وهذه المسألة قد اختُلف فيها -كما مر- بين الصحابة، وتنوعت أقوالهم، فعليٌّ له قول، وعمرُ له قول، وعبد الله بن مسعود له قول، وزيد بن ثابت له قول، وعائشة لها قول؛ لأن عائشة قولها كقول الجمهور، وابن عمر رأيه كرأي الجمهور، إذًا اختلف الصحابة فى هذه المسألة، فلا يقال بأن قول فلان هنا هو القول الصحيح، لكن ننظر الأدلة في هذا المقام، ونقدم الأقوى، وهو الأحوط، هذا الذي ننظر فيه في هذا المقام (١).
قوله: (وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ خَامِسٌ: إِذَا أَدَّى الثَّلَاثَةَ الْأرْبَاعِ عُتِقَ) (٢).
هذا القول فيما يتعلق بقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، والذي يؤتى في قول بعض العلماء: أي شيء يؤتى، كما هو مذهب الإمام الشافعي ومالك، وإن كان الإمام مالك والشافعي
стр. 9032
يختلفان في الإيتاء، فهو عند الشافعي واجب كأحمد، وليس بواجب عند مالك كأبي حنيفة فالإيتاء عندهما سنة (١).
والإمام مالك والشافعي -رحمهم الله تعالى- لا يحدان الإيتاء بقدر (٢)، وهذا ما فسر به عبد الله بن عباس ﵄ الآية: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، قال: يُؤتى المكاتبون شيئًا، وفسَّره علي بن أبي طالب ﵁ كما مر بالرُّبع (٣).
قوله: (إِذَا أَدَّى الثَّلَاثَةَ الْأرْبَاعِ عُتِقَ، وَبَقِيَ عَدِيمًا (٤) فِي بَاقِي الْمَالِ).
هذه المسألة تتعلَّق بالوقت الذي يصير فيه حرًّا، والوقت الذي يبقى فيه عبدًا.
قوله: (وَقَدْ قِيلَ: إِنْ أَدَّى الْقِيمَةَ فَهُوَ غَرِيمٌ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ (٥)، وَالْأشْهَرُ عَنْ عُمَرَ (٦)
стр. 9033
وَأُمّ سَلَمَةَ وَهُوَ قَوْلِ الْجُمْهُورِ (١). وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ (٢).
وقول الجمهور أنه يبقى رقيقًا ما بقي عليه شيء.
قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ فِي ذَلِكَ عَنْهُمْ صِحَّةً لَا شَكَّ فِيهَا، رَوَى ذَلِكَ مَالِكٌ فِي "مُوَطَّئِهِ" (٣)، وَأَيْضًا فَهُوَ أَحْوَطُ لِأَمْوَالِ السَّادَاتِ، وَلِأَنَّ فِي الْمَبِيعَاتِ يَرْجِعُ فِي عَيْنِ الْمَبِيعِ لَهُ إِذَا أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي) (٤).
стр. 9034
أي: صحت الرواية عن هؤلاء النفر من الصحابة الذين ذكرهم (١).
قال المصنف رحمه الله تعالى:
الْجِنْسُ الثَّانِي: وَأَمَّا مَتَى يَرِقُّ؟).
واختلف العلماء بين إبقائه في الرق أو حريته إذا عجز عن الأداء.
قوله: (فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَرِقُّ إِذَا عَجَزَ إِمَّا عَنِ الْبَعْضِ وَإِمَّا عَنِ الْكُلِّ، بِحَسَبِ مَا قَدَّمْنَا اخْتِلَافَهُمْ) (٢).
والأقوال في ذلك عديدة.
قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ لِلْعَبْدِ أَنْ يُعْجِزَ نَفْسَهُ إِذَا شَاءَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ؟).
هذه المسألة حقيقة اضطرب فيها المؤلف ﵀ فنقل بعض الأقوال، وهو كلام ابن عبد البر في "الاستذكار"، وابن عبد البر ﵀ قارب بين شيئين: فتكلم عن بيع المكاتب وأتبعه فأدخل فيه أيضًا موضوع التعجيز، فيبدو أن المؤلف اختصر فوقع في الخطأ في مذهبي الإمام أبي حنيفة والشافعي، ولذلك لا بد من تصحيحٍ لهذه المسألة، وسيأتي أن ما يذكره عن أبي حنيفة من تعليل يتناقض مع ذكر موافقته للإمام مالك.
стр. 9035
قوله: (أَمْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا بِسَبَبٍ؟).
المقصود أن عقد الكتابة عقد لازم من الطرفين كسائر العقود، كعقد البيع من الطرفين البائع والمشتري، وكذلك الحال في عقد الإجارة وفي كثير من العقود، فهي إن كانت لازمة فلا يختلف فيها الطرفان، وإن كانت غير لازمة فكذلك أيضًا، وسيذكر المؤلف قولًا عن الإمامين أبي حنيفة ومالك عكس قولهما.
قوله: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْكِتَابَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ فِي حَقِّ الْعَبْدِ).
عقد لازم في حق السيد وليس العبد هذا هو قول الإمام الشافعي، ولزوم عقد المكاتبة في حق السيد مذهب أبي حنيفة أيضًا.
إذًا؛ الإمامان أبو حنيفة والشافعي يقولون بلزوم عقد المكاتبة في حق السيد (١).
قوله: (وَهِيَ فِي حَقِّ السَّيِّدِ غَيْرُ لَازِمَةٍ).
وكما مَرَّ أن الصحيح أن نقلب الأمر الموجود؛ فهي في حق السيد لازمة عند الشافعي وأبي حنيفة، وغير لازمة في حق العبد، وسيأتي مغلب ومغلب عليه في تعليل الحنفية، ولذلك يوافق الإمام أحمد مالكًا ويخالفهما
стр. 9036
أبو حنيفة، فالإمامان مالك وأحمد هما اللذان يقولان بأن عقد الكتابة لازم من الطرفين.
أما أبو حنيفة والشافعي -كما مر- فيقولان بلزوم عقد المكاتبة في حق السيد، فعلى السيد أن يلتزم بالعقد؛ لأنه الجانب الأقوى، أما العبد فهو الجانب الضعيف لتقدير عجزه، وربما يُعجِز نفسَه، كأن يقول: لا أستطيع إتمام العقد، كما حصل مع عبدٍ لعبد الله بن عمر، فحينها يعود إلى الرق مرة أخرى، وهذا هو الأقرب لروح الشريعة.
قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ).
الصحيح: قال مالك وأحمد، أما أبو حنيفة فمع الإمام الشافعي ﵏ جميعًا، وسيظهر أن المؤلف وهم تجاه الإمام أبي حنيفة، وكذلك وهم تجاه الإمام الشافعي.
قوله: (الْكِتَابَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، أَيْ: بَيْنَ الْعَبْدِ وَالسَّيِّدِ) (١).
فالكتابة على قولهما عقد يلزم كلًّا من الطرفين، فيلزم السيد والعبد، لكن اختلف في كيفية إبطال هذه الكتابة وسيأتي تفصيله، وليس هناك صلاحية للسيد في نقضها، وكذلك لا صلاحية للعبد في نقضها دون سبب، أما إن عجز عن جمع المال المطلوب منه، أو تأخر في أداء النجوم فتبطل، أما إعلان عجزه ففيها تفصيل، فهل يؤخذ بكلامه مُسَلمًا؟
стр. 9037
أم لابد من أن يكون تحت رعاية حاكم أو سلطان؟ فيها خلاف أيضًا بين العلماء.
قوله: (وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْعَبْدَ وَالسَّيِّدَ لَا يَخْلُو أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى التَّعْجِيزِ أَوْ يَخْتَلِفَا).
فقد يتفقان، بمعنى: أن يذهب العبد فترة من الزمان بموافقة سيده، فيتنقل هنا وهناك لتحصيل المال المتفق عليه، كما وقع لعبدٍ من عبيد عبد الله بن عمر ﵄ حين سافر إلى عدة بلاد لتحصيل المتفق عليه في العقد ثم جاءه وأعلن عجزه، فأعاد عبد الله بن عمر رقه، وقد جاء عن عبد الله بن عمر ﵁ عدة أدلة في هذا المقام، وهو ما يعتمد عليه الشافعية (١).
قوله: (ثُمَّ إِذَا اخْتَلَفَا؛ فَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ السَّيِّدُ التَّعْجِيزَ وَيَأْبَاهُ الْعَبْدُ، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَعْنِي: أَنَّهُ يُرِيدَ بِهِ السَّيِّدُ الْبَقَاءَ عَلَى الْكِتَابَةِ، ويُرِيدُ الْعَبْدُ التَّعْجِيزَ، فَأَمَّا إِذَا اتَّفَقَا عَلَى التَّعْحِيزِ فَلَا يَخْلُو الْأَمْرُ مِنْ قِسْمَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ دَخَلَ فِي الْكِتَابَةِ وَلَدٌ أَوْ لَا يَكُونَ).
أي: يكون المكاتب له أولاد، أو لا يكون معه غيره.
قوله: (فَإِنْ كَانَ دَخَلَ وَلَدٌ فِي الْكِتَابَةِ فَلَا خِلَافَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعْجِيزُ) (٢).
стр. 9038
وكذلك الإمام أحمد موافق له (١).
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِذَا كانَ لَهُ مَالٌ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ).
وهذا خطأ وهم فيه المؤلف ﵀، فأبو حنيفة كما مر مع الإمام الشافعي.
قوله: (وَالْأخْرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ (٢)، فَأَمَّا إِنْ طَلَبَ الْعَبْدُ التَّعْجِيزَ وَأَبَى السَّيِّدُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ إِنْ كَانَ مَعَهُ مَالٌ، أَوْ كَانَتْ لَهُ قُوَّة عَلَى السَّعْيِ) (٣).
стр. 9039
لكن إن عجز حقيقة عن أن يؤدي ما عليه؛ كأن لا قدرة له ولا استطاعة على العمل والسعي فلا بد من استجابة السيد له (١).
قوله: (وَأَمَّا إِنْ أَرَادَ السَّيّدُ التَّعْجِيزَ وَأَبَاهُ الْعَبْدُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُعْجِزُهُ عِنْدَهُ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ).
هذا الكلام فيه إجمال كما ذكر المؤلف، فإذا طلب السيد تعجيز العبد فهو لا يطلبه إلا إذا عجز حقيقة.
стр. 9040
وهذه المسألة نص عليها الشافعية؛ فقالوا: لو كان مثلًا في حضر أو سفر، وعجز عن ذلك؛ فلا بد من أن يعلن عجزه.
وفي هذه الحالة يختلف الإمام أحمد عن الإمام مالك في قضية السلطان أو القاضي؛ فعند الإمام مالك لا بد من أن يكون ذلك برعاية القاضي أو السلطان، أي: عند اختلافهما يرفع السيد الأمر إلى القاضي أو السلطان الحاكم، ويقول: هذا العبد قد عجز عن أداء ما عليه مما اتفق عليه في العقد، أو امتنع عن الأداء، فحينئذ بأمر من القاضي أو السلطان يتم تعجيزه ويعود إلى الرق (١).
وأما عند الأئمة الثلاثة -أبي حنيفة (٢) والشافعي (٣) وأحمد- فلا يحتاج الأمر إلى سلطان (٤).
ويختلفون بعد ذلك؛ هل هذا يحتاج إلى إشهاد أو لا؟
стр. 9041
فعند الإمام الشافعي لا بد من الإشهاد (١)، وعند غيره لا يحتاج الأمر إلى إشهاد، وسبب الخلاف في ذلك يعود إلى ما أُثر عن عبد الله بن عمر ﵄، فإنه كاتب عبدًا له على ألف دينار ثم أدى تسعمائة وعجز عن مائة، فأعاده عبد الله إلى الرق (٢).
وفي رواية أخرى: بأنه كاتب عبده على عشرين ألفًا، فأدَّى عشرة وعجز عن الباقي، فرده إلى الرق (٣).
وفي بحضها ثلاثين ألفًا، وأنه سافر إلى أكثر من مكان، فعاد وأعلن عجزه، وطلب أن يمحو عنه، فقال: "امحُ ذلك أنت "، أي: ما بينهما من كتابة، والقصد: إلغائها (٤).
قوله: (وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يُثْبِتَ السَّيِّدُ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، وَلَا قُدْرَةَ عَلَى الْأَدَاءِ).
لأنه ربما يمتلك المال ويرغب أن يبقى في الرق، لكن مَن لا مال
стр. 9042
له وعجز عن إتمام ما اتُّفق عليه، وحاول فلم يستطع أن يجمع المال، وربما سأل فما استطاع أن يجمع ما عليه فعاد، وحينئذٍ عند المالكية وابن أبي ليلي لا بد من تدخل الحاكم أو القاضي في ذلك (١).
وكما هو معلوم في مثل هذه القضايا أن تعليلهم ذلك يرفع الخلاف والنزاع.
* قوله: (وَيُرْجَعُ إِلَى عُمْدَةِ أَدِلَّتِهِمْ فِي أَصْلِ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ).
أي: يُرجع حينئذٍ إلى عمدة أدلتهم في ذلك.
* قوله: (فَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ: مَا رُوِيَ: " أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ إِلَى عَائِشَةَ تَقُولُ لَهَا: " إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَشْتَرِينِي وَتُعْتِقِينِي "، فَقَالَتْ لَهَا: " إِنْ أَرَادَ أَهْلُكِ "، فَجَاءَتْ أَهْلَهَا فَبَاعُوهَا وَهِيَ مُكَاتبَةٌ " خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ) (٢).
واختُلف في جواز بيع المكاتب؛ فمن العلماء من أجازه ومنهم من
стр. 9043
منعه، فقوله: " فباعوها " دليل يتعلق بجواز بيع المكاتب، وهذه مسألة مستقلة سيبحثها المؤلف بعد ذلك، وسيتضح أن من العلماء من يجيز ذلك مطلقًا، ومنهم من يجيزه بشرط أن يكون البيع لأجل العتق؛ كما في مذهب الإمام أحمد كما في قصة بريرة، ولذلك ترون في نفس الروايات التي في " الصحيحين " أن عائشة قالت لبريرة: " إن شاء أهلك أعددتها لهم عدًّا "، يعني: دفعتها لهم في الحال وأصبحت حرة (١).
ومن هنا اختلف العلماء؛ هل هذا شراء للكتابة؟ أو هو شراء للعبد؟ هذه مسألة اختلف فيها العلماء أيضًا، إذًا قولها: " وتعتقيني " دليل على أن هذه المسألة تتعلق بالبيع (٢).
стр. 9044
* قوله: (وَعُمْدَةُ الْمَالِكِيَّةِ: تَشْبِيهُهُمُ الْكِتَابَةَ بِالْعُقُودِ اللَّازِمَةِ) (١).
وكذلك الحنابلة (٢)، والحنابلة - أيضًا - يستدلون بقصة عبد الله بن عمر، لكن تفسير الحنابلة غير تفسير الشافعية، فالشافعية يقولون: بحصول العجز من العبد تنتهي الكتابة ولا يكون العقد لازمًا (٣)، والحنابلة يقولون: هو عقد لازم انتهى عند عجز العبد، فليس معنى هذا بأن العقد ليس لازمًا
стр. 9045
في حق العبد، بل سبب إنهاء العقد وإبطاله وعودته إلى الرق هو عجزه فقط (١).
* قوله: (وَلِأَنَّ حُكْمَ الْعَبْدِ فِي هَذَا الْمَعْنَى يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَحُكْمِ السَّيِّدِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْعُقُودَ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يَكُونَ اللُّزُومُ فِيهَا أَوِ الْخِيَارُ مُسْتَوِيًا فِي الطَّرَفَيْنِ).
أي: لا يكون العقد لازمًا في طرف، وغير لازم للطرف الآخر، وإلا قد يؤدي الاختلاف إلى الاضطراب في العقد.
* قوله: (وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ لَازِمًا مِنْ طَرَفٍ وَغَيْرَ لَازِمٍ مِنَ الطَّرَفِ الثَّانِي فَخَارِجٌ عَنِ الْأُصُولِ).
فهذا الاختلاف يخالف الأصول المعروفة (٢).
* قوله: (وَعَلَّلُوا حَدِيثَ بَرِيرَةَ بِأَنَّ الَّذِي بَاعَ أَهْلُهَا كَانَتْ كِتَابَتَهَا لَا رَقَبَتَهَا).
حقيقة الأمر أن الشافعية لا يستدلون بهذا الدليل، وليس موجودًا في كُتبهم أصلًا، والمؤلف ﵀ هو من أدخله عليهم، فاستدلالهم بهذا
стр. 9046
الدليل في البيع فقط، وسيأتي أن المؤلف ﵀ أخطأ في مذهب الحنفية (١).
* قوله: (وَالْحَنَفِيَّةُ تَقُولُ: لَمَّا كَانَ الْمُغَلَّبُ فِي الْكِتَابَةِ حَقَّ الْعَبْدِ).
أي: حق العبد مقدم أو مغلب على حق السيد.
* قوله: (وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ لَازِمًا فِي حَقِّ الْآخَرِ المُغَلَّبُ عَلَيهِ وَهْوَ السَّيَدُ أَصْلُهُ النِّكَاحُ) (٢).
والمقصود بالآخر: هو السيد.
إذًا؛ الحنفية ليسوا مع المالكية؛ لأن المالكية معهم الحنابلة، وقالوا: بوجوب العقد من الطرفين، إذًا الحنفية يقولون: العقد ليس واجبًا
стр. 9047
في حق المغلب، أي: المغلوب على أمره، أي: الذي عليه السيادة - وهو العبد -، وإذا لم يكن كذلك فيكون واجبًا في حق الآخر، وهو السيد (١).
المغلب على الآخر، أي: الذي له الغلبة، يعني: المقدم عليه، إذًا هذا نص في أن مذهب الحنفية موافق لمذهب الشافعية، وأيضًا أخطأ المؤلف فقلب مذهب الشافعية.
* قوله: (لِأَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَقِّ الزَّوْجِ لِمَكَان الطَّلَاقِ الَّذِي بِيَدِهِ).
أي: لا يكون لازمًا؛ لأن الزوج إذا أراد أن يتخلص من الطلاق طلق في أية حالة يريد، سواء كان هناك سبب أو لم يكن هناك سبب، لكن لا شكَّ أن الطلاق له آداب، والعشرة الزوجية لها آداب، لكن إن طلق فهذا حق من حقوقه، والله قد جعل هذا الحق بيد الزوج.
* قوله: (وَهُوَ لَازِمٌ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ).
لأنها لا تستطيع الخروج من ظل الزوجية إلا إذا لحقها ضرر؛ فحينئذ لها الحق أن تطلب الخلع كما مر بنا (٢).
لكن هذا القياس غير مسلَّم به؛ لأن المالكية والحنابلة سينقضونه.
* قوله: (وَالْمَالِكِيَّةُ تَعْتَرِضُ عَلَى هَذَا بِأَنْ تَقُولَ: إِنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ فِيمَا وَقَعَ بِهِ الْعِوَضُ؛ إِذْ كَانَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْجِعَ الصَّدَاقَ) (٣).
стр. 9048
فهكذا يعيده إلى الرق ويبقى كما كان، أي: أن المالكية أبطلوا هذا القياس بما يعرف بالنقض.
* قوله: (الْجِنْسُ الثَّالِثُ: وَأَمَّا حُكْمُهُ إِذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْكِتَابَةَ).
أي: إذا مات ولم يؤدِّ جميع ما اتفق عليه في العقد.
* قوله: (فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا مَاتَ دُونَ وَلَدٍ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ مِنَ الْكِتَابَةِ شَيْئًا أَنَّهُ يُرَقُّ).
هذا هو مذهب الجمهور وقد مَرَّ (١).
стр. 9049
وهناك قاعدة لا بد من توضيحها: إذا مات المكاتب ولم يؤدِّ جميع عليه، فالأئمة انقسموا في هذه المسألة إلى ثلاثة أقسام:
فأبو حنيفة يرى أن العبد يكون حرًّا (١)، ومالك يرى أنه يبقى مكاتبًا (٢)، والشافعي (٣) وأحمد يقولان: بأنه يبقى رقيقًا (٤).
стр. 9050
إذًا هناك طرفان ووسط؛ فأبو حنيفة يقول: يصير حرًّا، والشافعي وأحمد يقولان: يصير رقيقًا، وجاء الإمام مالك بقول وسط فقال: يبقى مكاتبًا، ولا شك أن كل قول من هذه الأقوال أو أغلبها له سند من أقوال الصحابة ﵃.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا إِذَا مَاتَ عَنْ وَلَدٍ؛ فَقَالَ مَالِكٌ: حُكْمُ وَلَدِهِ كَحُكْمِهِ، فَإِنْ تَرَكَ مَالًا فِيهِ وَفَاءٌ لِلْكِتَابَةِ أَدَّوْهُ وَعَتَقُوا).
أي: أن الإمام مالك ﵀ يرى أنه يبقى مكاتبًا ويأخذ الأولاد حكم الأب، فالأولاد الذين ولدوا في وقت الكتابة، يأخذون حكم أبيهم؛ لأن الكتابة عند مالك لا تنقطع بالموت وإنما تستمر، لكن إن عجزوا بعد ذلك عن السعي وإتمام وأداء ما اتُّفق عليه في العقد عادوا أرقاء.
* قوله: (وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا وَكَانَتْ لَهُمْ قدرَةٌ عَلَى السَّعْيِ بَقَوا عَلَى نُجُومِ أَبِيهِمْ حَتَّى يَعْجِزُوا أَوْ يُعْتَقُوا).
فلا تخلو المسألة من أمرين عند الإمام مالك ﵀:
الأول: إما أن يموت وله مال؛ فحينئذ يتم عتق أولاده عن طريق تسديد النجوم المتفق عليها من ماله.
الثاني: وإما أن يموت ولا مال له، ويكون أولاده عندهم القدرة على السعي والعمل والكسب وتسديد ما عليهم من حق الكتابة، فإن سددوا أصبحوا أحرارًا.
أما إن عجزوا بأن لا مال عندهم، ولا لهم قدرة على السعي والكسب والعمل، فإنهم يبقون أرقاء.
إذًا؛ قول الإمام مالك ﵀ قول مفصل، وهو مرتبط بموضوع الكتابة؛ لأنها باقية بعد موت العبد.
стр. 9051
* قوله: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ لَا مَالٌ وَلَا قُدْرَةٌ عَلَى السَّعْيِ رَقُّوا (١)، وَأَنَّهُ إِنْ فَضَلَ عَنِ الْكِتَابَةِ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ وَرِثُوهُ عَلَى حُكْمِ مِيرَاثِ الْأَحْرَارِ).
هذه مسألة فيها خلاف أيضًا، وقد أورد الإمام في ذلك قضية ولم يعمل بها المالكية في " الموطأ "، وأخذ بها الحنفية كما في قصة عباد غلام ابن المُتوكل.
* قوله: (وَأَنَّهُ لَيْسَ يَرِثُهُ إِلَّا وَلَدُهُ الَّذِينَ هُمْ فِي الْكِتَابَةِ مَعَهُ دُونَ سِوَاهُمْ مِنْ وَارِثِيهِ) (٢).
بينما الذي أورده الإمام مالك في " الموطأ " (٣)، وأورده عبد الرزاق في
стр. 9052
" مصنفه " (١) يختلف عن هذا القول، ولم يأخذ به الإمام مالك أيضًا، وليس شرطًا أن كل ما يورده الإمام مالك في " الموطأ " أن يأخذ به (٢).
* قوله: (وَأَنَّهُ لَيْسَ يَرِثُهُ إِلَّا وَلَدُهُ الَّذِينَ هُمْ فِي الْكِتَابَةِ مَعَهُ، دُونَ سِوَاهُمْ مِنْ وَارِثِيهِ، إِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ الْوَلَدِ الَّذِي مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ) (٣).
أي: من كان له من العبيد بنت فليست معه في الكتابة بعد موته، وقد أوردها مالك في " موطئه "، وكذلك عبد الرزاق في " مصنفه "، كما مر.
ولذلك أخذها محمد بن الحسن - من الحنفية - حجة على المالكية؛ لأن مالكًا أورد هذه القصة ولم يعمل بها وعمل بها الحنفية (٤).
стр. 9053
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ).
قول أبي حنيفة هذا قال به الصحابة من قبله؛ كعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين (١).
* قوله: (إِنَّهُ يَرِثُهُ بَعْدَ أَدَاءِ كِتَابَتِهِ مِنَ الْمَالِ الَّذِي تَرَكَ جَمِيعُ أَوْلَادِهِ الَّذِينَ كَاتَبَ عَلَيْهِمْ، أَوْ وُلِدُوا فِي الْكِتَابَةِ، وَأَوْلَادُهُ الْأَحْرَارُ وَسَائِرُ وَرَثَتِهِ).
معنى ذلك أنَّ أبا حنيفة أخذ ما أورده مالك في " موطئه "، وأخذ به الحنفية من بعده، وكذلك ما جاء في " مصنف عبد الرزاق "، وهي قصة عباد مولى ابن المتوكل الذي كاتبه فمات (٢).
وفي بعض الروايات: أنه أدى نصف الكتابة، أي: بقي عليه
стр. 9054
النصف، وترك مالًا غطَّى به الديون التي عليه، وأدَّى النصف الذي بقي عليه من الكتابة وزاد شيء، فأوعز إليه عبد الملك بن مروان بأن يورث ابنته أيضًا مولاه (١).
واختلف العلماء في ذلك فمنهم من قال: بأن المولى لا يرث، وإنما يرد على البنت، على أساس أن المولى لا يرث مع وجود من يرث المولى من النسب، أي: إذا مات المكاتب أو المعتق أيضًا، وقد مَرَّ أن الولاء للسيد، لكن إذا وجد الأولاد من النسب فهم أولى بأخذ الميراث، فإذا لم يوجد حينئذٍ ورثه سيده الأول الذي ورث ولاءه (٢).
стр. 9055
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ).
وكذلك الإمام أحمد، وقول الشافعي ﵀ قال به من الصحابة: عُمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت (١)، ومن التابعين: عمر بن عبد العزيز (٢)، وقتادة، والزهري (٣).
* قوله: (لَا يَرِثُهُ بَنُوهُ الْأَحْرَارُ).
لأنهم يرون بأنه يرجع رقيقًا وماله لسيده.
إذًا مذهب الإمامين الشافعي وأحمد: إذا مات المكاتب دون أن يؤدي ما عليه عاد رقيقًا - تقديرًا - وماله يرثه سيده، أي: عاد كما لو كان
стр. 9056
حيًّا وعجز عن أداء الكتابة (١).
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَرِثُهُ بَنُوهُ الْأَحْرَارُ وَلَا الَّذِينَ كَاتَبَ عَلَيْهِمْ أَوْ وُلدُوا فِي الْكِتَابَةِ، وَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ، وَعَلَى أَوْلَاد الَّذِينَ كَاتَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْعَوْا مِنَ الْكِتَابَةِ فِي مِقْدَارِ حُظُوظِهِمْ مِنْهَا).
فإن استطاعوا أن يؤدُّوا عنه ويتموا عقد المكاتبة؛ فحينئذ يحررون أنفسهم من الرق، وإلا عاد إليهم الرق في هذا المقام.
* قوله: (وَتَسْقُطُ حِصَّةُ الْأَبِ عَنْهُمْ).
стр. 9057
أي: لا يطالبوا بحصة الأب في هذه الحال، لكنهم يسعون لتخليص أنفسهم من الرق (١).
* قوله: (وَبِسُقُوطِ حِصَّةِ الْأَبِ عَنْهُمْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢) وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ (٣)، وَالَّذِينَ قَالُوا بِسُقُوطِهَا قَالَ بَعْضُهُمْ: تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ، وَهُوَ قَوْلُ
* قوله: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ: أَنَّ الْمُكَاتَبِينَ كِتَابَةً وَاحِدً لعْضُهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ).
وهذه قضية قد مرت، فإذا كاتب السيد عددًا من المكاتبين؛ هل يحمل بعضهم عن بعض في أداء الكتابة؟ ومر ذكر الخلاف في هذه المسألة، فمن العلماء من يرى جواز ذلك، ومنهم من يرى عدم جوازه، فمذهب الإمامين مالك وأبي حنيفة أن يكونوا حملاء (١).
أما الإمامان الشافعي وأحمد؛ فإذا أدى العبد منفردًا ما عليه فإنه يعتق حينئذٍ ولا يربط بغيره، وقد مرت التعليلات في ذلك.
وقد تكون فيها مصلحة؛ فيما لو كان عند أحدهم القدرة، فأدى الكاتبة وأخذ من معه، وصاروا كلهم أحرارًا، لكن ربما يحصل العكس فلا يستطيع أحد أن يؤدي، ولا يستطيع القوي منهم - مثلًا - أن يؤدي عن الكل فيبقون كلهم في الرق، وبذلك يتضرر المستطيع منهم؛ لأنه يستطيع أن يحرر نفسه، لكن بالنسبة للآخرين فقد عجز عن ذلك فتضرر بذلك.
* قوله: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ: أَنَّ الْمُكَاتَبِينَ كِتَابَةً وَاحِدَةً بَعْضُهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ، وَلِذَلِكَ مَنْ عُتِقَ مِنْهُمْ أَوْ مَاتَ لَمْ تَسْقُطْ حِصَّتُهُ عَنِ الْبَاقِي، وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي: أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تُضْمَنُ (٢)، وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ
стр. 9060
عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي مُوَطئِهِ مِثْلَ قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ) (١).
أي: جاء بها مجملة.
* قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مَاذَا يَمُوتُ عَلَيْهِ الْمُكَاتَبُ؟ فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ يَمُوتُ مُكَاتبًا) (٢).
وهذا هو سبب الخلاف بين الأئمة الأربعة، فهناك من يرى أن العبد إذا مات ولم يؤدِّ ما اتفق عليه فإنه يموت مكاتبًا، وعليه فله أحكام يختص بها.
وهناك من يرى بأنه إذا مات فإنه يموت حرًّا، وعليه فله أحكام يختص بها أيضًا.
وهناك من قال: هو عبد ما بقي عليه شيء، يترتب على هذا المال الذي تركه.
فعند من يقول: هو عبد؛ يرجع إلى سيده، وعند من يقول بأنه مكاتب: يورث ذلك المال إن زاد بعد تأدية ما عليه من حقوق الكتابة، لكن لا يشارك في ذلك الأولاد الأحرار؛ لأنه لا يزال مكاتبًا، فبعضه حر وبعضه عبد.
ومن يقول - وهو أبو حنيفة -: بأنه حرٌّ فعليه يرث الكل، ويستدلون
стр. 9061
بقصة غلام ابن المتوكل، وقد احتج محمد بن الحسن بهذه على المالكية (١).
* قوله: (وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَمُوتُ حُرًّا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَمُوتُ عَبْدًا، وَعَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ بَنَوُا الْحُكْمَ فِيهِ).
إذًا فهذه أصول، والأئمة الأربعة انقسموا ثلاثة أقسام، وكل قسم جعل أصلًا ورتب عليه الأحكام التي مرت (٢).
* قوله: (فَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الْعُبُودِيَّةَ وَالْحُرِّيَّةَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا وَسَطٌ).
فعلى قول الشافعي: إما أن يكون حرًّا، وإما أن يكون عبدًا، فلا وسط بينهما، وهذا قد مات ولم يؤدِّ فيبقى رقيقًا.
* قوله: (وَإِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ فَلَيْسَ حُرًّا بَعْدُ؛ لِأَنَّ حُرِّيَّتَهُ إِنَّمَا تَجبُ بِأَدَاءِ كِتَابَتِهِ وَهُوَ لَمْ يُؤَدِّهَا بَعْدُ، فَقَدْ بَقِيَ أَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُعْتَقَ الْمَيِّتُ) (٣).
لأن الميت قد انتهى أمره، فلا يعقل أن يعتق العبد بعد موته.
стр. 9062
* قوله: (وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْعِتْقَ قَدْ وَقَعَ بِمَوْتِهِ مَعَ وُجُودِ الْمَالِ الَّذِي كَاتَبَ عَلَيْهِ).
والحنفية يقولون: قد مات وعنده مال، وهذا المال كافٍ بأن يؤدي ما عليه؛ لذا قد أصبح حرًّا، ويعامل معاملة الحر في جميع الأحكام.
* قوله: (لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرِقَّ نَفْسَهُ، وَالْحَرِيَّةُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ حَاصِلَةً لَهُ بِوُجُودِ الْمَالِ، لَا بِدَفْعِهِ إِلَى السَّيِّدِ).
أي: أن الحنفية يقولون: إذا ترك مالًا بعد موته فهو أولى الناس به، فيحرر به حتَّى بعد موته (١).
* قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ؛ فَجَعَلَ مَوْتَهُ عَلَى حَالَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ بَيْنَ الْعُبُودِيَّةِ وَالْحُرِّيَّةِ، وَهِيَ الْكِتَابَةُ، فَمِنْ حَيْثُ لَمْ يُوَرِّثْ أَوْلَادَهُ الْأَحْرَارَ مِنْهُ جَعَلَ لَهُ حُكْمَ الْعَبِيدِ).
لأنه لو ورَّثَهم حُكم عليه بأنه حُرٌّ، وكونه لم يوِّرث الأحرارَ فاعتبره من هذا الجانب عبدًا.
* قوله: (وَمِنْ حَيْثُ لَمْ يُورِّثْ سَيِّدَهُ مَالَهُ حَكَمَ لَهُ بِحُكْمِ الْأَحْرَارِ).
стр. 9063
لأنه لما لم يرُدَّ المال إلى سيده جعله في حكم الأحرار؛ لأنه إذا رُدَّ إلى السيد أصبح العبد لا ملك في ماله، وبهذا يعود ماله لسيده، إذًا جعله الإمام مالك وسطًا بين المذهبين (١).
* قوله: (وَالْمَسْأَلَةُ فِي حَدِّ الِاجْتِهَادِ، وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْجِنْسِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي أُمِّ وَلَدِ الْمُكَاتَبِ إِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ بَنِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى السَّعْيِ).
هذه مسألة أخرى: فإذا مات المكاتب وترك أم ولد ومعها أولاد، وهؤلاء الأولاد صغار، لا يستطيعون السعي والعمل، فليس عندهم القدرة ليحرروا أنفسهم، وسيأتي تفصيل هذه المسألة.
* قوله: (وَأَرَادَتِ الْأُمُّ أَنْ تَسْعَى عَلَيْهِمْ، فَقَالَ مَالِكٌ).
وكذلك الإمام أحمد ﵀ (٢).
стр. 9064
* قوله: (لَهَا ذَلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١) وَالْكُوفِيُّونَ: لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ (٢)، وَعُمْدَتُهُمْ: أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ إِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ مَالٌ مِنْ مَالِ السَّيِّدِ، وَأَمَّا مَالِكٌ).
وكذلك الإمام أحمد.
* قوله: (فَيَرَى أَنَّ حُرْمَةَ الْكِتَابَةِ الَّتِي لِسَيِّدِهَا صَائِرَةٌ إِلَيْهَا، وَاِلَى بَنِيهَا).
فكونها أم ولد ولها حرمة الكتابة؛ فينبغي أن تكون حرمة الكتابة صائرة أيضًا إلى أولادها (٣).
стр. 9065
* قوله: (وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا تَرَكَ بَنِينَ صِغَارًا لَا يَسْتَطِيعُونَ السَّعْيَ، وَتَرَكَ أُمَّ وَلَدٍ لَا تَسْتَطِيعُ السَّعْيَ؛ أَنَّهَا تُبَاعُ وَيُؤَدَّى مِنْهَا بَاقِي الْكِتَابَةِ) (١).
أي: إذا ترك أولادًا وأُم ولد، وربما تكون هذه الأم أُمَّ الأولادِ أو تكون أُمَّ ولد غيرهم، فرأى الإمام مالك أن تُباع إذا كانت أُمًّا لأولاد صغار لا يستطيعون أن يُؤدّوا حق المكاتبة، فحينئذ يحصل البيع، ويؤدى نجوم المكاتبة.
* قوله: (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ).
وكذلك الإمام الشافعي (٢)، وأحمد رحمهما الله (٣).
* قوله: (أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ لِأُمِّ وَلَدِهِ، وَيَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفةَ (٤)، والشَّافِعِيِّ).
وهذا قد مرَّ بنا، وكذلك الإمام أحمد أيضًا معهم (١).
* قوله: (وَعَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: يَكُونُ حُرًّا وَلَا بُدَّ (٢)، وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ كَأَنَّهُ اسْتِحْسَانٌ (٣)).
فيكون حرًّا كما مضى؛ لأنَّ كل واحد من الأئمة وضع قاعدة، فمالك له قاعدة فقد جعله مكاتبًا إذا مات وبقي عليه شيء لم يؤدَّ من الكتابة، وأبو حنيفة جعله حرًّا، والشافعي وأحمد جعلاه رقيقًا.
стр. 9068
أما أمُّ المكاتب فوقع الخلاف بينهم فيما يتعلق بها كما مر (١).
* قوله: (الْجِنْسُ الرَّابعُ: وَهُوَ النَّظَرُ فِيمَنْ يَدْخُلُ مَعَهُ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ وَمَنْ لَا يَدْخُلُ).
أي: قد يمتلك المكاتب مالًا حال بيعه، وقد يكون له أولاد؛ فهل ينتقلون معه أو لا؟ فإذا كان لمكاتب مال من ميراث أو غيره، فهو ملك لسيده أصلًا، فهل ينتقل لسيده الجديد بعد بيعه؟ أو يبقى معه؟
اختلف العلماء في ذلك؛ فبعضهم يرى أن كل ما يملكه الرقيق - حتَّى وإن كان مكاتبًا - فهو لسيده، وإن كاتبه فلا بد من اشتراط المال معه لينتقل معه.
وبعضهم يرى أن الأصل في المال أن يكون للعبد حال بيعه أو كتابته (٢)، مستدلين بالأحاديث الواردة في ذلك؛ كقوله ﷺ : " مَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ " (٣)، وفي بعضها: " فماله له إلا أن يشترطه السيد" (٤)، فالمسألة فيها خلاف، فالخلاف متعلق بالمال، وأيضًا متعلق بالأولاد، فما الذي يأخذ حكمه - من مال أو أولاد - في ذلك؟ هل الذين يولدون معه في وقت الكتابة أو لا؟ وهذا هو مراد المؤلف، يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، وأحاديث الرسول ﷺ بينت أن: " أيما عبد كاتب سيده على مائة أوقية فأداها إلا عشر فهو عبد " (٥). ورواية أخرى: " مائة دينار " (٦)، ومرت أحاديث أيضًا أخرى.
стр. 9069
والأحكام التي يريدها العلماء - دائمًا - إما أن تكون أحكامًا عامة يأخذونها من النص مباشرة، وربما يستخرجون أحكامًا من النصوص.
فهذه المسائل التي أوردها المؤلف ﵀ يرى أنها من أمهات المسائل، ولكن هناك جزئيات أخرى - أيضًا - لم يتعرض لها المؤلف، وهذه المسائل التي أوردها ليست على إطلاقها كما مر؛ لأن منها ما قد يكون من المسائل الفرعية.
* قوله: (وَاتَّفَقُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ عَلَى أَنَّ وَلَدَ الْمُكَاتَبِ لَا يَدْخُلُ فِي كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ إِلَّا بِالشَّرْطِ؛ لأنَّهُ عَبْدٌ آخَرُ لِسَيِّدِهِ) (١).
أصل المكاتب: العبودية فإذا تزوج هذا العبد ورزق بأولاد ثم
стр. 9070
كوتب، هل يقال بأن أولاده الموجودين ينتقلون معه في الكتابة أو لا؟
الجواب: لا؛ لأن هؤلاء الأولاد عبيد؛ لأنهم ثمرة من ثمرات ملك السيد، أي: أنهم تابعون لوالدهم في الرق، فإذا كوتب العبد لا يتبعه الأولاد في المكاتبة، ولكنهم يبقون أرقاء، لكن ما حكم ما يولد في وقت الكتابة؟ هذا ما سيبينه المؤلف.
* قوله: (وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى دُخُولِ مَا وُلِدَ لَهُ فِي الْكِتَابَةِ فِيهَا) (١).
إذًا هناك مواضع متفق عليها، ومواضع مختلف فيها؛ فالأولاد الذين وُلدوا للمكاتب قبل عقد الكتابة أرقاء: يملكهم السيد، وهذا محل اتفاق.
أما ما يولد بعد عقد المكاتبة: فهم تابعون لأبيهم في الكتابة؛ لأنهم وجدوا في عقد المكاتبة، والأب في طور أن يحرر نفسه من الرق فهم