًا لمثل هذا الاستدلال، فشريعة عيسى قد نُسِخت، ولا ندري أهذا مما فيها أمما حرفوه منها، وكان تقريره أوَّلًا كافيًا في الاستدلال. ومع أن كلامه في التسمية بابن اللّه له وجه مجازي؛ كما يقال: ابن السبيل، ابن الكتب، … إِلَّا أن المنع من إطلاق هذه العبارات الموهمة هو الأصل، لا سيما والمؤلف مالكي يتوسع في سدِّ الذرائع. * قوله: (فَهَذِهِ جُمْلَةُ الْمَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْعِتْقِ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَى الْإِنْسَان بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ). أي: أنه فرغ من مقصود ببيان هذه الثلاث التي يعتق فيها العبد على سيده بغير اختياره، والتي أشار إليها آنفًا بقوله: "فهم ثلاثة من بعض العتق

стр. 8928

وهذا متفق عليه في أحد قسميه واثنان مختلف فيهما وهما من ملك من يعتق عليه ومن مَثَّل بعبده". * قوله: (وَقَدِ اخْتَلَفُوا مِنْ أَحْكَامِ الْعِتْقِ فِي مَسْأَلَةٍ مَشْهُورَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالسَّمَاعِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ فِي مَرَضِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ. فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢) وَأَصْحَابُهُمَا، وَأَحْمَدُ (٣)، وَجَمَاعَة: إِذَا أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ وَلَا

стр. 8929

مَالَ لَهُ سِوَاهُمْ قُسِّمُوا ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ وَعُتِقَ مِنْهُمْ جُزْءٌ بِالْقُرْعَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْوَصِيَّةِ بِعِتْقِهِمْ). مثاله: هلك هالك، وقد أعتق في مرض موته ستة أعبُدٍ لا مال له غيرهم، أو أوصى بعتقهم؛ فمالك والشافعي وأحمد على أنهم يقسمون ثلاثة أقسام، ويُعتق قسم منهم بالقرعة. * قوله: (وَخَالَفَ أَشْهَبُ وَأَصْبَغُ مَالِكًا فِي الْعِتْقِ الْمُبَتَّلِ (١) فِي الْمَرَضِ، فَقَالَا جَمِيعًا: إِنَّمَا الْقُرْعَةُ فِي الْوَصِيَّةِ، وَأَمَّا حكْمُ الْعِتْقِ الْمُبَتَّلِ فَهُوَ كَحُكْمِ الْمُدَبَّرِ) (٢). أفاد ﵀ أن أشهب وأصبغ من المالكية، وافق مالكًا في الموصى بعتقهم ولا مال له غيرهم، أنهم يقسمون ثلاثة أجزاء، فيعتق الثلث، ويرقُّ الباقون. وخالفوه في من نجز عتق عبيد - لا مال له غيرهم - في مرض موته المخوف، فجعل حكمهم حكم المدبر، وهو الذي أعتقه سيِّدُه عن دبر؛ كان قال: إذا متُّ فأنت حرٌّ.

стр. 8930

* قوله: (وَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الْمُدَبَّرِينَ (١) فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ إِذَا ضَاقَ عَنْهُمُ الثُّلُثُ أَنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ حَظِّهِ مِنَ الثُّلُثِ (٢). وَقَالَ: أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَاُبهُ فِي الْعِتْقِ الْمُبَتَّلِ: "إِذَا ضَاقَ عَنْهُ الثُّلُثُ أَنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُ ثُلُثُهُ") (٣). ولا يختلف قول مالك في المدبر أنه لا يكمل العتق في بعضهم، بل يعتق من كل واحد بعضه بالقيمة إذا جاوزوا الثلث. وأما أبو حنيفة، فقال في من نجز عتقه في المرض: "يعتق من كل واحد ثلثه". وقال الغير: يعتق من الجميع الثلث، فلو هلك هالك، وقد نجز عتق ثلاثة أعبد في مرض موته المخوف، وقيمة الأول: ٣٠٠، والثاني: ٦٠٠، والثالث، ١٢٠٠ من الدارهم؛ فالقدر الذي يعتق ما قيمته ٧٠٠، تُوزع على الثلاثة، فيعتق من الأول: ١٠٠، ومن الثاني: ٢٠٠، ومن الثالث: ٤٠٠. ووافقه أبو حنيفة إذا نجز عتقهم، ولم يكملوا العتق في أحد منهم.

стр. 8931

* قوله: (وَقَالَ الْغَيْرُ: بَلْ يُعْتَقُ مِنَ الْجَمِيعِ ثُلُثُهُ (١). فَقَوْمٌ مِنْ هَؤُلَاءِ اعْتَبَرُوا فِي ثُلُثِ الْجَمِيعِ الْقِيمَةَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ (٢)، وَالشَّافِعِيِّ (٣)، وَقَوْمٌ اعْتَبَرُوا الْعَدَدَ (٤). فَعِنْدَ مَالِكٍ (٥) إِذَا كَانُوا سِتَّةَ أَعْبُدٍ مَثَلًا عُتِقَ مِنْهُمُ الثُّلُثُ بِالْقِيمَةِ كَانَ الْحَاصِلُ فِي ذَلِكَ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكثَرَ، وَذَلِكَ أَيْضًا بِالْقُرْعَةِ بَعْدَ أَنْ يُجْبَرُوا عَلَى الْقِسْمَةِ أَثْلَاثًا، وَقَالَ قَوْمٌ: بَلِ الْمُعْتَبَرُ الْعَدَدُ، فَإِنْ كَانُوا سِتَّةً عُتِقَ مِنْهُمُ اثْنَانِ وَإِنْ كَانُوا مَثَلًا سَبْعَةً عُتِقَ مِنْهُمُ اثْنَانِ وَثُلُثٌ). ومعنى اعتبار العدد: أن يعتق واحد من ثلاثة، واثنان من ستة، ولا يتبعض العتق فيعتق من كل واحد بعضه دون بعض. * قوله: (فَعُمْدَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ مَا رَوَاهُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ

стр. 8932

الْحُصَيْنِ: "أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً" خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مُسْنَدًا، وَأَرْسَلَهُ مَالِكٌ (١). وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ مِنْ رَدِّ الْآثَارِ الَّتِي تَأْتِي بِطِرِيقِ الْآحَادِ إِذَا خَالَفَتْهَا الْأُصُولُ الثَّابِتَةُ بِالتَّوَاتُرِ. وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَ السَّيِّدُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْعِتْقَ تَامًّا، فَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَنَفَذَ بِإِجْمَاعٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَجَبَ أَنْ يَنْفُذَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ الثُّلُثِ الْجَائِزِ فِعْلُ السَّيِّدِ فِيهِ). إلى هنا تمَّت حجة أبي حنيفة، وكأنه ردَّ الحديث لمخالفة الأصول، وبين تقرير ذلك، ثم شرع ابن رشد يجيب عن ثلاثة. * قوله: (وَهَذَا الْأَصْلُ لَيْسَ بَيِّنًا مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَهُ: إِنَّهُ إِذَا أُعْتِقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الثُّلُثُ دَخَلَ الضَّرَرُ عَلَى الْوَرَثَةِ وَالْعَبِيدِ الْمُعْتَقِينَ، وَقَدْ أَلْزَمَ الشَّرْعُ مُبَعِّضَ الْعِتْقِ أَنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا لَمْ يُمْكِنُ هَاهُنَا أَنْ يُتَمَّمَ عَلَيْهِ جَمْعٌ فِي أَشْخَاصٍ بِأَعْيَانِهِمْ لَكِنْ مَتَى اعْتُبِرَتِ الْقِيمَةُ فِي ذَلِكَ دُونَ الْعَدَدِ أَفْضَتْ إِلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَهُوَ تَبْعِيضُ الْعِتْقِ، فَلِذَلِكَ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُعْتَبَرَ الْعَدَدُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَكَانَ الْجُزْءُ الْمُعْتَقُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ فَوَجَبَ أَنْ يُجْمَعَ فِي أَشْخَاصٍ بِأَعْيَانِهِمْ أَصْلُهُ حَقُّ النَّاسِ). وهذا جواب سديد، فهدا أصل بذاته مستقلٌّ، وهو أن الشرع يرغِّب في تكميل العتق، كما تقدم الكلام على من أعتق شركًا له في عبد؛ فمصلحة تكميل العتق أولى من تجزئ العتق على الورثة، والعبيد، فهنا أصل آخره جرى عليه الحديث، دون الأصل الذي تفطن له الحنفية، ومن

стр. 8933

أراد التوسع في ذلك فليراجع كلام ابن القيم على حديث المصراة في "أعلام الموقعين". والواجب أن يُلتزم بدلالة الحديث، ولو لم نعلم العلة، ولكن ابن رشد ﵀ أجاد تقرير هذا الأصل. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي مَالِ الْعَبْدِ إِذَا أُعْتِقَ لِمَنْ يَكُونُ، فَقَالَتْ طَائِفَة: الْمَالُ لِلسَّيِّدِ، وَقَالَتْ طَائِفَة: مَالُهُ تَبَعٌ لَهُ، وَبِالْأَوَّلِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنَ الصَّحَابَةِ (١)، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ (٣)، وَأَحْمَدُ (٤)، وَإِسْحَاقُ (٥)، وَبِالثَّانِي قَالَ ابْنُ عُمَرَ (٦)، وَعَائِشَةُ (٧)، وَالْحَسَنُ (٨)، وَعَطَاءٌ (٩)، وَمَالِكٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ (١٠). وَالْحُجَّةُ لَهُمْ حَدِيثُ

стр. 8934

ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْتَق عَبْدًا فَمَالُهُ لَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ السَّيِّدُ مَالَهُ" (١)). أما الطائفة الأولى فأعملوا حديث: "من باع عبدًا له مال، فماله للبائع إِلَّا أن يشترطه المبتاع" ففيه إثبات أن الأصل أن ماله للبائع مع الإجماع - حكاه ابن عبد البر في "التمهيد" - على أن للسيد نزع المال عن عبده، وضعفوا خبر ابن عمر؛ قال ابن عبد البر: "وروي بنحو هذا القول في العتق أيضًا خبر مرفوع إلى النَّبِيّ ﷺ من حديث ابن عمر، ولكنه خطأ عند أهل العلم بالنقل". وأما مالك فجمع بين الحديثين فجعل المال للبائع إذا باعه، وللعبد إذا أعتق إِلَّا أن يستثنيه السيد وفاقًا لابن شهاب الزُّهري. * قوله: (وَأَمَّا أَلْفَاظُ الْعِتْقِ، فَإِنَّ مِنْهَا صَرِيحًا وَمِنْهَا كِنَايَةً عِنْدَ أَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَمَّا الألْفَاظُ الصَّرِيحَةُ، فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتَ حُرٌّ، أَوْ أَنْتَ عَتِيق وَمَا تَصَرَّفَ مِنْ هَذِهِ، فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ تُلْزِمُ السَّيِّدَ بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ (٢) … وَأَمَّا الْكِنَايَةُ فَهِيَ مِثْلُ قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: لَا سَبِيلَ لِي

стр. 8935

عَلَيْكَ، أَوْ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْكَ، فَهَذِهِ يَنْوِي فِيهَا سَيِّدُ الْعَبْدِ، هَلْ أَرَادَ بِهِ الْعِتْقَ أَمْ لَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ؟ (١).

стр. 8936

فإذا تكلم السيد بالكناية لم يقع العتق إِلَّا إذا نوى بها العتق، بخلاف الصريح، وقد تقدم لنا نظير ذلك في الطلاق. * قوله: (وَمِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ فِي هَذَا الْبَابِ إِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: يَا بُنَيَّ، أَوْ قَالَ: يَا أَبِي، أَوْ يَا أُمِّي، فَقَالَ قَوْمٌ وَهُمُ الْجُمْهُورُ: لَا عِتْقَ يَلْزَمُهُ (١)، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَقُ عَلَيْهِ (٢)، وَشَذَّ زُفَرُ فَقَالَ: لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: هَذَا ابْنِي، عُتِقَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ لَهُ عِشْرُونَ سَنَةً وَلِلسَّيِّدِ ثَلَاثُونَ سَنَةً (٣)). وإنما قال الجمهور ذلك؛ لأن قوله: "يا بني"، أو "يا أبتِ" يمكن أن تُقال من باب الشفقة، فقالوا: لا يقع بها عتق إِلَّا بالنية. وأما أبو حنيفة؛ فالعتق عنده هنا من باب الإقرار؛ فكأنه أقرَّ على نفسه بنسب من لا يُعلم نسبه، ولذا شرطوا إمكان ذلك؛ فقالوا: "إذا كان يولد مثله لمثله، فإن كان لا يولد مثله لمثله اختلف الحكم، ووجه شذوذ زفر أنه جوَّز ذلك - ولو كان يستحيل أن يكون ابنه - فإن دعوى البلوغ عند

стр. 8937

الحنفية لا تقبل حتى يتمَّ له اثنا عشر سنة، وبالتالي، لا يمكن أن يكون له ولد - وبينهما أقل من هذه المدة مضافًا إليها أقل مدة الحمل؛ جاء في "البحر الرائق" (٨/ ٩٦): (ويفتى بالبلوغ فيهما بخمسة عشر سنة) عند أبي يوسف ومحمد وهذا ظاهر لا يحتاج إلى الشرح قال ﵀: (وأدنى المدة في حقِّه اثنتا عشرة سنة وفي حقها تسع سنين) يعني: لو ادَّعيا البلوغ في هذه المدة تقبل منهما ولا تقبل فيما دون ذلك؛ لأن الظاهر تكذيبه. انتهى. فكون الفرق بينه وبين ابنه عشر سنين مما يُحيل كونه ولده. * قوله: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: مَا أَنْتَ إِلَّا حُرٌّ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ ثَنَاءٌ عَلَيْهِ وَهُمُ الْأَكْثَرُ (١)، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ حُرٌّ (٢)، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (٣)).

стр. 8938

أي: إنك تعمل عمل الأحرار، وعندك وفاء الأحرار، ونحو ذلك، وأعمل الحسن ظاهر لفظه. * قولهرء: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَنْ نَادَى عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ بِاسْمِهِ، فَاسْتَجَابَ لَهُ عَبْدٌ آخَرُ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ، وَقَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ الْأوَّلَ، فَقِيلَ يُعْتَقَانِ عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَقِيلَ: يَنْوِي). أي: يقع عتق من نواه سواء المنادَى أو المجيب. * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ فَهُوَ حُرٌّ دُونَ الْأُمِّ (١). وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَعْتَقَ أَمَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَهُ

стр. 8939

اسْتِثْنَاؤُهُ (١)، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُمَا حُرَّانِ (٢)). ومن رأى أنهما يعتقان معًا؛ قاسوه على من أعتق بعض عبده، فمن أعتق بعضه عتق عليه كله، ومن صحح الاستثناء؛ فلأنه قول ابن عمر، وأبي هريرة ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة، وبه أخذ الإمام أحمد. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي سُقُوطِ الْعِتْقِ بِالْمَشِيئَةِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا اسْتِثْنَاءَ فِيهِ كَالطَّلَاقِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٣)، وَقَالَ قَوْمٌ: يُؤَثِّرُ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ كَالطَّلَاقِ (٤) (أَعْنِي: قَوْلَ القَائِلِ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ)، وَكَذَلِكَ

стр. 8940

اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ الْعِتْقِ بشَرْطِ الْمِلْكِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَقَعُ (١)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: لَا يَقَعُ (٢)، وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ ﵊: "لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدمَ" (٣). وَحُجَّةُ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ تَشْبِيهُهُمْ إيَّاهُ بِالْيَمِينِ). ووجه التشبيه باليمين أنه ينعقد - ولو قبل العقد -، ولا يتعلق به؛ فلو أن إنسانًا حلف ألا يكلم فلانة، قتزوجها فيمينها على حالها، فنظيره لو قال: إن ملكت زيدًا فهو حر؛ فمن قال: لا يعتق؛ قالوا: شرط العتق الملك، ومن شبهه باليمين أوقع العتق. * قوله: (وَأَلْفَاظُ هَذَا الْبَابِ شَبِيهَةٌ بِأَلْفَاظِ الطَّلَاقِ، وَشُرُوطُهُ كَشُرُوطِهِ، وَكَذَلِكَ الْأَيْمَانُ فِيهِ تَشَبِيهُهُ بِأَيْمَان الطَّلَاقِ). مراده ما يتعلَّق بالأحكام المتعلقة بالألفاظ: كأن قال: "أنت حر إن أكلت لحمًا" فأكل سمكًا، فهل يعتق؟ ينظر ما ذكروه في باب الأيمان، والطلاق.

стр. 8941

* قوله: (وَأَمَّا أَحْكَامُهُ فَكَثِيرَةٌ: مِنْهَا أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ الْأبْنَاءَ تَابِعُونَ فِي الْعِتْقِ وَالْعُبُودِيَّةِ لِلأمِّ (١)، وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ عَرَبِيًّا (٢)). ولذلك حرم اللّه نكاح الأمة مع إمكان نكاح حرة أو شراء أمة؛ لأن أولادها يتبعونها في الرق. * قوله: (وَمِنْهَا: اخْتِلَافُهُمْ فِي الْعِتْقِ إِلَى أَجَلٍ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا إِنْ كَانَتْ جَارِيَةً وَلَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٣)، وَقَالَ قَوْمٌ: لَهُ جَمِيعُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ (٤)، وَالشَّافِعِيُّ (٥)).

стр. 8942

كأن قال لأمته: أنت عتيقة أول محرم، فاختلفوا في جواز هذه التصرفات في هذه المدة. قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ اشْتِرَاطِ الْخِدْمَةِ عَلَى الْمُعْتَقِ مُدَّةً مَعْلُومَةً بَعْدَ الْعِتْقِ وَقَبْلَ الْعِتْقِ (١)). كأن أعتقه بشرط أن يخدمه بعد عتقه سنة، وكذلك لو اشترطها قبل العتق، أو علق العتق عليها فقال: إن خدمتني سنة فأنت حرٌّ. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ بِعْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا بَاعَهُ لَمْ يَمْلِكْ عِتْقَهُ، وَقَالَ: إِنْ بَاعَهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ (أَعْنِي: مِنْ مَالِ الْبَائِعِ إِذَا بَاعَهُ)، وَبِهِ قَالَ مَالكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)،

стр. 8943

وَبِالْأَوَّلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (١)، وَالثَّوْرِيُّ (٢)). وجه قول أبي حنيفة، أنه لما تمَّ البيع، لم يصحَّ العتق؛ لأنه يعتق ما لا يملك. وأما مالك والشافعي فغلبوا سراية العتق، لقوته، أو حملًا لقول: إذا بعتك على ابتداء البيع؛ قال عليش: "قال ابن رشد قول مالك - رضي الله تعالى عنه - فيمن قال لعبده: أنت حر إن بعتك يعتق على البائع استحسان على غير قياس والقياس فيها قول من قال: لا شيء على البائع؛ لأن العتق إنما وقع من البائع بعد حصول العبد لمشتريه، ومثله أختار اللخمي. وفي توجيه المشهور بأن العتق والبيع وقعا معًا فغلب العتق لقوته كتبدئته في الوصايا أو بأن محمله فأنت حر قبل بيعي إياك " (٣). قوله: (وَفُرُوعُ هَذَا الْبَابِ كثِيرَةٌ، وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ). ومنهج المؤلف الاكتفاء بالمسائل التي هي كالقواعد، فاكتفى بذلك. على أنه في زماننا قد يحسن الاكتفاء بعرض مقاصد الباب دون كثير من التفاصيل يقل الانتفاع بها؛ قال النووي: "وأسلك فيه أيضًا مقصودًا صحيحًا، وهو أن ما كان من الأبواب التي لا يعم الانتفاع بها لا أبسط

стр. 8944

الكلام فيها لقلة الانتفاع بها وذلك ككتاب اللعان وعويص الفرائض وشبه ذلك لكن لا بد من ذكر مقاصدها" (١). انتهى. والله أعلم. قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 8945

([كِتَابُ الكِتَابَةِ]) الكتابة والمكاتبة لغةً: مأخوذة من كَتَبَ، بمعني: أوجب وألزم (١)، وكاتب السَّيِّدُ عبدَه: اتَّفق معه على أن يكون حرًّا إذا أدَّى قدْرًا مُعيَّنًا من المال. واصطلاحًا: إعتاق العبدِ نفسَه من سيده بمال يكون في ذمته يُؤدَّى مؤجَّلًا. والمكاتِب - بكسر التاء -: من تقع منه الكتابة نفسها، وبفتحها: العبد المعُلَّق عتقه بمالٍ يدفعه مؤجَّلًا لسيده. وسميت كتابة ومكاتبة لتلك الكتابة التي تتم بين السيد وعبده بما اتفقا عليه، عن طريق العقد. قوله: (والنظر الكلي في الكتابة ينحصر في أركانها، وشروطها، وأحكامها).

стр. 8946

يتميز المؤلف ﵀ في كتابه بحسن التقسيم، فإنه عادة ما يمهِّد في مقدمة كل كتاب أو باب بإجمال يكون إشارة إلى ما سيُذكَر تفصيلًا. وكما ذكرنا من قبل أن هذا التمهيد بمثابة ضوء ينير الطريق لدارسي هذا الكتاب، وهو بلا شك منهج جيد يستفيد منه من يقرأ هذا الكتاب وأمثاله؛ لأن الطالب إذا قرأ مثل تلك التمهيدات استطاع أن يستحضر ما لديه من معلومات تجاه تلك المسائل، ثم يلجَ (١) تلك التفصيلات وذاك البيان والشرح، وما يعرض له من خلاف ومن أدلة حتَّى يتبين له ذلك الأمر. قوله: (أَمَّا الْأَرْكَانُ فَثَلَاثَةٌ: الْعَقْدُ وَشُرُوطُهُ وَصِفَتُهُ، وَالْعَاقِدُ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَصِفَاتُهُمَا، وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْمَسَائِلَ الْمَشْهُورَةَ لِأَهْلِ الْأَمْصَارِ فِي جِنْسٍ جِنْسٍ مِنْ هَذِهِ الْأجْنَاسِ). أي: سيذكر المؤلف ﵀ أمهات المسائل كعادته" وقد نبَّه مرات على أنه ما وضع هذا الكتاب ليجمع فيه الفروع ويستقصيها، وإنما وضعه ليجمع فيه أصول المسائل وأمهاتها الكبرى. قوله: (الْقَوْلُ فِي مَسَائِلِ الْعَقْدِ. فَمِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْجِنْسِ الْمَشْهُورَةِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ، هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ؟). اختلف الفقهاء في حكم العقد الذي يتم بين السيد وعبده أو مملوكه بين الوجوب والندب، فبعضهم حمل الأمر في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] على الوجوب، وهم الظاهرية (٢)،

стр. 8947

وبعضهم حمله على الندب، وهم الجمهور (١). وتفصيل المسألة: أن صيغة " كاتِبُوهم " أمرية، فإن حُمِلت على ظاهرها دلَّت على الوجوب، وإن وُجد صارف يصرفها من الوجوب حُملت على الندب. وحملها الظاهرية على الوجوب، وحملها الجمهور على الحضِّ والترغيب والإرشاد بأن ييسر السيد الطريق لمملوكه كي يعتق نفسه عن طريق الكتابِ. والقائلون بالوجوب قلة، أما القائلون بالندب فهم أكثر العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة: أبو حنيفة (٢)، ومالك (٣)، والشافعي (٤)، وأحمد (٥)، وللإمام أحمد رواية أخرى، ولكن روايته المشهورة مع الجمهور (٦).

стр. 8948

وكثيرًا ما يشير المؤلف ﵀ إلى الأئمة الأربعة ضمن فقهاء الأمصار، وقد تمسكوا بالأصل الوارد في ذلك. ومن المعلوم أنه لا يلزم السيد أن يبيع عبده إلى شخص آخر إن طلب منه عبده ذلك، أما لو ألحقَ السَّيدُ الضررَ بعبده وتجاوز حدود الشريعة فتلك مسألة أخبرى (١). وقطع جمهور العلماء أنَّ هذه مسألة لا خلاف فيها؛ فلا يلزم السيد أن يبيعه إن طلب ذلك، وكذلك أيضًا المكاتبة، لا يلزمه أن يكاتبه إن طلب ذلك. وكذلك لو طلب العبد من سيده أن يدبَره؛ أي: يعتقة عن دبر- أي: بعد الموت -، بمعني: أن قيد عتقه موقوف على وفاة سيده، وسمي بذلك لأنه ينفذ في دبر الحياة. وكذلك لو قال لسيده: زوجني، فهذه مسائل مجمع عليها بأنه لا يلزم السيد إذا طلب العبد منه أن يعتقه، أو يدبره، أو يزوجه أن يجيبه إلى مطلبه. وأمَّا الظاهرية من السلف - وهي رواية أيضًا عن الإمام أحمد، لكنها ليست مشهورة - أخذوا بظاهر الآية، وقالوا بوجوب الأمر، فعلى السيد إذا طلب منه مملوكه أن يكاتبه فليكاتبه عملًا بقول الله : ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ

стр. 8949

فِيهِمْ خَيْرًا﴾، وحجتهم: أن الآية باقية على ظاهرها ولا يوجد ما يصرفها عن الوجوب، والأصول المجمع عليها تتعارض مع وجوب الكتابة، والكتابة كغيرها من العتق وطلب التزويج والتدبير والبيع، فكما أنه لا يلزم السيد هناك فكذلك لا يلزمه هنا. وقد استدل من قال بوجوب الكتابة بأثر عُمر بن الخطاب ﵁ حيثُ كان سيرين - والد محمد بن سيرين - مولًى لأنس بن مالك ﵁، وهو الصحابي الجليل الذي خدم رسول الله ﷺ عشر سنوات، وكان سيرين ذا مال كثير، فطلب من أنس ﵁ أن يكاتبه، فأبي أنس، فرفع سيرين أمره إلى عمر بن الخطاب ﵁، فطلب منه عمر أن يكاتبه، فأبي أنس، فرفع عمر الدرة على أنس، وأمره أن يكاتبه، وتلا آية النور: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (١). فقالوا: ما فعله عمر من تلاوته للآية ورفعه للدرة على أنس بهذه المناسبة بيان وتفسير لتلك الآية. أمَّا الجمهورُ فقالوا: إن لعمرَ ﵁ رأيًا، وكذلك أيضًا لأنسٍ رأي آخر، وكلاهما صاحبان جليلان، فكما أن عمر يرى الوجوب، فأنس لا يري الوجوب؛ لأنه لو كان واجبًا عنده ﵁ لأسرع إلى فعله؛ فالصحابة - رضوان الله عليهم - من أسرع الناس وأسبقهم إلى امتثال أوامر الله ورسوله. وقالوا أيضًا: قد جاء في رواية أخرى أن عمر ﵁ رفع الدرة على أنس؛ لأنه أبى أن يأتيه ليساعده في المال (٢) وهذا المعني في نفس الآية؛

стр. 8950

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ وقد اختلف الأئمة الأربعة فيما يتعلق بالآية؛ فالشافعية والحنابلة: قالوا بالوجوب، والمالكية والحنفية: قالوا بعدم الوجوب، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله. قوله: (فَقَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ). ومنهم الأئمة الأربعة. قوله: (إِنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: هُوَ وَاجِبٌ (١)، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ أَنْ لَا يُجْبَرَ أَحَدٌ عَلَى عِتْقِ مَمْلُوكِهِ). الأصل الشرعي ألَّا يُجبَر المالك أن يبيع أو يعتق رقبة يملكها، فكما لا يُجبَر أن يبيع داره وسيارته فكذلك لا يُجبر أن يبيع مملوكه أو يعتقه، ويجبر استثناءً على بيع داره في بعض الحالات؛ كتعارض هذه الدار مع حاجة المجتمع بأن تقع في طريق يحتاجه المسلمون، أو ينتفعون منه عمومًا، فإذا تعارضت مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة قُدِّمت مصلحة الجماعة قطعًا (٢). قوله: (حَمَلُوا هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى النَّدْبِ لِئَلَّا تَكُونَ مُعَارِضَةً لِهَذَا

стр. 8951

الْأَصْلِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ أَنْ يُحْكَمَ لَهُ عَلَى سَيِّدِهِ بِالْبَيْعِ لَهُ، وَهُوَ خُرُوجُ رَقَبَتِهِ عَنْ مِلْكِهِ بِعِوَضٍ). فلا يلزم السيد رفع شكاية للقاضي ضد مملوكه إن طلب منه أن يبيعه؛ لأنه خالص ماله، ولا يجوز أن يُلزمه أحدٌ على بيعه كذلك، لكن يلزمه أمور تجاه مملوكه كأن يحسن إليه، ولا يؤذيه؛ بل قال رسول ﷺ : "إِذَا جَاءَ خَادِمُ أَحَدِكُمْ بِطَعَامِهِ، فَلْيَبْدَأْ بِهِ فَلْيُطْعِمْهُ، أَوْ لِيُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَإِنَّهُ وَليَ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ " (١)، بمعني: أن الخادم لو صنع طعامًا لسيده فلا شك أنه سيناله شيء من حرارة ودخان ذلك الطعام الذي تعب فيه وشم رائحته، فعلى السيد أن يطعمه منه، وهذا من باب الإحسان. قوله: (فَأَحْرَى أَنْ لَا يُحْكَمَ لَهُ عَلَيْهِ بِخُرُوجِهِ عَنْ غَيْرِ عِوَضٍ هُوَ مَالِكُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ كسْبَ الْعَبْدِ هُوَ لِلسَّيِّدِ) (٢).

стр. 8952

فمال السيد أو جزء منه ربما يكون من كسب عبده؛ حيث كانوا قديمًا يمكثون في منازلهم، ويعمل عبيدهم عندهم أو عند غيرهم، ويجلبون المال لأسيادهم، فجدير بسيد ذلك العبد أن يعينه ويساعده ويرفق به، بأن يفتح له طريقًا للمكاتبة والعتق، ولا يلزمه عتقه؛ إنما ما يفعله معه من باب المساعدة والإحسان. قوله: (وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ أَقْرَبُ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَحْكَامِ الْعَقْدِ مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَرْكانِهِ). لأن المسألة تتعلق بالعقد الذي يتم بينهم، بين وجوبه أو لا، يقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فمذهب الجمهور هنا واضح الدلالة. قوله: (وَهَذَا الْعَقْدُ بِالْجُمْلَةِ هُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ وَمَالَهُ مِنْ سَيّدِهِ بِمَالٍ يَكْتَسِبُهُ الْعَبْدُ). تعريف الكتابة: إعتاق السيِّد عبدَه على مالٍ يُؤدَّى مؤجَّلًا (١).

стр. 8953

وبعضهم لا يقيده بـ "مؤجل "، لجواز الكتابة الحالية عنده (١)، وسيأتي التفصيل فيها، وأدلة الذين قالوا بعدم جوازها حالة، واشتراطهم التأجيل فيها، وأن تكون على أنجم، وأقلها أن تكون على نجمين، وقد ورد ذلك عن عثمان ﵁ (٢). قوله: (فَأَرْكَانُ هَذَا الْعَقْدِ: الثَّمَنُ وَالْمَثْمُونُ، وَالْأَجَلُ، وَالْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى هَذَا الْعَقْدِ). فالثمن: هو المال المتفق عليه، وبتم سداده مؤجَّلًا؛ لأنه لو جعل حالًا لوجد العبد صعوبة في جمعه مرة واحدة.

стр. 8954

أما مَن يملك المال: فالمالكية يسموه قطَاعَةً (١)، ويخرجون بهذه المسألة عن ما يتعلق بالكتابة؛ حتَّى لا يرد الاعتراض على حالية العقد، وقد نسب المالكية للإمام مالك قوله بجواز أن تكون المكتابة حالًا، وهو قول أبي حنيفة أيضًا (٢)، وقد خالف في ذلك الشافعي (٣)، وأحمد (٤)، بل أن الإمام القرطبي يري أن هذا القول المنقول عن الإمام مالك ليس قوله، وإنما هو قول لأصحابه (٥). قوله: (فَأَمَّا الثَّمَنُ؛ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا كَانَ مَعْلُومًا بِالْعِلْمِ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِي الْبُيُوعِ). أي: لا يكون الثمن مجهولًا، وقد مرت تلك الشروط مفصلة في البيوع، فينبغي في الثمن أن يكون معلومًا، وألا يدخله الغرر، وقد تسامح بعضهم في الغرر اليسير بين السيد وعبده.

стр. 8955

قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا كَانَ فِي لَفْظِهِ إِبْهَامٌ مَا؛ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١) وَمَالِكٌ (٢): يَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ عَلَى جَارِيَةٍ أَوْ عَبْدٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِفَهُمَا، وَيَكُونُ لَهُ الْوَسَطُ مِنَ الْعَبِيدِ). فيصح العقد عند مالك وأبي حنيفة بمجرد أن يقول: كاتبتك على جارية عندي، على تقدير أن هذا المكاتب يملك جارية، وسيأتي تفصيل بعض المسائل التي تختص بالمملوك، ومن ذلك: مكاتبته إذا كان مالكًا للمال من ميراث أو غيره، وسفره، وزواجه، وبيان جواز ذلك، أم لابد من إذن سيده؟ وهل تصح الكتابة المبهمة؛ كأن يكاتبه سيده على جارية، ويطلق من غير وصف لهذه الجارية؟ قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) (٣). وكذلك الإمام أحمد (٤).

стр. 8956

قوله: (لَا يَجُوزُ حَتَّى يَصِفَهُ). فالبيع من جهة السلعة أنواع: منه ما يتم ببيع سلعة مشاهدة وهذا ليس فيه خلاف. ومنه ما يتم ببيع سلعة غير مشاهدة، ولكنها موصوفة، وهذه المسألة قد اختلف فيها العلماء، والصحيح: جوازه بشرط أن توصف وصفًا دقيقًا، بحيث يجد المشتري تلك الأوصاف كاملة منطبقة على السلعة. قوله: (فَمَنِ اعْتَبَرَ فِي هَذَا طَلَبَ الْمُعَايِنَةِ شَبَّهَهُ بِالْبُيُوعِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ مَقْصُودُهُ الْمُكَارَمَةُ، وَعَدَمُ التَّشَاحِّ، جَوَّزَ فِيهِ الْغَرَرَ الْيَسِيرَ، كَحَالِ اخْتِلَافِهِمْ فِي الصَّدَاقِ). فمن شبَّه هذا العقد بالبيع - وهم الشافعية والحنابلة - اشترطوا فيه المعاينة، حتَّى يكون معلومًا بأن يوقف على الوصف، وأن يعرف جنسه حتَّى لا يبقي مبهمًا مجهولًا (١). وقال المالكية والحنفية: بأن هذا عقد تمَّ بين سيِّدٍ ومملوكه، وأصل هذا العقد: قصد المكارمة، والمساعدة، والرفق، وإعانة ذلك المكاتب، فينبغي أن يُبنى على التسامح والتساهل في الأمور اليسيرة، من غرر،

стр. 8957

أو جهالة لا تكون فاحشة؛ كالصداق؛ فربما لا يسمَّى المهر في الزواج، والمهر إما أن يكون مسمًّى أو غير مسمًّى؛ فإن كان مسمًّى فلا مانع، وإن كان غير مسمًّى فيُرجع إلى مهر المثل، ومهر المثل، أي: ينظر إلى مثيلاتها من أخواتها وعماتها وخالتها إلخ، ممن يساويها في النسب والمكانة (١). قوله: (وَمَالِكٌ يجِيزُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ مِنْ جِنْسِ الرِّبَا مَا لَا يُجَوِّزُ بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ وَالْأَجْنَبِيِّ مِنْ مِثْلِ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ) (٢). لأن الإمام مالكًا ﵀ يرى أن العبد وما يملك مِلكٌ لسيده يتصرف فيه وفيما يملكه كيف يشاء؛ لذا لا تدخل المعاملات بينهما في باب الربا (٣)، وقد بُنِي الرِّبا على التشديد؛ لذلك حذَّر اللَّهُ منه وشنَّع أمره، فحَرَّم بيعَ الطعام قبل قبضه كما جاء في الحديث المتفق عليه "مَنِ

стр. 8958

ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّي يَسْتَوْفِيَهُ" (١)، وروايةٍ أُخرَى عند مُسلمٍ قال ﷺ : "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ" (٢)، فالقبض فرض في البيع؛ لاجتنابِ الغَبنِ المحتمَلِ تجاه البائع؛ لأنه الضامن إذا تلَفَتْ؛ لأنَّها لم تخرج عن عهدته إلى المالكِ (٣).

стр. 8959

قوله: (وَفَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ (١)، وَضَعْ وَتَعَجَّلْ (٢)).

стр. 8960

وجاء النهي - أيضًا - عن بيع الدَّيْن بالدَّيْن (١)، وضَع وتَعَجَّل، وكما مَرَّ؛ فمسألة: ضعْ وتعجَّل؛ كأن يكون لإنسان على آخر دين، فيأتي المدين ويقول لصاحب الدين: ضعْ عني بعضَ حقِّكَ، وأُعجِّل لك سداد الدَّين بأن أدفع فع لك نقدًا. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فمنهم مَن يجيزها ويستثنيها من الربا؛ لأن هذه الصورة ليس فيها ضَرر على أحد الطرفين، وقد حُرِّم الربا ونُهي عنه؛ لأن الضرر فيه ينصب على المدين، أمَّا الدائن فيأخذ حقَّه وزيادة باستغلاله حاجة المسكين وظروفه (٢).

стр. 8961

قوله: (وَمَنَعَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَحْمَدُ (٢)، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا (٣)، وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَهُ: أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ رِبًا؛ لِأَنَّهُ وَمَالَهُ لَهُ).

стр. 8962

وكذلك الأمر بين الابن ووالده في رأي من أجاز المعاملات الربوية بين السيد وعبده؛ لأن الابن وماله لأبيه (١). قوله: (وَإِنَّمَا الْكِتَابَةُ سُنَّةٌ عَلَى حِدَتِهَا، وَأَمَّا الْأَجَلُ؛ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تكُونَ مُؤَجَّلَةً). يعبِّر صاحب "البداية" في بعض الأحيان بتعبيرات ربما يُظَنُّ منها خلاف المقصود؛ فقوله: " اتفقوا على أنه يجوز أن تكون مؤجلة" يُفْهَم منه أن الأصل هو منع التأجيل وإيجاب الحال، والأمر خلاف ذلك؛ فالأصل أن تكون مؤجلة، ويجوز أن تكون حالة عند بعضهم. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي هَلْ تَجُوزُ حَالَّةً؟ وَذَلِكَ أَيْضًا بَعْدَ اتّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهَا تَجُوزُ حَالَّةً عَلَى مَالٍ مَوْجُودٍ عِنْدَ الْعَبْدِ، وَهِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا قِطَاعَةً لَا كِتَابَةً) (٢). واتفق الفقهاء على أن المكاتبة تجوز حالة على مال يكون عند العبد، وخرج بذلك اعتراض الشافعية والحنابلة (٣)، وسيأتي تفصيل منع الشافعية

стр. 8963

والحنابلة المكاتبة في الحال؛ لإفضائه إلى تعجيز العبد؛ فيترتب على التعجيز بطلان هذه الكتابة، فيُغلق الباب الذي يوصله إلى الحرية، ولذلك شدَّد الشافعية والحنابلة في ذلك، وشرطوا أن تكون المكاتبة على أجل. أما المالكية فخرجوا من ذلك، وقالوا: هذه قطَاعة (١). والمقاطعة - بفتح القاف وكسرها -: هي مقاطعة السيد عبده المكاتب على مال يتعجله من ذلك، وأخذ العوض منه معجَّلًا أو مؤجَّلًا. وكأنه ما انقطع طلبه عنه بما أعطاه، وانقطع له بتمام حريته بذلك، أو قطع بعض ما كان له عنده من جملته وهذا جائز عند مالك بكل ما كان (٢).

стр. 8964

وفي "الذخيرة": "الفعالة - بالفتح - للسجايا الخلقية كالشجاعة، وبكسرها للصنائع؛ كالتجارة، والخياطة، وبضمها لما يطرح؛ كالنخالة والزبالة، وهذه الاستعمالات أكثرية غير مطردة، والقطاعة: هي بيع الكتابة بشيء آخر، فهي نوع من التجارة والصناعة، فالكسر فيها أنسب ". انتهى (١). قوله: (وَأَمَّا الْكِتَابَةُ: فَهِيَ الَّتِي يَشْتَرِي الْعَبْدُ فِيهَا مَالَهُ وَنَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ بِمَالٍ يَكْتَسِبُهُ). وهذا التعريف على مصطلح المالكية، ولا بد من إضافة كلمة: "مؤجل "؛ لنُخرج خلاف الشافعية والحنابلة. فالتعريف إذًا: إعتاق السيد عبده على مال يؤديه العبد مؤجَّلًا. قوله: (فَمَوْضِعُ الْخِلَافِ إِنَّمَا هُوَ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ بِمَالٍ حَالِّ لَيْسَ هُوَ بِيَدِهِ؟). فمحل الخلاف إذًا في العبد الذي يطلب من سيده أن يكاتبه على مال حالٍّ وليس بيده هذا المال، ولذلك أُثر عن بعض السلف أنه إذا جاء إليه عبد من عبيده يطلب الكتابة، قال له: "من أين تأتي بالمال؟ " فإن قال: "من السؤال؟ ". قال له: "لا تُطعمني أوساخ الناس " (٢).

стр. 8965

وعن أبي ليلى الكندي: أن سلمان الفارسي ﵁ أراد منه مملوك له أن يكاتبه، فقال: "أعندك شيء؟ " قال: "لا"، قال: "من أين لك؟ " قال: "أسأل الناس "، فأبى أن يكاتبه، وقال: " تُطعمني من غسالة الناس؟ " (١). وليس معنى ذلك تحريم هذا المال، ولكن يمتنع بعضهم عن ذلك تعفُّفًا (٢). وقد ورد الخلاف في تحديد المخاطب بهذه الآية: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ فهل الأمر موجه للسادة؟ - أي: أولياء العبيد -، أو هو موجه للمسلمين عمومًا؟ وسيأتي التفصيل في هذه المسألة واختلاف العلماء فيها. قوله: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ). وكذلك الإمام أحمد أيضًا. قوله: (هَذَا الْكَلَامُ لَغْوٌ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ السَّيِّدَ شَيْءٌ مِنْهُ). وإعتبره الإمامُ الشافعي لغوًا؛ لأن النتيجة معروفة؛ فالسيد الذي يكاتب عبده على مبلغ من المال حالًّا، ولا يملك العبد شيئًا يدفعه له، فيفسد العقد بعجز العبد عن السداد ويبقى عبدًا كما هو، وهذا خلاف ما يتعلق بالحضِّ على الكتابة والترغيب فيها (٣).
следующие страницы →