← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 9066–9105 · переход к 9071.

стр. 9066

وقد وهمَ المؤلف ﵀ في قول الشافعي، فالشافعي رأيه كرأي محمد بن الحسن (١). * قوله: (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي أُمِّ وَلَدِ الْمُكَاتَبِ إِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ بَنِينَ وَوَفَّاهُ كِتَابَتَهُ؛ هَلْ تُعْتَقُ أُمُّ وَلَدِهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِذَا كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ عُتِقَتْ وَإِلَّا رُقَّتْ، وَقَالَ أَشْهَبُ: تُعْتَقُ عَلَى كُلِّ حَالٍ (٢)، وَعَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ: كُلُّ مَا تَرَكَ الْمُكَاتَبُ مَالٌ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْبَنُونَ فِي أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ، كَانُوا مَعَهُ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ، أَوْ كَانُوا وُلِدُوا فِي الْكِتَابَةِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِمُ السَّعْيُ (٣)).

стр. 9067

وهذا قد مرَّ بنا، وكذلك الإمام أحمد أيضًا معهم (١). * قوله: (وَعَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: يَكُونُ حُرًّا وَلَا بُدَّ (٢)، وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ كَأَنَّهُ اسْتِحْسَانٌ (٣)). فيكون حرًّا كما مضى؛ لأنَّ كل واحد من الأئمة وضع قاعدة، فمالك له قاعدة فقد جعله مكاتبًا إذا مات وبقي عليه شيء لم يؤدَّ من الكتابة، وأبو حنيفة جعله حرًّا، والشافعي وأحمد جعلاه رقيقًا.

стр. 9068

أما أمُّ المكاتب فوقع الخلاف بينهم فيما يتعلق بها كما مر (١). * قوله: (الْجِنْسُ الرَّابعُ: وَهُوَ النَّظَرُ فِيمَنْ يَدْخُلُ مَعَهُ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ وَمَنْ لَا يَدْخُلُ). أي: قد يمتلك المكاتب مالًا حال بيعه، وقد يكون له أولاد؛ فهل ينتقلون معه أو لا؟ فإذا كان لمكاتب مال من ميراث أو غيره، فهو ملك لسيده أصلًا، فهل ينتقل لسيده الجديد بعد بيعه؟ أو يبقى معه؟ اختلف العلماء في ذلك؛ فبعضهم يرى أن كل ما يملكه الرقيق - حتَّى وإن كان مكاتبًا - فهو لسيده، وإن كاتبه فلا بد من اشتراط المال معه لينتقل معه. وبعضهم يرى أن الأصل في المال أن يكون للعبد حال بيعه أو كتابته (٢)، مستدلين بالأحاديث الواردة في ذلك؛ كقوله ﷺ : " مَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ " (٣)، وفي بعضها: " فماله له إلا أن يشترطه السيد" (٤)، فالمسألة فيها خلاف، فالخلاف متعلق بالمال، وأيضًا متعلق بالأولاد، فما الذي يأخذ حكمه - من مال أو أولاد - في ذلك؟ هل الذين يولدون معه في وقت الكتابة أو لا؟ وهذا هو مراد المؤلف، يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾، وأحاديث الرسول ﷺ بينت أن: " أيما عبد كاتب سيده على مائة أوقية فأداها إلا عشر فهو عبد " (٥). ورواية أخرى: " مائة دينار " (٦)، ومرت أحاديث أيضًا أخرى.

стр. 9069

والأحكام التي يريدها العلماء - دائمًا - إما أن تكون أحكامًا عامة يأخذونها من النص مباشرة، وربما يستخرجون أحكامًا من النصوص. فهذه المسائل التي أوردها المؤلف ﵀ يرى أنها من أمهات المسائل، ولكن هناك جزئيات أخرى - أيضًا - لم يتعرض لها المؤلف، وهذه المسائل التي أوردها ليست على إطلاقها كما مر؛ لأن منها ما قد يكون من المسائل الفرعية. * قوله: (وَاتَّفَقُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ عَلَى أَنَّ وَلَدَ الْمُكَاتَبِ لَا يَدْخُلُ فِي كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ إِلَّا بِالشَّرْطِ؛ لأنَّهُ عَبْدٌ آخَرُ لِسَيِّدِهِ) (١). أصل المكاتب: العبودية فإذا تزوج هذا العبد ورزق بأولاد ثم

стр. 9070

كوتب، هل يقال بأن أولاده الموجودين ينتقلون معه في الكتابة أو لا؟ الجواب: لا؛ لأن هؤلاء الأولاد عبيد؛ لأنهم ثمرة من ثمرات ملك السيد، أي: أنهم تابعون لوالدهم في الرق، فإذا كوتب العبد لا يتبعه الأولاد في المكاتبة، ولكنهم يبقون أرقاء، لكن ما حكم ما يولد في وقت الكتابة؟ هذا ما سيبينه المؤلف. * قوله: (وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى دُخُولِ مَا وُلِدَ لَهُ فِي الْكِتَابَةِ فِيهَا) (١). إذًا هناك مواضع متفق عليها، ومواضع مختلف فيها؛ فالأولاد الذين وُلدوا للمكاتب قبل عقد الكتابة أرقاء: يملكهم السيد، وهذا محل اتفاق. أما ما يولد بعد عقد المكاتبة: فهم تابعون لأبيهم في الكتابة؛ لأنهم وجدوا في عقد المكاتبة، والأب في طور أن يحرر نفسه من الرق فهم

стр. 9071

ساعون معه؛ فإذا تحرر تحرر أولاده معه؛ لأنهم ولدوا في زمن الكتابة. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي أُمِّ الْوَلَدِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ). وقد تقدم الكلام في أم الولد. * قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي دُخُولِ مَالِهِ أَيْضًا بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ) (١). أي: اختلف العلماء في دخول مال العبد في ملك سيده بمجرد تمام عقد المكاتبة بينهما، وانقسموا إلى قسمين؛ فمنهم من قال: ما دام هذا المال تحت يد العبد فهو ملك له (٢). ومنهم من قال: إن المكاتب لا يملك شيئًا؛ لأنه لا يزال رقيقًا فملكه لسيده (٣). * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: يَدْخُلُ مَالُهُ فِي الْكِتَابَةِ) (٤).

стр. 9072

ودليل وحجة الإمام مالك ﵀ قوله ﷺ : " مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ " (١). ودليل الجمهور: قوله ﷺ : " من ابتاع عبدًا له مال، أو رقيقًا له مال، فالمال للذي باعه، إلا أن يشترطه المبتاع "، وهو حديث متفق عليه (٢). * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣) وَأَبُو حَنِيفَةَ) (٤).

стр. 9073

وكذلك الإمام أحمد ﵀ (١). * قوله: (لَا يَدْخُلُ). فالأئمة الثلاثة، وكذلك الإمام مالك في رأي له: يرون أن المال للسيد (٢). ولكن استثناء من مذهب الجمهور، فالجمهور قالوا: بأن المال للسيد، ثم بعد ذلك لو اشترطه المكاتب فشرطه صحيح. قال الإمام أحمد والأوزاعي: شرطه صحيح وله ذلك، للحديث: " إلا أن يشترطه المبتاع ".

стр. 9074

* قوله: (وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَدْخُلُ بِالشَّرْطِ، أَعْنِي: إِذَا اشْتَرَطَهُ المُكَاتِبُ (١)، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى: هَلْ يَمْلِكُ الْعَبْدُ أَمْ لَا يَمْلِكُ؟). وهذه مسألة معروفة، وفيها قاعدة فقهية معلومة أيضًا، أي: من المعلوم أن هذا العبد مملوك رقيق، سلعة بيد سيده، فلا ملك له بذلك فيما تحت يده، أي: كل ما بيده ملك لسيده، ومن العلماء من قال: يملك ما تحت يده، ومنهم من فصل القول فقال: إن ملَّكَه سيدُه ملَكَ، وإن لم يُملِّكْه فلا. * قوله: (وَهَذ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى: هَلْ يَمْلِكُ الْعَبْدُ أَمْ لَا يَمْلِكُ؟ هَلْ يَتْبَعُهُ مَالُهُ فِي الْعِتْقِ أَمْ لَا؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ). أي: وقد تقدم في كتاب العتق؛ فمنهم من قال: يملك، ومنهم من قال: لا يملك، ومنهم من قال: يملك إذا ملَّكه سيده. * قوله: (الْجِنْسُ الْخَامِسُ). قسَّم المؤلف ﵀ أحكام المكاتب إلى أجناس؛ فهو ينتقل من جنس إلى جنس. * قوله: (وَهُوَ النَّظَرُ فِيمَا يُحْجَرُ فِيهِ عَلَى الْمُكَاتَبِ مِمَّا لَا يُحْجَرُ، وَمَا بَقِيَ مِنْ أَحْكَامِ الْعَبْدِ فِيهِ). عقد المكاتبة: هو عقد بين العبد وسيده، يقوم على إعتاق السيد مكاتبه على مال يؤدى إليه مؤجَّلًا، فأصبح بذلك المكاتب يسعى لجمع

стр. 9075

المال الذي التزمه في العقد إلى سيده؛ ليصبح بعد ذلك حرًّا، فهل عندما يتصرف في أمواله، بأن يهب ويعطي ويتصدق ويعتق - إن كان له عبيد - له تأثير على عقد المكاتبة؟ الجواب: نعم، له تأثير في حق السيد وفي حق نفسه، ففي حق السيد يتأخر عنه السداد، وفي حق نفسه يؤخر عنها الحرية؛ لأنه كلما أنفق الأموال احتاج إلى وقت أطول ليجمع مالًا آخر كي يسدد ما عليه؛ ليصبح بعد ذلك حرًّا. * قوله: (فَنَقُولُ: إِنَّهُ قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَهَبَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا لَهُ قَدْرٌ، وَلَا يُعْتِقَ وَلَا يَتَصَدَّقَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ (١)). فمنعوا هبة المملوك إذا كانت لها قدر، أما إن كانت هدية من الهدايا فأجازها الحنفية؛ لأنها شيء يسير لا أثر له. وعلة المنع: هي إلحاق الضرر بسيده؛ فالذي يعتقه - مثلًا - هو مال، فإن أعتقه ذهب هذا المال، وترتب على ذلك إلحاق ضررًا بسيده، وهذا المنع مقيد بدون إذن السيد. * قوله: (فَإِنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ وَأَشْبَاهِهَا، أَعْنِي: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ يَدِهِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ).

стр. 9076

" من غير عوض "، أي: إما أن يبيع ويشتري ويتاجر، أو يعمل في صنعة أو حرفة، أو يسافر، وسيأتي تفصيل الكلام في السفر بإذن الله. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فُرُوعٍ؛ مِنْهَا: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمِ السَّيِّدُ بِهِبَتِهِ أَوْ بِعِتْقِهِ إِلَّا بَعْدَ أَدَاءِ كِتَابَتِهِ). وصور ذلك: الصورة الأولى: تصدق العبد أو أعتق أو وهب بدون إذن سيده، وحكم هذه الصورة: عدم الجواز. الصورة الثانية: أذن له السيد بأن يعتق أو يتصدق أو يهب، وحكم هذه الصورة: الجواز عند جماهير العلماء إلا الشافعية في رواية؛ فيقولون: ليس له ذلك؛ لأنه يؤخر حريته، وهذا ضرر يلحقه فلا يجوز لذلك، أما باقي العلماء - وهو القول الثاني للشافعية - فجوزا تلك الصورة؛ لأنهم يرون بأنه حق للسيد وإن كان للمكاتب فيه حق، لكن الغالب هو حق السيد (١).

стр. 9077

الصورة الثالثة: تصدَّق العبد أو أعتق أو وهب، ولم يعلم سيده إلا أن سدد الأنجم - أي: أدى الحقوق التي عليه في الكتابة - أما إن لم يؤدِّ فلا يدخل في المسألة الأولى، وسيأتي تفصيلها. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ). وهي رواية للحنابلة أيضًا (١).

стр. 9078

* قوله: (مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ ذَلِكَ نَافِذٌ (١)، وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ). كالشافعية (٢)، ورواية أخرى للحنابلة (٣)؛ ويعللون بأن هذا الأمر قد

стр. 9079

تحقق ولا أثر له فيما يتعلق بعقد الكتابة؛ لأنه أدى ما عليه وقضي الأمر فينبغي أن يكون ذلك نافذًا. * قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ مَنَعَهُ: أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي حَالَةٍ لَا يَجُوزُ وُقُوعُهُ فِيهَا فَكَانَ فَاسِدًا). والذين منعوه عللوا بأن العبد عندما أعتق أو وهب أو تصدق كان في وقت لا يجوز له فيه ذلك إلا بإذن السيد، ولما لم يستأذن سيدَه صار ذلك غير جائز، ولا فرق بين أن يتقدم أو يتأخر، حتَّى وإن تم عقد الكتابة. ورد الفريق الآخر: بأن هذا عقد قد تمَّ، وهو من العقود الذي إذا تم وقته وأُدِّي ولم يترتب عليه أمر بالعقد فيما مضى صار ذلك جائزًا (١). * قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَهُ: أَنَّ السَّبَبَ الْمَانِعَ مِنْ ذَلِكَ قَدِ ارْتَفَعَ - وَهُوَ مَخَافَةُ أَنْ يَعْجِزَ الْعَبْدُ (٢) -، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ إِذْنُ السَّيِّدِ مِنْ شَرْطِ لُزُومِ الْعَقْدِ؟ أَوْ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ؟). الفرق بين شرط اللزوم وشرط الصحة: أن شرط الصحة يترتب عليه شرط اللزوم فيفسد العقد بفساده، أما شرط اللزوم إن مضى وانتهى فهناك من يجيزه، وإن لم يمضِ فهو يتوقف

стр. 9080

على من يجيزه أو لا يجيزه، وعقد اللزوم من الممكن أن يتنازل عنه صاحبه. * قوله: (فَمَنْ قَالَ: مِنْ شَرْطِ الصِّحَّةِ لَمْ يُجِزْهُ وَإِنْ عَتَقَ، وَمَنْ قَالَ مِنْ شَرْطِ لُزُومِهِ قَالَ: يَجُوزُ إِذَا عَتَقَ؛ لأنَّهُ وَقَعَ عَقْدًا صَحِيحًا). لأنه إذا كان من شرط الصحة ولم يجزه فلا يتم العتق، ويرجع بعد ذلك المعتق إلى الرق كما كان، وكذلك الحال بالنسبة إلى الهبة والصدقات؛ لأن هذا يتعلق بالصحة، وهذا لا يصح، وإن اعتبرناه متعلق باللزوم فيجوز بإيجازته. * قوله: (فَلَمَّا ارْتَفَعَ الْإِذْنُ الْمُرْتَقَبُ فِيهِ صَحَّ الْعَقْدُ كلمَا لَوْ أَذِنَ، هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ مَنْ أَجَازَ عِتْقَهُ إِذَا أَذِنَ السَّيِّدُ (١)، فَاِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا أَيْضًا

стр. 9081

فِي ذَلِكَ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ إِذَا لَمْ يَأْذَنِ السَّيِّدُ). القضية لا اتفاق عليها، بل فيها خلاف؛ فإذا لم يأذن السيد فلا يجوز للعبد أن يعتق أو يهب أو يتصدق بغير إذن سيده باتفاق العلماء، أما إذا أذن له سيده في ذلك فهذه مسألة مختلف فيها بين أبي حنيفة والجمهور. * قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)). " فقال قوم يجوز " وهم الجمهور؛ ومنهم: مالك، والشافعي، وأحمد (٢)، وإن كان الشافعي له قول موافق لأبي حنيفة، لكن هو رأي الجمهور. * قوله: (وَبِالْجَوَازِ قَالَ مَالِكٌ (٣)، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ الْقَوْلَانِ

стр. 9082

جَمِيعًا (١)، وَالَّذِينَ أَجَازُوا ذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي وَلَاءِ الْمُعْتَقِ لِمَنْ يَكُونُ). تفرع عن هذه المسألة مسألة أخرى، فالذين قالوا بالجواز، أي: قالوا بصحة العتق إذا استأذن المكاتب سيده في عتق عبد يملكه المكاتب؛ فالجمهور - ومنهم مالك وأحمد وقول للشافعية - أجازوا تلك الصورة، لكنهم اختلفوا بعد ذلك؛ لمن يكون الولاء؟ وليس القصد بالولاء هنا ولاء المكاتب الذي كاتبه سيده، فهذا لا خلاف فيه بأن الولاء للسيد، لكن المقصود هنا: معتق المعتق، فهذا المكاتب له عبدٌ كاتبه وأعتقه، فالخلاف بين أن يكون ولاؤه لنفس المكاتب، أو للسيد نفسه. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ كَانَ وَلَاءُ عَبْدِهِ لِسَيِّدِهِ). " ولاء عبده لسيده "؛ لأن المكاتب نفسه يرجع إلى ملك سيده ما لم يسدد ما عليه. * قوله: (وَإِنْ مَاتَ وَقَدْ عُتِقَ الْمُكَاتَبُ كَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ) (٢). أي: يكون ولاء مكاتب المكاتب للمكاتب نفسه، فإن مات قبل أن يُعتَق بقي الولاء لسيد المكاتب.

стр. 9083

* قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ هَؤُلَاءِ: بَلْ وَلَاؤُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِسَيِّدِهِ، وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُجِزْ عِتْقَ الْمُكَاتَبِ: أَنَّ الْوَلَاءَ يَكُونُ لِلْمُعْتِقِ، لِقَوْلِهِ ﵊: " إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ " (١)، وَلَا وَلَاءَ لِلْمُكَاتَبِ فِي حِينِ كِتَابَتِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ عِتْقُهُ (٢)، وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى أَنَّ الْوَلَاءَ لِلسَّيِّدِ: أَنَّ عَبْدَ عَبْدِهِ بِمَنْزِلَةِ عَبْدِهِ (٣)، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ فَهُوَ اسْتِحْسَانٌ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي هَلْ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَنْكِحَ أَوْ يُسَافِرَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ؟). " هل للمكاتب أن ينكح "، أي: يتزوج، وهل له أن يسافر أو لا؟ اختلف أيضًا في ذلك، وإن كان الأول خلافه يسير؛ لأن الأئمة الأربعة متفقون على النكاح، لكن الخلاف الأكبر في المسألة الأخرى. والزواج سنة ومرغب فيه، لكن الزواج يحتاج إلى مال يأتي من كسبه، فإن كان من كسبه تأثَّر عقد المكاتبة، أما إن وُجد من يتبرع له

стр. 9084

بذلك؛ فهذه مسألة أخرى؛ كالحج من ماله - مثلًا - ولم يعرض لها المؤلف ﵀، فقالوا: لو الحج من مال المكاتبة مما اكتسبه من عمله من أجل المكاتبة؛ فهذا لا يجوز، لكن إن وجد من يتبرع له؛ ففيها تفصيل، قالوا: إن كانت غيبته في الحج لا تؤثر على عقد المكاتبة، بأن يتعطل عن الكسب فيؤثر سلبًا على العقد فجائز، وإن كان له تأثير فكذلك (١). أما هل للمكاتب أن يتزوج؟ فالأئمة الأربعة منعوا ذلك، وقال

стр. 9085

الحسن بن صالح: يجوز له ذلك؛ لأن هذه سنة، وهو بحاجة إليها ليعف نفسه، فلماذ يمنع من ذلك؟ (١). * قوله: (فَقَالَ جُمْهُورُهُمْ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ (٢)،

стр. 9086

وَأَبَاحَ بَعْضُهُمُ النِّكَاحَ لَهُ (١)، وَأَمَّا السَّفَرُ؛ فَأَبَاحَهُ لَهُ جُمْهُورُهُمْ، وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبَاحَهُ سُحْنُونٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَلَمْ يُجِزْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ (٢)). ومن جوَّز له السفر يرى أنه من الوسائل التي يتوصل بها إلى جمع المال، فلماذا يمنع؟! وكان ابن عمر ﵁ يأذن لمكاتبيه بالسفر، وبه قال مالك؛ والضمير العائد إلى المنع عائد إلى سحنون، وأبي حنيفة، وأحمد، والشافعي، في قوله: " ولم يجز للسيد أن يشترطه على المكاتب "، وأجاز الجمهور السفر له. ويتفرع عن هذا مسألة أخرى: هل للسيد أن يشترط على المكاتب ألَّا يسافر أم لا؟ قال سحنون لا يجوز ذلك، وهو أيضًا قول الإمامين أبي حنيفة وأحمد، ولا يزال رأي الجمهور متحدًا؛ فلا يمنع من السفر؛ سواء ذكر ذلك في العقد أو لم يذكر؛ لأنه ليس من حق السيد أن يضع هذا الشرط؛ لأن فيه تعطيل لمصلحته في جمع المال، فلا يجوز له أن يمنعه من ذلك. * قوله: (وَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي السَّفَرِ الْقَرِيبِ (٣)، وَالْعِلَّةُ فِي مَنْعِ النِّكَاحِ: أَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى عَجْزِهِ). لماذا يكون ذريعة إلى عجزه؛ لأن ما جمعه من المال سينفقه في هذا النكاح، فيحتاج إذن إلى أن يضاعف الإنفاق، ولذلك قال الجمهور بالمنع.

стр. 9087

* قوله: (وَالْعِلَّةُ فِي جَوَازِ السَّفَرِ: أَنْ بِهِ يَقْوَى عَلَى التَّكَسُّبِ فِي أَدَاءِ كِتَابَتِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُسَافِرَ بِإِذْن سَيِّدِهِ وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُسَافِرَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)). وكذلك الإمام أحمد ﵀ (٣).

стр. 9088

* قوله: (الْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (١)، وَالثَّالِثُ: أَنَّ بِمُطْلَقِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ أَنْ لَا يُسَافِرَ). قول لبعض الحنابلة، لا الإمام أحمد نفسه (٢). * قوله: (وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا (٣). وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: اخْتِلَافُهُمْ فِي هَلْ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدًا لَهُ؟ فَأَجَازَ ذَلِكَ مَالِكٌ مَا لَمْ يُرَدْ بِهِ الْمُحَابَاةُ (٤)، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٥)

стр. 9089

وَالثَوْرِيُّ (١)). وأحمد أيضًا (٢). * قوله: (وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا إِثْبَاتُ الْكِتَابَةِ، وَالْآخَرُ إِبْطَالُهَا) (٣). قيد الحنابلة ذلك بإذن السيد؛ لأنه إذا كاتب مكاتبه هذا سيذهب عليه، والمكاتب الذي كاتبه رقيق، فهو مال، وهذا المال سيخرج في انتهاء المكاتبة عن ملكه، فيؤثر ذلك على السيد الذي كاتب مكاتب المكاتب (٤). * قوله: (وَعُمْدَةُ الْجَمَاعَةِ: أَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، الْمَقْصُودُ مِنْهُ طَلَبُ الرِّبْحِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْعُقُودِ الْمُبَاحَةِ مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ) (٥).

стр. 9090

والذين أجازوا ذلك قالوا: هي مكاتبة وسيتحرر، لكن المكاتبة مقابل العوض، فهو سيأخذ مقابل الكتابة مالًا يعود إلى سيده. * قوله: (وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَلَا وَلَاءَ لِلْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَحُرٍّ (١)، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، وَلَا الِانْتِفَاعُ مِنْهُ بِشَيْءٍ (٢)، وَاخْتَلَفُوا فِي وَطْءِ السَّيِّدِ أَمَتَهُ الْمُكَاتَبَةَ). من المعلوم أن المكاتبة في طريقها إلى الحرية، فهل له أن يطأها؟ اختلفوا في ذلك. ومن المعلوم أن الوطء من المكاتب يدعو إلى الحرية، كأن هذا وطء إلى أجل؛ فهل يلحق بنكاح المتعة الذي نُهي عنه؟ وهذا لا ينبغي. تكلم العلماء في أبواب النكاح؛ فمثلًا: لو أراد إنسان أن يتزوج امرأة إلى وقت محدود، ولم يذكر ذلك في العقد: فمن العلماء من أجاز ذلك؛ شريطة ألا يذكر في العقد المدة؛ لأنه قد يأخذ هذه المرأة، وفي نيته أن تبقى معه مدة معلومة، فتتغير الأحوال، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا، لكن إن ذكر في العقد أنه سيتزوجها لمدة معينة ويطلقها، يصير النكاح نكاح متعة، وهذا لا يجوز.

стр. 9091

* قوله: (فَصَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِ ذَلِكَ). وهم مالك (١)، والشافعي (٢) وأبو حنيفة (٣). * قوله: (وَقَالَ أَحْمَدُ (٤)، وَدَاوُدُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ مِنَ التَّابِعِينَ: ذَلِكَ جَائِزٌ إِذَا اشْتَرَطَهُ عَلَيْهَا (٥)). قال الحنابلة ومن معهم بالجواز، شريطة أن يشترط ذلك في عقد

стр. 9092

المكاتبة، وقالوا في تعليل ذلك: أليس للسيد أن يستخدمها في خدمته؟ فكذلك من الممكن أن يضعها كشرط؛ فكما له أن يستفيد من خدمتها، كذلك يجوز له - أيضًا - أن يطأها. * قوله: (وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ: أَنَّهُ وَطْءٌ تَقَعُ الْفُرْقَةُ فِيهِ إِلَى أَجَلٍ آتٍ، فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ إِلَى أَجَلٍ) (١). وقول الجمهور بأن ذلك نكاح إلى أجل ليس مقطوعًا به؛ لأنها لو عجزت عن أداء حقوق الكتابة عادت رقيقة، والجمهور أنفسهم يجوزون ذلك. إذًا هذا أمر ليس مقطوعًا به، فالغالب فيه أن ينتهي إلى الحرية، لكن مَن قال بالجواز قال: إن هذا نوع من أنواع الخدمة؛ فيجوز له أن يستخدمها ويستفيد من منافعها، ومن تلك المنافع أن يطأها. ثم يأتي بعد ذلك الخلاف؛ لأن الجمهور قالوا بعدم الجواز، ومعنى هذا أن من يفعل ذلك فقد ارتكب محرمًا، ومن يرتكب محرمًا يقام عليه الحد أو لا يقام؟ وهل لها الصداق أو المهر أم لا؟ كل هذه مسائل بها خلاف، وسيشير المؤلف إليها. * قوله: (وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي: تَشْبِيهُهَا بِالْمُدَبَّرَةِ) (٢). المدَّبرة تختلف عنها؛ فهي التي قد أعتقت، لكن عتقها مؤجل بعد وفاة سيدها، ولكن يجوز بيع المدبر.

стр. 9093

* قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا إِنْ عَجَزَتْ حَلَّ وَطْؤُهَا). فلو عجزت عادت إلى الرق كما كانت مملوكة (١). * قوله: (وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ مَنَعُوا ذَلِكَ إِذَا وَطِئَهَا؛ هَلْ عَلَيْهِ حَدٌّ أَمْ لَا؟ فَقَالَ جُمْهُورُهُمْ). وهم مالك وأبو حنيفة والشافعي. * قوله: (لَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ بِشُبْهَةٍ). قال الجمهور: لا حدَّ في ذلك؛ لوجود شبهة، والشبهات تدرأ بها الحدود، أي: يوقف تنفيذها بهذه الشبهة (٢). * قوله: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَيْهِ الْحَدُّ).

стр. 9094

والقائلون بالحد هم: الحسن (١)، وقتادة من التابعين (٢). إذن الأئمة الثلاثة قالوا: لا حد في ذلك، والحسن وقتادة قالوا بالحد؛ لأنهم يرون أن هذا عقد غير جائز، ومن فعل ذلك فقد ارتكب محرمًا، فيعتبرون ذلك نوعًا من الزنا يحدُّ صاحه. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي إِيجَابِ الصَّدَاقِ لَهَا، وَالْعُلَمَاءُ - فِيمَا أَعْلَمُ - عَلَى أَنَّهُ فِي أَحْكَامِهِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى حُكْمِ الْعَبْدِ؛ مِثْلُ الطَّلَاقِ وَالشَّهَادَةِ وَالْحَدِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ الْعَبِيدُ (٣)، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: اخْتِلَافُهُمْ

стр. 9095

فِي بَيْعِهِ؛ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يُبَاعُ الْمُكَاتَبُ إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى عَلَى كِتَابَتِهِ عِنْدَ مُشْتَرِيهِ (١)). وهنا مسألة؛ هل يجوز بيع المكاتب؟ وكما مر أن المكاتب أصبح ذا عقد بينه وبين سيده، فهل له أن يبيعه أو لا؟ يقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، وقال : ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾، وقول الرسول ﷺ : " المُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ ". إذًا بيع المكاتب يعتبر إخلالًا بهذا العقد ونقدًا له؛ لأن العقد منهم

стр. 9096

من يرى أنه لازم من جانب الطرفين؛ وأي شرط أو عمل يخالف كتاب الله أو يخالف ما صح عن رسول الله ﷺ فهو مردود. * قوله: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَيْعُهُ جَائِزٌ مَا لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ؛ لِأنَّ بَرِيرَةَ بِيعَتْ وَلَمْ تَكُنْ أَدَّتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا) (١). وبعضهم يرى أن البيع هنا بيع الكتابة وليس المكاتبة، وسيذكر المؤلف ذلك، والجمهور هم الذين قالوا بعدم جواز بيع المكاتب. * قوله: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا رَضِيَ الْمُكَاتِبُ بِالْبَيْعِ جَازَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِعَقْدٍ لَازِمٍ فِي حَقِّ الْعَبْدِ (٢)).

стр. 9097

" لأن الكتابة عنده ليست بعقد لازم في حق العبد "، إذًا تكون عقدًا لازمًا في حق السيد. * قوله: (وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ بَرِيرَةَ إِذْ بِيعَتْ وَهِيَ مُكَاتبَةٌ). لكن الآخرون قالوا: بأن ذلك لم يكن بيعًا للمكاتبة؛ وإنما بيع للكتابة، ولذلك قيد بعض العلماء وقالوا: يجوز بيع المكاتب إذا كان للعتق، وهم الحنابلة؛ لأن العتق أسرع من الكتابة. * قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُجِزْ بَيْعَ الْمُكَاتَبِ: مَا فِي ذَلِكَ مِنْ نَقْضِ الْعَهْدِ، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالْوَفَاءِ بِهِ) (١). فالذين قالوا بعدم جواز بيع المكاتب ذكروا أن العقد شريعة المتعاقدين، وكل من السيد والمكاتب قد التزم بذلك العقد، وعلى كل واحد منهم أن يوفي، وهو عقد لازم من الطرفين عند المالكية والحنابلة، ولازم في حق السيد عند الحنفية والشافعية. * قوله: (وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَلِ الْكِتَابَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ أَمْ لَا؟

стр. 9098

وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي بَيْعِ الْكِتَابَةِ؛ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١) وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)). وكذلك الإمام أحمد ﵀ (٣). * قوله: (لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَأَجَازَهَا مَالِكٌ، وَرَأَى الشُّفْعَةَ فِيهَا لِلْمُكَاتَبِ، وَمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ شَبَّهَ بَيْعَهَا بِبَيْعِ الدَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ رَآهُ مِنْ بَابِ الْغَرَرِ، وَكَذَلِكَ شَبَّهَ مَالِكٌ الشُّفْعَةَ فِيهَا بِالشُّفْعَةِ فِي الدَّيْنِ). اختلف العلماء في بيع الكتابة، وذكر المؤلف ﵀ ما يتعلق ببيع المكاتب، والخلاف في الكتابة نفسها بين جواز بيعها وعدم جوازه، أي: يبيع إنسان لآخر الكتابة، وهذا مقيد بأن يشترط عليه ألا يعدل عن ذلك، أي: يعينه في أداء الكتابة. لكن بيع الكتابة في قول مالك يقاس على الدين، وأشار إلى حديث

стр. 9099

الرسول ﷺ أنه قضى بالشفعة بالدين، وهذا حديث سبق وأن تعرض له المؤلف، ومصدره: " المحلى " لابن حزم، وهو حديث ضعيف. * قوله: (وَفِي ذَلِكَ أَثَرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَعْنِي: فِي الشُّفْعَةِ فِي الدَّيْنِ). فعن عمر بن عبد العزيز أن رسول الله ﷺ قضى بالشفعة بالدين (١)، ذكره ابن حزم في " المحلى " وضعَّفه (٢). * قوله: (وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي بَيْعِ الْكِتَابَةِ: أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ بِذَهَبٍ أَنَّهَا تَجُوزُ بِعَرَضٍ مُعَجَّلٍ لَا مُوَجَّل؛ لِمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَتِ الْكِتَابَةُ بِعَرَضٍ: كَانَ شِرَاؤُهَا بِذَهَبِ أَوْ فِضَّةٍ مُعَجَّلَيْنِ، أَوْ بِعَرَضٍ مُخَالِفٍ، وَإِذَا أُعْتِقَ: فَوَلَاؤُهُ لِلْمُكَاتِبِ لَا لِلْمُشْتَرِي (٣). وَمِنْ هَذَا الْبَابِ: اخْتِلَافُهُمْ هَلْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُجْبِرَ الْعَبْدَ عَلَى الْكِتَابَةِ أَمْ لَا؟).

стр. 9100

بأن يشق عليه في العمل، ويُضَيِّق عليه في النفقة بحيث يرهقه، وهذا لا يجوز شرعًا (١). * * * [شُرُوطُ (٢) الكِتَابَةِ] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَأَمَّا شُرُوطُ الْكِتَابَةِ فَمِنْهَا شَرْعِيَّةٌ هِيَ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ العَقْدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ ذِكْرِ أَرْكَان الكِتَابَةِ).

стр. 9101

أي: لا تخرج عن نطاق الشريعة، وما وضع فيها فليست شروطًا خارجة عمَّا هو وارد في هذه الشريعة، وهي الشروط التي يُضيفها أحد المتعاقدين. * قوله: (وَمِنْهَا شُرُوطٌ بِحَسَبِ التَّرَاضِي). وهذه الشروط من الممكن أن لا توجد في العقد، لكنهم اتفقوا عليها بالتراضي، كأن يشترط المكاتِب شرطًا على المكاتَب، ويتفقان عليه، وهذا الشرط لا يُخالف نصًّا (١). * قوله: (وَهَذ الشُّرُوطُ مِنْهَا مَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ). هذه التي تكون عن طريق التراضي إن لم تكن متفقة مع أصول هذا الدين ومع أُسسه فلا شك أنها تُبطل العقد، وأما ما لا يتعارض مع أصل من أصول هذا الدين فإنه لا يُؤثر على العقد، وقد يوجد عقد ويتفق على إزالته، ولا يؤدي ذلك إلى بطلان العقد. * قوله: (وَمِنْهَا مَا إِذَا تُمُسِّكَ بِهِ أَفْسَدَتِ العَقْدَ، وَإِذَا تُرِكَتْ صَحَّ الْعَقْدُ). هناك شروط التي نعرفها ببعض الشروط النجوم، يُشترط فيها شرط مخالف للعقد، فهذا الشرط إذا اتفق عليه صح العقد، وربما يفسد العقد،

стр. 9102

لكن نجد أن هذا العقد يُصحح إذا ألغي ذلك الشرط (١). * قوله: (وَمِنْهَا شُرُوطٌ جَائِزَةٌ غَيْرُ لَازِمَةٍ، وَمِنْهَا شُرُوطٌ لَازِمَةٌ (٢). وَهَذِهِ كُلُّهَا هِيَ مَبْسُوطَةٌ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ، وَلَيْسَ كِتَابُنَا هَذَا كِتَابَ فَرَوْعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كِتَابُ أُصُولٍ). يريد أن يقول: إن هذا الكتاب الذي سَمَّاه " بداية المجتهد ونهاية المقتصد "، أو " غاية المقتصد " لم يضعه للفروع؛ لأنه لو وضعه في الفروع لتوسع مجاله وكبر حجمه وزادت مجلداته، ولكنه اختار مسائل محددة نص عليها في مواضع كثيرة هي تلك المسائل التي يأتي منطوقها في آية أو في حديث من أحاديث رسول الله ﷺ ، وهذه تؤخذ من النص مباشرة، واختار - أيضًا - مسائل كبرى اختلف فيها العلماء بأن خَرجوها عن تلك النصوص، فالكتاب أشبه ما يكون بكتب القواعد الفقهية، ولذلك عرف عند بعض العلماء المتقدمين بأنه كتاب قواعد (٣).

стр. 9103

* قوله: (وَالشُّرُوطُ الَّتِي تُفْسِدُ الْعَقْدَ بِالْجُمْلَةِ هِيَ الشُّرُوطُ الَّتِي هِيَ ضِدُّ شُرُوطِ الصِّحَّةِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الْعَقْدِ). فهناك شروط صحة تشترط في صحة العقد، فإذا جاء بضد ذلك كانت شروطًا تبطل العقد. * قوله: (وَالشُّرُوطُ الْجَائِزَةُ هِيَ الَّتِي لَا تُؤَدّي إِلَى إِخْلَالٍ بِالشُّرُوطِ الْمُصَحِّحَةِ لِلْعَقْدِ وَلَا تُلَازِمُهَا). كأن يشترط أحد المتعاقدين شروطًا يتوثق من خلالها المبيع أو السلعة، وهذا حق له طالما لا يخالف نصًّا، فإنه يكون صحيحًا. * قوله: (فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ لَيْسَ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِيهَا، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي الشُّرُوطِ، لِاخْتِلَافِهِمْ فِيمَا هُوَ مِنْهَا شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ، أَوْ لَيْسَ مِنْهَا). فقد يختلف العلماء في شرط من الشروط: فرض صحة، أو فرض لزوم. * قوله: (وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ مِنْ إِخْلَالِهَا بِشُرُوطِ الصِّحَّةِ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ مَالِكٌ جِنْسًا ثَالِثًا مِنَ الشُّرُوطِ، وَهِيَ الشُّرُوطُ الَّتِي إِنْ تَمَسَّكَ بِهَا الْمُشْتَرِطُ فَسَدَ الْعَقْدُ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَسَّكْ بِهَا جَازَ، وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْهَمَهُ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ) (١).

стр. 9104

وقد عرفنا بأن كل شرط ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ فهو باطل، لكن إن وجدت بعض الشروط التي تكون من مصلحة أحد المتعاقدين أو من مصلحتهم جميعًا؛ بأن يشترط كل واحد منهم أو منهما شرطًا يستفيد من ذلك الشرط، وهذا الشرط لا يؤثر على إفساد ذلك العقد، فله ذلك. * قوله: (فَمِنْ مَسَائِلِهِمُ الْمَشْهُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ إِذَا اشْتَرَطَ فِي الْكِتَابَةِ شَرْطًا مِنْ خِدْمَةٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ نَحْوِهِ). وقد عرفنا الكتابة (١)، وهي إعتاق السيد مملوكه على مالٍ يُؤَدَّى مؤجلًا، لكن قد يضاف شرط من الشروط؛ كعدم الامتناع عن خدمة سيده، فهل هذا الشرط جائز أو لا؟ وهل هذا يختلف بكون الكتابة قد انتهت أو لم تنته؟ هذه من الشروط التي تُذكر في هذه الكتابة. * قوله: (وَقَوِيَ عَلَى أَدَاءِ نُجُومِهِ (٢) قَبْلَ مَحلِّ أَجَلِ الْكِتَابَةِ هَلْ يُعْتَقُ أَمْ لَا؟). وهذه المسألة مَرَّ بنا ما يشبهها؛ بأنه يجوز أن يُكاتبه على خدمة، وعرفنا أن الإمامين مالكًا وأحمدَ أجازا ذلك (٣)، لكن هذه صورة أخرى، فقد اشترط عليه خدمة بالإضافة إلى الكتابة، ولكن مبلغ الكتابة عُجِّل، أي: قُدِّم، فأصبح حرًّا، وهو بَعْدُ لم يؤدِّ تلك الخدمة؛ فهل تُعتبر هذه الخدمة أو الشرط ملزمًا للمكاتب أو لا؟

стр. 9105

ذلك مطلوب، لكنه عَجَّل القيمة، وسارع في الأمر وأصبح حرًّا، وهذه الخدمة لم تؤدَّ لكنه شرط أضافه المكاتب على المكاتبة، بأن يخدمه فترة معينة، أو يسافر معه، أو نحو ذلك. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَجَمَاعَةٌ (٢): ذَلِكَ الشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَيُعْتَقُ إِذَا أَدَّى جَمِيعَ المَالِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُعْتَقُ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ المَالِ، وَيَأْتِيَ بِذَلِكَ الشَّرْطِ (٣)، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ أَعْتَقَ
следующие страницы →