أي: لا تخرج عن نطاق الشريعة، وما وضع فيها فليست شروطًا خارجة عمَّا هو وارد في هذه الشريعة، وهي الشروط التي يُضيفها أحد المتعاقدين.
* قوله: (وَمِنْهَا شُرُوطٌ بِحَسَبِ التَّرَاضِي).
وهذه الشروط من الممكن أن لا توجد في العقد، لكنهم اتفقوا عليها بالتراضي، كأن يشترط المكاتِب شرطًا على المكاتَب، ويتفقان عليه، وهذا الشرط لا يُخالف نصًّا (١).
* قوله: (وَهَذ الشُّرُوطُ مِنْهَا مَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ).
هذه التي تكون عن طريق التراضي إن لم تكن متفقة مع أصول هذا الدين ومع أُسسه فلا شك أنها تُبطل العقد، وأما ما لا يتعارض مع أصل من أصول هذا الدين فإنه لا يُؤثر على العقد، وقد يوجد عقد ويتفق على إزالته، ولا يؤدي ذلك إلى بطلان العقد.
* قوله: (وَمِنْهَا مَا إِذَا تُمُسِّكَ بِهِ أَفْسَدَتِ العَقْدَ، وَإِذَا تُرِكَتْ صَحَّ الْعَقْدُ).
هناك شروط التي نعرفها ببعض الشروط النجوم، يُشترط فيها شرط مخالف للعقد، فهذا الشرط إذا اتفق عليه صح العقد، وربما يفسد العقد،
стр. 9102
لكن نجد أن هذا العقد يُصحح إذا ألغي ذلك الشرط (١).
* قوله: (وَمِنْهَا شُرُوطٌ جَائِزَةٌ غَيْرُ لَازِمَةٍ، وَمِنْهَا شُرُوطٌ لَازِمَةٌ (٢). وَهَذِهِ كُلُّهَا هِيَ مَبْسُوطَةٌ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ، وَلَيْسَ كِتَابُنَا هَذَا كِتَابَ فَرَوْعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كِتَابُ أُصُولٍ).
يريد أن يقول: إن هذا الكتاب الذي سَمَّاه " بداية المجتهد ونهاية المقتصد "، أو " غاية المقتصد " لم يضعه للفروع؛ لأنه لو وضعه في الفروع لتوسع مجاله وكبر حجمه وزادت مجلداته، ولكنه اختار مسائل محددة نص عليها في مواضع كثيرة هي تلك المسائل التي يأتي منطوقها في آية أو في حديث من أحاديث رسول الله ﷺ ، وهذه تؤخذ من النص مباشرة، واختار - أيضًا - مسائل كبرى اختلف فيها العلماء بأن خَرجوها عن تلك النصوص، فالكتاب أشبه ما يكون بكتب القواعد الفقهية، ولذلك عرف عند بعض العلماء المتقدمين بأنه كتاب قواعد (٣).
стр. 9103
* قوله: (وَالشُّرُوطُ الَّتِي تُفْسِدُ الْعَقْدَ بِالْجُمْلَةِ هِيَ الشُّرُوطُ الَّتِي هِيَ ضِدُّ شُرُوطِ الصِّحَّةِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الْعَقْدِ).
فهناك شروط صحة تشترط في صحة العقد، فإذا جاء بضد ذلك كانت شروطًا تبطل العقد.
* قوله: (وَالشُّرُوطُ الْجَائِزَةُ هِيَ الَّتِي لَا تُؤَدّي إِلَى إِخْلَالٍ بِالشُّرُوطِ الْمُصَحِّحَةِ لِلْعَقْدِ وَلَا تُلَازِمُهَا).
كأن يشترط أحد المتعاقدين شروطًا يتوثق من خلالها المبيع أو السلعة، وهذا حق له طالما لا يخالف نصًّا، فإنه يكون صحيحًا.
* قوله: (فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ لَيْسَ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِيهَا، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي الشُّرُوطِ، لِاخْتِلَافِهِمْ فِيمَا هُوَ مِنْهَا شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ، أَوْ لَيْسَ مِنْهَا).
فقد يختلف العلماء في شرط من الشروط: فرض صحة، أو فرض لزوم.
* قوله: (وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ مِنْ إِخْلَالِهَا بِشُرُوطِ الصِّحَّةِ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ مَالِكٌ جِنْسًا ثَالِثًا مِنَ الشُّرُوطِ، وَهِيَ الشُّرُوطُ الَّتِي إِنْ تَمَسَّكَ بِهَا الْمُشْتَرِطُ فَسَدَ الْعَقْدُ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَسَّكْ بِهَا جَازَ، وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْهَمَهُ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ) (١).
стр. 9104
وقد عرفنا بأن كل شرط ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ فهو باطل، لكن إن وجدت بعض الشروط التي تكون من مصلحة أحد المتعاقدين أو من مصلحتهم جميعًا؛ بأن يشترط كل واحد منهم أو منهما شرطًا يستفيد من ذلك الشرط، وهذا الشرط لا يؤثر على إفساد ذلك العقد، فله ذلك.
* قوله: (فَمِنْ مَسَائِلِهِمُ الْمَشْهُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ إِذَا اشْتَرَطَ فِي الْكِتَابَةِ شَرْطًا مِنْ خِدْمَةٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ نَحْوِهِ).
وقد عرفنا الكتابة (١)، وهي إعتاق السيد مملوكه على مالٍ يُؤَدَّى مؤجلًا، لكن قد يضاف شرط من الشروط؛ كعدم الامتناع عن خدمة سيده، فهل هذا الشرط جائز أو لا؟ وهل هذا يختلف بكون الكتابة قد انتهت أو لم تنته؟ هذه من الشروط التي تُذكر في هذه الكتابة.
* قوله: (وَقَوِيَ عَلَى أَدَاءِ نُجُومِهِ (٢) قَبْلَ مَحلِّ أَجَلِ الْكِتَابَةِ هَلْ يُعْتَقُ أَمْ لَا؟).
وهذه المسألة مَرَّ بنا ما يشبهها؛ بأنه يجوز أن يُكاتبه على خدمة، وعرفنا أن الإمامين مالكًا وأحمدَ أجازا ذلك (٣)، لكن هذه صورة أخرى، فقد اشترط عليه خدمة بالإضافة إلى الكتابة، ولكن مبلغ الكتابة عُجِّل، أي: قُدِّم، فأصبح حرًّا، وهو بَعْدُ لم يؤدِّ تلك الخدمة؛ فهل تُعتبر هذه الخدمة أو الشرط ملزمًا للمكاتب أو لا؟
стр. 9105
ذلك مطلوب، لكنه عَجَّل القيمة، وسارع في الأمر وأصبح حرًّا، وهذه الخدمة لم تؤدَّ لكنه شرط أضافه المكاتب على المكاتبة، بأن يخدمه فترة معينة، أو يسافر معه، أو نحو ذلك.
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَجَمَاعَةٌ (٢): ذَلِكَ الشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَيُعْتَقُ إِذَا أَدَّى جَمِيعَ المَالِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُعْتَقُ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ المَالِ، وَيَأْتِيَ بِذَلِكَ الشَّرْطِ (٣)، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ أَعْتَقَ
стр. 9106
رَقِيقَ الْإِمَارَةِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَخْدِمُوا الْخَلِيفَةَ بَعْد ثَلَاثِ سِنِينَ) (١).
فهذا الشرط أضافه عمر ﵁ مقابل أن أعتقهم، فقالوا: هذا دليل على صحة ذلك؛ لأن عمر فعل ذلك، ولا يُعرف له مخالف من الصحابة، وقول الصحابة حجة إذا لم يُوجد لهم معارض (٢).
* قوله: (وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ عَلَى أَنْ يَخْدِمَهُ سِنِينَ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ عِتْقُهُ إِلَّا بِخِدْمَةِ تِلْكَ السِّنِينَ) (٣).
فإذا أعتقه واشترط عليه الخدمة لبعض السنوات، فلا خلاف بين العلماء بجوازه؛ لأن هذا العتق جاء مقابل خدمة، وقد عرفنا بأن ذلك جائز.
стр. 9107
* قوله: (وَلِذَلِكَ الْقِيَاسِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الشَّرْطَ لَازِمٌ (١). فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الْوَاقِعَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي أُصُولِ هَذَا الْكِتَابِ).
ولذلك قال بأن ذلك القياس قول لمن قالوا: " إن الشرط لازم "، يُشير إلى أنه يُؤَيِّد الرأي الآخر، وهي الرواية الأخرى للإمام مالك (٢)، وهو قول أحمد (٣).
* قوله: (وَهَاهُنَا مَسَائِلُ تُذْكَرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَهِيَ مِنْ كُتُبٍ أُخْرَى، وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذَا ذُكِرَتْ فِي هَذَا الْكِتَابِ ذُكِرَتْ عَلَى أَنَّهَا فُرُوعٌ تَابِعَةٌ لِلْأُصُولِ فِيهِ، وَإِذَا ذُكِرَتْ فِي غَيْرِهِ ذُكِرَتْ عَلَى أَنَّهَا أُصُولٌ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْأَوْلَى ذِكْرُهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَمِنْ ذَلِكَ: اخْتِلَافُهُمْ إِذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ بِنْتَهُ مِنْ مُكَاتَبِهِ).
ثم بعد ذلك مات المكاتَب قبل أن يُؤَدِّي حَقَّ الكتابة، فما الحكم هنا؟
* قوله: (ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ وَوَرِثَتْهُ الْبِنْتُ، فَقَالَ مَالِكٌ (٤)
стр. 9108
وَالشَّافِعِيُّ (١)).
وأحمد (٢).
* قوله: (يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ، لِأَنَّهَا مَلَكَتْ جُزْءًا مِنْهُ).
لماذا ينفسخ النِّكاح؟
لأن السيد يُطالب هذا المكاتَب بما له، وهذا المكاتَب قد مات سَيِّدُه قبل أن يُؤدي ما عليه، إذًا سوف يَرث هذا المال الباقي على المكاتب، وسترثه هذه البنت، فكيف ترث عن هذا الطريق؟ أيضًا، سوف ترث عن طريق ملك اليمين، فهو يؤدي إلى المنع.
فأبو حنيفة له رأي آخر يقول: لا نُسَمِّي ذلك ميراثًا، ولكن هذا حق وجب على هذا المكاتب، فهذه المرأة - أي: زوجته - تستحق نصيبها مِن هذا الدَّيْن على أنَّه دَيْن لا أنه ميراث.
* قوله: (وَمِلْكُ يَمِينِ الْمَرْأَةِ مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا بِإِجْمَاعٍ).
لأنها عندما ترث من هذا مَلَكت جزءًا من هذا المكاتب؛ لأن المكاتب سلعة بيعت، ولم يَتحرر، إذًا هي ملكت جزءًا منه، فكيف يكون زوجها مملوكًا لها تملكه يملك اليمين، ولو كان الملك مُبعضًا؟
стр. 9109
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ الَّذِي وَرِثَتْ إِنَّمَا هُوَ مَالٌ فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ لَا رَقَبَةَ الْمُكَاتِبِ) (١).
والحنفية فَصَّلوا هذه المسألة أكثر من غيرهم فقالوا: هي لم تَرث، ولكنها استحقت دَيْنًا، فهذا مال في ذمة هذا المكاتب، فهي فقط تأخذ نصيبها من هذا الحق (٢).
فخرجوا عن جماهير العلماء، ووجدوا مبررًا لهذا الحكم حتى يُبقوا النكاح صحيحًا.
ومهما يكن فمذهب الجمهور أظهر وهو أحوط في هذا المقام، وبخاصة القاعدة الفقهية المعروفة: " إذا اجتمع الحلال والحرام غَلب الحرام " (٣).
فهذا أمر مشكوك فيه، ولذلك لما ذُكر لعثمان ﵁ زواج الأخت
стр. 9110
يملك اليمين قال: " أَحَلَّتها آية، وحَرَّمتها آية " (١).
فهناك آية حَرَّمت الجمعَ بين الأختين: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، فهل ذلك يُدخل الأختين يملك اليمين؟ وجاءت الآية الأخرى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، فقالوا: هنا الآية عامة؛ لم تُفَرِّق بين الأخت وغيرها، ولذلك قال الخليفة الراشد: " أحلتهما آية وحَرَّمتهما أخرى " (٢)، والتحريم أحوط؛ لأن فيه بُعْدًا عن الحرام، ففيه شبهة (٣).
стр. 9111
* قوله: (وَهَذ الْمَسْأَلَةُ هِيَ أَحَقُّ بِكِتَابِ النِّكَاحِ).
لأن هذه المسألة: مُكاتب زَوَّجه سَيِّدُه ابنتَه، ثم حصل الموت، فهذا متعلق بالنكاح، فالمؤلف ذكرها هنا لعلاقتها بالمكاتب.
* قوله: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ إِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَبَعْضُ الْكِتَابَةِ؛ هَلْ يَحَاصُّ (١) سَيِّدُهُ الْغُرَمَاءَ أَمْ لَا؟).
إذا مات المكاتب وعليه دين وهو بعدُ لم يُوَفِّ بمال المكاتبة، والسيد حقه متعلق بالعوض مقابل الكتابة، هذا هو حق السيد هنا، والغرماء لهم حقوق وديون على هذا المكاتب؛ فهل يدخل السيد مع هؤلاء الغرماء الدَّائنين في الحصص أو يُقَدَّم؟ وهنا على السيد أن يُقَدِّم الدَّيْن أو لا؟ هذا ما ذكره عن جماهير العلماء.
* قوله: (فَقَالَ الْجُمْهُورُ).
ومنهم الأئمة الأربعة، بل جمهور الصحابة والتابعين، فهذا قد اشتهر
стр. 9112
بين الصحابة، وكذلك بين التابعين، واتفق حوله الأئمة الأربعة (١).
* قوله: (لَا يُحَاصُّ الْغُرَمَاءُ (٢)، وَقَالَ شُرَيْحٌ (٣) وَابْنُ أَبِي لَيْلَى (٤):
فالجمهور قالوا: لا سبيلَ لهم إلى رقبته، لكن الفريق الآخر قالوا: هو سلعة، والسيد بين أمرين؛ إمَّا أن يُقَدِّمه، وإمَّا أن يُسدد عنه الحق، وهذه حقوق ترتبت عليه، ولا ينبغي أن تضيع هذه الحقوقُ.
* قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَجَزَ عَنْ عَقْلِ (١) الْجِنَايَاتِ أَنَّهُ يُسَلَّمُ فِيهَا، إِلَّا أَنْ يَعْقِلَ عَنْهُ سَيِّدُهُ (٢). وَالْقَوْلُ فِي: هَلْ يَحَاصُّ سَيِّدُهُ الْغُرَمَاءَ
* قوله: (يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ قِيَاسًا عَلَى المُتَبَايِعَيْنِ. وَفُرُوعُ هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ، لَكِنَّ الَّذِي حَضَرَ مِنْهَا الْآنَ فِي الذِّكْرِ هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَمَنْ وَقَعَتْ لَهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَسَائِلُ مَشْهُورَةُ الْخِلَافِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَسْمُوع، فَيَنْبَغِي أَنْ تُثْبَتَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ إِذْ كَانَ الْقَصْدُ إِنَّمَا هُوَ إِثْبَاتُ المَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهَا بَيْنَ فُقَهَاءِ الأمْصَارِ مَعَ الْمَسَائِلِ الْمَنْطُوقِ بِهَا فِي الشَّرْع، وَذَلِكَ أَنَّ قَصْدَنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ - كَمَا قُلْنَا غَيْرَ مَرَّةٍ -: إِنَّمَا هُوَ أَنْ نُثْبِتَ الْمَسَائِلَ الْمَنْطُوقَ بِهَا فِي الشَّرْعِ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا وَالْمُخْتَلَفَ فِيهَا).
وهذا القصد قد بَيَّنه المؤلف في عدة مواضع، وهو أنه لا يَعرض إلا للمسائل الكبرى، وكأنه يقف عند المسائل التي نَطَقَ بها النَّصُّ، أي: جاءت منصوصة في آية أو حديث أو ما هو قريب من النَّصِّ، فيُؤخذ من ظاهر النص، لكنه لا يَدخل في التفريعات الجزئية.
* قوله: (وَنَذْكُرُ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا الَّتِي شُهِرَ الْخِلَافُ فِيهَا بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ؛ فَإِنَّ مَعْرِفَةَ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الْمَسَائِلِ هِيَ الَّتِي تَجْرِي لِلْمُجْتَهِدِ مَجْرَى الْأصُولِ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهَا).
فالمُجتهد يَعتبر هذه المسائل بمثابة الأصول التي يرد إليها المسائل الصغرى التي تحدث وتقع.
* قوله: (وَفِي النَّوَازِلِ الَّتِي لَمْ يَشْتَهِرِ الْخِلَافُ فِيهَا بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ سَوَاءٌ نُقِلَ فِيهَا مَذْهَبٌ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ لَمْ يُنْقَلْ).
стр. 9117
فقد تنزل نازلة وهذه النازلة لم تشتهر بين الفقهاء، وربما أتى بها البعض، لكنها لم تشتهر، وربما لم يُفْتِ بها أحد، ولا يُعرف فيها قولٌ لأحد، كيف يتعامل معها؟ تُرَدُّ إلى أصول المسائل الأخرى.
* قوله: (وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَنْ تَدَرَّبَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَفَهِمَ أَصُولَ الْأَسْبَابِ الَّتِي أَوْجَبَتْ خِلَافَ الْفُقَهَاءِ فِيهَا أَنْ يَقُولَ مَا يَجِبُ فِي نَازِلَةٍ مِنَ النَّوَازِلِ).
وهذه المسائل الكبرى لا يتساوى الناس فيها، لا يتساوى فيها طلاب العلم، ولكن الذي يتقدم فيها هو الذي يُمارس هذه العلوم، هو الذي يشتغل بهذه المسائل الكبرى، هو الذي يَغوص فيها، ويحاول أن يتعرف أسرارها، ويحاول أن يربط الفروع بالأصول، وينبغي أن يكون على معرفة بأصول اللغة العربية وأصول الفقه، وأن يعرف الناسخ والمنسوخ والمُطلق والمُقَيَّد والعام والخاص والنواهي والأوامر؛ فيحتاج أن يُلم بهذه الأصول، فإذا أصبحت عنده هذه الموازين وهذه المقادير يَجتهد في المسائل حتى لا يختل اجتهاده.
ولا بد أن تُعرف أسباب الخلاف، ومن مزايا هذا الكتاب: أنه يذكر أقوال العلماء، يقول: اختلف العلماء في هذه المسألة؛ فقال فلان كذا، وقال فلان كذا، ولذلك لا بد من النظر في أسباب الخلاف، لماذا اختلفوا؟ فلا بد من معرفة دليل هذا ودليل هذا؛ ومعرفة أسباب الخلاف (١).
* قوله: (أَعْنِي: أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِيهَا عَلَى مَذْهَبِ فَقِيهٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، أَعْنِي: فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ بِعَيْنِهَا).
نزلت نازلة (٢)، فأفتى بها عالم من العلماء الذين بلغوا درجة الاجتهاد ووهبهم الله حظًّا وفيرًا من العلم؛ فيَعتبر ذلك قدوة، ويُلحق ما جَدَّ بتلك
стр. 9118
المسألة، إن كانت من جنسها أخذ بتلك الفتوى، وإن لم تكن فإنه يُخرج على ذلك.
* قوله: (وَيَعْلَمُ حَيْثُ خَالَفَ ذَلِكَ الْفَقِيهُ أَصْلَهُ، وَحَيْثُ لَمْ يُخَالِفْ، وَذَلِكَ إِذَا نُقِلَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ فَتْوى، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ فَتْوى، أَوْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ النَّاظِرَ فِي هَذِهِ الْأُصُولِ؛ فَيُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْجَوَابِ بِحَسَبِ أُصُولِ الْفَقِيهِ الَّذِي يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِهِ، وَبِحَسَبِ الْحَقِّ الَّذِي يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَنَحْنُ نَرُومُ - إِنْ شَاءَ اللهُ - بَعْدَ فَرَاغِنَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنْ نَضَعَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ كِتَابًا جَامِعًا لِأُصُولِ مَذْهَبِهِ وَمَسَائِلِهِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي تَجْرِي فِي مَذْهَبِهِ مَجْرَى الْأُصُولِ لِلتَّفْرِيعِ عَلَيْهَا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي عَمِلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي " الْمُدَوَّنَةِ "، فَإِنَّهُ جَاوَبَ فِيمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ عَلَى قِيَاسِ مَا كَانَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ الْجِنْسِ مِنْ مَسَائِلِ مَالِكٍ الَّتِي هِيَ فِيهَا جَارِيَةٌ مَجْرَى الْأُصُولِ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الِاتِّبَاعِ وَالتَّقْلِيدِ فِي الْأَحْكَامِ وَالْفَتْوَى، بَيْدَ أَنَّ فِي قُوَّةِ هَذَا الْكِتَابِ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ الْإِنْسَانُ - كمَا قُلْنَا - رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ إِذَا تَقَدَّمَ، فَعَلِمَ مِنَ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَعَلِمَ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ مَا يَكْفِيهِ فِي ذَلِكَ، وَلذَلِكَ رَأَيْنَا أَنَّ أَخَصَّ الْأَسْمَاءِ بِهَذَا الْكِتَابِ أَنْ نُسَمِّيَهُ كتَابَ: " بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ وَكفَايَة الْمُقْتَصِدِ ").
وَيعرف هذا الفقيه الذي اجتهد في هذه المسألة؛ هل التزم بالأصول التي وضعها أم لا؟ ونحن نعلم أن كل واحد من الأئمة الأربعة له أصول، وهم مُلتقون في غالبها، كلهم متفقون على أن الكتاب أصل، وأن السنة أصل، وأن الإجماع أصل، وأن القياس (١) أصل، لكنهم يَختلفون في
стр. 9119
المصالح المُرسلة (١) بسطًا وتَضييقًا (٢)، وكذلك في الاستحسان (٣) أخذًا أو ردًّا أو مع تعليل (٤)، وكذلك الحال في أقوال الصحابة (٥).
إذًا هناك أصول ثابتة مستقرة تُتَلَقَّى عن هؤلاء الأئمة، فهذا الإمام الذي اجتهد في هذا المسألة؛ هل تخريجه لها يَلتقي مع أصوله، أو أنه خَرج عن تلك الأصول؟
قال المصنف رحمه الله تعالى:
* * *
стр. 9120
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى الله عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا)
(كِتَابُ التَّدْبِيرِ) (١)
والنَّسَقُ الذي صار عليه المؤلفُ هو أيضًا ما صار عليه غيرُه من الفقهاء، فأنتم ترون بأنه تَحَدَّث أولًا عن العتق، وهو أهم هذه الأمور، والتي تأتي في الرتبة الأولى، فما أفضل وأجمل وأحسن من أن يعتق الإنسانُ رقبةً مسلمة! فقد مَرَّ بنا ما يترتب على ذلك من الفضل، وأن الله يعتق بكل عضو من أعضاء ذلك الذي أَعتق تلك الرقبة يعتق به عضوًا من النار (٢)؛ اليَد باليَد والرِّجْل بالرِّجل والفَرْج بالفَرْج (٣)، رأينا ذلك كله وتحدثنا عنه، ثم بعد ذلك أشرنا ضمن كتاب (العِتق) إلى
стр. 9121
التبعيض، يعني: أن يعتق الإنسان بعضًا من مملوكه، وهذا العتق إن كان هذا الذي أعتق نصيبه غنيًّا يَسري إليه ويؤدي النصف الآخر مثلًا لشريكه ويصبح ذلك حرًّا، ثم بعد ذلك إلى (الكتابة)، وهي خطوة طيبة وطريق إلى الحرية؛ إذا فتح السيد لمملوكه مُقابل عِوَض على أقساط أو نُجُوم أن يدفعها إلى السيد مقابل أن يصبح حرًّا، والآن سينتقل إلى (التدبير)؛ لأنه يأتي في المرحلة الأخيرة، والتدبير وإن كان عتقًا كاملًا، لكن أَخَّره المؤلف؛ لأنه يأتي بعد الحياة، ولذلك ما معنى التدبير؟
التَّدبير: هو تَعليق السيد عتقَ عبده أو مملوكه بعد موته أو بموته، وسُمِّي تدبيرًا؛ لأنه يأتي بعد الوفاة (١)، والحياة تَسبق المَمات أو الوفاة؛ فسُمِّي تدبيرًا؛ لأن الحياة يأتى بعدها ودبرها الموت، ولذلك سُمَّيت تدبيرًا، كأن يقول له: أنت حُرٌّ دبر حياتي، أو أنت حر بعد مماتي، أو غير ذلك من العبارات التي يَذكرها الفقهاء، ويرون أن بعضَها صريح في التدبير، وبعضها غير صريح؛ لاحتمال أن يقصد به الوصية، ومهما كان؛ فالوصية والتدبير كل منهما عمل فيه خير، لكن الوصية - كما هو معلوم - جائز للإنسان أن يرجع فيها، أما التدبير فهو محل خلاف بين العلماء، هل له إذا دبر عتق عبده، يعني: جعله دبر حياته - هل له أن يرجع في ذلك أو لا؟ كل ذلك سيعرض له المؤلف إن شاء الله.
* قوله: (والنَّظَر فِي التَّدْبِيرِ: فِي أَرْكَانِهِ، وَفِي أَحْكَامِهِ. وأَمَّا الْأَرْكَانُ فَهِيَ أَرْبَعَةٌ).
ذكر المؤلف أن النظر في التدبير قد يكون في الأركان، وقد يكون في الأحكام، وهذا التدبير الذي معنا هو أيضًا عمل جليل من الأعمال التي يتركها الإنسان بعد وفاته، فإذا علق عتق مملوكه بعد وفاته فإنه سيجد أثرَ ذلك في أُخراه، وهو أحوج ما يكون هناك، ولذلك سيأتي اختلاف العلماء في عِتق الصبي، يعني: في تدبير الصَّبي، الصبي هل له أن يدبر أو لا؟ سيأتي الكلام في ذلك أيضًا.
стр. 9122
* قوله: (الْمَعْنَى).
والمعنى قلنا: هو تدبير السيد عتق مملوكه بعد موته أو بموته.
* قوله: (وَاللَّفْظُ، وَالْمُدَبِّرُ).
هو الذي يقوم بالتَّدبير، أي: الذي يُعَلِّق العتق، أي: السيد.
* قوله: (وَالْمُدَبَّرُ).
إنَّما هو المملوك (١).
* قوله: (وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَصِنْفَانِ: أَحْكَامُ الْعَقْدِ، وَأَحْكَامُ الْمُدَبَّرِ. الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: فَنَقُولُ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ التَّدْبِيرِ) (٢).
وظاهر كلام المؤلف هنا بأنه اعتبر دليل التدبير هو الإجماع، وهذا صحيح، لكننا نقول: إن دليل التدبير هو السنة والإجماع، فقد ثبت في حديث جابر المتفق عليه أن رجلًا من الأنصار أعتق مملوكًا له عن دُبُرٍ، يعني: أعتق مملوكًا له بعد موته، وكان بحاجة إليه؛ فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : " مَن يَشتريه مِنِّي "، فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم، فدفعها رسولُ الله ﷺ إلى ذلك الرجل المحتاج، وقال: " أنتَ أَحْوَجُ مِنْهُ " (٣). يعني: إلى هذا المبلغ، إذًا أنت بحاجة فكيف
стр. 9123
تُدَبِّر ذلك؟ وفي بعض الروايات: أن رجلًا من الأنصار أعتق مملوكًا له عن دبر، وكان محتاجًا إليه وعليه دَيْنٌ، إذًا كانت هناك حاجة، وكان هناك دَيْنٌ (١)، وأما الإجماع؛ فقد حكاه كثيرٌ من العلماء؛ منهم ابن المُنذر (٢)، وابن عبد البر الذي يَنقل عنه المؤلف (٣).
* قوله: (وَهُوَ أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي، أَوْ يُطْلِقَ فَيَقُولُ: أَنْتَ مُدَبَّرٌ).
وهذه صريحة في التدبير: أنت حُرٌّ عن دُبُر مني، أو أنت حر دبر حياتي، أو أنت معتق دبر حياتي، أي: عندما يذكر العتق إلى جانب التدبير وعندما ترد لفظة التدبير يكون ذلك صريحًا في التدبير، لكن لو قال له: أنت حر بعد موتي، أو أنت محرر بعد موتي، أو أنت عتيق بعد موتى، أو أنت معتق بعد موتي؛ فهل يكون ذلك تدبيرًا صريحًا أو لا؟ هذا محل خلاف بين العلماء (٤).
كما أنه يقال: لفظ الطلاق الصريح: أن يأتي بلفظ الطلاق، فعندما يذكر طلاقًا ويقول: طلقت ونحو ذلك، فهذا يعتبر صريحًا، أيضًا هنا؛ لأن التدبير هو مُشابه للوصية في أمور كثيرة؛ لأن الوصية قد يكون فيها عتق، والوصية إنما يأتي تنفيذها بعد الموت، يعني: أن يوصي الإنسان بأمر أو بأمور بعد موته، وهذا التدبير يكون بعد الموت (١)، فهل عندما يقول مثلًا: أنت حر بعد موتي، أو محرر أو عتيق بعد موتي، هل هذه وصية أو هو تدبير؟ (٢).
* قوله: (وَالنَّاسُ فِي التَّدْبِيرِ وَالْوَصِيَّةِ عَلَى صِنْفَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ التَّدْبِيرِ وَالْوَصِيَّةِ بِأَنْ جَعَلَ التَّدْبِيرَ لَازِمًا، وَالْوَصِيَّةَ غَيْرَ لَازِمَةٍ) (٣).
стр. 9126
والحقيقة: أن السُّنَّة فَرَّقت بينهما، فقد عَرفنا الوصية ودرسناها تفصيلًا، ومن أشهر الأدلة التي وردت فيها حديث سعد بن أبي وقاص، وتعلمون قصته، ونعرف أنه عاش بعد ذلك خمسة وأربعين عامًا، لكنه خَشِي؛ فسأل رسولَ الله أن يُوصي بثلثي ماله، فقال: " لا "، قال: الشَّطر؟ فقال: " لا ". قال: الثلث؟ قال: " الثَّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ " (١)، ورأينا اختلاف العلماء، وأن القليل منهم أوصله الثلث (٢)، ومنهم مَن قال: الرُّبع (٣)، ومنهم من قال: الخُمُس، وأبو بكر أوصى بالرُّبع (٤)، ومنهم من أوصى بالخمس، وعرفنا الوصية وما يتعلق بها، والتدبير: هو عِتق في الحقيقة يكون بعد الموت، وهو ألزم مما يتعلق بالوصية (٥).
* قوله: (وَالَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا (٦) اخْتَلَفُوا فِي مُطْلَقِ لَفْظِ الْحُرِّيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ: هَلْ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ؟ أَوْ حُكْمَ التَّدْبِيرِ؟ (أَعْنِي: إِذَا قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي)، فَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا قَالَ وَهُوَ صَحِيحٌ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَصِيَّةٌ).
стр. 9127
يعني: قال الإمام مالك: إذا قال: أنت حر بعد موتي، أو أنت عتيق بعد موتي، أو محرر بعد موتي، إلى غير ذلك من الألفاظ التي لم يَرد فيها لفظ التدبير، يقول: الظاهر أنه وصية.
* قوله: (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، وَيَجُوزُ رُجُوعُهُ فِيهَا إِلَّا أَنْ يُرِيدَ التَّدْبِيرَ) (١).
فيرجع فيه إلى نيته، فلما يقول: أنت حر بعد موتي، نحن نرجع إلى نيته، والرسول ﷺ يقول: " إنَّما الأعمال بالنيات " (٢)، فما الذي يحدد ذلك المحتمل؟ هي النية، فماذا قصد بقوله: أنت حر بعد موتي؟ هل قصد بذلك أنه مدبر، أو اعتبر ذلك وصية؟
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ) (٣).
وأحمد (٤)، وهو قول للشافعي (٥).
стр. 9128
* قوله: (الظَّاهِرُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ التَّدْبِيرُ).
لأنه قال: أنت حر بعد موتي، فهو تكلم بلفظ الحرية، والحرية إنما هي دلالة على العتق، وقال: بعد موتي، وتقييده ذلك ببعد الموت إشارة إلى أن هذا هو التدبير، فهذا هو قول جمهور العلماء، أبو حنيفة، وكذلك الإمام أحمد، وهو قول للإمام الشافعي (١).
* قوله: (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ. وَبِقَوْلِ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ (٢). وَبُقُولِ أَبِي حَنِيفَةَ).
فالمالكية لم يبقوا مع إمامهم (٣). وابن القاسم مع مالك، وأشهب وهو من أصحاب الإمام مالك مع أبي حنيفة.
* قوله: (قَالَ أَشْهَبُ، قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ قَرِينَة تَدُلُّ عَلَى الْوَصِيَّةِ) (٤).
стр. 9129
فقد توجد قرينة، كأن يكون إنسان على فراش الموت فيأتي عبده يخدمه فيقول له: أنت حر بعد موتي؛ فيُؤخذ من هذا قرينة تُرجح أن المراد الوصية.
* قوله: (مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَفَرٍ، أَوْ يَكُونَ مَرِيضًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَكْتُبَ النَّاسُ فِيهَا وَصَايَاهُمْ. فَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالتَّدْبِيرِ - وَهُوَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ (١) - هَذَا اللَّفْظُ هُوَ مِنْ أَلْفَاظِ صَرِيحِ التَّدْبِيرِ).
وقد رأينا أن أبا حنيفة وأحمد أيضًا قالا بذلك، وكان الأولى أن يقول المؤلف: وهو أبو حنيفة والشافعي وأحمد.
* قوله: (وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُفَرِّقُ (٢)، فَهُوَ إِمَّا مِنْ كنَايَاتِ التَّدْبِيرِ، وَإِمَّا لَيْسَ مِنْ كنَايَاتِهِ وَلَا مِنْ صَرِيحِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ فَلَيْسَ هُوَ عِنْدَهُ مِنْ كِنَايَاتِهِ وَلَا مِنْ صَرِيحِهِ، وَمَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى التَّدْبِيرِ وَيَنْوِيهِ فِي الْوَصِيَّةِ فَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ كنَايَاتِهِ (٣). وَأَمَّا الْمُدَبَّرُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الَّذِي يَقْبَلُ هَذَا الْعَقْدَ هُوَ كُلُّ عَبْدٍ صَحِيحِ الْعُبُودِيَّةِ).
والمدبر الذي يَنطبق عليه التدبير هو العبد المملوك حقًّا، أي: صحيح العبودية بأن يكون رقُّه صحيحًا، أي: بأنَّه مملوك لسيده (٤).
стр. 9130
* قوله: (أَنَّ الَّذِي يَقْبَلُ هَذَا الْعَقْدَ هُوَ كُلُّ عَبْدٍ صَحِيحِ الْعُبُودِيَّةِ لَيْسَ يَعْتِقُ عَلَى سَيِّدِهِ، سَوَاءٌ مُلِكَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ).
والذي يَعتق على سَيّدِه واحدٌ من أمرين: إمَّا الشريك إذا أعتق نصيبه، فإنه يسري إلى نصيب الآخر، أو أن يكون ذا رحم، وقد رأيتم الاختلاف في ذلك، فلا خلاف بينهم في الوالد، فإنه يعتق، وقد جاء فيه نص، وأيضًا جاء نص بذي رَحِم.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ مَنْ مَلَكَ بَعْضًا فَدَبَّرَهُ: فَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ ذَلِكَ).
وهذه المسألة فيها ثلاث أقوال للعلماء: قول للإمام مالك، وقول للإمام أبي حنيفة، وقول للإمامين الشافعي وأحمد، وقد بدأ بقول مالك، ثم سيُتبعه بقول أبي حنيفة، ثم يختم ذلك بقول الإمامين الشافعي وأحمد، والمراد هنا بعضه، يعني: إنسانًا مَلَك أو كان يَملك جزءًا من عبدٍ فدَبَّر نصيبَه؛ فما الحكم بالنسبة للباقي، هل يقوم عليه؟ كالحال بالنسبة للتبعيض: " مَن أَعْتَق شركًا له في عبد قُوم عليه "، أو أنه يبقى ذلك الجزء الذي لم يدبر رقيقًا منه؛ فيتحرر جزء منه، ويبقى الجزء الآخر؟ فالعلماء اختلفوا في ذلك.
* قوله: (وَلِلَّذِي لَمْ يُدَبِّرْ حَظَّهُ خِيَارَان؛ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَقَاوَمَاهُ).
أي: يَتَفَاوَضَا في قِيمته.
* قوله: (فَإِنِ اشْتَرَاهُ الَّذِي دَبَّرَهُ كَانَ مُدَبَّرًا كلَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِهِ
стр. 9131
انْتَقَضَ التَّدْبِيرُ. وَالْخِيَارُ الثَّانِي: أَنْ يُقَوِّمَهُ عَلَيْهِ الشَّرِيكُ (١)، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لِلشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يُدَبِّرْ ثَلَاثَ خِيَارَاتٍ: إِنْ شَاءَ اسْتَمْسَكَ بِحِصَّتِهِ).
فالشريك له أن يَتمسك بحِصَّته.
* قوله: (وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ فِي قِيمَةِ الْحِصَّةِ الَّتِي لَهُ فِيهِ).
فيُعطيه فرصة للعمل، وَيسعى في الكسب حتى يُحَرِّر نفسه.
* قوله: (وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا عَلَى شَرِيكِهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا).
وذلك بالنسبة للمباعض.
* قوله: (وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا اسْتَسْعَى الْعَبْدَ (٢). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ).
وأحمد.
* قوله: (يَجُوزُ التَّدْبِيرُ، وَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا كُلِّهِ).
التدبير جائز، ويتحرر هذا الجزء الذي دُبِّر، سواء كان نصفه أو ثلثه
стр. 9132
أو ثلاثة أرباعه، فيبقى حرًّا، ويبقى الجزء الباقي رقيقًا.
* قوله: (وَيَبْقَى الْعَبْدُ الْمُدَبَّرُ نِصْفُهُ أَوْ ثُلُثُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِذَا مَاتَ مُدَبِّرِهُ عُتِقَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجُزْءُ، وَلَمْ يُقَوَّمِ الْجُزْءُ الْبَاقِي مِنْهُ عَلَى السَّيِّدِ عَلَى مَا يُفْعَلُ فِي سُنَّةِ الْعِتْقِ) (١).
لأن الصورة اختلفت الآن، وتَحَوَّل المال للورثة، وكان فيما مضى إذا أعتق إنسان جزءًا من مملوكه وله شريك، فإنه يُقَوَّم عليه إذا كان قادرًا؛ لأنه في الحياة والمال ماله، ولذلك جاء حديث رسول الله ﷺ فبيَّن ما للإنسان ما أكله وأبلاه وأنفقه في هذه الحياة الدنيا (٢)، أما ما يُبقيه فهو ما للورثة، ولذلك سأل: " أَيُّكم أَحَبُّ إليه مال وارثه من ماله؟ ". قالوا:
стр. 9133
ولا أحد منا يا رسول الله (١). إذًا الإنسان يحب مالَه، وإذا كان يحب ماله، فعليه أن يُقَدِّم شيئًا في هذه الحياة الدنيا ليجد ذلك مُدَوَّنًا له في كتابه، وهو لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
* قوله: (لِأَنَّ الْمَالَ قَدْ صَارَ لِغَيْرِهِ وَهُمُ الْوَرَثَةُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ مِنَ الأحْكَامِ لَا مِنَ الْأَرْكَانِ، (أَعْنِي: أَحْكَامَ الْمُدَبَّرِ)، فَلْتَثْبُتْ فِي الأحْكَامِ. وَأَمَّا الْمُدَبِّرُ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِهِ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا تَامَّ الْمِلْكِ).
فلا يكون هذا العبد مملوكًا لغيره، كأن يكون غصبه أو استولى عليه، أو ادَّعى بأنه مملوك، وهو ليس بمملوك (٢).
стр. 9134
* قوله: (غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ).
لأنه قد يكون عليه دَيْنٌ، والدَّيْنُ قد استغرق ماله، والغرماء يطالبون بذلك الحق، فلا ينبغي أن يذهب ويُدَبِّر بعض ممالكه أو يعتقهم؛ لأن هذا فيه حق للآخرين (١).
* قوله: (سَوَاءٌ اَكَانَ صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا).
فإنه ينبغي أن يكون في تدبيره ومنعه أيضًا مرتبط بذلك القيد.
стр. 9135
* قوله: (وَإِنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ مِمَّنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ).
فلا يكون الدَّيْنُ الذي عليه يستغرق جميع ماله؛ فيقوم فيخرج ذلك إضرارًا بأصحاب الحقوق.
* قوله: (لِأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ يُبْطِلُ التَّدْبِيرَ (١). وَاخْتَلَفُوا فِي تَدْبِيرِ السَّفِيهِ).
والمراد بالسفيه هو الصَّغير، هل الصغير يجوز تدبيره أو لا؟ وهذه المسألة اختلف فيها العلماء، فذهب الإمام أحمد فيها قولًا واحدًا (٢)، وهو أيضًا رواية للإمام مالك (٣)، وأيضًا قول للإمام
стр. 9136
الشافعي (١)، فذهبوا إلى أنه يجوز للصبي المميز الذي بلغ عشر سنوات أن يُدَبِّر، يعني: لو دَبَّر مملوكَه لصَحَّ ذلك.
وذهب الإمام مالك في الرواية الأخرى عنه (٢)، وكذلك أيضًا الإمام الشافعي في القول الآخر إلى أنه لا يجوز تدبيره (٣).
ما دليل الذين أجازوا؟ وما دليل الذين منعوا؟
أما الذين أجازوا ذلك فإنهم قالوا: قد أُثِر ذلك عن عمر ﵁، فإن غلامًا من الأنصار أوصى لأخوين له من غسان بأرض له، وقد قُوِّمت تلك الأرض فبلغت قيمتها ثلاثين ألفًا، فرُفع ذلك إلى عمر ﵁ فأجاز الوصية (٤).
وقيل: إن هذا الغلام إمَّا ابن عشر أو اثني عشرة سنة، إذًا هو بعدُ لم يَبلغ.
стр. 9137
وأيضًا أُثِر عن عمر ﵁ بأن غلامًا أوصى لابنة عمه، وكان صغيرًا في سن العاشرة، فأيضًا بلغ ذلك عمر ﵁ فأقر الوصية وأجازها (١).
قالوا: وقياس - أيضًا - على وصية السفيه، فالسفيه وكذلك - أيضًا - الصغير تجوز أيضًا وصيته، وكذلك أيضًا يجوز هنا تدبيره (٢).
وتحديد ذلك بعشر سنين استدلال بقول رسول الله ﷺ : " مُرُوا أبناءكلم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لِعَشر، وفَرِّقوا بينهم في المَضاجع " (٣)، قالوا: فإنه اعتبر سِنَّ العَشر، وأناط التأديب به الذي هو الضَّرب، إذًا هو مُهَيَّأ لذلك، قالوا: وأمَّا الجارية فإنها إذا بلغت تسعًا، واستدلوا بالأثر المَروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: " إذا بلغت الجاريةُ تِسع سنين فقد بلغت " (٤).
وأما الذين منعوا ذلك فقالوا: إنَّ هذا السفيه - وكذلك الصغير - لا يجوز تدبيره؛ لأنَّ هذا إنما هو إخراج للمال، فهو كالمجنون، قالوا: وقياس على العِتق، فكما أنه لا يجوز له أن يعتق، كذلك لا يجوز له أن يُدَبِّر (٥). فما الجواب عن رأي الآخرين؟
стр. 9138
أجابوا عن ذلك، قالوا: أمَّا قياسه على المجنون فإنه لا يقاس على المجنون؛ لأنه ليس مجنونًا، ولكن الأقرب أن يقاس على السفيه، فله أن يُوصي، يعني: يقاس عليه في حالة الوصية، فإنه يُوصي (١).
رَدَّ عليهم الفريق الذين أجازوا قالوا: هناك فرق بين العِتق وبين التَّدبير، فالتدبير منع من العتق حال الحياة؛ لأنه بذلك سيضيع المصلحة على نفسه إذا أعتق في حياته سيخرج من ملكه، وهذا هو العتق المنجز، وهو لن يستفيد، وضيَّع مالًا على نفسه، وضيع خدمة مملوكه له، لكنه عندما يُعلق ذلك بعد موته فهو سيستفيد منه بعد مماته، ولا يتضرر منه في الحياة الدنيا؛ لأن هذا الذي علق عتقه بالموت سيجد ثمرة ذلك بعد وفاته؛ لأن هذا سيكتب في سِجل حسناته، لكن العتق في الحياة هو ضَيَاع لماله، ولذلك مُنع منه (٢).
* قوله: (فَهَذ هِيَ أَرْكَانُ هَذَا الْبَابِ).
أي: المسائل التي ذكرها المؤلف واختلف العلماء فيها، إنَّما هي أصول هذا الباب.
* قوله: (وَأَمَّا أَحْكَامُهُ فَأُصُولُهَا رَاجِعَةٌ إِلَى أَجْنَاسٍ خَمْسَةٍ؛ أَحَدُهَا: مِن مَاذَا يَخْرُجُ الْمُدَبَّرُ، هَلْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوِ الثّلثِ؟).
стр. 9139
فهذا المدبر بعد أن يُنتهى منه ويُدَبِّره صاحبه ثم يموت، والميت له أن يُوصي - وهذه الوصية في حدود، فلا تتجاوز الثلث - فهل يكون ذلك ضمن الثلث، أو يكون من رأس المال؟
* قوله: (وَالثَّانِي: مَا يَبْقَى فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ الرِّقِّ مِمَّا لَيْسَ يَبْقَى فِيهِ (أَعْنِي: مَا دَامَ مُدَبَّرًا). وَالثَّالِثُ: مَا يَتْبَعُهُ فِي الْحُرِّيَّةِ مِمَّا لَيْسَ يَتْبَعُهُ. وَالرَّابِعُ: مُبْطِلَاتُ التَّدْبِيرِ الطَّارِئَةُ عَلَيْهِ. وَالْخَامِسُ: فِي أَحْكَامِ تَبْعِيضِ التَّدْبِيرِ. الْجِنْسُ الأوَّلُ: فَأَمَّا مِن مَاذَا يُخْرَجُ الْمُدَبَّرُ إِذَا مَاتَ الْمُدَبِّرُ؟).
يعني: هل يخرج من ثلث المال الذي هو حق للموصي، أو يخرج من رأس المال؟ ورأس المال أصبح بعد الثلث أو بعد الربع الذي أوصى به هو حَقٌّ للورثة، فهل يُعتبر كالدَّيْن؟ من ماذا يخرج؟ أَمِن رأس المال؛ كتكفينه وتغسيله وغير ذلك، أو أن ذلك يكون من الثلث؟
* قوله: (فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يُخْرَجُ مِنَ الثُّلثِ) (١).
ويقصد الجمهور هنا: جماهير العلماء من الصَّحابة والتَّابعين (٢)،
стр. 9140
وفيهم الأئمة الأربعة المَعروفون: أبو حنيفة (١)، ومالك (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد (٤).
* قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ مِنْ رَأْسِ المَالِ، مُعْظَمُهُمْ أَهْلُ الظَّاهِرِ) (٥).
ونسب ذلك إلى عبد الله بن مسعود من الصحابة، وإلى مسروق