← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 8996–9035 · переход к 9001.

стр. 8996

وَهُوَ مَعَ هَذَا أَيْضًا لَا يجِيزُ حَمَالَةَ الْكِتَابَةِ) (١). مع أن أبا حنيفة يجيز الحمالة في هذا الموضع، ولكن في غير هذا الموضع لا يجيز حمالة الكتاب (٢). ودائمًا ما نحاول أن نستشف روح الشريعة؛ فالشريعة لها مقاصد، وقد تكلَّم عنها العلماء وفصلوا فيها، ولو دققنا النظر في كل حكم من الأحكام بمعونة من الله لأدركنا أن هذا الحكم له علة ومقصد، وأن الله- ما شرع هذه الأحكام وما أنزلها إلا لحكمة بالغة، فيها سعادة الناس ومصلحتهم، حتَّى إن بعض الأمور قد ترى فيها شدة لكن مصلحتها أكبر، فهل هناك أشد من أن تزال رقبة الإنسان إذا قتل غيره؟!

стр. 8997

لا يرى أشد من ذلك، ولكن المصلحة في ذلك أكبر، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩] لأنَّ كلَّ من تسول له نفسه بأن يعتدي على حقِّ غيره فيسفك دمه، سيدرك أنه سينال ما نال غيره من العقاب، وحينئذ سيفكر جيدًا ويتراجع عن هذا الشر، وتحيا الأمة في أمن وأمان. قوله: (وَأَمَّا الْعَبْدُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ). المراد أن يكون المملوك بين شريكين، وهذه الشركة قد يتساويان فيها، أو ربما يزيد بعضهم على الآخر، والشاهد أن هذا المملوك لاثنين، فلا يجوز لواحد منهما أن يتصرف فيه تصرفًا مطلقًا، وقد مر في كتاب العتق أن للإنسان أن يعتق نصيبه، وأن ذلك يسري على نصيب الآخر، فيقوم على المعتق إن كان قادرًا فيؤدي حقه ذلك. قوله: (فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا: هَلْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُكَاتِبَ نَصِيبَهُ دُونَ إِذْنِ صَاحِبِهِ؟). أي: هل لأحد الشريكين أن يكاتب مكاتبه في مقدار نصيبه دون أن يأخذ إذن الآخر؟ أم لا بد من إذنه؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء، وانقسموا فيها إلى ثلاثة أقسام سيأتي تفصيلهم. قوله: (فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَالْكِتَابَةُ مَفْسُوخَةٌ). وهذا رأي الإمام مالك ﵀ كما سيأتي. قوله: (وَمَا قَبَضَ مِنْهَا هِيَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِم). أي: بين الشريكين، والقول الأول: عدم الجواز، والقول الثاني: الجواز، أي: يجوز لأحد الشريكين أن يكاتب مكاتبه، سواء كان القدر الآخر حرًّا، أو كان له شريك فيه، ولا فرق عند أصحاب هذا القول بين

стр. 8998

أن يكون قد أذن له الشريك أو لم يأذن (١). قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَ الرَّجُلُ نَصِيبَهُ مِنْ عَبْدِهِ دُونَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ) (٢). وسكت المؤلف عن القيد وهو "سواء أذن الشريك أو لم يأذن، وسواء كان هذا القدر الآخر -وإن لم يكن أشار إليه المؤلف- تحرر فيه المكاتب، أو لم يزل رقيقًا تحت سلطة آخر". قوله: (وَفَرَّقَتْ فِرْقَةٌ؛ فَقَالَتْ: يَجُوزُ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ إِذْنِ شَرِيكِهِ، وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ مَالِكٌ (٣)، وَبِالثَّانِي قَالَ

стр. 8999

ابْنُ أَبِي لَيْلَى (١) وَأَحْمَدُ (٢)، وَبِالثَّالِثِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣) وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ (٤). لا اعتراض على المؤلف؛ لأنَّه قال: "في أحد قوليه "، فمعنى ذلك: أن الشافعي له قولان: القول الأول: بأن ذلك لا يصحُّ مطلقًا. القول الثاني: اختلفت فيه الرواية. أو فيه قولان: قول يصح، وقول لا يصح؛ ولذلك قال المؤلف: "في أحد قوليه" فلا أرى -حقيقة- خطأً فيما ذكره المؤلف ﵀.

стр. 9000

قوله: (وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ) (١). أشار المؤلف إلى ذلك جملةً؛ إذن أصحاب القول الثاني - الذين قالوا بالجواز وعدم اعتبار إذن الشريك - قالوا: أليس يجوز له أن يعتق نصيبه؟ الجواب: لا، فقد جاء في ذلك حديث صحيح؛ قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّهُ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ قَدْرَ ثَمَنِهِ، يُقَامُ قِيمَةَ عَدْلٍ، وَيُعْطَى شُرَكَاؤُهُ حِصَّتَهُمْ، وَيُخَلَّى سَبِيلُ المُعْتَقِ" (٢). إذًا فيه نصٌّ صريح بالنسبة إلى العبد، فلماذا لا يكون المكاتب مثله؟ يقولون: أليست الكتابة طريقًا إلى العتق؟ والجواب: بلى؛ طريق للعتق، لكنَّ العتقَ لا يؤخذ فيه مقابل أو عوض، أما المكاتبة ففيها عوض، ومن هنا اختلفَا، ومع ذلك نجد أن بينهم اتفاقًا؛ فالذي يعتق عبده يكون له ولاءه، والذي يكاتبه يكون له ولاءه أيضًا، حتَّى وإن كاتبه على مبلغ من المال، فإن هذا المقصد الرشيد الذي سلكه هو عمل طيب بأن أعانه على أن يكون حُرًّا، ولا مانع أن يأخذ عوضًا مقابل ذلك. قوله: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَأدَّى إِلَى أَنْ يُعْتَقَ الْعَبْدُ كُلُّهُ بِالتَّقْوِيمِ عَلَى الَّذِي كَاتَبَ حَظَّهُ مِنْهُ). أراد الإمامُ مالك ﵀ أن يردَّه إلى العتق فيقول: جاء في الحديث قوله ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّهُ، إِنْ

стр. 9001

كَانَ لَهُ مَالٌ قَدْرَ ثَمَنِهِ، يُقَامُ قِيمَةَ عَدْلٍ، وَيُعْطَى شُرَكاؤُهُ حِصَّتَهُمْ، وَيُخَلَّى سَبِيلُ المُعْتَقِ ". فالإمام مالك ﵀ يريد أن يقيس مقايسة في العتق، فإذا أعتق أحد الشريكين نصيبه سرى إلى نصيب الآخر، هذا الذي يريده الإمام مالك؛ فإذا كاتب عبده ترتب على ذلك أن يضر بالآخر فيعتق عليه، أو أنه هو نفسه -هذا الذي كاتب- يحتاج أن يدفع نصيب شريكه. والجواب: هذه مسألة أخرى تختلف عن تلك؛ لأن هذا أخذه مقابلة بعوض، فلم يكن عتقًا كعتق السابق، وإنما مكاتبة بأن سيحرره على أن يعطيه مقابل ذلك، فالمملوك يشتري نفسه من سيده. أما الإمام الشافعي فيما يتعلق بالشريك؛ فقال: لا يجوز؛ لأنَّ هذا المكاتب يحتاج إلى السفر، والتردد؛ أي: الكسب والعمل، ويحتاج إلى الأخذ من الصدقة فأصبح بذلك -عند الإمام الشافعي- يعمل لنفسه وفوَّت على الآخر ما يتعلق بالسفر، وفوت أمر الكسب وألا يأخذ شيئًا من الصدقة (١). ولكن الآخرين أجابوا وقالوا: أما السفر فلا يكون مانعًا؛ لأنَّه ربما لا يكون له شريك أصلًا ويكاتبه ومع ذلك لا يسافر، وأما ما يتعلق

стр. 9002

بالكسب وما يستحقه من الصدقة التي تكون على هؤلاء المكاتبين إنما يستحقها على الجزء الذي كتب عليه. إذن له أن يعمل على قدر مكاتبته، ويستحق الصدقة -أيضًا- في القدر الذي يتعلق بالمكاتبة (١). وعمدة مالك: أنه لو جاز ذلك لأدَّى إلى أن يعتق العبد كلّه بالتقويم على الذي كاتب حظه منه. يريد أن يقول: هذه الصورة توصل بالذي كاتب إلى أن يعتق هذا العبد ويكون على حسابه، عملًا بالحديث: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّهُ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ قَدْرَ ثَمَنِهِ، يُقَامُ قِيمَةَ عَدْلٍ، وَيُعْطَى شُرَكَاؤُهُ حِصَّتَهُمْ، وَيُخَلَّى سَبِيلُ المُعْتَقِ ". والجواب: بأن ذلك عتق، وهذا مكاتبة وفرق بينهما (٢).

стр. 9003

قوله: (وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي تَبْعِيضِ الْعِتْقِ (١)، وَمَنْ رَأَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَهُ رَأَى أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ عِتْقَهُ إِذَا أَدَّى الْكِتَابَةَ إِذَا كانَ مُوسِرًا (٢)، فَاحْتِجَاجُ مَالِكٍ هُنَا هُوَ احْتِجَاجٌ بِأَصْلٍ لَا يُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْخَصْمُ). والمقصود بالأصل: هو قياسه المكاتبة بهذه الصورة على العتق؛ فجعل الأصل في ذلك العتق، فهل يوافقه في ذلك غيره من الأئمة؟ الجواب: لا؛ كما ذكر المؤلف، لكنه يقول: أن الإمام مالكًا وضع أصلًا، ولا يلزم من كونهم لم يوافقوا على هذا الأصل أن يكون أصله غير صحيح (٣).

стр. 9004

قوله: (لَكِنْ لَيْسَ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الْأصْلِ أَنْ لَا يُوَافِقَهُ عَلَيْهِ الْخَصْمُ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْإِذْنِ فَضَعِيفٌ). ضعَّف المؤلف ﵀ الإذن؛ لأن الأصل في المكاتب الذي يكون بين شريكين أن يجوز لأحدهما بيعه أو هبته أو عتقه، فما الفرق إذن بين ذا وبين المكاتبة؟ فإذا جاز لأحدهما أن يعتقه جاز له أن يكاتبه، وإذا جاز لأحدهما أن يبيعه جاز له أن يكاتبه فالمكاتبة خير له، وكذلك الحال بالنسبة للهبة، فلماذا أجاز هناك وامتنع هنا؟ سيأتي تفصيله (١). قوله: (وَأَبُو حَنِيفَةَ يَرَى فِي كيْفِيَّةِ أَدَاءِ الْمَالِ لِلْمُكَاتِبِ إِذَا كَانَتِ الْكِتَابَةُ عَنْ إِذْنِ شَرِيكِهِ؛ أَنَّ كُلَّ مَا أَدَّى لِلشَّرِيكِ الَّذِي كَاتَبَهُ، يَأْخُذُ مِنْهُ الشَّرِيكُ الثَّانِي نَصِيبَهُ). لأنهما مشتركان فيه، وهذا رأي الإمام أبي حنيفة، لكنَّ الآخرين يخالفونه؛ لأن الذي كاتبه هو الذي أخذ نصيبه. قوله: (وَيَرْجِعُ بِالْبَاقِي عَلَى الْعَبْدِ فَيَسْعَى لَهُ فِيهِ، حَتَّى يَتِمَّ لَهُ مَا كَانَ كَاتَبَهُ عَلَيْهِ (٢)، وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ عَنِ الأوَّلِ (٣)، وَأَمَّا هَلْ تَجُوزُ مُكَاتَبَةُ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى السَّعْيِ).

стр. 9005

هذه مسألة مهمة لها ارتباط بالآية، وقد أشار إليها قوله : ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، فهذا المكاتب لا يخلو من حالين: الأولى: إما أن يكون قويًّا قادرًا على الكسب. والثانية: أن يكون عاجزًا، أو رجلًا هرمًا قد تقدم به السن، أو ضعيفًا، أو هزيلًا، أو لا يكن بيده صنعة يتمكن من العمل بها. قوله: (فَلَا خِلَافَ فِيمَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا عَلَى السَّعْيِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]). وهذا مما أُخذ على المؤلف ﵀ من قِبَل بعض النقاد المحللين، لأنه أورد هذه المسألة في غير محلها؛ لأنه لم ينقل إجماعهم على أنه لا يجوز إلا مكاتبة القوي، وإنما قال: "إذا وُجد قوي وضعيف "، وعليه فلا خلاف بين العلماء عند المكاتبة أن القوي يكاتب، والخلاف الدائر بينهم في غير القادر على الكسب، أي: في العبد الذي لا يستطيع أن يكتسب بنفسه (١)، فاختلف العلماء في جواز كتابة سيده له أو لا، وانقسموا في ذلك إلى قسمين:

стр. 9006

الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يكاتب وإن كان ضعيفًا وغير قادر على الكسب؛ فذهب الأئمة أبو حنيفة (١) والشافعي (٢) وهو المشهور عند مالك (٣)، وهي رواية للإمام أحمد إلى جواز مكاتبة غير القوي (٤). الثاني: ذهب فريق آخر إلى الجواز مع الكراهة، وهذه أيضًا رواية

стр. 9007

أخرى عن الإمام أحمد (١)، وروي ذلك عن عبد الله بن عمر (٢)، وهو أيضًا قول الأوزاعي، وقيل: إنها رواية للإمام مالك أيضًا (٣). أما جمهور العلماء الذين استدلوا على جواز مكاتبة غير القوي دون كراهة بقصة جويرية بنت الحارث؛ فعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا سَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ فِي السَّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَلِابْنِ عَمِّهِ فَكَاتَبَهَا عَلَى نَفْسِهَا، فَكَانَتِ امْرَأَةً جَلْدَةً مَلَّاحَةً لَا يَكَادُ يَرَاهَا أَحَد إِلَّا أَخَذَتْ بِنَفْسِهِ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَسْتَعِينُهُ فِي كِتَابَتِهَا، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ وَقَفْتُ عَلَى بَابِ الْحُجْرَةِ فَرَأَيْتُهَا كَرِهْتُهَا، وَعَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَيَرَى مِنْهَا مِثْلَ مَا رَأَيْتُ، فَقَالَتْ جُوَيْرِيَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ عَرَفْتَ، فَكَاتَبْتُ عَلَى نَفْسِي، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أسْتَعِينُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوْ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ؟ " فَقَالَتْ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: "أَتَزَوَّجُكِ وَأَقْضِيَ عَنْكِ كتَابَكِ"، فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: "قَدْ فَعَلْتُ "، فَلَمَّا بَلَغَ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ قَالُوا: أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَرْسَلُوا مَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَلَقَدْ أَعْتَقَ بِتَزْوِيجِهَا مِائَةَ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، قَالَتْ: فَمَا أَعْلَمُ امْرَأَةً

стр. 9008

كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا (١). فانظر إلى الفضيلة التي نالتها، فحصلت على المال فأصبحت حرة، ثم تزوجها رسول الله ﷺ ، وكانت النتيجة أن تسارع الصحابة ﵃، وأعتقوا كل واحد من قومها، وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ ، لا ينبغي أن يكونوا تحت الرق؛ فتسابقوا إلى إعتاقهم، وهذا دليل على جواز أن يكاتب إنسان لا كسب له (٢). وأما الفريق الآخر القائل بالكراهة، فقد استدلوا بما أُثر عن عمر ﵁، فعَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، أَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي خِزَانَةِ حِمْصٍ كِتَابًا مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ -وَكَانَ عَامِلًا لَهُ-، فَإِذَا فِيهِ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مِنْ قِبَلَكَ أَنْ يُفَادُوا أَرِقَّائِهِمْ عَلَى مَسْأَلَة النَّاسِ" (٣). فقالوا: أثر عمر نص في هذه المسألة، وعليه تفسر الكراهة بأنها خشية سؤال الناس. وهذا أيضًا قد أُثر عن عبد الله بن عمر، فإنه أيضًا دليل لأصحاب القول بكراهة ذلك، وجاء التعليل عن عبد الله بن عمر بأنه كره ذلك (٤). وأيضًا أثر ذلك عن سلمان الفارسي، فعن أبي ليلى الكندي: أن سلمان الفارسي ﵁ أراد منه مملوك له أن يكاتبه فقال: "أعندك شيء؟ " قال: "لا"، قال: "من أين لك؟ " قال: "أسأل الناس، فأبى أن يكاتبه،

стр. 9009

وقال: "تطعمني من غسالة الناس" (١). وعليه، فالمسألة ليست قضية منع، وليس الأمر مجرد اعتراض على المؤلف، وإنما القضية هل ذلك مكروه أو غير مكروه؟ قوله: (وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ؛ مَا الْخَيْرُ الَّذِي اشْتَرَطَهُ اللَّهُ فِي الْمُكَاتَبِينَ في قوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]). وتعددت أقوال العلماء في المقصود بالخير هنا بين أن يكون هو المال، أو الصلاح، أو الصدق، أو القوة، فتجاوزت أقوالهم في ذلك عشرة أقوال، وتفصيلهم كالآتي: فمنهم من قال: هو القوة، وهو قول الإمام الشافعي ﵀، فقال: هي القوة والقدرة على الكسب (٢). ومن العلماء من قال: هو الصدق والصلاح والوفاء بمال المكاتبة، وهذا قول الإمام أحمد (٣). ومنهم من قال: إنه الغنى وإعطاء المال، أي: مال المكاتبة، وهذا قول عبد الله بن عباس ﵁ (٤).

стр. 9010

ومنهم من قال: الغنى فقط، وهو قول مجاهد (١). ومنهم من قال: هو المال والوفاء، وهو قول إبراهيم النخعي (٢). وهناك أقوال كثيرة جدًّا، وكلها تدور حول الأمانة والصلاح والصدق والبر والوفاء (٣). قوله: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الِاكْتِسَابُ وَالْأَمَانَةُ) (٤). الاكتساب: هو القدرة والقوة على العمل، ليكتسب الرزق، وينفق على نفسه. قوله: (وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمَالُ وَالْأَمَانَةُ). وهو قول طاوس من التابعين (٥). قوله: (وَقَالَ آخَرُونَ: الصَّلَاحُ وَالدِّينُ (٦)، وَأَنْكَرُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُكَاتَبَ مَنْ لَا حِرْفَةَ لَهُ مَخَافَةَ السُّؤَالِ) (٧). وعلل ذلك مخافة سؤال الناس، وهذا صرح به جماعة من الصحابة ﵃ كأثر عمر ﵁: مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِلَى عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ

стр. 9011

الْأَنْصَارِيِّ -وَكَانَ عَامِلًا لَهُ-، فَإِذَا فِيهِ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مِنْ قِبَلَكَ أَنْ يُفَادُوا أَرِقَّائِهِمْ عَلَى مَسْأَلَة النَّاسِ ". فله أن يكاتبه ويتفق معه أن لا يسأل الناس (١)، وقد مَرَّ أن بريرة كوتبت، وهي لا تملك شيئًا، وكذلك جويرية (٢). قوله: (وَأَجَازَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ لِحَدِيثِ بَرِيرَةَ: "أَنَّهَا كُوتِبَتْ أَنْ تَسْأَلَ النَّاسَ "). ليس هذا الأثر في الكتابة كما يفهم من كلام المؤلف من أنها كوتبت لتسأل الناس، وقد جاء بها جملة تعليلية؛ أي: أنها كوتبت لأجل أن تسأل الناس، والصحيح: أنهم كاتبوها، ولم تفعل هي ذلك، لكن لم يرد في النص أنهم كاتبوها على أن تسأل الناس؛ بدليل أنها أول ما ذهبت ذهبت إلى عائشة، وقد أحسنت الاختيار في ذلك، فعائشة أم المؤمنين ﵂ وعن أبيها، ولا يفهَم بأن عائشة ﵂ وقبلها رسول الله ﷺ عندما جاءت إليه جويرية تطلب منه أن يعينها فأعانها، أو عائشة عندما أعانت بريرة أن ذلك جاء عن غنًى، فالحالة كانت جفافًا (٣)؛ فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ: "ابْنَ أُخْتِي؛ إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلَالِ، ثُمَّ الهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَارٌ"، فَقُلْتُ: "يَا

стр. 9012

خَالَةُ؛ مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ " قَالَتْ: "الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالمَاءُ، إِلَا أَنَهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ، كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَلْبَانِهِمْ، فَيَسْقِينَا" (١). وكم من مرة خرج الرسول ﷺ ، وقد ربط الحزام على بطنه الشريفة، ومعه الحجارة حتَّى يتقي شدة الجوع (٢). قوله: (وَكَرِهَ أَنْ تُكَاتَبَ الْأَمَةُ الَّتِي لَا اكتِسَابَ لَهَا بِصِنَاعَةٍ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى الزِّنَا) (٣). لأنها ربَّما تقع في المعصية، فالرجل مهما كان أمره أخف، لكن المرأة أمرها صعب، ومع ذلك كرهوا ذلك، ولكن المرأة العفيفة مهما

стр. 9013

ضاقت بها الدنيا؛ فإنها ستحفظ قيمَتها وشرفها، ونعلم قصة أحد الذين انطبق عليهم الغار، حين قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي ابْنَةُ عَمٍّ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَأَنِّي رَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ إِلَّا أَنْ آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَطَلَبْتُهَا حَتَّى قَدَرْتُ، فَأَتَيْتُهَا بِهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهَا، فَأَمْكَنَتْنِي مِنْ نَفْسِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، فَقَالَتْ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ وَتَرَكْتُ المِائَةَ دِينَارٍ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا، فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَخَرَجُوا" (١). إذًا فالمرأة، وكذلك الرجل الذي يخشى الله لا يقع في المحرم، مهما ضاقت به السبل، ومهما أصابه من القرح (٢)، فإنه لا يقع في المحرم؛ لأن خشية الله- عنده فوق كل خشية، ومحبة الله تعالى فوق كل محبة. قوله: (وَأَجَازَ مَالِكٌ كِتَابَةَ الْمُدَبَّرَةِ، وَكُلِّ مَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ، إِلَّا أُمَّ الْوَلَدِ (٣)؛ إِذْ لَيْسَ لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا) (٤). ومعه في ذلك أيضًا أكثرُ العلماء، ومنهم الإمام أحمد ﵀ (٥).

стр. 9014

والمدبر أو المدبرة: الذي يقيد عتقه بموت سيده، فيقول مثلًا: أنت عتيق، أو معتَق أو أعتقق بعد موتي، أو: أنت حر بعد موتي (١). * * *

стр. 9015

قوله: (الْقَوْلُ فِي الْمُكَاتِبِ وَأَمَّا الْمُكَاتِبُ؛ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا صَحِيحَ الْمِلْكِ). فاتفقوا على وجوب أن يكون السيد مالكًا للمملوك؛ لأنه لا يجوز لإنسان أن يكاتب عبدًا لغيره، فلا يجوز أن يكاتب على ما لا يملكه، كما لا يجوز لإنسان أن يأكل مال وحق غيره، أو أن يأكل طعام غيره، ولا أن يتعدَّى على مال غيره، فلا بد أن يكون السيد مالكًا لهذا المكاتب. وصَحِيحُ الْمِلْكِ، أي: لا يكون غاصبًا؛ لأن الغصب لا يبيح له ذلك، أي: إنسان غصب عبدًا فليس له أن يكاتبه؛ لأن هذا ملك لغيره. قوله: (غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ). لأنه إذا كان محجورًا عليه فليس له أن يتصرف فيما يملك (١). قوله: (صَحِيحَ الْجِسْمِ). ألَّا يكون مريضًا (٢).

стр. 9016

قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ أَمْ لَا؟). وانقسم العلماء فيها إلى قسمين، وسيأتي التفصيل فيها. قوله: (وَسَيَأْتِي هَذَا فِيمَا يَجُوزُ مِنْ أَفْعَالِ الْمُكاتَبِ مِمَّا لَا يَجُوزُ، وَلَمْ يُجِزْ مَالِكٌ أَنْ يُكَاتَبَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عِتْقٌ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ). لأنه ليس من أهل العتق فكيف يعتِق غيره (١).

стр. 9017

قوله: (وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ كِتَابَةُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ). وقد مر الكلام في هذه المسألة في باب العتق، و"أحاط الدين بماله"، أي: عليه دين يستوفي جميع مالَه بما في ذلك المكاتب، أي: عليه ديونٌ وجميعُ ما عنده من أموال -سواء كانتْ من النَّقدين، أو من العقارِ أو غيرها- تساويها، وأصبحَ لا يملكُ شيئًا فهل له أن يكاتب عبده؟ قوله: (إِلَّا أَنْ يُجِيزَ الْغُرَمَاءُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي ثَمَنِ كِتَابَتِهِ مِثْلُ ثَمَنِ رَقَبَتِهِ) (١).

стр. 9018

أي: ما يعادل قيمته. قوله: (وَأَمَّا كِتَابَةُ الْمَرِيضِ، فَإِنَّهَا عِنْدَهُ فِي الثُّلُثِ). عنده (١)، وعند الإمام الشافعي (٢)، وكذلك الإمام أحمد (٣).

стр. 9019

قوله: (تُوقَفُ حَتَّى يَصِحَّ فَتَجُوزُ، أَوْ يَمُوتَ فَتَكُونُ مِنَ الثُّلُثِ كَالْعِتْقِ سَوَاءً). المراد هنا: بأنه لو كاتب عبده وهو على فراش الموت، وهذه الحالة يتعلق بها أحكام كثيرة، كما مر في باب العتق، وكذلك لو طلق امرأته وهو في مرضه الذي مات فيه، وكذلك أيضًا ما يتعلق بالمكاتبة. أما العتق فينفذ؛ لأن فيه خيرًا ومصلحة، وكذلك المكاتبة، لكن هل يكون في الثلث أو في عامة ماله؟ لأنه قد مَرَّ في المباحث الوصية واختلاف العلماء فيها، وأن الوصية مما شُرِعت، وأنه ربما يقصِّر الإنسان في هذه الحياة، فشرعت له الوصية؛ حتَّى يتدارك ما فاته، فيترك عملًا طيبًا يجد عقباه بعد مماته. ثم اختلفوا هل له أن يوصي بجميع ماله؟ فمنهم من قال: لا يجوز؛ لحديث سعد بن أبي وقاص فعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا، قَالَ: "يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفْرَاءَ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: "لَا"، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ، قَالَ: "لَا"، قُلْتُ: الثُّلُثُ، قَالَ: "فَالثّلثُ، وَالثّلثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ، حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ، وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَكَ، فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ " (١). وبعضهم يرى أنه لا يصل إلى الثلث. تم اختلفوا فبعضهم قال: الربع، وبعضهم قال: الخمس، وما اختاره أبو بكر وما اختاره غيره، وكل ذلك قد مرَّ تفصيلا.

стр. 9020

قوله: (وَقَدْ قِيلَ: إِنْ حَابَى (١) كَانَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُحَابِ سَعَى، فَإِنْ أَدَّى وَهُوَ فِي الْمَرَضِ عُتِقَ (٢)، وَتَجُوزُ عِنْدَهُ كِتَابَةُ النَّصْرَانِيِّ الْمُسْلِمَ). وتجوز عنده (٣)، وعند الإمام الشافعي (٤)، وأحمد أيضًا (٥)، وهذا

стр. 9021

كلام مجمل، أي: أن النصراني إذا كان عنده عبد وأسلم جاز أن يكاتبه، وتكون المكاتبة صحيحة. قوله: (وَيُبَاعُ عَلَيْهِ كَمَا يُبَاعُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ عِنْدَهُ). فبمجرد أن كاتبه فأسلم فإنه يباع عليه، لكن عند الاخرين يقولون: لا، الكتابة نوع من الخروج، وهو لم يكن كما كان، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، لكنَّه هنا كاتب نفسه، وبدأ بالعمل ليحرر نفسه (١).

стр. 9022

قوله: (فَهَذِهِ هِيَ مَشْهُورَاتُ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْأَرْكَانِ، أَعْنِي الْمُكَاتِبَ وَالْمُكَاتَبَ وَالْكِتَابَةَ). لأن كل ما مر متعلق إما بالكتابة، وإما بأحكام تتعلق بالسيد، وماذا يفعل نحو مكاتبه، وإما بالمكاتمب نفسه، وكيفية خروجه من ذلك الرق. * * * [أَحْكَامُ الْكِتَابَةِ] قوله: (وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَكَثِيرَةٌ، وَكَذَلِكَ الشُّرُوطُ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا مِنَ الَّتِي لَا تَجُوزُ، وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ أَجْنَاسُ الْأَحْكَامِ الْأُولَى فِي هَذَا

стр. 9023

الْعَقْدِ هُوَ أَنْ يُقَالَ: مَتَى يُعْتَقُ الْمُكَاتَبُ؟ وَمَتَى يَعْجِزُ فَيَرِقُّ؟). من المعلوم أن العلماء مجمعون على أنه إذا أدى ما عليه عُتق (١)، لكن اختلفوا هل يعتق بمجرد الكتابة؟ أو يعتق إذا أدى قدرًا معينًا فيعتق بقدر ما أدَّى؟ أي: تكون حريته بقدر تأديته ما عليه، أو تكون حريته بقدر ما يؤدي من قيمته؟ فلو أدَّى مثلًا عشرة آلاف، وقيمته لو بيع عشرة آلاف يكون حرًّا، أو أنه يكون حرًّا إذا أدى الثلث، أو إذا أدى النصف، أو إذا أدى الثلثين، أو أنه يبقى مملوكًا رقيقًا حتَّى ولو بقي عليه درهم واحد؟ أقوال العلماء في هذه المسألة متعددة وكثيرة وسيذكر أكثرها المؤلف فيما يأتي. قوله: (وَكَيْفَ حَالُهُ إِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ أَوْ يَرِقَّ؟ وَمَنْ يَدْخُلُ مَعَهُ فِي حَالِ الْكِتَابَةِ مِمَّنْ لَا يَدْخُلُ؟). أي: إذا كان له أولاد، أو له أم ولد إلى آخره. قوله: (وَتَمْيِيزُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ حَجْرِ الرِّقِّ مِمَّا لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ، فَلْنَبْدَأْ بِذِكْرِ مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي فِي جِنْسٍ مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ الْخَمْسَةِ. الْجِنْسُ الْأَوَّلُ: فَأَمَّا مَتَى يَخْرُجُ مِنَ الرِّقِّ؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الرِّقِّ إِذَا أَدَّى جَمِيعَ الْكِتَابَةِ). هذا لا خلاف فيه بين العلماء؛ لأنَّه إذا سدد ما عليه خرج من الرق. قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا عَجَزَ عَنِ الْبَعْضِ وَقَدْ أَدَّى الْبَعْضَ). فتعددت الأقوال بين أن يعود رقيقًا، أو يكون حرًّا بمجرد الكتابة.

стр. 9024

قوله: (فَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ مِنْ كتَابَتِهِ شَيْءٌ). ومن جمهور العلماء: الأئمة الأربعة؛ أبو حنيفة (١) ومالك (٢) والشافعي (٣) وأحمد (٤)، فهؤلاء ومن معهم متفقون على أنه لو بقي عليه شيء ولو درهم واحد كما جاء في الحديث: "الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتبَتِهِ دِرْهَمٌ" (٥)، وكذلك الحديث الذي فيه "أَيُّمَا عَبْدٍ كَاتَبَ عَلَى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ فَأَدَّاهَا إِلَّا عَشْرَةَ أَوَاقٍ فَهُوَ عَبْدٌ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ كَاتَبَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ فَأَدَّاهَا إِلَّا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَهُوَ عَبْدٌ" (٦)، وقد جاء به المؤلف في إحدى الروايات دليلًا للجمهور.

стр. 9025

قوله: (وَأَنَّهُ يَرِقُّ إِذَا عَجَزَ عَنِ الْبَعْضِ، وَرُوِيَ عَنِ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِ). ومن السلف متقدم ومتأخر كما هو معلوم، ويعبَّر عن المتأخرين بالخلف، وكل من نهج منهج السلف قيل عنه سلفي؛ لأنه سار على طريق الكتاب والسنة، فأشار المؤلف ﵀ إلى قول السلف المتقدمين، الذين كانوا في الصدر الأول، بأن مجرد تمام عقد الكتابة يصبح العبد حرًّا، ثم بعد ذلك يبدأ بأداء ما عليه، ولو عجز فحينئذ تبدأ المطالبة. قوله: (سِوَى هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَقْوَال أَرْبَعَةٌ؛ أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُكَاتَبَ يُعْتَقُ بِنَفْسِ الْكِتَابَةِ). أي: بمجرد أن تتم الكتابة يصير حرًّا، وقد نقل هذا عن ابن عبد البر، ولم يسمِّ هؤلاء (١). قوله: (وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى). هذا للحديث الذي سيأتي، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁ (٢).

стр. 9026

قوله: (وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يُعْتَقُ إِنْ أَدَّى النِّصْفَ فَأَكْثَرَ). وهذا أثر عن عمر بن الخطاب ﵁ (١). قوله: (وَالرَّابعُ: إِنْ أَدَّى الثُّلُثَ وَإِلَّا فَهُوَ عَبْدٌ). قيل النصف عن عمر ﵁ (٢)، وقيل أيضًا: ثلاثة أرباع، وأثر هذا القول عن عطاء (٣). وهناك من قال بالثلث، وهذا أثر عن عبد الله بن مسعود وشريح (٤). ولهما قول آخر: وهو إن أدى قدر قيمته، أي: لو أنه أدى مبلغًا من الكتابة، وهذا المبلغ يساوي قيمته إن بيع (٥). قوله: (وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ). أي: دليل الجمهور. قوله: (مَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَيُّمَا عَبْدٍ كَاتَبَ عَلَى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ فَأَدَّاهَا إِلَّا عَشَرَةَ

стр. 9027

أَوَاقٍ فَهُوَ عَبْدٌ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ كَاتَبَ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ فَأَدَّاهَا إِلَّا عَشَرَةً فَهُوَ عَبْدٌ" (١). إذًا دليل قول الجمهور ما جاء عن رسول الله ﷺ ، وأيضًا هو قول عليِّ بن أبي طالب (٢)، وجاء في بعض روايات هذا الحديث: "الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ شَىْءٌ" (٣)، وفي رواية أخرى: "الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتبَتِهِ دِرْهَمٌ " (٤)، وصحح ابن حجر الرواية الأخيرة (٥). قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ يَعْتِقُ بِنَفْسِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ: تَشْبِيهُهُ إِيَّاهُ بِالْبَيْعِ، فَكَأَنَّ الْمُكَاتَبَ اشْتَرَى نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ). هذا أيضًا لم يذكره وقد أخرجه أصحاب السنن إلا ابن ماجه، وهو أيضًا حديث حسن (٦). قوله: (فَإِنْ عَجَزَ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا أَنْ يُتْبِعَهُ بِالْمَالِ، كمَا لَوْ أَفْلَسَ مَنِ اشْتَرَاهُ مِنْهُ إِلَى أَجَلٍ وَقَدْ مَاتَ (٧). وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ

стр. 9028

مَا أَدَّى: مَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يُؤدِّي المُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى دِيَةَ حُرٍّ، وَبِقَدْرِ مَا رُقَّ مِنْهُ دِيَةَ عَبْدٍ" خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ (١)). أي: لو كانت على العبد المكاتب دية أداها بقدر ما أدى في المكاتبة، فإن أدى في المكاتبة مثلًا ألفي ريال يكون قد تحرر منه جزء، فتقدر الدية بقدر ما أدى من المكاتبة على اعتبار أنه حر، وباقي الدية تقدر وتؤدى على اعتبار أنه عبد. قوله: (وَالْخِلَافُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ عِكْرِمَةَ (٢)، كمَا أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَحَادِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ (٣) مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ

стр. 9029

صَحِيفَةٍ (١)، وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ عَلِيٌّ (٢)). أحاديث عمر بن شعيب متكلَّم فيها، ومن العلماء من صحح بعضها. قوله: (أَعْنِي: بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ). يعني: القول الذي استدلَّ به الجمهور. قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ إِذَا أَدَّى الشَّطْرَ عُتِقَ). وقد أثر عن عمر الشطر الذي هو النصف، وقد مر عندما عدَّد المؤلف الأقوال، وذكرنا أنه قول عمر. قوله: (وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: إِذَا أَدَّى الثُّلُثَ). ومثله شريح (٣). قوله: (وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حُجَّةً، فَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّقْدِيرَ إِذَا صَدَرَ مِنْهُمْ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ سُنَّةً بَلَغَتْهُمْ). وهذه مسألة اختلف فيها الأصوليون - كما هو معلوم- عند من يعرف

стр. 9030

ذلك، واختلف هل قول الصحابي حجة أم لا؟ لكن لنعلم بأن الصحابة إذا اتفقوا على قول فقولهم حجة، وإذا قال بعضهم قولًا ولم يخالفه أحد فقوله حجة (١)، أما إذا قال قولًا وخالفه غيره فلا يكون حجة، وإذا قال قولًا وخالف غيره؛ فهل هو مستند إلى دليل عن رسول الله ﷺ ؟ أو أن ذلك قولًا يخصه؟ (٢). فعندما يقول الصحابي: "مضت السنة، أو من السنة"، فإن قوله يعطى حكم الرفع، وفيها تفصيل سيأتي (٣).

стр. 9031

وهذه المسألة قد اختُلف فيها -كما مر- بين الصحابة، وتنوعت أقوالهم، فعليٌّ له قول، وعمرُ له قول، وعبد الله بن مسعود له قول، وزيد بن ثابت له قول، وعائشة لها قول؛ لأن عائشة قولها كقول الجمهور، وابن عمر رأيه كرأي الجمهور، إذًا اختلف الصحابة فى هذه المسألة، فلا يقال بأن قول فلان هنا هو القول الصحيح، لكن ننظر الأدلة في هذا المقام، ونقدم الأقوى، وهو الأحوط، هذا الذي ننظر فيه في هذا المقام (١). قوله: (وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ خَامِسٌ: إِذَا أَدَّى الثَّلَاثَةَ الْأرْبَاعِ عُتِقَ) (٢). هذا القول فيما يتعلق بقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، والذي يؤتى في قول بعض العلماء: أي شيء يؤتى، كما هو مذهب الإمام الشافعي ومالك، وإن كان الإمام مالك والشافعي

стр. 9032

يختلفان في الإيتاء، فهو عند الشافعي واجب كأحمد، وليس بواجب عند مالك كأبي حنيفة فالإيتاء عندهما سنة (١). والإمام مالك والشافعي -رحمهم الله تعالى- لا يحدان الإيتاء بقدر (٢)، وهذا ما فسر به عبد الله بن عباس ﵄ الآية: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، قال: يُؤتى المكاتبون شيئًا، وفسَّره علي بن أبي طالب ﵁ كما مر بالرُّبع (٣). قوله: (إِذَا أَدَّى الثَّلَاثَةَ الْأرْبَاعِ عُتِقَ، وَبَقِيَ عَدِيمًا (٤) فِي بَاقِي الْمَالِ). هذه المسألة تتعلَّق بالوقت الذي يصير فيه حرًّا، والوقت الذي يبقى فيه عبدًا. قوله: (وَقَدْ قِيلَ: إِنْ أَدَّى الْقِيمَةَ فَهُوَ غَرِيمٌ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ (٥)، وَالْأشْهَرُ عَنْ عُمَرَ (٦)

стр. 9033

وَأُمّ سَلَمَةَ وَهُوَ قَوْلِ الْجُمْهُورِ (١). وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ (٢). وقول الجمهور أنه يبقى رقيقًا ما بقي عليه شيء. قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ عَنْهُمْ صِحَّةً لَا شَكَّ فِيهَا، رَوَى ذَلِكَ مَالِكٌ فِي "مُوَطَّئِهِ" (٣)، وَأَيْضًا فَهُوَ أَحْوَطُ لِأَمْوَالِ السَّادَاتِ، وَلِأَنَّ فِي الْمَبِيعَاتِ يَرْجِعُ فِي عَيْنِ الْمَبِيعِ لَهُ إِذَا أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي) (٤).

стр. 9034

أي: صحت الرواية عن هؤلاء النفر من الصحابة الذين ذكرهم (١). قال المصنف رحمه الله تعالى: الْجِنْسُ الثَّانِي: وَأَمَّا مَتَى يَرِقُّ؟). واختلف العلماء بين إبقائه في الرق أو حريته إذا عجز عن الأداء. قوله: (فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَرِقُّ إِذَا عَجَزَ إِمَّا عَنِ الْبَعْضِ وَإِمَّا عَنِ الْكُلِّ، بِحَسَبِ مَا قَدَّمْنَا اخْتِلَافَهُمْ) (٢). والأقوال في ذلك عديدة. قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ لِلْعَبْدِ أَنْ يُعْجِزَ نَفْسَهُ إِذَا شَاءَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ؟). هذه المسألة حقيقة اضطرب فيها المؤلف ﵀ فنقل بعض الأقوال، وهو كلام ابن عبد البر في "الاستذكار"، وابن عبد البر ﵀ قارب بين شيئين: فتكلم عن بيع المكاتب وأتبعه فأدخل فيه أيضًا موضوع التعجيز، فيبدو أن المؤلف اختصر فوقع في الخطأ في مذهبي الإمام أبي حنيفة والشافعي، ولذلك لا بد من تصحيحٍ لهذه المسألة، وسيأتي أن ما يذكره عن أبي حنيفة من تعليل يتناقض مع ذكر موافقته للإمام مالك.

стр. 9035

قوله: (أَمْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا بِسَبَبٍ؟). المقصود أن عقد الكتابة عقد لازم من الطرفين كسائر العقود، كعقد البيع من الطرفين البائع والمشتري، وكذلك الحال في عقد الإجارة وفي كثير من العقود، فهي إن كانت لازمة فلا يختلف فيها الطرفان، وإن كانت غير لازمة فكذلك أيضًا، وسيذكر المؤلف قولًا عن الإمامين أبي حنيفة ومالك عكس قولهما. قوله: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْكِتَابَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ فِي حَقِّ الْعَبْدِ). عقد لازم في حق السيد وليس العبد هذا هو قول الإمام الشافعي، ولزوم عقد المكاتبة في حق السيد مذهب أبي حنيفة أيضًا. إذًا؛ الإمامان أبو حنيفة والشافعي يقولون بلزوم عقد المكاتبة في حق السيد (١). قوله: (وَهِيَ فِي حَقِّ السَّيِّدِ غَيْرُ لَازِمَةٍ). وكما مَرَّ أن الصحيح أن نقلب الأمر الموجود؛ فهي في حق السيد لازمة عند الشافعي وأبي حنيفة، وغير لازمة في حق العبد، وسيأتي مغلب ومغلب عليه في تعليل الحنفية، ولذلك يوافق الإمام أحمد مالكًا ويخالفهما
следующие страницы →