← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.

стр. 8961

قوله: (وَمَنَعَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَحْمَدُ (٢)، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا (٣)، وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَهُ: أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ رِبًا؛ لِأَنَّهُ وَمَالَهُ لَهُ).

стр. 8962

وكذلك الأمر بين الابن ووالده في رأي من أجاز المعاملات الربوية بين السيد وعبده؛ لأن الابن وماله لأبيه (١). قوله: (وَإِنَّمَا الْكِتَابَةُ سُنَّةٌ عَلَى حِدَتِهَا، وَأَمَّا الْأَجَلُ؛ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تكُونَ مُؤَجَّلَةً). يعبِّر صاحب "البداية" في بعض الأحيان بتعبيرات ربما يُظَنُّ منها خلاف المقصود؛ فقوله: " اتفقوا على أنه يجوز أن تكون مؤجلة" يُفْهَم منه أن الأصل هو منع التأجيل وإيجاب الحال، والأمر خلاف ذلك؛ فالأصل أن تكون مؤجلة، ويجوز أن تكون حالة عند بعضهم. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي هَلْ تَجُوزُ حَالَّةً؟ وَذَلِكَ أَيْضًا بَعْدَ اتّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهَا تَجُوزُ حَالَّةً عَلَى مَالٍ مَوْجُودٍ عِنْدَ الْعَبْدِ، وَهِيَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا قِطَاعَةً لَا كِتَابَةً) (٢). واتفق الفقهاء على أن المكاتبة تجوز حالة على مال يكون عند العبد، وخرج بذلك اعتراض الشافعية والحنابلة (٣)، وسيأتي تفصيل منع الشافعية

стр. 8963

والحنابلة المكاتبة في الحال؛ لإفضائه إلى تعجيز العبد؛ فيترتب على التعجيز بطلان هذه الكتابة، فيُغلق الباب الذي يوصله إلى الحرية، ولذلك شدَّد الشافعية والحنابلة في ذلك، وشرطوا أن تكون المكاتبة على أجل. أما المالكية فخرجوا من ذلك، وقالوا: هذه قطَاعة (١). والمقاطعة - بفتح القاف وكسرها -: هي مقاطعة السيد عبده المكاتب على مال يتعجله من ذلك، وأخذ العوض منه معجَّلًا أو مؤجَّلًا. وكأنه ما انقطع طلبه عنه بما أعطاه، وانقطع له بتمام حريته بذلك، أو قطع بعض ما كان له عنده من جملته وهذا جائز عند مالك بكل ما كان (٢).

стр. 8964

وفي "الذخيرة": "الفعالة - بالفتح - للسجايا الخلقية كالشجاعة، وبكسرها للصنائع؛ كالتجارة، والخياطة، وبضمها لما يطرح؛ كالنخالة والزبالة، وهذه الاستعمالات أكثرية غير مطردة، والقطاعة: هي بيع الكتابة بشيء آخر، فهي نوع من التجارة والصناعة، فالكسر فيها أنسب ". انتهى (١). قوله: (وَأَمَّا الْكِتَابَةُ: فَهِيَ الَّتِي يَشْتَرِي الْعَبْدُ فِيهَا مَالَهُ وَنَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ بِمَالٍ يَكْتَسِبُهُ). وهذا التعريف على مصطلح المالكية، ولا بد من إضافة كلمة: "مؤجل "؛ لنُخرج خلاف الشافعية والحنابلة. فالتعريف إذًا: إعتاق السيد عبده على مال يؤديه العبد مؤجَّلًا. قوله: (فَمَوْضِعُ الْخِلَافِ إِنَّمَا هُوَ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ بِمَالٍ حَالِّ لَيْسَ هُوَ بِيَدِهِ؟). فمحل الخلاف إذًا في العبد الذي يطلب من سيده أن يكاتبه على مال حالٍّ وليس بيده هذا المال، ولذلك أُثر عن بعض السلف أنه إذا جاء إليه عبد من عبيده يطلب الكتابة، قال له: "من أين تأتي بالمال؟ " فإن قال: "من السؤال؟ ". قال له: "لا تُطعمني أوساخ الناس " (٢).

стр. 8965

وعن أبي ليلى الكندي: أن سلمان الفارسي ﵁ أراد منه مملوك له أن يكاتبه، فقال: "أعندك شيء؟ " قال: "لا"، قال: "من أين لك؟ " قال: "أسأل الناس "، فأبى أن يكاتبه، وقال: " تُطعمني من غسالة الناس؟ " (١). وليس معنى ذلك تحريم هذا المال، ولكن يمتنع بعضهم عن ذلك تعفُّفًا (٢). وقد ورد الخلاف في تحديد المخاطب بهذه الآية: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ فهل الأمر موجه للسادة؟ - أي: أولياء العبيد -، أو هو موجه للمسلمين عمومًا؟ وسيأتي التفصيل في هذه المسألة واختلاف العلماء فيها. قوله: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ). وكذلك الإمام أحمد أيضًا. قوله: (هَذَا الْكَلَامُ لَغْوٌ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ السَّيِّدَ شَيْءٌ مِنْهُ). وإعتبره الإمامُ الشافعي لغوًا؛ لأن النتيجة معروفة؛ فالسيد الذي يكاتب عبده على مبلغ من المال حالًّا، ولا يملك العبد شيئًا يدفعه له، فيفسد العقد بعجز العبد عن السداد ويبقى عبدًا كما هو، وهذا خلاف ما يتعلق بالحضِّ على الكتابة والترغيب فيها (٣).

стр. 8966

قوله: (وَقَالَ مُتَأَخِّرُو أَصْحَابِ مَالِكٍ). نص الإمام القرطبي على أن رأي الإمام مالك كرأي الشافعي وأحمد، وإنما الذي قال بذلك هو الإمام أبو حنيفة صراحة (١). قوله: (قَدْ لَزِمَتِ الْكِتَابَةُ لِلسَّيِّدِ، وَيَرْفَعُهُ الْعَبْدُ إِلَى الْحَاكمِ فَيُنَجِّمُ عَلَيْهِ الْمَالَ بِحَسَبِ حَالِ الْعَبْدِ) (٢). اعتراض أغلب الأئمة - ومنهم الشافعية والحنابلة - ناتج عن دليل من كتاب الله - - أو سنة رسوله ﷺ ، وهذا الدليل قد يكون صريحَ الدلالة، وقد يكون غير ذلك، وربما يكون الدليل بغير نصٍّ، وربما يختلف في وجه الدلالة من النص. وقد استدل الشافعية والحنابلة بأثر عثمان ﵁؛ فعن مسلم بن أبي مريم عن رجل قال: " كنت مملوكًا لعثمان ﵁، قال: بعثني عثمان ﵁

стр. 8967

في تجارة، فقدمت عليه فأحمد ولايتي، قال: فقمت بين يديه ذات يوم فقلت: " يا أمير المؤمنين، أسألك الكتابة"، فغضب، فقال: " نعم، ولولا آية في كتاب الله ما فعلت، أكاتبك على مائة ألف على أن تعدَّها لي في عدتين، والله لا أغضك منها درهمًا " (١). فعاقبه ﷺ بالمكاتبة على نجمين، فلو كان هناك شيء أقل من نجمين لكاتبه عليه؛ لأنه في حال غضبٍ (٢). ولذلك قال العلماء: لا تجوز المكاتبة على أقل من نجمين. وأُثِر عن علي ﵁ أنه قال: " الكتابة على نجمين" فتؤجل على مرحلتين، أو تقسط على قسطين (٣). قوله: (وَعُمْدَةُ المَالِكِيَّةِ: أَنَّ السَّيِّدَ قَدْ أَوْجَبَ لِعَبْدِهِ الْكِتَابَةَ، إِلَّا أَنَّهُ اشْتَرَطَ فِيهَا شَرْطًا يَتَعَذَّرُ غَالِبًا، فَصَحَّ الْعَقْدُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ). رُويت القاطعة في أثر لأم سلمة زوج النبي ﷺ في "موطإ الإمام

стр. 8968

مالك ": " أَنَّ أَمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تُقَاطِعُ مُكَاتَبِيهَا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ "، أي: بالذهب والفضة (١). وروي عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه لا يجوِّز الكتابة إلا بعروض التجارة؛ لأن غيرها يؤدِّي إلى ضع وتعجل (٢). قوله: (وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ يَعُودُ بِبُطْلَانِ أَصْلِ الْعَقْدِ). والشرط الفاسد المقصود: هو اشتراط الحالية في المكاتبة، فكونها حالة يؤدي إلى بطلان العقد؛ لأن العبد لا يستطيع أن يدفع حالًّا إلا أن يسأل الناس (٣). ومن استدل بما ورد عن عائشةَ زوجِ النبي ﷺ أنها قالت: جاءت بريرة فقالت: " إني كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية؛ فأعينيني "، فقالت عائشة: " إن أحب أهلك أن أعدها لهم عنك عددتها ويكون لي ولاؤك فعلت "، فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم ذلك، فأبوا عليها، فجاءت من عند أهلها ورسول الله ﷺ جالس، فقالت لعائشة: " إني قد عرضت عليهم ذلك فأبوا عليَّ إلا أن يكون الولاء لهم "، فسمع ذلك رسول الله ﷺ فسألها فأخبرته عائشة، فقال رسول الله ﷺ : "خذيها

стр. 8969

واشترطي لهم الولاء؛ فإنما الولاء لمن أعتق "، ففعلت عائشة ثم قام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد، فما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شَرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق " (١). فاشتراط الولاء للمعتق في قول الرسول لعائشة: "خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق " لا يؤثر؛ لأن ذلك في العتق لا المكاتبة (٢). قوله: (كَمَنْ بَاعَ جَارِيَتَهُ وَاشْتَرَطَ أَنْ لَا يَطَأَهَا) (٣).

стр. 8970

وهذا مثال للشرط الفاسد كأن يبيع جاريته، ويشترط على سيدها الجديد ألا يطأها، فيريد أن يمنعه سببًا اشتراها من أجله، بل ربما يكون أول الأسباب، وقد أحله الله قال تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فهذا الشرط باطل؛ لأنه تعارض مع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولذلك كان باطلًا. قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ حَاضِرٌ أَدَّى إِلَى عَجْزِهِ، وَذَلِكَ ضِدُّ مَقْصُودِ الْكِتَابَةِ، وَحَاصِلُ قَوْلِ الْمَالِكِيَّةِ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ مِنْ أَرْكَانِهَا أَنْ تَكُونَ مُنَجَّمَةً، وَأَنَّهُ إِذَا اشْتَرَطَ فِيهَا ضِدَّ هَذَا الرُّكْنِ بَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَّ الْعَقْدُ) (١). فالمالكية إذًا يسلمون بأن من شروط الكتابة أن تكون منجمَّة، ولو شُرط أن تكون حالة صح العقد وبطل الشرط. قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: لَقَدْ كَاتَبْتُكَ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَإِذَا أَدَّيْتَهَا فَأَنْتَ حُرٌّ؛ أَنَّهُ إِذَا أَدَّاهَا فَهُوَ حُرٌّ). فإذا قال السيد لعبده: كاتبتك على ألف دينار أو ألف درهم إذا أديتها فأنت حرٌّ، ولا خلاف بين الجمهور في حُرِّية العبد إذا أداها (٢).

стр. 8971

واختلفوا لو قال السيِّد لعبده: كاتبتك على ألف درهم، دون أن يشير إلى الحرية، ثم أدَّى العبد المبلغ؛ فالجمهور يحكمون بحرِّيته، وهم أبو حنيفة ومالك وأحمد، وخالفهم الشافعي في ذلك؛ لاشتراطه النص على الحرية؛ لاحتمال أن يكون مراده غير الكتابة، فالأمر يرجع إلى نيته. قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا قَالَ لَهُ: قَدْ كَاتَبْتُكَ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَسَكَتَ؛ هَلْ يَكُونُ حُرًّا دُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: فَإِذَا أَدَّيْتَهَا فَأَنْتَ حُرٌّ؟ فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)). وكذلك الإمام أحمد ﵀ (٣).

стр. 8972

قوله: (هُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْكِتَابَةِ لَفْظٌ شَرْعِيٌّ، فَهُوَ يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ أَحْكَامِهِ). فبمقولة: كاتبتك على ألف، ثم تأدية الألف يصير العبد حرًّا؛ لأن حقيقة المكاتبة: تأدية العبد ما عليه من نجوم. قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ). وهم الشافعية. قوله: (لَا يَكُونُ حُرًّا حَتَّى يُصَرِّحَ بِلَفْظِ الْأَدَاءِ، وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ). فالنية تكفي عند الشافعية؛ فإذا نوي السيد ذلك أجزأه، وليس شرطًا عندهم أن يصرِّح بالأداء، وبعض الشافعية يشترطون النية؛ فلو قال السيد للعبد بإطلاق: كاتبتك على ألف، ولم ينوِ؛ فلاحتمال أن يكون المراد أن يعتقه أو غير ذلك؛ ففي هذه الحالة لا بد من التنصيص على اشتراط الحرية بأداء ما اتُّفق عليه، أو النية مقترنةً بالعقد المتفق عليه (١).

стр. 8973

قوله: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَالِكٍ فِيمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيْكَ أَلْفُ دِينَارٍ). وهذه الصيغة المذكورة ليس فيها اشتراط؛ لذلك اختلف فيها العلماء؛ فبعضهم حكم بحريته، وبعضهم فصل وقال: إن هذه الصيغة محتملة لإرادة الحرية وعدم الإلزام بالألف دينار، أو محتملة لاشتراط سداد الألف دينار حتَّى يعتق؛ فلا يعتق إلا بعد دفع الألف دينار. وأمَّا إن قال: أنت حر على أن عليك ألف دينار، أو بعبارة أخرى: أنت حرٌّ على ألف دينار؛ فكلمة: "على" تضمن معنى الشرط، وقد مر بنا أن "على" قد يُفهَم منها الوجوب أحيانا، ولكن الصيغة السابقة قد وقع فيها الخلاف بعكس الأولى؛ وسيأتي تفصيل ذلك. قوله: (فَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ). أي: مذهب الإمام مالك ﵀. قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ حُرٌّ وَالْمَالُ عَلَيْهِ كغَرِيمٍ مِنَ الْغُرَمَاءِ، وَقِيلَ: الْعَبْدُ بِالْخِيَارِ؛ فَإِن اخْتَارَ الْحُرِّيَّةَ لَزِمَهُ الْمَالُ وَنَفَذَتِ الْحُرِّيَّةُ، وَإِلَّا بَقِيَ عَبْدًا، وَقِيلَ: إِنْ قَبِلَ كَانَتْ كِتَابَةً يُعْتَقُ إِذَا أَدَّى). أي: أن الأمر موقوف على موافقة العبد، فإن قال: نعم صار حرًّا، وتكون هذه كالرِّواية الأولى عند الحنابلة، وبين المقولتين خلاف؛ فالأولى له فيها قول واحد (١)، أما الثانية (٢): فله فيها قولان؛ الأول: هو حر وليس عليه شيء، والثانية: تقييد ذلك بموافقة المملوك؛ فإن قبل العبد صار حرًّا، وإلا فلا (٣).

стр. 8974

قوله: (وَالْقَوْلَان لِابْنِ الْقَاسِمِ (١)، وَتَجُوزُ الْكِتَابَةُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى عَمَلٍ مَحْدُودٍ). الكتابة - كما هو معلوم - عن معاوضة، فهي كالبيع، فكتابة السيد عقدًا على أن يدفع له العبد مالًا عوضًا عن حريته هو عقد معاوضة. والعقد: أي: ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يظهر أثره في محله. وقوله: " وتجوز الكتابة على عمل محدود عند مالك " وكذلك عند الإمام أحمد؛ لأنهم قسَّموا الإجارة على قسمين: إما أن تكون الإجارة على منفعة الأعيان، أي: على عوضٍ يكون ثمنًا، وإما أن يكون العوض عملًا، ومثال ذلك قصة شعيب ﵇ حين قال لموسى ﵇: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٢٧]، فالإجارة إذًا تكون مقابل ثَمن يدفعه المستأجِرُ للمُستَأجر، كمن استُؤجر ليحفر بئرًا مقابل عوض معين، وقد تكون الأجرة عملًا يقوم به المستأجر؛

стр. 8975

ولذلك صحَّت عند المالكية والحنابلة؛ لأنهم قاسوها على الإجارة (١). قوله: (وَتَجُوزُ عِنْدَهُ الْكِتَابَةُ الْمُطْلَقَةُ). والكتابة المطلقة كالإجارة المطلقة؛ كأن تقول: أجَّرتك هذه الدار سنة أو شهرًا دون تحديد لبداية التأجير؛ فجمهور العلماء أجازوا ذلك، ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك وأحمد، فقالوا: يجوز؛ لأنها مقابل عوض، ويستدلون بقول الله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ فلم يذكر ابتداء المدة وعليه يجوز أن تكون بدايتها مطلقة. واستدلَّ المالكية عن طريق القياس على النكاح، لكن دليل الجمهور على جواز الكتابة المطلقة هو قياسها على الإجارة المطلقة، ولمَّا كانت الكتابة مقابل عمل هنا، وأحد شطري الإجارة العمل؛ صحَّ قياس الكتابة على الإجارة. ولما كانت الإجارة عند جمهور العلماء جائزة على عمل مطلق

стр. 8976

فكذلك الكتابة تجوز على عمل مطلق؛ فألحق الفرع بالأصل؛ فالأصل هو الإجارة، والفرع هو الكتابة، والجامع بينهما هو الخدمة أو جواز الخدمة فيهما، أما الإمام الشافعي فمنع ذلك (١). قوله: (وَيُرَدُّ إِلَى أَنَّ كتَابَةَ مِثْلِهِ كَالْحَالِ فِي النِّكَاحِ) (٢). أي: يقاس على النكاح؛ فيشترط في النكاح: المهر فإما أن يسمى أو لا يسمى؛ فإذا سُمِّي المهر وجبَ المسمى، وإن لم يسمَّ رُجع فيه إلى مهر المثل؛ فإذا جهل المسمى رُجع إلى المثل، وهذا هو المطلق، لكن

стр. 8977

التعليلات التي ذكرها الآخرون أوضح، فألحقت الكتابة بالإجارة لجامع بينهما كما مر. ومن المعلوم فيما أطلق من عقود المكاتبة أن بدايته كحال الإجارة، فمن قال- مثلًا -: كاتبتك مدة سنة، كانت بداية العقد ساعة الانتهاء من كتابته، كمن قال: أجَّرتك هذه الدار سنة، فيكون بداية العقد بعد الانتهاء من الكتابة. أما الشافعية فيشترطون تحديد البداية؛ كأن يقول: أجَّرتك هذه الدار مدة شهر يبدأ مثلًا من أول شهر ذي القعدة، والجمهور لا يشترطون تحديدًا لبداية العقد؛ لأن العقد هو الذي يرفع الخلاف ويعتبر بداية (١). قوله: (وَتَجُوزُ الْكِتَابَةُ عِنْدَهُ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ، أَعْنِي: كِتَابَةَ مِثْلِهِ فِي الزَّمَانِ وَالثَّمَنِ، وَمِنْ هُنَا قِيلَ: إِنَّهُ تَجُوزُ عِنْدَهُ الْكِتَابَةُ الْحَالَّةُ). وقد ذكرنا فيما سبق عدم الجواز؛ لأنه غالبًا ما يؤدي إلى فساد العقد، وهو خلاف المقصد الذي أرشدت إليه الشريعة الإسلامية من الرفق والمساعدة والحض على الكتابة التي تفضي إلى عتق هذا الإنسان. قوله: (وَاخْتُلِفَ: هَلْ مِنْ شَرْطِ هَذَا الْعَقْدِ أَنْ يَضَعَ السَّيِّدُ مِنْ آخِرِ أَنْجُمِ الْكِتَابَةِ شَيْئًا عَنِ الْمُكَاتِبِ؟). وهذه مسألة جديدة، والخلاف فيها يدور حول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ … ﴾ الآية، فبعضهم صرف الأمر إلى الوجوب وبعضهم إلى الندب، وذكرنا أن الجمهور لا يوجبون الأمر في هذه الآية، بل يصرفونه إلى الندب، وأن أهل الظاهر يوجبونه. قوله: (لِاخْتِلَافِهِمْ فِي مَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]).

стр. 8978

يترتَّب على قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ عدة أحكام، أشار إليها المؤلف دون أن يبينها بنوع من التفصيل، وقد اختلفوا في مفهوم الآية بسبب إجمالها، وليس من منهجنا أن نتناول كل مسألة فنتوسع فيها ونفصلها تفصيلًا حتَّى لا يطول الكتاب أكثر. وفي الآية أمران: الأول: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾، والثاني: ﴿وَآتُوهُمْ﴾، واختلاف العلماء في هذه المسألة أو هذه الآية يندرج تحته عدَّة أمور: أوَّلاً: هل الخطاب موجَّه في الآية إلى السادة أو هو أشمل من ذلك؟ ثانيًا: حكم إيتاء العبد المملوك مالاً لمساعدته على عتق نفسه. ثالثًا: جنس المساعدة المقدمة إليه، ومقدارها. رابعًا: هل هناك وقت للوجوب ووقت للجواز؟ ١ - قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ اختُلف في المراد من الخطاب في هذه الآية بين أن يكون الأمر خاصًّا بالسادة أم يتجاوزهم إلى غيرهم؟ ولا شك أن السادة يدخلون فيه دخولًا أوليًّا؛ فمن العلماء من قال: المراد هم السادة، ومنهم من قال - كالحسن البصري (١)، وإبراهيم النخعي -: بأن الأمر يشمل جميع المسلمين (٢)، وذهب زيد بن أسلم إلى أن المخاطبين بذلك هم الولاة، والمراد: أن يعطوهم حظوظهم

стр. 8979

مما أشار إليه بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (١)، وقال: هم المكاتبون (٢). ٢ - أما حكم الإعانة والمساعدة الوارد في قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، فاختلف العلماء فيه؛ فذهب الإمامان الشافعي ومالك إلى وجوب ذلك، وأن الآية على ظاهرها، وعرضوا ذلك بتفسير علي بن أبي طالب ﵁ فعَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ، عَنْ عَلِيٍّ: فِي قَوْل اللَّه: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قَالَ: "رُبُع الْكِتَابَة يَحُطُّهَا عَنْهُ " (٣)، ورفع ذلك إلى رسول الله ﷺ ، لكن رفع ذلك فيه نظر، وجاء عن عبد الله بن عباس - حبر الأمة- أنه قال بعد تلاوة الآية: "ضعوا عنهم من مكاتبتهم " (٤)، فتوافق تفسير عليّ بن أبي طالب ﵁، وعبد الله بن عباس بأن المراد هو إعطاء المكاتبين؛ ومن هنا حصل الخلاف بين القائلين بالوجوب وهم الشافعية والحنابلة. أما الحنفية والمالكية: فصرفوا الأمر في الآية للندب، وأنه لا يجب على السيد أن يعطي مكاتبه، وإن أعطاه فمن باب الإحسان والبِرِّ وعدم نسي الفضل بينهما (٥).

стр. 8980

٣ - ثم اختلفوا بعد ذلك في القدر الذي يُعطى للمملوك، لا من حيث الإعانة نفسها؛ فالإعانة متَّفق عليها لقول الرسول ﷺ : "ثَلَاثةٌ حَقّ عَلَى اللهِ عَوْنُهُمُ: الْمُكَاتَبُ يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالْمُتَزَوِّجُ بُرِبدُ الْعَفَافَ، وَالْمُجَاهِدُ

стр. 8981

فِي سَبِيلِ اللَّهِ " (١)، فلا شكَّ أن الذي يقاتل في سبيل الله قد باع نفسه لله يبتغي بذلك مرضاة الله ، وأن المكاتَب الذي يريد الوفاء لا المماطلة من أحقِّ النَاس للمعونة؛ لأنه يريد أن يخرج من ظلمة الرِّق إلى نور وضياء الحرية؛ فإذا كان الله يعين هؤلاء ففي ذلك أكبر حضٍّ على إعانتهم. ومن هنا اختلف العلماء في قدر الإعانة؛ فأُثر عن عليِّ بن أبي طالب الرُّبع (٢). وبه قال الإمام أحمد وجماعة من التابعين. وقال آخرون: إن الواجب هو العشر (٣). ومن العلماء مَن لم يحدَّ في ذلك حدًّا، كالإمام الشافعي ﵀ مع قوله بالوجوب، وقد تمسك بتفسير عبد الله بن عباس بأن يُعطى شيئًا (٤)، والشيء يُطلق على القليل (٥). وهذا أيضًا قول الحنفية والمالكية، وقالو: أقلّ ما يطلق عليه شيئًا

стр. 8982

يؤخذ من الآية، ويستفاد من اللغة العربية بيان بعض الأحكام ودلالات الآيات؛ فالله يقول: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾ فأقل شيء يعطى للمملوك لا بد أن يسمى أوتي من مال الله (١). والخلاصة: أنَّ بعض العلماء قد حدَّه بقدر معين كالربع والعشر، ومنهم من أطلقه، وقد أُثِر عن عبد الله ابن عمر ﵄ أنه كاتب عبدًا من عبيده على خمسة وثلاثين ألفًا فوضع عنه خمسة آلاف أي: ما يعادل السبع؛ فالأصل إذًا الحضُّ على الإعانة. تنبيه: العقد الذي يتم بين السيد والمكاتب إنما هو عقد معاوضة، ويختلف عن العتق؛ لأنه عندما يعتق عبدًا من عبيده خالصًا لوجه الله -تعالى- فليس هناك عوضٌ في الدُّنيا، ولكنَّه طلب أن يعتِق اللهُ من هذا الذي أعتقه عضوًا من أعضائه من نار جهنم، كما جاء بالحديث، حتَّى أنه ليعتق اليد باليد، والرجل بالرجل، والفرج بالفرج. فمن قال بالوجوب من العلماء وجَّه ذلك بأن هذا العقد عن معاوضة؛ لأن المكاتب يدفع إلى سيده شيئًا منجَّمًا، ثم إذا تمت تلك الأنجم ووفَّى المكاتب ما عليه تحرر من العتق، ويكون ولاؤه لهذا السيد،

стр. 8983

والسيد قد أخذ مقابلًا لهذا العتق، فكان الأولى والأجدر أن يعينه في ذلك؛ لأن الولاء سيكون له، وهذا لا مقابل عليه. ولا شكَّ أن السيد الذي كاتب مملوكه مثاب؛ لأنه قد فتح له الطريق، وأنار له السبيل، ودفعه إلى طريق الحرية، وأعانه على ذلك، ومكَّنه من العمل حتى يجمع ويسدد ما عليه، ولا شكَّ أنه عمل من أعمال البر والإحسان أيضًا والتقوى والصلاح. ٤ - أما جنس الإيتاء الذي يقدم للملوك؛ فلا شكَّ أن الأولى في ذلك أن يضع السيد عنه شيئًا مما عليه، وهذا فعل الصحابة ﵃، وفي تفسير علي بن أبي طالب قال: "رُبُع الْكِتَابَة يَحُطُّهَا عَنْهُ" (١)، وابن عباس قال: "ضعوا عنهم من مكاتبتهم" (٢)، وابن عمر طبَّق ذلك تطبيقًا عمليًّا، فخفف عن مملوكه ووضع عنه خمسة آلاف من خمسة وثلاثين ألفًا (٣). ولا شَكَّ أن خير مَن يقتدى بهم، ويُؤخذ بآرائهم، ويُتمسَّك بها، ويُعض عليها بالنواجز هم الصحادة ﵃، الذين مات الرسول ﷺ وهو راضٍ عنهم، وأوصى بهم خيرًا، فقال: "فَعَلَيْكمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ" (٤)، وقال: "اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُم، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَن آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذى اللَّهَ وَمَنْ آذَى اللَّهَ، فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذهُ" (٥)، وهم الَّذين أثنى الله -تعالى- عليهم في كتابه وزكاهم خير تزكية، فهم خير من يُقتدى به بعد رسول الله ﷺ .

стр. 8984

٥ - أما وقت جواز المساعدة: فمن حين أن يتم العقد بين السيد ومكاتبه، فللسيد أن يضع شيئًا عنه. أما وقتُ الوجوب: فعند العتق، لكن بعض العلماء فضَّل أن يؤخر الوضع؛ حتَى تبقى الهمَّة والنشاط عند المكاتب؛ حتَّى يبذل جهده، ويسعى سعيًا حثيثًا في جمع المال حتَّى يحرر نفسه؛ لأنه ربما لو أُعطي هذا المال في أول الأمر تقاعس وضعف عن الكسب والجد والنشاط؛ فيكون أثر ذلك عليه (١). وبعضهم يقول: إن الأولى أن يعطيه في أول الأمر؛ لعدم ضمان حياة السيد. والخلاصة: أن المسارعة في ذلك من أعمال الخير والإحسان؛ فينبغي أن يُساعد أمثال هؤلاء (٢).

стр. 8985

قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَأَى أَنَّ السَّادَةَ هُمُ الْمُخَاطَبُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُمْ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ نُدِبُوا لِعَوْنِ الْمُكَاتَبِينَ). وبإلقاء نظرة عامة إلى الشريعة الإسلامية نجد أنها تحث الجميع على الإنفاق والإحسان، ويأتي في مقدمة ذلك أصحاب الحاجات، ولا شكَّ أن من أحوج الناس الرقيقُ فهم في حاجة إلى تغيُّر أحوالهم؛ ولا شكَّ أن السادة في مقدمة من يقدمون لهم يد العون، وهم أولى الناس بمساعدة المكاتبين؛ لأن المكاتب أفنى جزءًا من عمره، وأمضى وقتًا من حياته في خدمة هذا السيد، وجمع له المال، وربما جميع ما يملك السيد من مال هو عن طريق ذلك المملوك؛ فينبغي أن يحسن إليه كما أوصى الرسول ﷺ بأنه " إِذَا جَاءَ خَادِمُ أَحَدِكُمْ بِطَعَامِهِ، فَلْيَبْدَأْ بِهِ فَلْيُطْعِمْهُ، أَوْ لِيُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَإِنَّهُ وَليَ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ " (١)، بمعنى: أن الخادم لو صنع طعامًا لسيده، فلا شك أنه سيناله شيء من حرارة ودخان ذلك الطعام الذي تعب فيه، وشم رائحته، فعلى السيد أن يطعمه منه، وهذا من باب الإحسان. قوله: (وَالَّذِينَ رَأَوْا ذَلِكَ اخْتَلَفُوا؛ هَلْ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ؟ وَالَّذِينَ قَالُوا بِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ، وَبَعْضُهُمْ حَدَّهُ). وصاحب هذا القول الإمام أبو حنيفة ومالك، لكنَ مالكًا وأبا حنيفة لا يوجبانه، أما الشافعي فيرى الوجوب، لكنَّه لم يحدَّ قدرًا معينًا

стр. 8986

في ذلك، والإمام أحمد حدَّد الربع أخذًا بتفسير عليِّ بن أبي طالب ﵁. قوله: (وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: هَلْ تَجُوزُ كِتَابَةُ الْمُرَاهِقِ؟). المراهق: مَن ناهز البلوغ ولم يبلغ، أو مَن قارب سن الخامسة عشر (١). المهم أنه قارب سن البلوغ، لكنه لم يصبح مكلَّفًا بعدُ. قوله: (وَهَلْ يُجْمَعُ فِي الْكِتَابَةِ الْوَاحِدَةِ أَكْثَرُ مَنْ عَبْدٍ وَاحِدٍ؟). كأن يكون للسيد عدد من العبيد، فهل له أن يكاتبهم جميعًا في عقد واحد؟ أم لا بد من مكاتبتهم منفردين؟ وهل جمعهم في عقد واحد يترتب عليه ضرر، أو يترتب عليه مصلحة؟ هذا ما سيبينه المؤلف ﵀. قوله: (وَهَلْ تَجُوزُ كِتَابَةُ مَنْ يَمْلِكُ فِي الْعَبْدِ بَعْضَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ شَرِيكِهِ؟ وَهَلْ تَجُوزُ كِتَابَةُ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى السَّعْىِ؟ وَهَلْ تَجُوزُ كِتَابَةُ مَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ؟ فَأَمَّا كِتَابَةُ الْمُرَاهِقِ الْقَوِيِّ عَلَى السَّعْيِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ، فَأَجَازَهَا أَبُو حَنِيفَةَ) (٢). "المراهق القوي "، أي: الذي لديه القدرة على العمل والكسب.

стр. 8987

وكذلك الإمام أحمد ﵀ (١)؛ لأن المراهق إذا كانت عنده قوة ومقدرة على العمل والتكسب فلا حرج، بل ينبغي أن يكاتب لاستطاعته، ويعلل من أجاز بأن له أن يبيع ويشتري ويتصرف إذا أذن له سيده؛ فما دام يجوز له التصرف بإذن من سيده وهو أهل لذلك، فكذلك يجوز له الكتابة. قوله: (وَمَنَعَهَا الشَّافِعِيُّ إِلَّا لِلْبَالِغِ). ومنعِ الإمام الشافعي ﵀ غير المكلَّف لقول الرسول ﷺ : " رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثلاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الطِّفْلِ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَبْرَأَ، أَوْ يَعْقِلَ" (٢)، فلا يزال المراهق في عداد الصغار فلم يبلغ بعدُ السن التي يصير مكلفًا فيها، ويعلل المانعون بأن الكتابة تحتاج إلى عقد، والعقد لا بد فيه من الالتزام، والالتزام تكليف، وهو خلاف ما أخبر به الرسول ﷺ ، لإخباره بأن التكليفَ مرفوع عن الصبي حتى يبلغ (٣). قوله: (وَعَنْ مَالِكٍ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا (٤)، فَعُمْدَةُ مَنِ اشْتَرَطَ الْبُلُوغَ: تَشْبِيهُهَا بِسَائِرِ الْعُقُودِ).

стр. 8988

"تَشْبِيهُهَا بِسَائِرِ الْعُقُودِ"؛ لأنه غير مكلف؛ فلا يلتزم بعقد، ولذلك يقوم على اليتيم وصي أو ولي لصغر سنه، أما إذا اختبر وعلم فيه القدرة فحينئذ يعطى الفرصة بتحمل المسؤولية (١). قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ: أَنَّهُ يُجَوِّزُ بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ مَا لَا يُجَوِّزُ بَيْنَ الْأَجَانِبِ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْقُوَّةُ عَلَى السَّعْيِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي غَيْرِ الْبَالِغِ (٢)، وَأَمَّا هَلْ يُجْمَعُ فِي الْكِتَابَةِ الْوَاحِدَةِ أَكثَرُ مَنْ عَبْدٍ وَاحِدٍ؟). واختلف العلماء فيمن كاتب مجموعة من عبيده بعقد واحد؛ فمنهم من ألزم السيد بفصل كل عبد من عبيد بعقد خاص، ومنهم من جوَّز جمعهم في عقد خاص. قوله: (فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، ثُمَّ إِذَا قُلْنَا بِالْجَمْعِ فَهَلْ يَكُونُ بَعْضُهُمْ حُمَلَاءَ عَنْ بَعْضٍ بِنَفْسِ الْكِتَابَةِ). "حملاء"، أي: يحمل بعضهم عن بعض (٣).

стр. 8989

واختلف العلماء أيضًا فيما إذا كاتب شخص ثلاثة من عبيده؛ فمنهم من قال: إن كل واحد منهم مسؤول عن نفسه لتأدية ما عليه. ومنهم من قال: بأن هناك ارتباطًا بينهم؛ لأن العقد واحد فيُلزمون به جميعًا، فإذا عجز أحدهم قام الآخر مقامه فأدَّى النقص الواقع من الآخر، وإذا عجز اثنان وكان أحدهما قادرًا أدَّى عنهما. وإذا كانوا حملاء فربما يتضرر أحدهما ويستفيد الآخر؛ فقد يعجزون جميعًا ويكون أحدهم قادرًا على جمع المال وإخراج نفسه من الرق، لكن ارتباطه بالآخرين العاجزين في نفس العقد يتسبب في أن يبقى الجميع أرقاء. قوله: (حَتَّى لَا يُعْتَقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِلَّا بِعِتْقِ جَمِيعِهِمْ؟ فِيهِ أَيْضًا خِلَافٌ، فَأَمَّا هَلْ يَجُوزُ الْجَمْعُ؟ فَإِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَمَنَعَهُ قَوْمٌ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ). وقد أجاز الجمهور صورة الجمع وهي أن يكاتب السيد عددًا من عبيده في آن واحد، والمعبَّرُ عنهم بالجمهُورِ هم: أبو حنيفة (١)، ومالك (٢)، وأحمد (٣)،

стр. 8990

والشافعي في قول له (١)، واتفق الإمام أحمد مع الجمهور في هذه الصورة، لكنَّه اختلف معهم في جزئية أخرى موافقًا فيها الإمام الشافعي (٢). ويرى الإمام الشافعي أنه ينبغي أن يفردَ كُلُّ واحد منهم بعقد؛ لوجود الجهالة في ذلك. ويرى الجمهور أنه لا جهالة في ذلك؛ فكما أن له أن يبيعهم في عقد واحد، وعلى شخص واحد؛ فكذلك يجوز له مكاتبتهم بعقد واحد، ومذهب الجمهور أرجح في هذه المسألة (٣). قوله: (وَأَمَّا هَلْ يَكُونُ بَعْضُهُمْ حُمَلَاءَ عَنْ بَعْضٍ؟ فَإِنَّ فِيهِ لِمَنْ أَجَازَ الْجَمْعَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: ذَلِكَ وَاجِبٌ بِمُطْلَقِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ، أَعْنِي: حَمَالَةَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ). وقال بعضهم بوجوب حمل بعضهم بعضًا بمجرَّد العقد، ما داموا جُمِعوا في عقد واحد؛ فيتحمل بعضهم بعضًا، ويكونون حملاء عن بعض دون أن يوجد شرط (٤).

стр. 8991

والبعض الآخر يقول: لا يحمل بعضهم عن بعض، ولا يجب ذلك إلا إذا وضع ذلك شرطًا في العقد (١). والبعضُ يمنع ذلك مطلقًا حتى في وجِود الشرط، ويرى أن الشرط باطل في هذا المقام (٢). قوله: (وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٣) وَسُفْيَانُ (٤)، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَلْزَمُهُ

стр. 8992

ذَلِكَ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ وَيَلْزَمُ بِالشَّرْطِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (١)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَا بِالشَّرْطِ وَلَا بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ، وَيُعْتَقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِذَا أَدَّى قَدْرَ حِصَّتِهِ (٢)، فَعُمْدَةُ مَنْ مَنَعَ الشَّرِكَة: مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْغَرَرِ؛ لِأَنَّ قَدْرَ مَا يَلْزَمُ وَاحِدًا مِنْ ذَلِكَ مَجْهُولٌ) (٣). وإذا قلنا بأنهم حملاء عن بعض فما يأتون به يدخل جميعًا في حيِّز

стр. 8993

السداد، ويصبحون جميعًا أحرارًا بذلك، ورُبَّما يكاتب السيد ثلاثة مثلًا على مائة ألف فيقوم أحد الثلاثة بستين ألفًا، والآخر بثلاثين، والثالث لا يأتي إلا بعشرة فيحصل التفاوت بمثل هذه الصورة. قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَهُ: أَنَّ الْغَرَرَ الْيَسِيرَ يُسْتَخَفُّ فِي الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ بَيْنَ السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ، وَالْعَبْدُ وَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ) (١). فقولهم: "يستخفُّ "؛ لأن هذا باب خير، والمقصود به الرفق والمساعدة، فمثل هذه الأمور تغتفر؛ لأن الغرر أو الجهالة التي تكون في مثل هذا المقام ليست كالغرر الذي يكون بين الدائن والمدين؛ لأن بالدائن يريد أن يمتص المدين ويستفيد منه قدر المستطاع، فيلحق الضرر بالدائن، وليست أيضًا بين البائع والمشتري، إنما قصد هذا الوصول إلى أمر فيه خير فيكون من باب التعاون على البر والتقوى. ويغتفر هذا الغرر؛ لأن العبدَ ملك لسيده، فهو يملك رقبته وماله، أما إن ملَّكه السيد فاختلف فيها هل يملك أو لا؟ إذًا ما يملكه العبد هو ملك لسيده؛ لذا اغتفر ما يقع من الغرر بينهم. قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ، فَحُجَّتُهُ: أَنَّهُ لَمَّا كانَتِ الْكِتَابَةُ وَاحِدَةً وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُمْ كَحُكْمِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ) (٢).

стр. 8994

لا شكَّ بعد تدقيق النظر فيما يتعلق بالمكاتب في هذه المسألة أن القصد من ذلك هو الرفق بأحوالهم ومساعدتهم وإعانتهم، وجعل الله لهذا المكاتب الذي يريد الوفاء حقًا، وفرق بين المكاتب الذي يريد الوفاء، وبين المكاتب المماطل المتكاسل، فمن يريد الوفاء وفَّى الله عنه ويسر له أمره، أما من لا يريد الوفاء فإن الأمور تنعكس عليه. قوله: (وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنْ حَمَالَةَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمَالَةِ الْأَجْنَبِيَّينَ). يرى الشافعية والحنابلة أنه لا فرق بين هذه الصورة وبين حمَالَة الأجنبيين، أما المالكية فاستدلُّوا بقول الله تعالى بين الزوجين: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وهنا أيضًا لا ينبغي أن يُنسَى الفضل بينهم فكم من السنين والمدة الطويلة التي أمضاها هذا الخادم في طاعة سيده وخدمه، فهذه أمور كثيرة ينبغي أن يكافَأ عليها؛ ولا شكَّ أن نظرة المالكية في هذا المقام نظرة حصيفة لا تبتعد عن روح هذه الشريعة ومنهجها. قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ حَمَالَةَ الْأَجْنَبِيَّينَ فِي الْكِتَابَةِ لَا تَجُوزُ قَالَ: لَا تَجُوزُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ (١)، وَإِنَّمَا مَنَعُوا حَمَالَةَ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا عَجَزَ الْمُكَاتِبُ لَمْ يَكُنْ لِلْحَمِيلِ شَيْءٌ يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَهَذَا كأَنَّهُ لَيْسَ يَظْهَرُ فِي حَمَالَةِ الْعَبِيدِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَظْهَرُ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ هُوَ سَبَب لِأَنْ يُعْجِزَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى السَّعْيِ بِعَجْزِ مَنْ لَا يَقْدِرُ

стр. 8995

عَلَيْهِ، فَهُوَ غَرَرٌ خَاصٌّ بِالْكِتَابَةِ (١)، إِلَّا أَنْ يُقَالَ أَيْضًا: إِنَّ الْجَمْعَ يَكُونُ سَبَبًا لِأنْ يُخْرِجَ حُرًّا مَنْ لَا يَقْدِرُ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَسْعَى حَتَّى يَخْرُجَ حُرًّا، فَهُوَ كمَا يَعُودُ بِرِقِّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى السَّعْيِ، كذَلِكَ يَعُودُ بِحُرِّيَّةِ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى السَّعْيِ) (٢). وربما اجتماعهم في عقد واحد يؤثر سلبًا عليهم جميعًا، بأن لا يستطيع بعضهم الكسمب، فيؤثر على الآخر فيبقون كلهم في الرق، وربما يأتي الأمر عكسًا بأن هذا الضعيف يشده صاحبه ويرفع من شأنه ويعينه ويحمل عنه، وهذا هو الأولى. وإذا نظرنا إلى الأرحم فيهم فلا شك أن يتعاونوا على تحرير رقاب بعضهم البعض، وهذا التعاون قد دعت إليه الشريعة السمحة وحثَّت عليه، فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، ولا شكَّ أن هذا من باب التَّعاون على الخير؛ لأن الجميع يسعى أن يحرر نفسه. قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَشَبَّهَهَا بِحَمَالَةِ الْأَجْنَبِيِّ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا الْحَمَالَةُ، فَأَلْزَمَهَا بِالشَّرْطِ وَلَمْ يُلْزِمْهَا بِغَيْرِ شَرْطٍ،

стр. 8996

وَهُوَ مَعَ هَذَا أَيْضًا لَا يجِيزُ حَمَالَةَ الْكِتَابَةِ) (١). مع أن أبا حنيفة يجيز الحمالة في هذا الموضع، ولكن في غير هذا الموضع لا يجيز حمالة الكتاب (٢). ودائمًا ما نحاول أن نستشف روح الشريعة؛ فالشريعة لها مقاصد، وقد تكلَّم عنها العلماء وفصلوا فيها، ولو دققنا النظر في كل حكم من الأحكام بمعونة من الله لأدركنا أن هذا الحكم له علة ومقصد، وأن الله- ما شرع هذه الأحكام وما أنزلها إلا لحكمة بالغة، فيها سعادة الناس ومصلحتهم، حتَّى إن بعض الأمور قد ترى فيها شدة لكن مصلحتها أكبر، فهل هناك أشد من أن تزال رقبة الإنسان إذا قتل غيره؟!

стр. 8997

لا يرى أشد من ذلك، ولكن المصلحة في ذلك أكبر، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩] لأنَّ كلَّ من تسول له نفسه بأن يعتدي على حقِّ غيره فيسفك دمه، سيدرك أنه سينال ما نال غيره من العقاب، وحينئذ سيفكر جيدًا ويتراجع عن هذا الشر، وتحيا الأمة في أمن وأمان. قوله: (وَأَمَّا الْعَبْدُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ). المراد أن يكون المملوك بين شريكين، وهذه الشركة قد يتساويان فيها، أو ربما يزيد بعضهم على الآخر، والشاهد أن هذا المملوك لاثنين، فلا يجوز لواحد منهما أن يتصرف فيه تصرفًا مطلقًا، وقد مر في كتاب العتق أن للإنسان أن يعتق نصيبه، وأن ذلك يسري على نصيب الآخر، فيقوم على المعتق إن كان قادرًا فيؤدي حقه ذلك. قوله: (فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا: هَلْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُكَاتِبَ نَصِيبَهُ دُونَ إِذْنِ صَاحِبِهِ؟). أي: هل لأحد الشريكين أن يكاتب مكاتبه في مقدار نصيبه دون أن يأخذ إذن الآخر؟ أم لا بد من إذنه؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء، وانقسموا فيها إلى ثلاثة أقسام سيأتي تفصيلهم. قوله: (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَالْكِتَابَةُ مَفْسُوخَةٌ). وهذا رأي الإمام مالك ﵀ كما سيأتي. قوله: (وَمَا قَبَضَ مِنْهَا هِيَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِم). أي: بين الشريكين، والقول الأول: عدم الجواز، والقول الثاني: الجواز، أي: يجوز لأحد الشريكين أن يكاتب مكاتبه، سواء كان القدر الآخر حرًّا، أو كان له شريك فيه، ولا فرق عند أصحاب هذا القول بين

стр. 8998

أن يكون قد أذن له الشريك أو لم يأذن (١). قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَ الرَّجُلُ نَصِيبَهُ مِنْ عَبْدِهِ دُونَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ) (٢). وسكت المؤلف عن القيد وهو "سواء أذن الشريك أو لم يأذن، وسواء كان هذا القدر الآخر -وإن لم يكن أشار إليه المؤلف- تحرر فيه المكاتب، أو لم يزل رقيقًا تحت سلطة آخر". قوله: (وَفَرَّقَتْ فِرْقَةٌ؛ فَقَالَتْ: يَجُوزُ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ إِذْنِ شَرِيكِهِ، وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ مَالِكٌ (٣)، وَبِالثَّانِي قَالَ

стр. 8999

ابْنُ أَبِي لَيْلَى (١) وَأَحْمَدُ (٢)، وَبِالثَّالِثِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣) وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ (٤). لا اعتراض على المؤلف؛ لأنَّه قال: "في أحد قوليه "، فمعنى ذلك: أن الشافعي له قولان: القول الأول: بأن ذلك لا يصحُّ مطلقًا. القول الثاني: اختلفت فيه الرواية. أو فيه قولان: قول يصح، وقول لا يصح؛ ولذلك قال المؤلف: "في أحد قوليه" فلا أرى -حقيقة- خطأً فيما ذكره المؤلف ﵀.

стр. 9000

قوله: (وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ) (١). أشار المؤلف إلى ذلك جملةً؛ إذن أصحاب القول الثاني - الذين قالوا بالجواز وعدم اعتبار إذن الشريك - قالوا: أليس يجوز له أن يعتق نصيبه؟ الجواب: لا، فقد جاء في ذلك حديث صحيح؛ قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّهُ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ قَدْرَ ثَمَنِهِ، يُقَامُ قِيمَةَ عَدْلٍ، وَيُعْطَى شُرَكَاؤُهُ حِصَّتَهُمْ، وَيُخَلَّى سَبِيلُ المُعْتَقِ" (٢). إذًا فيه نصٌّ صريح بالنسبة إلى العبد، فلماذا لا يكون المكاتب مثله؟ يقولون: أليست الكتابة طريقًا إلى العتق؟ والجواب: بلى؛ طريق للعتق، لكنَّ العتقَ لا يؤخذ فيه مقابل أو عوض، أما المكاتبة ففيها عوض، ومن هنا اختلفَا، ومع ذلك نجد أن بينهم اتفاقًا؛ فالذي يعتق عبده يكون له ولاءه، والذي يكاتبه يكون له ولاءه أيضًا، حتَّى وإن كاتبه على مبلغ من المال، فإن هذا المقصد الرشيد الذي سلكه هو عمل طيب بأن أعانه على أن يكون حُرًّا، ولا مانع أن يأخذ عوضًا مقابل ذلك. قوله: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَأدَّى إِلَى أَنْ يُعْتَقَ الْعَبْدُ كُلُّهُ بِالتَّقْوِيمِ عَلَى الَّذِي كَاتَبَ حَظَّهُ مِنْهُ). أراد الإمامُ مالك ﵀ أن يردَّه إلى العتق فيقول: جاء في الحديث قوله ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّهُ، إِنْ
следующие страницы →