الشافعي (١)، فذهبوا إلى أنه يجوز للصبي المميز الذي بلغ عشر سنوات أن يُدَبِّر، يعني: لو دَبَّر مملوكَه لصَحَّ ذلك.
وذهب الإمام مالك في الرواية الأخرى عنه (٢)، وكذلك أيضًا الإمام الشافعي في القول الآخر إلى أنه لا يجوز تدبيره (٣).
ما دليل الذين أجازوا؟ وما دليل الذين منعوا؟
أما الذين أجازوا ذلك فإنهم قالوا: قد أُثِر ذلك عن عمر ﵁، فإن غلامًا من الأنصار أوصى لأخوين له من غسان بأرض له، وقد قُوِّمت تلك الأرض فبلغت قيمتها ثلاثين ألفًا، فرُفع ذلك إلى عمر ﵁ فأجاز الوصية (٤).
وقيل: إن هذا الغلام إمَّا ابن عشر أو اثني عشرة سنة، إذًا هو بعدُ لم يَبلغ.
стр. 9137
وأيضًا أُثِر عن عمر ﵁ بأن غلامًا أوصى لابنة عمه، وكان صغيرًا في سن العاشرة، فأيضًا بلغ ذلك عمر ﵁ فأقر الوصية وأجازها (١).
قالوا: وقياس - أيضًا - على وصية السفيه، فالسفيه وكذلك - أيضًا - الصغير تجوز أيضًا وصيته، وكذلك أيضًا يجوز هنا تدبيره (٢).
وتحديد ذلك بعشر سنين استدلال بقول رسول الله ﷺ : " مُرُوا أبناءكلم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لِعَشر، وفَرِّقوا بينهم في المَضاجع " (٣)، قالوا: فإنه اعتبر سِنَّ العَشر، وأناط التأديب به الذي هو الضَّرب، إذًا هو مُهَيَّأ لذلك، قالوا: وأمَّا الجارية فإنها إذا بلغت تسعًا، واستدلوا بالأثر المَروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: " إذا بلغت الجاريةُ تِسع سنين فقد بلغت " (٤).
وأما الذين منعوا ذلك فقالوا: إنَّ هذا السفيه - وكذلك الصغير - لا يجوز تدبيره؛ لأنَّ هذا إنما هو إخراج للمال، فهو كالمجنون، قالوا: وقياس على العِتق، فكما أنه لا يجوز له أن يعتق، كذلك لا يجوز له أن يُدَبِّر (٥). فما الجواب عن رأي الآخرين؟
стр. 9138
أجابوا عن ذلك، قالوا: أمَّا قياسه على المجنون فإنه لا يقاس على المجنون؛ لأنه ليس مجنونًا، ولكن الأقرب أن يقاس على السفيه، فله أن يُوصي، يعني: يقاس عليه في حالة الوصية، فإنه يُوصي (١).
رَدَّ عليهم الفريق الذين أجازوا قالوا: هناك فرق بين العِتق وبين التَّدبير، فالتدبير منع من العتق حال الحياة؛ لأنه بذلك سيضيع المصلحة على نفسه إذا أعتق في حياته سيخرج من ملكه، وهذا هو العتق المنجز، وهو لن يستفيد، وضيَّع مالًا على نفسه، وضيع خدمة مملوكه له، لكنه عندما يُعلق ذلك بعد موته فهو سيستفيد منه بعد مماته، ولا يتضرر منه في الحياة الدنيا؛ لأن هذا الذي علق عتقه بالموت سيجد ثمرة ذلك بعد وفاته؛ لأن هذا سيكتب في سِجل حسناته، لكن العتق في الحياة هو ضَيَاع لماله، ولذلك مُنع منه (٢).
* قوله: (فَهَذ هِيَ أَرْكَانُ هَذَا الْبَابِ).
أي: المسائل التي ذكرها المؤلف واختلف العلماء فيها، إنَّما هي أصول هذا الباب.
* قوله: (وَأَمَّا أَحْكَامُهُ فَأُصُولُهَا رَاجِعَةٌ إِلَى أَجْنَاسٍ خَمْسَةٍ؛ أَحَدُهَا: مِن مَاذَا يَخْرُجُ الْمُدَبَّرُ، هَلْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوِ الثّلثِ؟).
стр. 9139
فهذا المدبر بعد أن يُنتهى منه ويُدَبِّره صاحبه ثم يموت، والميت له أن يُوصي - وهذه الوصية في حدود، فلا تتجاوز الثلث - فهل يكون ذلك ضمن الثلث، أو يكون من رأس المال؟
* قوله: (وَالثَّانِي: مَا يَبْقَى فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ الرِّقِّ مِمَّا لَيْسَ يَبْقَى فِيهِ (أَعْنِي: مَا دَامَ مُدَبَّرًا). وَالثَّالِثُ: مَا يَتْبَعُهُ فِي الْحُرِّيَّةِ مِمَّا لَيْسَ يَتْبَعُهُ. وَالرَّابِعُ: مُبْطِلَاتُ التَّدْبِيرِ الطَّارِئَةُ عَلَيْهِ. وَالْخَامِسُ: فِي أَحْكَامِ تَبْعِيضِ التَّدْبِيرِ. الْجِنْسُ الأوَّلُ: فَأَمَّا مِن مَاذَا يُخْرَجُ الْمُدَبَّرُ إِذَا مَاتَ الْمُدَبِّرُ؟).
يعني: هل يخرج من ثلث المال الذي هو حق للموصي، أو يخرج من رأس المال؟ ورأس المال أصبح بعد الثلث أو بعد الربع الذي أوصى به هو حَقٌّ للورثة، فهل يُعتبر كالدَّيْن؟ من ماذا يخرج؟ أَمِن رأس المال؛ كتكفينه وتغسيله وغير ذلك، أو أن ذلك يكون من الثلث؟
* قوله: (فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يُخْرَجُ مِنَ الثُّلثِ) (١).
ويقصد الجمهور هنا: جماهير العلماء من الصَّحابة والتَّابعين (٢)،
стр. 9140
وفيهم الأئمة الأربعة المَعروفون: أبو حنيفة (١)، ومالك (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد (٤).
* قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ مِنْ رَأْسِ المَالِ، مُعْظَمُهُمْ أَهْلُ الظَّاهِرِ) (٥).
ونسب ذلك إلى عبد الله بن مسعود من الصحابة، وإلى مسروق
стр. 9141
ومجاهد والنَّخعي وسعيد بن جبير من التَّابعين، لكن بعض العلماء تَكَلَّم في نسبة ذلك إلى عبد الله بن مسعود، وقالوا: لم يَصِحَّ سندُه إلى عبد الله بن مسعود، وإنما هو موقوف على مسروق الذي جاء عن طريقه ذلك (١).
إذًا، هو صَحَّ عن مسروق (٢)، وعن مجاهد، وعن إبراهيم النَّخعي، وعن سعيد بن جبير، وكل هؤلاء من التابعين (٣).
* قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ مِنَ الثُّلُثِ شَبَّهَهُ بِالْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ يَقَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ (٤). وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الْمُدَبِّرُ مِنَ الثُّلُثِ " إِلَّا أَنَّهُ أَثَرٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) (٥).
وهذا الحديث الذي ذُكِر: " المُدَبَّرُ مِن الثُّلُثِ " هو من رواية علي بن
стр. 9142
ظبيان، وعليٌّ هذا تُكُلِّم فيه، وأُخِذَت عليه أمور، ومنها: رواية هذا الحديث، وقالوا: إنه حصل كلام بينه وبين الشافعي، وأنه قال: إنَّما رفعتُه ظَنًّا أنه مَرفوع، ولكنه موقوف، وهذا الحديث أخرجه الإمام الشافعي في كتابه "الأم" (١)، كذلك أخرجه البيهقيُّ (٢)، وابنُ ماجه (٣)، وأخرجه ابنُ أبي شَيبة عن طريق آخر، لكنه مرسل (٤).
إذًا، الصَّحيح بأن هذا حديث مَوقوف على عبد الله بن عمر، فيكون قولًا لعبد الله بن عمر، وليس حديثًا مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ ، ولا شَكَّ أن هناك فرقًا؛ لأنه لو كان قول رسول الله ﷺ لكان نصًّا في هذا الأمر، لكن مع ذلك أخذ جماهير العلماء أنه يؤخذ من الثلث، وما جاء -أيضًا- في "مُصَنَّف ابن أبي شيبة" عن طريق أبي قلابة، وهو مرسل أيضًا.
* قوله: (وَعَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ (٥). وَمَنْ رَآهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ شَبَّهَهُ بِالشَّيْءِ يُخْرِجُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِهِ فِي حَيَاتِهِ؛ فَأَشْبَهَ
стр. 9143
الْهِبَةَ (١). وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ مِنَ الثُّلُثِ فِي فُرُوعٍ، وَهُوَ إِذَا دَبَّرَ الرَّجُلُ غُلَامًا لَهُ فِي صِحَّتِهِ، وَأَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ عَنْهُ غُلَامًا آخَرَ).
فانتبهوا إلى هذا، وهو أنه دَبَّر في صحته، وأعتق في مرضه غلامًا، فيكون العتق أسبق؛ لأن العتق فيه تنجيز (٢)، فإذا قال السيد لعبده: أنت حر. أنت عتيق، انتهى الأمر، إذًا هذا نُسَمِّيه تنجيزًا، ولذلك يقول رسول الله ﷺ : "ثَلَاثٌ جِدَّهُنَّ جِدٌّ، وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَّلَاق والعتاق والرجعة" (٣)، فذكر منها العتاق، وهو من الأمور التي ليس فيها هزل، فإذا أعتق بلفظ صريح أعتق عليه، لكن هنا جاء التدبير قبله، وهو في صحته، وجاء العتق في المرض؛ فأيُّهما يُقَدَّم عندما يَضيق الأمر، أَيُقدم الذي عتقه مُنجز، أو يُقدم الذي تدبيره تقدم واقعًا على إعتاق ذلك؟
* قوله: (فَضَاقَ الثُّلُثُ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ مَالِكٌ: يُقَدَّمُ الْمُدَبَّرُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الصِّحَّةِ (٤)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٥).
стр. 9144
وأحمد (١).
* قوله: (يُقَدَّمُ الْمُعْتَقُ الْمُبَتَّلُ).
أي: الذي بتل، يعني عِتقه مقطوع به، قال له: أنت عتيق، وذاك مُعلق.
* قوله: (لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ رَدُّهُ).
فإن الإنسان عندما يعتق إنسانًا عنده، فليس فيه تردد، ولا يستطيع أن يَرجع، لكن إذا دَبَّر عبده يرجع فيه، وبخاصة عند الإمامين الشافعي (٢)، وأحمد (٣).
стр. 9145
* قوله: (وَمِنْ أَصْلِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُ رَدُّ التَّدْبِيرِ).
والضمير يعود إلى الشافعي، ونحن نقول: مِن أصلهما؛ (الإمامين الشافعي وأحمد)، وإن كان الإمام أحمد له رواية أخرى (١).
* قوله: (وَهَذ الْمَسْأَلَةُ هِيَ أَحَقُّ بِكِتَابِ الْوَصَايَا).
لأنَّها تتعلق بالوصية، ومَرَّ بنا في كتاب (المكاتب) - كما رأيتم- مسائل ذكرها المؤلف بعضها يتعلق بالوصية، وبعضها يتعلق بالجنايات، وبعضها يتعلق بالقضاء، وقال: إنَّها في كتاب (المكاتب) تعتبر فروعًا، وفي كتبها الأصلية تعتبر أصولًا؛ لأن هناك مسائل ثابتة مستقرة في الباب، وهنا واردة عليه؛ فتكون هنا فرعًا وهناك أصلًا. حقيقةً، ما أجمل هذا المسلك الذي يسلكه صاحب هذا الكتاب فهو إلى جانب ما فيه مِن عِلم، فإنه حقيقة يضيف- أيضًا- فوائدَ أخرى، ويُقيم رابطًا قويًّا بين أبواب الفقه أحيانًا.
* قوله: (وَأَمَّا الْجِنْسُ الثَّانِي فَأَشْهَرُ مَسْأَلَةٍ فِيهِ هِيَ: هَلْ لِلْمُدَبِّرِ أَنْ يَبِيعَ الْمُدَبَّرَ أَمْ لَا؟).
وهذه مسألة مهمة، وهي التي رَمَز إليها قبل قليل، هل يَجوز بيعُ المُدَبَّر؟ وقد عرفنا في كتاب (الوصية) بأنه يجوز للإنسان أن يرجع في وصيته، والهبة رأينا الخلاف فيها: هل للإنسان أن يَرجع في هِبته؟ ورأينا الأحاديث التي حَذَّرت من ذلك، ولكن أبا بكر ﵁ وَهَبَ ابنتَه عائشةَ ذلكم الجُذَاذ (٢)، ثم رجع عنه؛ لأنها لم تَحُزْه (٣)، وبعض العلماء قَيَّده
стр. 9146
بالحيازة، إلى آخر ما مَرَّ بنا، هنا هل يجوز لمن دَبَّرَ عبدًا أن يرجع عن ذلك؟ وهذه مسألة فيها خلاف (١)، وكل الخلاف يَدور حول حديث رسول الله ﷺ الذي أوردته لكم، وهو حديث جابر، وأنه دليل من السُّنَّة عن التدبير (٢).
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤)، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ (٥): لَيْسَ لِلسَّيّدِ أَنْ يَبِيعَ مُدَبَّرَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٦)، وَأَحْمَدُ (٧)، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ (٨)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٩)).
стр. 9147
وقد ذكر المؤلف الإمام أحمد؛ لأنَّ ابن عبد البر ذَكَرَه، فكلُّ ما ذكره ابنُ عبد البر ذكره أيضًا.
* قوله: (لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيَبِيعَ مُدَبَّرَهُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يُبَاعُ إِلَّا مِنْ رَجُلٍ يُرِيدُ عِتْقَهُ) (١).
فالأئمة الأربعة -رحمهم الله تعالى- انقسموا إلى قسمين:
فالفريق الأول قال: لا يُباع المدبر، وهؤلاء لهم دليل (٢).
والفريق الثاني -أيضًا- وهم الشافعي وأحمد قالوا: يُباع، ودليلهم نَصٌّ في المسألة (٣).
أما الفريق الأول فدليلهم ليس نصًّا، أقصد من الكتاب والسُّنَّة، بل هم جاؤوا بدليل عام من الكتاب وأوردوا -أيضًا- قياسًا، والفريق الآخر جاء بدليل نص في المسألة، وأوردوا -أيضًا- قياسًا مع ذلك الدليل.
* قوله: (وَاخْتَلَفَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُرُوعٍ، وَهُوَ إِذَا بِيعَ فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي، فَقَالَ مَالِكٌ: يَنْفُذُ الْعِتْقُ (٤). وَقَالَ
стр. 9148
أَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالْكُوفِيُّونَ (٢): الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ؛ سَوَاءٌ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ يُعْتِقْهُ. وَهُوَ أَقْيَسُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ عِبَادَةً (٣). فَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ بَيْعَهُ مَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ).
المتفق عليه.
* قوله: ("أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَاعَ مُدَبَّرًا" (٤). وَرُبَّمَا شَبَّهُوهُ بِالْوَصِيَّةِ) (٥).
فهذا هو دليلهم القياسي، والشافعيَّة والحنابلة إنَّما استدلوا بنصٍّ صريح بأنَّ رجلًا من الأنصار دَبَّر غلامًا، وفي رواية: "أعتقَ غلامًا له عن دُبُر"، يعني: بعد موته، فاحتاج إليه، فقال رسول الله ﷺ "مَن يَشتريه
стр. 9149
مِنِّي؟ ". فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم، فدفعها إليه، أي: إلى الرجل الأنصاري، وقال له: "أَنت أَحَقُّ بها مِنه"، أي: أنت أولى بهذه القيمة من أن تُدَبِّره؛ لأنك بحاجة، وفي بعض الروايات: لأنَّ عليه دَيْنًا أيضًا، فكان مُحتاجًا وعليه دَيْنٌ (١). فهذا نصٌّ في المسألة، ورسول الله ﷺ هو مَن فعل ذلك قولًا وعَمَلًا وتَعليمًا، لكن هذا الحديث فيه الحاجة، ومن هنا جاءت رواية أخرى عند الحنابلة بتقييد ذلك عند الحاجة (٢)، لكن المشهور عنهم بأنه يجوز بيعه مطلقًا، كما هو مذهب الشافعية (٣)، والدليل الآخر عندهم هو دليل مَعقول، وهو القياس؛ لأنَّهم قاسوا ذلك على الوصية، فكما أنه يجوز الرجوع في الوصية وبيع الموصى به، كذلك أيضًا يجوز الرجوع في التدبير.
ووجه الشبه بينهما: أن كل واحد منهما مُعَلَّق تنفيذه بعد الممات، فالوصية إنما تنفذ بعد الموت، وكذلك التدبير، إذًا هما يَلتقيان ويتشابهان،
стр. 9150
هذا هو دليل الجمهور ودليل الشافعية (١)، والحنابلة (٢).
* قوله: (وَأَمَّا عُمْدَةُ الْمَالِكِيَّةِ فَعُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
فدليل المالكية: عموم قول الله تعالى في أول سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١]، فهنا أمر ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، ويقول : ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢]، قال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وهذا فيه حَضٌّ على الوفاء بالعقد امتثالًا لقول الله تعالى (٣).
* قوله: (لِأَنَّهُ عِتْقٌ إِلَى أَجَلٍ، فَأَشْبَهَ أُمَّ الْوَلَدِ أَوْ أَشْبَهَ الْعِتْقَ الْمُطْلَقَ) (٤).
стр. 9151
وقاسوا بأنه يُشبه أُمَّ الوَلد أو العِتق المُطلق، لكن الآخرين قالوا: دليلنا نَصٌّ في المسألة.
* قوله: (فَكَانَ سَبَبُ الِاخْتِلَافِ هَاهُنَا مُعَارَضَةَ الْقِيَاسِ لِلنَّصِّ).
والنَّصُّ: هو حديث جابر الذي عند الفريق الثاني (الشافعية والحنابلة)، والقياس الذي يُعارضه هو قياس ذلك على أُمِّ الولد، أو على العتق المُنجز (١).
* قوله: (أَوِ الْعُمُومِ لِلْخُصُوصِ).
هو عموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، فإن هذا عام ليس خاصًّا بالمدبر، والله تعالى أمر بالوفاء بالعقود، وهذا بالنسبة للمدبر وَرَدَ فيه نَصٌّ (٢)، فيقولون: هذا مستثنى من العموم.
إذًا الشافعية والحنابلة يقولون: دليلنا نَصٌّ في المسألة، ودليلكم عام، وعندكم قياس، وعندنا قياس هو أقرب من ذلك؛ لأن الوصية هي التي تُشبه التدبير، فهي تُشبهه؛ لأنَّ كل واحد منهم مُعلق تنفيذه بعد الوفاء.
стр. 9152
* قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْمُدَبَّرَ أَحْكَامُهُ فِي حُدُودِهِ وَطَلَاقِهِ وَشَهَادَاتِهِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ أَحْكَامُ الْعَبِيدِ) (١).
وكذلك سيأتي بالنسبة لماله وماله لسيده؛ لأنه لا يزال مملوكًا، إذًا هو في كل هذه الأحكام التي ذكرها المؤلف تَجري عليه أحكام المملوكين.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي جَوَازِ وَطْءِ الْمُدَبَّرَةِ).
وهذه مسألة مهمة، عندما يُدَبِّر السيد جارية، هذه الجارية أو هذه الأَمَة: هل له أن يَطَأَها في تلك الفترة، يعني: مدة حياته، أو في أي فترة
стр. 9153
شاء، أو لا يجوز له ذلك؛ لأن هذه مُعَلَّق عِتقها بالوفاة؟ فهل يجوز له الوطء، أو لا يجوز؟
هذه مسألة اتفق جماهير العلماء على جوازها، ولم يُخالف في ذلك إلا الإمام الزُّهري، محمد بن شِهاب الزُّهري الإمامُ التابعي، حتى نَقل عن الإمام أحمد أنه قال: "لا أعلم أحدًا كَرِه ذلك غيرَ الزُّهري" (١).
أما جماهير العلماء من الصحابة ومن التابعين، وكذلك -أيضًا- أقوال الأئمة وغيرهم من الفقهاء كلهم قالوا: ذلك جائز، بل ثَبَت ذلك عن عبد الله بن عمر أنه دَبَّر جاريتين، وكان يَطأهما (٢).
إذًا لم يخالف في ذلك إلا الزهري، وهذا خلاف يُعتبر ضعيفًا في هذه المسألة.
* قوله: (فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ وَطْئِهَا (٣). وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ
стр. 9154
شِهَابٍ مَنْعُ ذَلِكَ (١)، وَعَنِ الْأوْزَاعِيِّ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَطِئَهَا قَبْلَ التَّدْبِيرِ (٢).
فهناك فرق بين أن يكون يَطأها قبل ذلك، وبين أن يَبدأ ذلك بعد التدبير، وهذا استحسان منه، وإلا ليس هناك ما يَمنع من ذلك؛ لأنها لا تزال مملوكة له.
* قوله: (وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ تَشْبِيهُهَا بِأُمِّ الْوَلَدِ).
وأم الولد عتقها يكون بعد الوفاة.
* قوله: (وَمَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ شَبَّهَهَا بِالْمُعْتَقَةِ إِلَى أَجَلٍ، وَمَنْ مَنَعَ وَطْءَ الْمُعْتَقَةِ إِلَى أَجَلٍ شَبَّهَهَا بِالْمَنْكُوحَةِ إِلَى أَجَلٍ، وَهِيَ الْمُتْعَةُ) (٣).
أي: شَبَّهوا ذلك بنكاح المتعة، لكن لا شَكَّ بأن مذهب الجمهور هو الصَّحيح في هذا، وهو الراجح.
* قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِلسَّيِّدِ فِي الْمُدَبَّرِ الْخِدْمَةَ) (٤).
стр. 9155
فإذا كان دَبَّر هذا الغلام أو هذه الجارية، فهل له أن يستخدمها ويستفيد منها في خدمة بيته، أو فيما يحتاج إليه في مَزرعته، وفي غير ذلك من الأمور الكثيرة أو لا؟
* قوله: (وَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَنْتَزعَ مَالَهُ مِنْهُ مَتَى شَاءَ، كَالْحَالِ فِي الْعَبْدِ) (١).
стр. 9156
عند جمهور العلماء أن له أن يَستخدمه، وبالنسبة لانتزاع المال القصد من ذلك هو أخذ مال المدبر، يعني: هل مال المدبر لا يَزال مِلكًا للسيد أو لا؟ بمعنى آخر: هل التدبير يُغَيِّر وَصْفًا من أوصاف المدبر؟ ونحن نَعلم بأن المملوك لا يَملك، واختلف العلماء فيما إذا مَلَّكه سَيِّدُه، وهل يَملك المال أو لا؟ (١).
стр. 9157
فهذا المُدَبَّر لسيدِه هل له أن يَنتزع منه المال؛ لأنه لا يزال مملوكًا، ولا يزال رقيقًا، ولا تأتي حُرِّيته إلا بموت سيدِه الذي عَلق عتقه به.
* قوله: (قَالَ مَالِكٌ: إِلَّا أَنْ يَمْرَضَ مَرَضًا مَخُوفًا فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ) (١).
فالإمام مالك استحسن ذلك كما استحسن الأوزاعي فيما يَتعلق بوطء المُدَبَّرة.
* قوله: (الْجِنْسُ الثَّالِثُ: فَأَمَّا مَا يَتْبَعُهُ فِي التَّدْبِيرِ مِمَّا لَا يَنْبَعُهُ، فَإِنَّ مِنْ مَسَائِلِهِمُ الْمَشْهُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافَهُمْ فِي وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ الَّذِينَ تَلِدُهُمْ بَعْدَ تَدْبِيرِ سَيِّدِهَا).
فهناك فرق بين الذين تلدهم قبل، وبين الذين تلدهم بعدُ، فالذين تلدهم قبلُ إنَّما هم مِلك للسيد؛ لأنهم أهل له.
* قوله: (مِنْ نِكَاحٍ أَوْ زِنًا، فَقَالَ الْجُمْهُورُ).
أبو حنيفة (٢)، ومالك (٣)، ..............
стр. 9158
وأحمد (١)، وهو قول للإمام الشافعي (٢).
* قوله: (وَلَدُهَا بَعْدَ تَدْبِيرِهَا بِمَنْزِلَتِهَا يُعْتَقُونَ بِعِتْقِهَا وَيرِقُّونَ بِرِقِّهَا) (٣).
فالأئمة الثلاثة لهم قول واحد مُتَّحَد في هذه المسألة، والشافعي له قولان (٤)، فله قول مع الجمهور، وله قول آخر، ويوافقه فيه جابر بن زيد (٥)، وهذا قد أُثِر عن عمر بن الخطاب ﵁، وعن ابنه عبد الله (٦)،
стр. 9159
وعن جابر بن عبد الله بأنهم قالوا: "ولد المُدَبَّرة بمنزلتها" (١)، أي: يأخذون حكمها فإذا عتقت عتقوا، لكن هذا بالنسبة للتدبير (٢).
والمراد: أن العتق الذي يكون للأم ينتقل إلى أولادها الذين جاؤوا بعد تدبيرها، ويَسري عليهم.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْمُخْتَارِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ: "إِنَّهُمْ لَا يُعْتَقُونَ بِعِتْقِهَا" (٣). وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا فِي حَيَاتِهِ أَنَّهُمْ يُعْتَقُونَ بِعِتْقِهَا).
وهذا خطأ وقفتُ عليه؛ لأنه معروف فقهًا أنهم لا يعتقون؛ لأن الأم إذا أعتقت عتقًا منجزًا ولها أولاد، فالأولاد مالٌ للسيِّدِ لا يَتبعونه ولكن الكلام الذي مَرَّ بنا في الكتابة ما يحصل بعد الكتابة، أما لو أعتقت في وقت حياة سَيِّدها عتقًا مُنجزًا فإنه في هذه الحالة لا يلحقون بها؛ لأنَّهم مال مُستقل لا يتبعونها في هذا المقام، ولذلك نضيف كلمة "لا" قبل "يُعتقون"، فيصير الكلام: "لا يُعتقون"، وكلامه الذي سيأتي سيُثبت الذي قلنا (٤).
стр. 9160
* قوله: (وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يُعْتَقُوا فِي الْعِتْقِ الْمُنَجَّزِ).
هذه العبارة جاءت لتُصَحِّح الأولى، ومذهب الشافعي أنهم إذا لم يُعتقوا في العتق المُنجز، وما نقله المؤلف عن الشافعي لا يصلح دليلًا هنا، إلا لأن الجمهور يُوافقونه، ويوافقونه إذا أضفنا: "لا" (١).
* قوله: (فَأَحْرَى أَنْ لَا يُعْتَقُوا فِي الْعِتْقِ الْمُؤَجَّلِ بِالشَّرْطِ. وَاحْتَجَّ -أيضًا- بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُوصَى لَهَا بِالْعِتْقِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ بَنُوهَا (٢). وَالْجُمْهُورُ رَأَوْا أَنَّ لِلتَّدْبِيرِ حُرْمَةً مَا، فَأَوْجَبُوا إتبَاعَ الْوَلَدِ تَشْبِيهًا بِالْكِتَابَةِ) (٣).
واحتج الجمهور -أيضًا- بما أُثر عن عمر ﵁ وعن ابنه عبد الله ﵁ وعن جابر وعن عدد من الصحابة، وقالوا: هذا قد اشتهر بين هؤلاء، فكان ذلك حجة (٤).
стр. 9161
* قوله: (وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ مَرْوِيٌّ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ (١) وَابْنِ عُمَرَ (٢)).
وعن عمر وجابر بن عبد الله (٣).
* قوله: (وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (٤)، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَمَكْحُولٍ (٥)).
وعمر بن عبد العزيز هو مِن صغار التابعين، وعطاء يُعتبر من كبار أو متوسطي التابعين، ومكحول كذلك.
* قوله: (وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي هَذَا أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ فَوَلَدُهَا تبَعٌ لَهَا؛ إِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَحُرٌّ، وَإِنْ كَانَتْ مُكَاتبَةً فَمُكَاتَبٌ، وَإِنْ كانَتْ مُدَبَّرَةً فَمُدَبَّرٌ).
وهذا شيء طيب، وهذا -أيضًا- عند الحنابلة، بل عند الجمهور، وليس عند مالك وحده.
стр. 9162
* قوله: (أَوْ مُعْتَقَةً إِلَى أَجَلٍ فَمُعْتَقٌ إِلَى أَجَلٍ، وَكَذَلِكَ أُمُّ الْوَلَدِ وَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (١). وكَذَلِكَ الْمُعْتَقُ بَعْضَهُ عِنْدَ مَالِكٍ (٢). وأجمع الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَلَدٍ مِنْ تَزْوِيجٍ فَهُوَ تَابعٌ لِأُمِّهِ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْعُقُودِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْحُرِّيَّةِ (٣).
وهذا لا خلاف فيه أن يتبع أُمَّه، لكن سيأتي في التَّسَرِّي عكسُ ذلك.
* قوله: (إِلَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ التَّدْبِيرِ (٤)، وَمِنْ أَمَةٍ زَوْجُهَا عَرَبِيٌّ (٥). وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَلَدٍ مِنْ مِلْكِ يَمِينٍ أَنَّهُ تَابعٌ لِأَبِيهِ إِنْ حُرًّا
стр. 9163
فَحُرٌّ، وَإِنْ عَبْدًا فَعَبْدٌ، وَإِنْ مُكَاتَبًا فَمُكَاتَبٌ (١). وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُدَبَّرِ إِذَا تَسَرَّى (٢)، فَوُلِدَ لَهُ).
وهذه القضية تُبين دِقَّة المؤلف، وهي متى يتسرى المدبر؟ فهو لا يتسرى إلا إذا أذن له سيده، أو أن يكون عنده مال، وهذا المال قد أصبح ملكًا له، ولذلك جاز له أن يتسرى، إذًا في هذه الحالة يكون عنده مال أو إذن من السيد فيتسرى في هذه الحالة، ولذلك قال بعض العلماء: إثبات إباحة التسري ينبني عليها ثبوت الملك، فما دام قد جاز له أن يتسرى إذًا ينبني على ذلك ثبوت الملك، ولما كان الحر أولاده من أَمَتِه أحرارًا، كذلك يكون المدبر أولاده من أَمَتِه أحرارًا، وهذه من القضايا التي نَبَّه عليها بعضُ العلماء، فهو عندما تسرى، فهو مباح له ذلك، وهذه الإباحة
стр. 9164
تنبني على ثبوت الملك، يعني: ثبوت الملك له، قالوا: فكان كولد الحُرِّ إذا كان من أَمَة فإنه يَتبع أباه، فالحر إذا كانت تحته أَمَة وجاءه أولاد؛ فإنهم يَنتسبون إلى أبيهم الحُر، قالوا: فكذلك -أيضًا- المُدَبَّر إذا كانت تحته أَمَة وَوُلد له، فإن أولاده يتبعونه.
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ) (١).
وأحمد (٢).
* قوله: (حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَبِ).
أي: يَلحق بأبيه.
* قوله: ((يَعْنِي: أَنَّهُ مُدَبَّرُ)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ يَتْبَعُهُ وَلَدُهُ فِي التَّدْبِيرِ (٤)).
стр. 9165
إذًا رأيتم الأئمة انقسموا إلى قسمين:
الفريق الأول: مالك وأحمد.
والثاني: أبو حنيفة والشافعي.
* قوله: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ تَابعٌ لِلْأَبِ مَا عَدَا الْمُدَبَّرَ) (١).
فكأن مالكًا ومثله الحنابلة يقولون: لا نرى فرقًا ما دام الإجماعُ قد قام على أن الولد من ملك اليمين يكون تابعًا للأب، فكذلك المدبر هنا؛ لأنَّه لا يزال تحت الرق، وهو بعدُ لم يتحرر، فينبغي أن يُعامل من هذه الناحية معاملة الرقيق.
والحنفية والشافعية يقولون: هو سينتهي إلى أن يكون حرّا، فينبغي أن يُعامل بالنسبة للمآل، لا بالنسبة للحال.
* قوله: (وَهُوَ مِنْ بَابِ قِيَاسِ مَوْضِعِ الْخِلَافِ عَلَى مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ).
ما هو موضع الخلاف؟ المالكية يقولون: نحن وإيَّاكم اختلفنا في ولد المدبر إذا تَسَرَّى هل يلحق به أو لا؟ هذه مسألة اختلفنا فيها، وهناك مسألة هي موضع اتفاق بيننا وبينكم هي التي ذكرناها فنقيس موضع الخلاف على موضع الإجماع، وهناك التعليل الذي ذكرتُ لكم في المقدمة، وهو الذي يذكره الحنابلة، ويقولون: إن التسري دليل على الإباحة، وإن إباحة التسري ينبني عليه ثبوت الملك، أي: كونه تسرى معنى ذلك أنه يملك، ولما كان الحر يتبعه أولاده من الإماء، كذلك- أيضًا- المدبر يتبعه أولاده من الإماء.
стр. 9166
* قوله: (وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ وَلَدَ الْمُدَبَّرِ مَالٌ مِنْ مَالِهِ، وَمَالَ الْمُدَبَّرِ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ، وَلَيْسَ يُسَلَّمُ لَهُ أَنَّهُ مَالٌ مِنْ مَالِهِ، وَيَتْبَعُهُ فِي الْحُرِّيَّةِ مَالُهُ عِنْدَ مَالِكٍ) (١)(٢).
وقد عرض المؤلف رأي المالكية والحنابلة، وإن لم يذكر الحنابلة فهو معهم، ولكن المؤلف قال: "وليس يُسَلَّم لهم"؛ لأن قضية كونه مال هذه قضية غير مُسَلَّمة؛ لأننا إذا قلنا: يتبع أباه، فلا نقول: إنه مال في هذه الحال، وإنما نعامله بالنسبة لما سيكون.
* قوله: (الْجِنْسُ الرَّابعُ: وَأَمَّا النَّظَرُ فِي تَبْعِيضِ التَّدْبِيرِ).
وهذا مر بنا، ولكن المؤلف طرأ له أمر، وهو أن يُنبه أنه كان الأَوْلى أن يذكر في هذا الجنس، وهذه مصطلحات ولا مَشاحة في الاصطلاح؛ فترون أن الفقهاء يختلفون في تقسيماتهم، وفي تقديم بعض الأبواب على بعض، وفي تقديم بعض الكتب على بعض، فأنتم ترون أن المنهج الذي صار عليه صاحب "بداية المجتهد" ليس كل ما رَتَّبه يكون موافقًا لما في الكتب الأخرى، ولكنه ينتقي من كتاب "الاستذكار" في الغالب، وأحيانًا من "المُحلى"، وهو -أيضًا- يسير بين ذاك وبين ذاك، لكن لا شَكَّ بأنه وافق؛ فبدأ بالطهارة، ثم بالصلاة، ثم بالزكاة، ثم بعد ذلك بالصيام، ثم الحج، فإنه بذلك في العبادات وافق غيره من العلماء، لكن لا يضر أن يُقَدِّم كتابًا على كتاب، أو بابًا على باب، أو مسائل على مسائل فهذا لا يَضر.
стр. 9167
* قوله: (فَقَدْ قُلْنَا فِيمَنْ دَبَّرَ لَهُ حَظًّا فِي عَبْدِهِ دُونَ أَنْ يُدَبِّرَ شَرِيكُهُ).
ومعنى "دَبَّر له حَظًّا"، أي: نصيبًا، أي: دَبَّر نصيبَه في عبده، رأينا هذا وقلنا: إذا كان العبد بين شريكين، فدبر أحدُهما نصيبه؛ فما الحكم؟ رأينا اختلاف العلماء وانقسامهم فيها إلى ثلاثة أقسام، فمالك له رأي، ووضع في ذلك خِيَارَيْن؛ إما كذا أو كذا، وأبو حنيفة -أيضًا- وضع ثلاث خيارات، لكن الشافعية والحنابلة قالوا: إذا دُبِّر، فإن ما دُبِّر منه يكون حُرًّا، ويبقى الباقي فيه مملوكًا.
стр. 9168
* قوله: (وَنَقْلُهُ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ أَوْلَى، فَلْيُنْقَلْ إِلَيْهِ. وَأَمَّا مَنْ دَبَّرَ جُزْءًا مِنْ عَبْدٍ هُوَ لَهُ كلُّهُ، فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِتَدْبِيرِ الْكُلّ، قِيَاسًا عَلَى مَنْ بَعَّضَ الْعِتْقَ عِنْدَ مَالِكٍ) (١).
(يُقضى)، أي: يُحكم، وهذه مسألة أُخرى مَرَّت بنا في كتاب (العتق)، فإذا كان إنسان يملك عبدًا ملكًا تامًّا صحيحًا، وكان صحيح التصرف أيضًا، ثم أعتق نصفه أو ثلثه أو أكثر أو أقل، فهل يَسري ذلك إلى باقيه؟
نعم يَسري، ولذلك قال المؤلف كذلك هنا، فإذا كان عنده مملوك يملكه ملكًا تامًّا، ثم دَبَّر بعضَه.
نقول: لا، هذا يَسري إلى الكل؛ لأن هذا تحت ملكك، وأنت أردت أن تُعطيه الحرية، وأن تخرجه من رق العبودية؛ فينبغي أن يكون تحريره كاملًا، وليس ناقصًا.
стр. 9169
* قوله: (وَأَمَّا الْجِنْسُ الْخَامِسُ: وَهُوَ مُبْطِلَاتُ التَّدْبِيرِ).
هل هناك أشياء تُبطل التدبير وتؤثر عليه أو لا؟
* قوله: (فَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي إِبْطَالِ الدَّيْنِ لِلتَّدْبِيرِ).
فإذا كان على الإنسان دَيْنٌ، وهذا الدَّيْنُ لا يخلو إمَّا أن يستغرق جميع ما عنده، أو أن يكون الدَّيْن يَستغرق بعض قيمة هذا المدبر؛ فما الحكم؟ هل الدَّيْن يُسقط التدبير ويَقضي عليه ويُنهيه، أو لا علاقة له بذلك؟ فنحن عندنا التدبير، ونهايته الحرية، فهذا الذي دَبَّر عبده أراد أن يعتقه، ولكنه قَيَّد ذلك بموته، وقد مَرَّ بنا في (العتق): لو أن إنسانًا أعتق مملوكًا وكان عليه دَيْنٌ يَستغرق ماله، فما الحكم أيضًا؟ مَرَّ بنا هذا، أيضًا هنا هل الدَّيْنُ يؤثر عليه أم لا؟ وقد مر هذا.
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ) (٢).
وأحمد (٣).
* قوله: (الدَّيْنُ يُبْطِلُهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ يُبْطِلُهُ، وَيَسْعَى فِي الدَّيْنِ، وَسَوَاءٌ اَكَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا لِلْقِيمَةِ أَوْ لِبَعْضِهَا) (٤).
стр. 9170
وقد عرض المؤلف للمسألة، ولم يذكر دليلًا، ودليل الجمهور هو الحديث الذي مَرَّ بنا، وهو حديث جابر بن عبد الله المتفق عليه: "أن رجلًا من الأنصار أعتق مملوكًا له عن دُبُر منه -أعتق مملوكًا، وهو محتاج إليه- فقال رسول الله ﷺ : "مَن يَشتريه مِنِّي". فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم، فدفعها إليه، أي: دفعها إلى الرجل المحتاج، أي: رد إليه قيمة ذلك العبد، وقال: "أنتَ أحوجُ منه" (١). وفي بعض الروايات، وهي -أيضًا- في "صحيح مسلم"، وهي رواية صحيحة: "وكان محتاجًا وعليه دَيْنٌ" (٢). فاستدلوا بهذه الرواية: "وعليه دَيْنٌ"، فمعنى ذلك أن الدَّيْن يُؤثر في التدبير، فإذا كان عليه دين فإنه يرد، وهذه قضية ننبه إليها: الدَّيْنُ هو من أهم الأمور ومِن أخطرها، ومن أكثر ما يتركه الإنسان في هذه الحياة مسؤولية بعد وفاته، وتعلمون بأن رسول الله ﷺ تَوَقَّف عن الصلاة على مَن عليه دين، فكان يسأل: "هَل عليه دَيْنٌ". فإن قالوا: عليه دين. قال: "صَلُّوا عَلى صَاحِبكم" (٣). وتعلمون عندما توقف رسول الله ﷺ عن الصلاة على رجل، فقال أبو قتادة: دينه عليَّ، فقال: "الآن بردت عليه جلدُه" (٤).
стр. 9171
إذًا الدَّين مسؤولية، وأمره عظيم؛ فلا ينبغي للمسلم أن يتساهل أو يتسامح به.
فهذا التدبير جائز، يعني: يجوز للإنسان أن يدبر، وله أن لا يدبر، له أن يعتق وله أن لا يعتق، له أن يوصي وله أن لا يوصي بالنسبة لبعض الأمور، ولكن الوصية قد حُض عليها، لكن الدَّين أمر واجب حتى إذا كان على الإنسان دين، وهو ممن لم يحجوا، وقلنا: إن الحج على الفور (١)، فإنه لا يلزمه الحج في هذه الحالة؛ لأنه يعتبر لا استطاعة عنده؛ لأن عليه دَيْنًا يستغرق ذلك المال الذي عنده (٢).
стр. 9172
* قوله: (وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي النَّصْرَانِيِّ يُدَبِّرُ عَبْدًا لَهُ نَصْرَانِيًّا).
ومعنى هذا أنه يجوز -أيضًا- لغير المسلم أن يدبر، فالنصراني يَملك كما يملك المسلم أيضَّاَ الرقيق، لكن هذا النصراني إذا دَبَّر عبدًا له فأسلم هذا العبد، أو كان مسلمًا، فما الحكم: هل يبقى تحت سلطته، والله تعالى يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، أو يخرج من داره؟ وإذا كان يخرج فهل بمجرد أن يُسلم هذا العبد
стр. 9173
أن يُباع عليه، أو أنه ينتظر ذلك، ولكنه لا يُمَكَّن النصراني من أن يَخدمه؟ أي: يُمنع المسلم أو يُحال بين المسلم وبين النصراني من أن يَخدم غيره؛ لأنَّ خدمته للنصراني ذلك ذُل ونزول، والإسلام يَعلو ولا يُعلى عليه.
* قوله: (فَيُسْلِمُ الْعَبْدُ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ) (١).
وأحمد (٢).
* قوله: (يُبَاعُ عَلَيْهِ سَاعَةَ يُسْلِمُ، وَيَبْطُلُ تَدْبِيرُهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ).
والإمامان الشافعي وأحمد يقولان بالتَّنجيز، فلا فرصة هنا ما دام قد أسلم فإنه يُباع عليه، وَيخرج من ملكه حتى وإن كان ذلك معلقًا.
فلا يُمكن سيده من استخدامه، وإنَّما يحال بينهم، ويبقى التدبير.
* قوله: (وَيُخَارَجُ عَلَى سَيِّدِهِ النَّصْرَانِيِّ، وَلَا يُبَاعُ عَلَيْهِ حَتَّى يَبِينَ أَمْرُ سَيِّدِهِ؛ فَإِنْ مَاتَ عُتِقَ الْمُدَبَّرُ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْن يُحِيطُ بِمَالِهِ (٣). وَقَالَ
стр. 9174
الْكُوفِيُّونَ: إِذَا أَسْلَمَ مُدَبَّرُ النَّصْرَانِيِّ قُوِّمَ، وَصَفِيَ الْعَبْدُ فِي قِيمَتِهِ) (١).
وهذا رأي ثالث وهو أنه لا يخرج من ملكه، ولكنه يُقَوَّم، وَيَستسعى العبد، بمعنى: يعمل ويكسب حتى يَجمع مالًا، فيُخرج نفسه من عبودية هذا النصراني، وأظهر الأقوال كما هو معلوم هو القول الأول الذين قالوا: يُباع عليه، حتى لا يُمَكَّن سيده النصراني من الاستعلاء عليه، ويبقى المسلم على مكانته وعِزَّته.
* قوله: (وَمُدَبَّرُ الصِّحَّةِ يُقَدَّمُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى مُدَبَّرِ الْمَرَضِ إِذَا ضَاقَ الثُّلثُ عَنْهُمَا) (٢).
ومدبر الصحة: هو الذي يُدَبِّره سيدُه وهو في صحة كاملة، ليس مريضًا؛ لأنه من المعلوم فقهًا أن هناك مسائل عِدَّة يُتَّهم فيها المريض، فلو طَلَّق امرأته في مرضه الذي مات فيه، فقالوا: يُعامل بنقيض قصده؛ لأنه ربما طَلَّقها يريد حرمانها من الميراث، ومر بنا في عدة أبواب مثل ذلك.
أيضًا هنا فرق عند مالك بين مَن يدبر في صحته؛ فهو في كامل قواه ويدرك ذلك، وبين مَن يدبر في حالة المرض، ودائمًا حالة الصحة فيما يتعلق بإخراج الأموال تُقَدَّم عند المالكية على حالة المرض.
وأما الأئمة الآخرون فلهم تفصيلات أُخرى في هذا المقام تختلف باختلاف الأحوال.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 9175
(كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأولَادِ)
والمؤلف ينتقل من باب إلى باب، وهو لا يزال -أيضًا- في أحكام الرق، لكن العلماء فَصَّلوا ذلك وجَزَّؤوه لوجود أحكام تختلف فيها، فبدأ أولًا بالعتق الذي هو العتق الكامل المُنجز، وهو أن يعتق الإنسان مملوكه، وانتقل بعد ذلك إلى المكاتب وهو الذي يكاتبه سيده؛ فيُقيم عقدًا بينه وبين مملوكه على أن يعتق بعد أن يُسَدِّد تلك الأنجم، أي: الأقساط، وإذا عجز عن ذلك يرد إلى الملك، وإن مات قبل أن يسدد يأتي الخلاف الذي ذكره العلماء.
ثم بعد ذلك انتقل إلى المدبر، وهو الذي يكون عتقه كاملًا، وربما يِكون مبعضًا إذا كان الإنسان لا يَملك إلا بعضه على خلاف في ذلك كما مَرَّ.
والآن أمهات الأولاد. فمن هن أمهات الأولاد؟
أمهات الأولاد هي التي تلد لسيدها في ملكه، يعني: بوطء سيدها في ملكه، وهي مملوكة له أثناء الوطء، معنى هذا: أنه لو وطئ هذه المرأة وهي في ملك غيره ثم رجعت إلى ملكه لا تُسَمَّى أم ولد بذلك الوطء السابق، فهذا القيد ضروري لكى تكون أم ولد (١).