اللَّهُ عَلَى العِبَادِ، مَنْ أَنَى بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ" (١).
وفي حديث طلحة بن عبيد الله عندما قال: جَاءَ رَجُل -من الأعرابِ- إِلَى رَسُول اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّاسِ، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ، وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، -يعني: يرفع صوته ولكنه بعيد يختلط بالهواء- حَتَّى دَنَا (أي: اقترب) مِنْ رَسُول اللهِ ﷺ ﷺ ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَل عَنِ الإِسْلَامٍ (أي: يسأل ما الواجب عليَّ من دين الإسلام)، فَقَال رَسُول اللهِ ﷺ ﷺ : "خمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ، وَاللَّيْلَةِ" فَقَال: هَلْ عليَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَال: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ، وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ"، فَقَال: هَلْ عليَّ غَيْرُهُ؟ فَقَال: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"، وَذَكَرَ لَهُ رَسُول اللهِ ﷺ ﷺ الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عليَّ غَيْرُهَا؟ قَال: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ"، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَقَال رَسُول اللهِ ﷺ : "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ" (٢).
والشاهدُ قوله: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ، وَاللَّيْلَةِ" وهو- والذي قبله من الشواهد- نصٌّ في المدَّعى، يدل على أن المفروض من الصلوات هي الصلوات الخمس؛ فهي خمس في عددها، وخمسون في أجرها.
* وأما أصحاب القول الثاني؛ فلهم أدلة منها:
عَنْ أَبِي بَصْرَةَ، قَال: قَال رَسُول اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ زَادَكمْ صَلَاةً فَصَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ العِشَاءِ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ الوَتْرُ الوَتْرُ" (٣).
وعن خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ، أَنَّهُ قَال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ:
стр. 947
"إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ: الوِتْرُ، جَعَلَهُ اللَّهُ لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ العِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ" (١).
وعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : "الوَتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا" قَالَهَا ثَلَاثًا (٢).
فهذه الأحاديث وغيرها يستدلُّ بها الحنفية على أن الوتر زِيدَ على الصلوات الخمس، وهذه الزيادة يختص بها الوتر، فدلَّ ذلك على أنَ الوتر واجبٌ.
* أما جمهور العلماء فيقولون: لا يلزم من الزيادة أن تدل على الوجوب، والزيادة لا تختص بها الواجبات؛ لأن الزيادة قد تكون في السنن، كما في قوله ﷺ : "إِنَّ اللهَ زَادَكُمْ صَلَاةً إِلَى صَلَاتِكُمْ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، أَلَا وَهِيَ الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ" (٣)، وهذا الحديث أصحُّ من الحديث الذي أورده الحنفية، فهذه زيادةٌ، ولم يقل أحد من العلماء ومنهم الحنفية: إن الركعتين قبل الفجر واجبتان، وإنما هي سنة مؤكدة أرشد إليها رسول الله ﷺ ضمن العشر أو الاثني عشر ركعة التي نبَّه عليها وعدَّها، فهذا دليل على أنه لا يلزم من الزيادة أن تكون في الواجبات.
وأيضًا قد تكلم العلماء عن هذه الأحاديث من حيث سندها؛ لكنها إذا اجتمعت ارتقت إلى الحسن؛ لكنها ليست دليلًا على الوجوب.
وقضية الوتر حق؛ فلا شكَّ في ذلك؛ لكن ليس معنى هذا أنه واجب.
стр. 948
وأيضًا مما يدلُّ على عدم وجوب الوتر أن الرسول ﷺ صلَّى الوتر على الراحلة (١) من غير ضرورة، فيضاف هذا الدليل إلى الأدلة النقلية.
ولا شكَّ أن أدلة الجمهور صريحة الدلالة في أن الصلوات المفروضة خمس صلوات؛ فهي خمس في العدد، وخمسون في الأجر، في اليوم والليلة، وأنه لا يزاد عليها.
وأما الوتر فلا شكَّ أنه من السنن الثابتة المؤكدة التي حافظ عليها الرسول ﷺ والصحابة من بعده، ورغَّب فيها، وبيَّنها، وسيأتي الكلام عنه إن شاء الله مفصلًا في عدد ركعاته.
» قوله: (وَاخْتِلَافُهُمْ هَلْ يُسَمَّى مَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَاجِبًا أَوْ فَرْضًا لَا مَعْنَى لَهُ).
أي: لا معنى لاختلاف الحنفية في التفرقة بين الواجبات، مثل أن نفرق بين ما ثبت بالكتاب، وما ثبت بالسنة، فنقول: ما ثبت بالكتاب هو الفرض، وما ثبت بالسنة هو الواجب؛ فهذا لا معنى له كما يقول المؤلف.
» قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ الأَحَادِيثُ المُتَعَارِضَةُ).
أي: أن سبب اختلاف الحنفية هو التعارض بين الأحاديث، وهذا غير صحيح، فالأحاديمث التي استدلَّ بها الجمهور كما بينَّا أدلة قوية، ونصٌّ في المسألة، كقوله ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ، وَاللَّيْلَةِ" (٢)، فلا لبس فيها ولا غموض، وأما الأحاديث التي استدلَّ بها الحنفية فغير صريحة في هذا، ولا تبلغ صحتها ولا وضوحها؛ فلا يوجد تعارض بينهما في الحقيقة.
لكن الحنفية قد فهموا من هذه الأدلة ما يدلُّ على الوجوب، وأن
стр. 949
الوتر يزاد على الصلوات الخمس، وأن الزيادة لا مانع منها، ولذلك قالوا بها وأوجبوها (١).
» قوله: (أَمَّا الأَحَادِيثُ الَّتِي مَفْهُومُهَا وُجُوبُ الخَمْسِ فَقَطْ بَلْ هِيَ نَصّ فِي ذَلِكَ، فَمَشْهُورَةٌ وَثَابِتَةٌ، وَمِنْ أَبْيَنِهَا فِي ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الإِسْرَاءِ المَشْهُورِ: "أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَ الفَرْضُ إِلَى خَمْسٍ قَالَ لَهُ مُوسَى: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، قَالَ: فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ" (٢).
حديث الإسراء طويل جدًا، وقد نمرُّ على بعض مقتطفاته، والكلام عليه مفسر في شروح الأحاديث.
وآخر ما ورد في الحديث في شأن الصلوات هي خمس، يعني: في عددها، وهي خمسون، يعني: في أجرها، ثم قال الله: "لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ" (٣)، فاستقرَّت بذلك على خمس صلوات، يعني: في عددها.
أما عدد ركعاتها؛ ففي حديث عائشة الصحيح، أَنَّهَا قَالَتْ: "فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ" (٤)؟ فهذا لا يتعرض لعدد الصلوات وإنما لعدد الركعات، وسيأتي الكلام فيه أيضًا.
[مسألة] ولم نتعرض لكلام العلماء في أن صلاة الليل كانت في أول الأمر واجبة ثم نُسخت بعد ذلك في حقِّ هذه الأمة، وهل أيضًا بقيت في حقِّ رسول الله ﷺ ؟ (٥).
стр. 950
حديث عائشة يدلُّ على أنها نُسِخت نسخًا مطلقًا.
وقد فرضت الصلوات الخمس بمكة، وَالآيات المكية عنيت أكثر بأمور العقيدة في الغالب؛ لأن المجتمع الذي نشأ فيه الرسول ﷺ مجتمع مشرك فيه البدع والشركيات والخرافات وعبادة الأوثان والأشجار ما فيه، ولذلك جاء هذا الدين ليجتثَّ تلكم العقائد الفاسدة من نفوس أولئك المشركين.
[مسألة]: ومع هذا نزلت أيضًا بعض الأحكام بمكة، ومنها فرض الصلوات الخمس، هل كانت قبل الهجرة بسنوات أو بسنة؟! فيه خلاف بين العلماء، وربما يعرض له المؤلف ونعرض له (١).
[مسألة]: هل فُرض الوضوء أيضًا في مكة أم في المدينة؟ هناك أدلة تدل على أن الوضوء شرع بمكة، وهناك كلام حول آية المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، وهذه السورة كما هو معلوم مدنية؛ فكيف يقال: إن الوضوء فُرِضَ؟! هل جاءت هذه الآية لتأكد فرضًا سابقًا، أو أن الوضوء كان معروفًا ومطلوبًا وإنما فُرِض؟ وهذه المسائل قد ذكرناها وحررنا الكلام فيها في باب الوضوء (٢).
стр. 951
» قوله: (وَحَدِيثُ الأَعْرَابِيِّ المَشْهُورُ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﵊ عَنِ الإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُ: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، قَالَ: هَلْ عليَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَطوَّعَ" (١).
فهذا الأعرابي كلما سأل النبي ﷺ عن أمر قال: "هَلْ علي غَيْرُهَا؟ " فهو حريص على أن يعرف الحكم؛ لأنه يجهله؛ فجاء من بعيد منتثرًا شعره، رافعًا صوته، يسأل عن رسول الله ﷺ ،-وكان ينبغي أن يخفضه أمام رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان بأشد الحاجة إلى أن يبين له الحكم؛ فلو كان هناك زيادة في الفروض؛ لبينها الرسول ﷺ ؛ لأن هذا المقام مقامُ بيانٍ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٢).
والخلاصة: أن مذهب الجمهور واضح الدلالة، والمذهب الثاني ضعيف في هذه المسألة (٣).
стр. 952
» قوله: (وَأَمَّا الأَحَادِيثُ الَّتِى مَفْهُومُهَا وُجُوبُ الوِتْرِ، فَمِنْهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ زَادَكُمْ صَلَاةً وَهِيَ الوِتْرُ، فَحَافِظُوا عَلَيْهَا" (١)، وَحَدِيثُ حَارِثَةَ بْنِ حُذَافَةَ قَالَ: "خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مَنْ حُمُرِ النَّعَمِ وَهِيَ الوِتْرُ"، وَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ العِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ (٢)، وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا" (٣).
سبق الكلام على هذه الأدلة، وقلنا إن حديث: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ زَادَكمْ صَلَاةً" تكلم فيه العلماء؛ لكن بعضهم جمع له شواهدَ، وقالوا: إنه صالح للاحتجاج به؛ وهو كذلك صالح؛ لكنه لا يصلح للاحتجاج به في إضافة صلاة الوتر إلى الصلوات الخمس (٤).
و"النَّعم" (٥): هي الإبل، وكان لها شأن عظيم، وأحسنها ذات الحمرة، ولذا كان يضرب بها المثلُ عند العرب، ويقولون: "خَيْرٌ لَكُمْ مَنْ
стр. 953
حُمُرِ النَّعَم"، ولذا كان الرسول ﷺ ﷺ يضرب المثل بها كثيرًا، منها لما أرسل عليَّ بن أبي طالب إلى خيبر، وقال له ﷺ : "فَوَاللهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ" (١).
[استدراك على الأدلة]، وثبت عن الرسول ﷺ ﷺ في النكاح أنه من سنته، وأنه قال بعد ذكره ذلك: "فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" (٢)، أي: من أعرض عن سنة الرسول ﷺ إلى سنَّة غيره وتركها وعمل بغيرها؛ فليس على طريقتي.
وشتَّانَ بين إنسان يرد أمرًا من أمور هذه الشريعة واجبًا كان أو غير واجب، وبين إنسان لا يرد ذلك الأمر لكنه لا يرى وجوبه.
فمثلًا: يجري على النكاح الأحكام التكلفية؛ فالأصل في النكاح: أنه سنة (٣)، لأن الرسول ﷺ ذكر أنه من سنَّته، وقال: "تَزَوَّجُوا الوَدُودَ
стр. 954
الوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ" (١).
لكن قد يجب النكاح -مثلًا- إذا خشي الإنسان العنت، وغلب على ظنه أنه سيقع في محرم (٢)، وقد يحرم عليه النكاح -مثلًا- إذا تزوج امرأة
стр. 955
ليلحق ضررًا بها، وكان غرضه من هذا النكاح هو إلحاق الضرر بغيره (١).
وقد يكون النكاح سنة مؤكدة (٢)، وقد يكون مباحًا (٣)، ومع ذلك
стр. 956
يقول: "فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" (١)، فليس قوله: "ليس منا" توجب النكاح، كما لا توجب الوتر مع الصلوات الخمس المفروضة.
» قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ الزِّيَادَةَ هِيَ نَسْخٌ وَلَمْ تَقْوَ عِنْدَهُ هَذِهِ الأَحَادِيثُ قُوَّةً تَبْلُغُ بِهَا أَنْ تَكُونَ نَاسِخَةً لِتِلْكَ الأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ المَشْهُورَةِ - رَجَّحَ تِلْكَ الأَحَادِيثَ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ ثَبَتَ مِنْ قَوْله تَعَالَى فِي حَدِيثِ الإِسْرَاءِ "إِنَّهُ لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ" (٢)، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تُزَادُ فِيهَا، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا، وإِنْ كانَ هُوَ فِي النُّقْصَانِ أَظْهَرَ، وَالخَبَرُ لَيْسَ يَدْخُلُهُ النَّسْخُ. وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ قُوَّةُ هَذِهِ الأَخْبَارِ الَّتِى اقْتَضَتِ الزِّيَادَةَ عَلَى الخَمْسِ إِلَى رُتْبَةٍ تُوجِبُ العَمَلَ أَوْجَبَ المَصِيرَ إِلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ، لَا سِيَّمَا إِنْ كانَ مِمَّنْ يَرَى أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تُوجِبُ نَسْخًا، لَكِنْ لَيْسَ هَذَا مِنْ رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ).
مراد المؤلف أنه لا يُزاد في الصلوات ولا يُنقص؛ لكنه في النقصان أظهر، وليس معنى هذا أن المؤلف يقول بمذهب الحنفية؛ لكنه يقصد أمر الزيادة أو النقصان قد انُتِهِيَ منه؛ كما قال الله: "قَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ" (٣)، وفي بعض الرواياتِ: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] (٤) كما هو لفظها في الآية.
» قوله: (المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ، فَعَلَى المُسْلِمِ البالغِ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ (٥).
стр. 957
بدأ المؤلف يتكلم في موجبات الصلاة، فهذه الصلوات الخمس فرض عين على كل مسلم بالغ عاقل، فأضفنا العاقل إلى كلام المصنف.
فقولنا: "مسلم" يخرج الكافر.
وهنا مسألة؛ وإذا يدرج الفقهاء والأصوليون الإسلام في موجبات الصلاة؟!
الجواب: لأن العلماء الأصوليين يختلفون في مسألة مخاطبة الكفار بفروع الشريعة (١):
فبعضهم يقول: الكفار مخاطَبون بفروع الشريعة.
وبعضهم يقول: غَيْرُ مخاطَبِينَ بفروع الشريعة.
وبعضهم: يخص ذلك بالنواهي دون الأوامر.
وغيرها من الأقوال، ففي هذه المسألة سبعة أقوال ليس هذا محل تفصيلها" وقد ذكر المؤلف أن هذه المسألة قليلة الغناء في الفقه.
أما مراد الأصوليين بقولهم: "الكفار مخاطبون بفروع الشريعة"، أي: أنهم يعذبون عليها بالإضافة إلى تعذيبهم على كُفرهم (٢).
стр. 958
ويستدلون بقول الله- : ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧].
ووجه الاستدلال في الآية الكريمة: أن العذاب حُقَّ عليهم بترك الصلاة وإطعام المساكين والخوض في الباطل وفيما يكرهه الله مع مَن يخوض فيه.
فأخبر الله عنهم أنه عاقبهم على تركهم الصلاة والإطعام والخوض في الباطل، -وهي فروع من الشريعة- عن الأصل في الشريعة، وهو التوحيد؛ فيعذبون على الكفر والشرك، وهو الأصل، وعلى تركهم الصلاة والزكاة ونحوها مما هو فرع عن هذا الأصل مما خوطب به أهل الإسلام.
• مسألة: هل يطالب الكافر إذا أسلم بما فاته من الصلوات؟
الجواب: الكافر على نوعين:
١ - كافر أصلي: وهو الذي لم يسلم أصلًا ثم أسلم.
٢ - كافر مرتد: وهو الذي أسلم وذاق حلاوة الإيمان؛ ثم ارتدَّ بعد ذلك وكفر.
أما الكافر الأصلي: فلا خلاف بين العلماء أنه لا يُطالَبُ بقضاء ما فاته بعد بلوغه من صلاة وزكاة وصيام وغير ذلك من الأحكام الواجبة، ويُقَرُّ على نكاحهم السابق، وأجمعوا على ذلك (١).
стр. 959
قال العلماء: لأن مطالبتهم بذلك تنفير للناس عن الدخول في الإسلام، والله-سببحانه وتعالي- يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وهذا ترغيب من الله ودعوة لهم للإيمان به، ليغفر لهم ما قد سلف، وهؤلاء قد سلفت منهم أمور.
• مسألة:
ما القول في الكفار الأصليين الذي يعملون أعمالًا صالحة كالصدقة، وصلة الرحم، وعتق الرقاب، ومناصرة المسلمين، والقتال معهم، حال كفرهم؟! فهل يثابون على هذه الأعمال في الآخرة إذا أسلموا وحَسُنَ إسلامهم؟! (١).
стр. 960
الجواب: يرى أكثر العلماء أنهم يجازون على ذلك، وَيثابون عليه (١)، ويستدلون على ذلك بأدلة منها: ما روي عَنْ حَكِيم بْنِ حِزَامِ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: أَيْ رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ (أي: أتعبدً) بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، مِنْ صَدَقَةٍ، أَوْ عَتَاقَةٍ، أَوْ صِلَةِ رَحِمِ، أَفِيهَا أَجْرٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ" (٢).
لكن إذا كان يصلي ويزكي ويصوم ويفعل الصالحات ثم مات على كفره؛ فكل هذا لا ينفعه ولا يؤجر عليه؛ كما قال الله سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
وَأما الكافر المرتد: الذي يعود للإسلام مرة أُخرى؛ فالعلماء
стр. 961
مختلفون في مطالبته بقضاء ما فاته من صلوات وواجبات حال ردَّته وكفره، على قولين:
الأول: أنه يطالب بالقضاء، وهو قول الأكثرين؛ لأنه يختلف عن الكافر الأصلي، فقد دخل الإسلام وخالط المسلمين، لكن لم يخالط الإيمان بشاشة قلبه؛ فخرج وارتد عن الإسلام، فينبغي أن يعاقب، وأن يطالب بقضاء تلك الصلوات (١).
الثاني: أنه لا يطالب بالقضاء، وأنه لا يختلف حاله عن الكافر الأصلي، لأن القصد أن يرد إلى ربقة الإسلام ويعود إليه، فربما لو طُولب بما فاته من واجبات؛ لظلَّ على ردته (٢).
стр. 962
ومن الأدلة للقول الثاني: أنه ارتدَّ أناس في زمن الرسول ﷺ ، وفي زمن أبي بكر ﵁ ثم عادوا إلى الإسلام، ولم يطالبوا بما فاتهم حال ردتهم من صلاة أو زكاة أو صيام ونحوها، ولا توجد أدلة صريحة تدلُّ على ذلك.
وبقولنا: "بالغ" يخرج الصبي؛ فإن الصبي يؤمر بالصلاة لكنها لا تجب عليه، لأن إلزامه بها معارضة لقول الرسول ﷺ في حديث علي وعائشة ﵂: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبرَ، وَعَنِ المَجْنُون حَتَّى يَعْقِلَ، أَوْ يُفِيقَ" (١).
وقال العلماء: إن إيجاب الصلاة على الصغير تكليف، والرسول ﷺ قد رفع التكليف عنه؛ فلا تجب عليه.
والصبية بمنزلة الصبي، لأنه يُتَكَلَّمُ عادة عن الصبي، وتدخل الصبية تبعًا، أو يتكلم عن الرجال ويدخل النساء تبعًا في كثير من الأحكام، وليس في كلِّ الأحكام، فهناك أحكام تنفرد بها النساء عن الرجال معروفة مبسوطة في علم الفقه.
وبقولنا: "عاقل" يخرج المجنون، فلا تجب الصلاة عليه حتى يعقل، وليس هذا على الإطلاق، فالمسألة فيها تفصيل.
مثلًا:
- لو أن إنسانًا شرب دواءً فغاب عن عقله؛ هل تلزمه الصلاة؟ (٢).
стр. 963
- أو أن إنسانًا أُغمي عليه هل تجب عليه الصلوات التي فاتته في حال إغمائه؟ (١).
стр. 964
- وَهل هناك فرق بين مَن جُنَّ جنونًا طويلًا أو قصيرًا؟ (١).
- وَهل هناك فرق بين من أُغمِيَ عليه إغماءً يسيرًا لا يتجاوز خمس صلوات في يوم وليلة، وإغماءً طويلًا؟ (٢).
فهذه مسائل فيها خلاف بين العلماء (٣).
والدليل على اشتراط العقل قوله: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: .. وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ" (٤).
стр. 965
» قوله: (المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَأَمَّا مَا الوَاجِبُ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا عَمْدًا، وَأُمِرَ بِهَا فَأَبَى أَنْ يُصَلِّيَهَا لَا جُحُودًا لِفَرْضِهَا (١)؟ فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: يُقْتَلُ (٢)، وَقَوْمًا قَالُوا: يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ (٣).
ترك الصلاة عمدًا من أخطر الأمور على الإطلاق في حياة المسلم، وهي من أجلِّ الأمور التي يطمئن بها نفس المؤمن، ويرتاح بها فؤاده، ويستقرّ فكره.
وكثيرًا ما نجد عددًا من المسلمين -لا سيما- في أول شبابهم يتساهلون في أمر الصلاة، فيقطعونها، وقد يصلي بعضهم لكنهم يتساهلون في أمر صلاة الجماعة.
وأرجو أن يغتنم الشباب هذه الفرصة التي أرشد إليها الرسول ﷺ ويكونوا من السبعة الذين يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ؛ فمنهم: "وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ"، ومنهم "وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسْحِدِ" (٤).
стр. 966
والمسلمون الأوائل كان أول عمل يقومون به عندما يفتتحون بلدًا أو ينزلون مصرًا من الأمصار هو بناؤهم المسجد؛ ليقيموا فيه الصلاة، وليعلوا فيه ذكر الله ؛ " كما قال في تنزيله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور: ٣٦ - ٤٠].
فما أُقِيمت هذه المساجد، وشُيِّدت هذه الجوامع إلا ليجتمع المسلمين فيها لذكر الله، ولصلاة الجماعة -التي يستهين بها بعض الناس- وتعلم العلم النافع، وسيأتي الكلام بتوسع عن صلاة الجماعة وعن خطورة المتخلفين عنها في موضعه.
والمؤلف في هذه المسألة لم يتعرض لتارك الصلاة الجاحد وجوبَها؛ لأن الذي جحد وجوبها محل إجماع على كفره، وليس فيه خلاف، لكنه ذكر تارك الصلاة الذي يتركها تهاونًا أو تساهلًا، ولا يجحد وجوبها.
فتارك الصلاة على نوعين:
١ - إما أن يكون منكرًا لوجوبها -والعياذ بالله- فهذا أمره خطير، وشأنه كبير؛ فقد دلَّت النصوص على أنه في زمرة المرتدين؛ بل في مقدمتهم، ولا شكَّ أنه كفر بهذا، وارتد عن الإسلام، ويجب أن يستتاب من اعتقاده هذا، فإن تاب تاب الله عليه، وإن لم يتب وجحد قُتِل بأمر الإمام، وإن مات على كفره هذا، فلا يُصلَّى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرث ولا يورَث؛ لأنه كافر بإجماع المسلمين (١).
стр. 967
٢ - وإما أن يكون غير منكر لوجوبها، لكن يتركها كسلًا وتهاونًا، كإنسان لا يصلي، ويقول: أنا أعلم أن الصلاة واجبة، وأنها الركن الثاني من أركان الإسلام، وأعلم أني مقصر بتركها؛ لكني لا أستطيع المحافظة عليها!! (١).
ولا يوجد مانع ألبتة يمنعه من الصلاة؛ فليس عاجزًا على أن يصلي قائمًا؛ فيصلي قاعدًا وليس عاجزًا أن يصلي قاعدًا فيصلي على جنب؛ لكنه مفرط.
ويعلم ما ورد في شأنها أحاديث كثيرة تدلُّ على كفر مَن تركها وقتاله؛ فعَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ العُقَيْلِيِّ، قَالَ: "كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ" (٢)، و"أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا غَزَا قَوْمًا، لَمْ يَغْزُ بِنَا لَيْلًا حَتَّى يُصْبحَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ" (٣).
ولذلك يقول بعض العلماء: هذا الصنف لا يوجد أصلًا؛ يقال له: صَلِّ، ويُهدد إن لم يصلِّ يقتل، ثم يعاند ويترك الصلاة؟ فيقتل!!
واختلف العلماء في حكمه (٤):
فمنهم من قال: يقتل، واختلفوا: هل يقتل كفرًا، أم يُقتل حدًّا!
стр. 968
ومنهم من قال: لا يقتل، ويلزم بالصلاة، ويعزَّر حتى يصلي.
وسيذكر المؤلف بيان ذلك.
• مسألة: مَن ترك الصلاة لعذر، فهذا لا يدخل في المقام الذي سيتكلم عنه المؤلف؛ لأن الإنسان قد يترك الصلاة لعذر: إما أن يكون نائمًا، وإما أن يكون ناسيًا لهذه الصلاة.
وقد يحدث هذا كما بينته السنة:
- فعن عليِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَقَالَ: "مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا، كَمَا شَغَلُونَا عَنْ صلَاةِ الوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ"، وَهِيَ صَلَاةُ العَصْرِ (١).
- وثبت أن الرسول ﷺ كان في سفر، ونام وبعض أصحابه عن صلاة الفجر، ولم يوقظهم إلا حرُّ الشمس (٢).
والإنسان معذور في مثل هذه الأحوال؛ ووقت الصلاة هو وقت زوال العذر.
- فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ : "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ
стр. 969
نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا" (١)، وفي رواية: "لَا كفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ " (٢).
وليس القصد في الحديث عموم النوم، بل غلبة النوم على المرء، وعدم تعمده النوم كسلًا، مثل: أن يسهر الإنسان سهرًا طويلًا، تم يتعمد النوم قرب وقت صلاة الفجر، فهذا مفرط متعمد للتأخير، ويدخل في قول الرسول ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى العِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ، كلانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الجَنَّةَ" (٣).
ولماذا لا يحافظ على هذه الصلوات، والرسول ﷺ يقول: "مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَاةِ كانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورُ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاةٌ يَوْمَ القِيَامَةِ" (٤).
وقال الرسول ﷺ : "الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأ المِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَن -أَوْ تَمْلَأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ" (٥).
فالصلاة نور لصاحبها في هذه الدنيا، ونور أيضًا ونجاة وبرهان يوم القيامة يوم يلقى ربه في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى اللهَ بقلب سليم.
أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ" (١). وَرُوِيَ عَنْهُ ﵊ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ: "العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ" (٢). وَحَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ الكُفْرِ -أَوْ: قَالَ الشِّرْكِ- إِلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ" (٣). فَمَنْ فَهِمَ مِنَ الكُفْرِ هَاهُنَا الكُفْرَ الحَقِيقِيَّ، جَعَلَ هَذَا الحَدِيثَ كَأَنَّهُ تَفْسِيرَ لِقَوْلِهِ ﵊: "كُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ"، وَمِنْ فَهِمَ هَاهُنَا التَّغْلِيظَ وَالتَّوْبِيخَ، أَيْ: أَنَّ أَفْعَالَهُ أَفْعَالُ كَافِرٍ، وَأَنَّهُ فِي صُورَةِ كَافِرٍ كلمَا قَالَ: "وَلَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ" (٤) لَمْ يَرَ قَتْلَهُ كفْرًا).
تنبيه: من الأخطاء في بعض طبعات الكتاب سرد كلام المؤلف تباعًا دون توقف، فعند قوله: (مَالِكٌ وَالشَّافِعِىُّ) وقفة وتُوضَع نقطة، ثم يُستأنَفُ الكلام (وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، وَأَهْلُ الظُّاهِرِ) حتى لا يخلط الكلام بعضه ببعض، فتخلط الأحكام.
فكما ذكرنا اختلف العلماء في حكم تارك الصلاة:
فمنهم من قال: يُقتَل، واختلفوا: هل يقتل كفرًا، أم يُقتل حدًّا؟!
ومنهم من قال: لا يقتل، ويلزم بالصلاة، ويعزر حتى يصلي؛ فهم بذلك على ثلاثة مذاهب:
- المذهب الأول: وهم الذين أوجبوا قتله كفرًا: وفي مقدمتهم
стр. 972
الصحابي الجليل عليّ بن أبي طالب ﵁ (١)، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وهي الرواية الصحيحة المشهورة في مذهب الإمام أحمد، والمزني من أئمة الشافعية (٢)، وقالوا بأن تارك الصلاة يكفَّر، ويجب قتله؛ لتركه الصلاة (٣).
- المذهب الثاني: والذين أوجبوا قتله حدًّا (٤): وهم أكثر الفقهاء مثل: المالكية وغالب الشافعية؛ فيقولون بأنه يقتل حدًّا ولا يكفر؛ لأنهم يرون أنه لا يحكم على الإنسان بكفر إلا إذا كفَرَ بالله ، بأن أنكر الشهادتين أو أحدهما.
- المذهب الثالث: الذين لم يوجبوا قتله كفرًا ولا حدًّا (٥)، وهم: أبو حنيفة وأصحابه والظاهرية، وقالوا: لا يكفر ولا يقتل، ولكنه يحبس ويعزَّر حتى يصلي أو يموت.
وهؤلاء لم يتركوه أيضًا فقالوا بحبسه، فإما أن يرتدع ويعود إلى رشده ويصلي، وإما أن يعذَّب ويعزَّر إلى أن يصلي أو يموت! ولكلٍّ منهم أدلة يستدل بها.
وأما الأدلة والآثار لأصحاب المذهب الأول والثاني الذي يقولون بقتل تارك الصلاة سواء كفرًا أو حدّا؛ فأدلتهم واحدة على القتل، ولكن استدلالهم مختلف.
стр. 973
* ومن أدلة المذهبين على قتل تارك الصلاة سواء حدًّا أو كفرًا:
- قول الله : ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ٥].
ووجه الاستدلال: أنه في أول الآية قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ أي: لا تقتلوهم؛ فهذا دليل على أن من أسباب القتل: ترك الصلاة.
- والحديث المتفق عليه عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ" (١).
وبهذا استدلَّ أبو بكر على مَن خالفه في التفريق بين الصلاة؛ قال: أليس من حقِّها إقامة الصلوات وإيتاء الزكاة؟! قالوا: بلى؛ قال: كذلك يقاتل من امتنع عن أداء الزكاة.
- وحديثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِمُخَنَّثٍ قَدْ خَضَّبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بالحِنَّاءِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا بَالُ هَذَا؟ " فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُفِيَ إِلَى النَّقِيعِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ: "إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ المُصَلِّينَ" قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: "وَالنَّقِيعُ نَاحِيَةٌ عَنِ المَدِينَةِ وَلَيْسَ بِالبَقِيعِ" (٢).
ووجه الاستدلال: أن غير المصلي يقتل.
وغيرها من الأدلة التي أخذ بها جماهير العلماء على أن قتل تارك الصلاة.
стр. 974
* ومن أدلة المذهب الأول على قتل تارك الصلاة كفرًا:
- حديث جَابِرٍ، قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ" (١).
وفي رواية: "بَيْنَ العَبْدِ، وَبَيْنَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ" (٢).
وفي رواية: "بَيْنَ الكُفْرِ وَالإِيمَانِ تَرْكُ الصَّلَاةِ" (٣).
وفي رواية: "لَيْسَ بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ أَوْ بَيْنَ الكُفْرِ إِلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ" (٤).
- وحديث جَابِرٍ بُرَيْدَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كفَرَ" (٥).
- وحديث عَبْدِاللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ العُقَيْلِيِّ، قَالَ: "كانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ" (٦)، و"أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا غَزَا قَوْمًا، لَمْ يَغْزُ بِنَا لَيْلًا حَتَّى يُصْبحَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ" (٧).
وغيرها من الأدلة الصريحة، التي هي نصٌّ في المدعي على أن تارك الصلاة تهاونًا وتكاسلًا يكفَّر ويقتل.
* ومن أدلة المذهب الثاني على قتل تارك الصلاة حدًّا، ولا يكفرونه:
стр. 975
قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
ووجه الاستدلال: عموم الآية بالمغفرة لمن لم يشرك به، فيقولون: تارك الصلاة من غير عذر غير مشرك بالله، فهو مقِرّ بأن الصلاة واجبة؛ ولم ينكرها؛ فلو أنكرها لألحقناه بأولئك.
وحديث أبي هريرة، قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ" (١).
ووجه الاستدلال: أن الإخلاص في شهادة التوحيد تنجي في الآخرة، حتى وإن قصر في العمل!
لكن سؤال: تارك الصلاة هل يقول: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ؟!
ويستدلون بأدلة عدة صحيحة؛ كلها تدور حول هذا معنى.
- وأقوى أدلتهم في نظرهم: حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه أن الرسول ﷺ قال: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ [فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ] كَتَبَهُنَّ (أي: أوجبهن) اللَّهُ عَلَى العِبَادِ مَنْ أَتَى بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ" (٢).
ووجه الاستدلال: أن المغفرة محتملة، وقالوا: الكافر لا يغفر له؛ فهذا دليل على أن تارك الصلاة تهاونًا ليس بكافر؛ لأنه قال: "إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ".
стр. 976
ويجيبون على أدلة الذين قالوا بكفره أن تارك الصلاة سُمِّي كافرًا؛ لأنه شابه الكافر في بعض أعماله، فتارك الصلاة يشبه الكافر في تركه للصلاة، والكافر يقتل وتارك الصلاة يقتل؛ فالتقى مع الكافر في هذا الحكم.
والكفر الحقيقي: هو الكفر المطلق المعروف الذي يخرج من الملة، ويحكم على مرتكبه بأنه مرتد، وليس هو الكفر المجازي، الذي لا يخرج من الملة، فهو كفر دون كفر؛ كما في قوله ﷺ : "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوق، وَقِتَالُهُ كفْرٌ" (١).
* ومن أدلة المذهب الثالث على عدم كفر تارك الصلاة، وعدم قتله:
حديث: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ، أَوْ زِنًى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ" (٢).
وهذا الحديث ليس متفقًا عليه، ولكن الحديث المتفق عليه الذي لم يذكره المؤلف، وهو في معناه، قوله ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِي مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ" (٣).
ووجه الاستدلال: أن تارك الصلاة ليس من هؤلاء الثلاثة؛ فيرى أصحاب هذا المذهب أن تارك الصلاة مرتكب لكبيرة؛ فلا يكفر ولا يقتل، وإنما يحبس ويعذَّر إلى أن يتوب ويعود إلى الصلاة أو يموت في سجنه؛ فحصروا القتل في هذه الأمور الثلاثة فقط.
لكن أصحاب المذهب الأول والثاني: كل منهما؛ يقوله: أن أدلتنا
стр. 977
خصصت ذلك، فالأول خصَّصت أدلتهم تارك الصلاة بالقتل كفرًا، والثاني: خصَّصت أدلتهم تارك الصلاة بالقتل حدًّا.
ولا شكَّ أن الأمر خطير، وأحاديث الرسول ﷺ واضحة، وتحذر من ترك الصلاة ومع ذلك فهناك مَن يعيشون بين أظهر المسلمين ويتساهلون في أمر الصلاة؛ فمنهم مَن يتركها تمامًا، ومنهم مَن يصليها أحيانًا، ويتركها أحيانًا، وهذا كله موجود ومنتشر في المجتمعات الإسلامية، ولا حول ولا قوة إلا باللّه، ولا ينبغي للمسلم أن يقع في هذا بعد أن يكلف وببلغ (١).
وكم رغَّب فيها رسول الله ﷺ وحضَّ أولياء الأمور على أن يعوِّدوا أبناءهم عليها، وقال: "مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ" (٢).
» قوله: (وَأَمَّا مَنْ قَالَ يُقْتَلُ حَدًّا فَضَعِيفٌ، وَلَا مُسْتَنَدَ لَهُ إِلَّا قِيَاسٌ شِبْهُ ضَعِيفٍ إِنْ أَمْكَنَ، وَهُوَ تَشْبِيهُ الصَّلَاةِ بِالقَتْلِ فِي كَوْن الصَّلَاةِ رَأْسَ المَأْمُورَاتِ، وَالقَتْلُ رَأْسَ المَنْهِيَّاتِ. وَعَلَى الجُمْلَةِ فَاسْمُ الكُفْرِ إِنَّمَا يُطْلَقُ بِالحَقِيقَةِ عَلَى التَّكْذِيبِ، وَتَارِكُ الصَّلَاةِ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُكَذِّبٍ إِلَّا أَنْ يَتْرُكَهَا مُعْتَقِدًا لِتَرْكهَا هَكَذَا).
من مسائل أصول الفقه الدقيقة: القياس، ويصعب الكلام فيها على
стр. 978
غير المتخصص؛ ولكن باختصار، القياس: هو إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة تجمع بينهما، كإلحاق الأرز بالقمح في العلة الجامع بينهما هل هي الطعم أو غير ذلك، ويسمَّى بـ (قياس العلة)، وهو الذي يعمل به جماهير الفقهاء عدا أهل الظاهر.
فَقِيَاسُ العِلَّةِ: مَا كَانَتِ العِلَّةُ فِيهِ مُوجِبَةً لِلْحُكْمِ (١).
وَقِيَاسُ الدَّلَالَةِ: وَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ بِأَحَدِ النَّظِيرَيْنِ عَلَى الآخَرِ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ العِلَّةُ دَالَّةً عَلَى الحُكْمِ، وَلَا تَكُونُ مُوجِبَةً لِلْحُكْمِ (٢).
وَقِيَاسُ الشَّبَهِ: وَهُوَ الفَرْعُ المُتَرَدِّدُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ، فَيُلْحَقُ بِأَكْثَرِهِمَا شَبَهًا، وَلَا يُصَارُ إِلَيْهِ مَعَ إِمْكَانِ مَا قَبْلَهُ، وهو ضعيف عند الأصوليين؛ فمنهم من يردُّه، ومنهم من يأخذ به (٣)، ولذلك ضعَّفه المؤلف لعدم وجود علة يلتقي فيها الملحق بالملحق به.
وقوله: أن هذا القياس قِيَاسُ شَبَهٍ ضَعِيفٍ، فهذه هي وِجْهَتُه؛ وإلا فالقائلون بقتله سواء كفرًا أو حدًّا لهم أدلة قوية ظاهرة، وقد ذكرناها آنفًا.
فالقائلون بقتل تارك الصلاة -كفرًا أو حدًّا- الَّذي عطَّل الركنَ الثاني من أركان الإسلام، والذي كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا حزبَهُ أمرٌ فزعَ إلى الصَّلاةِ (٤)، والذي كانَ يوصي به عمر ﵁ في آخر حياته، ويقول: "لَا حَظَّ فِي الإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ" (٥)، وغيرها من الأحاديث العديدة،
стр. 979
يقولون: فإذا عَطِّل هذا الركنَ؛ فماذا بقي بعد ذلك من الإسلام؟!
ومع ذلك؛ فإنهم يشترطون استتباته ومراجعته، ولا يتسرعون لإقامة الحد؛ بل يلتزمون بالتُّؤَدَةِ في تطبيقه حتى لا يظلموا أحدًا من أهل الإسلام.
فمثلًا: مسلمٌ تارك للصلاة، وثبت يقينًا أنه لا يصلي؛ فإنه يعطى فرصةً، وُبعرَّف بالحكم، وعواقبَ ترك الصلاة، ويُستتاب ثلاثًا كالمرتد؛ فإن تاب وصلَّى، وإلا قتِل.
فإذا اُستُتِيب تارك الصلاة، ونُبِّه إلى أن الأمر ربما يودي به إلى قتله، ثمِ يصر على ترك الصلاة؛ فلا بد أن يكون وراءه شيء؛ فإن كان جاهلًا عُلِّم، وإن كان غافلًا ذُكِّر، فالعلماء يفرقون بين العالم بالحكم والجاهل به.
فالذي عاش بين أظهر المسلمين، غير الذي عاش بعيدًا في ديار الكفر؛ ولا يعرف الحكم، فينبه ويبين له؛ فإذا ظهر له واستقر في نفسه هذا الحكم؛ ثم أبى الصلاة فإنه يقام عليه الحد؛ لرفضه الصلاة بغير مبرر ولا عذر.
وأما طريقة تنفيذ حدّ القتل: فهي الضرب بالسيف على العنق على قول الأكثرين من العلماء (١)، وبعضهم يقوله: ينخس (٢) حتى يموت (٣)،
وغيرها من الأدلة التي تحكم بكفره؛ بأن المقصود بالترك هنا: الإنكار؛ فتارك الصلاة -عندهم- الذي ترك الصلاة، وأنكر وجوبها.
ويقولون: بأنه يوجد في كلِّ مجتمع من المجتمعات الإسلامية السابقة، مَن لا يصلي ويرث ويورث، ولم يعرف أنهم كانوا يقتلون!
لكن؛ هل عرف أن هذا الشخص لا يصلي، واستقرَّ ذلك عندهم؟!
ألم يقل الرسول ﷺ : "إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلَاةُ العِشَاءِ، وَصَلَاةُ الفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ" (١).
فكيف يحرق الرسول ﷺ عليهم بيوتهم مع أنهم كانوا يصلون، ولكنهم كانوا يتخلفون عن شهود صلاة الجماعة فقط؟! فما بالك بمن يترك الصلاة بالكلية؟!
الأمر الثاني؛ الذي فيه معنيان:
المعنى الأول: أَنَّ حكم تارك الصلاة كحُكْمِ الكَافِرِ في القَتْلِ وَسَائِرِ أَحْكَامِ الكُفَّارِ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَذِّبًا، فالمؤلف قد أنكر ثبوت الكفر الحقيقي عليه، وحمله على المجازي؛ فقال بعدها: (لَا يجِبُ المَصِيرُ إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، لِأنَّهُ حُكْمٌ لَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ فِي الشَّرْعِ مِنْ طَرِيقٍ يَجِبُ المَصِيرُ إِلَيْهِ) مع أنه قد ثبت سابقًا أن الذي حكم عليه بالكفر الحقيقي الواضح بدون قرينة تصرفه إلى الكفر المجازي، هو الرسول ﷺ في الأدلة التي ذكرناها.
وأما (الثَّلَاثُ الَّذِينَ نَصَّ عَلَيْهِمُ الشَّرْعُ) في حلِّ دمهم كما في الحديث المتفق عليه: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ
стр. 982
وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ" (١)، وتارك الصلاة يدخل في قوله: "وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ المُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ".
في المعنى الثاني: قولهم في حديث: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ" (٢) في تأويل كفر تارك الصلاة على أنه كَافِرٌ عَلَى جِهَةِ التَّغْلِيظِ وَالرَّدْعِ لَهُ؛ فيه مساواة بين فريضة الصلاة وبين غيرها من سائر العبادات كتركَ الزنا والسرقة ونحوها، في الوجوب والفرضية، وهذا لا يصح.
فمع خطورة السرقة والزنا وشرب الخمر، وأنها من الكبائر ولها حدود معروفة؛ لكنها أيضًا لا تصل إلى حكم الصلاة؛ فهي تختلف عن الزنا والسرقة؛ فهي ركن من أركان الدين.
وبعض العلماء: يرى أن الإيمان يخرج من الزاني أو السارق حين فعله لهذا الذنب؛ ثم إذا عدل عن جريمته وانتهى منها، وتاب رجع إليه إيمانه (٣).
وليس معنى ذلك: أنه خرج عن الدين أو كفر؛ كما يقول المعتزلة أو الخوارج.
قوله: (أَعْنِي أَنَّهُ يجِبُ عَلَيْنَا أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ نُقَدِّرَ فِي الكَلَامِ مَحْذُوفًا إِنْ أَرَدْنَا حَمْلَهُ عَلَى المَعْنَى الشَّرْعِيِّ المَفْهُومِ مِنِ اسْمِ
стр. 983
الكُفْرِ، وَإِمَّا أَنْ نَحْمِلَهُ عَلَى المَعْنَى المُسْتَعَارِ. وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الكَافِرِ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ مَعَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَشَيْءٌ مُفَارِقٌ لِلأصولِ، مَعَ أَنَّ الحَدِيثَ نَصٌّ فِي حَقِّ مَنْ يَجِبُ قَتْلُهُ كفْرًا أَوْ حَدًّا، وَلِذَلِكَ صَارَ هَذَا القَوْلُ مُضَاهِيًا لِقَوْلِ مَنْ يُكَفِّرُ بِالذُّنُوبِ).
ويشكل على المؤلف وغيره الأدلة التي توجب عموم المغفرة للموحد، وأنه داخل تحت المشيئة طالما حافظ على التوحيد؛ لأن الكافر لا يغفر له؛ كقوله الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، والأحاديث الصحيحة الكثيرة جدًّا كقوله: "يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إيمَانٍ" (١)، وقوله: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ [فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ] كتَبَهُنَّ (أي: أوجبهن) اللَّهُ عَلَى العِبَادِ مَنْ أَتَى بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ" (٢).
ومال الإمام الشوكاني في "نيل الأوطار" إلى القول بأن بعض الأمور التي قد يُكفَّر بها المسلم من الممكن أن تكون أيضًا داخلة تحت المغفرة كترك الصلاة؛ فهي- وإن سمي صاحبها كافرًا وحُكِم عليه بالكفر وقُتل- لا تصل إلى حدَّ من يشرك بالله (٣).
стр. 984
وأما قوله: (وَأَمَّا حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الكَافِرٍ فِي جَمِيع أَحْكَامِهِ مَعَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَشَيْءٌ مُفَارِقٌ لِلْأُصُولِ، مَعِ أَنَّ الحَدِيثَ نصٌّ فِي حَقِّ مَنْ يَجِبُ قَتْلُهُ كُفْرًا أَوْ حَدًّا، وَلذَلِكَ صَارَ هَذا القَوْلُ مُضاهِيًا لِقَوْلِ مَنْ يُكَفِّرُ بالذُّنُوب) فهذا كلام كلُّه خطأ وبعيد جدًّا عن عين الصواب، الذي يكفرُ تاركَ الصلاة ما أخذ إلا بأقوال الرسول ﷺ ؛ أمَّا الذي يكفر بالذنوب؛ فقد أخذ بأقوال أصحاب الأهواء والبدع، فشتان بين الأمرين.
فالأمر خطير، لعِظَم الصلاة وأهميتها، وحرمة التساهل والتفريط فيها، فكم من أناس تساهَلوا في أمر الصلاة في وقت شبابهم، وبعد أن قطعوا مسافات من العمر، عاشوا في حسرة وندم!
والذي يتدارك نفسه ويتوب إلى الله ويعود إلى الصلاة فالله يتجاوز عن السيئات.
لكن هل يضمن كل متساهل في أمر الصلاة أو تاركها أنه سيصل إلى وقت يصلي فيه؟
فلن يدري متى يتخطفه الموت، قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]؛ فالله بيده الأمر؛ فقد يترك الإنسان الصلاة أوقاتٍ وأيامًا ثم تخترمه المنية ويموت على هذه الحالة.
[الجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الشُّرُوطِ]
كتاب (بداية المجتهد) فيه نواقص، وكم نضيف عليه، وكم نصحح ما فيه من أقوال، ولعلي من أخبر الناس بهذا الكتاب، وأكثرهم دراسة ومعرفة به.
ولكن؛ يوجد بالكتاب ميزة يندر أن تجدها في غيره؛ فهو يقرب لك مسائل الفقه، في مقدمات وممهدات، ويعطيك تصورًا عن كل باب قبل أن تدخل فيه؛ فإذا دخلت فيه تسير على أمر واضح؛ فيجمع ما يدور في
стр. 985
الأبواب المتفرقة في مقدمة صغيرة؛ حيث يعطيك زُبدةً وملخصًا لها، وهذا أشبه ما يكون بكتب القواعد، بل هناك من سمى هذا الكتاب بـ (كتاب القواعد) واعتبره من كتب القواعد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وَهَذِهِ الجُمْلَةُ فِيهَا ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، البَابُ الأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الأَوْقَاتِ. الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ. الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ القِبْلَةِ. الرَّابعُ: فِي سَتْرِ العَوْرَةِ وَاللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ. الخَامِسُ: فِي اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ مِنَ النَّجَسِ فِي الصَّلَاةِ. السَّادِسُ: فِي تَعْيِينِ المَوَاضِعِ الَّتِي يُصَلَّى فِيهَا مِنَ المَوَاضِعِ الَّتِي لَا يُصَلَّى فِيهَا. السَّابعُ: فِي مَعْرِفَةِ الشُّرُوطِ الَّتِي هِيَ شُرُوظ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ. الثَّامِنُ: فِي مَعْرِفَةِ النِّيَّةِ، وَكيْفِيَّةِ اشْتِرَاطِهَا فِي الصَّلَاةِ).
الآن يذكر المؤلف شُرُوطَ الصَّلَاةِ، ومن الملاحظ أنه تكلَّم عن الطهارة في الأبواب السابقة ثم عاد مرَّة أُخرى يذكرها؛ كما يحدث في جملة من كتب الفقه؛ فيذكرون باب النجاسة في الصلاة في كتاب الصلاة، ولا يذكرون ذلك -تفصيلًا- في كتاب الطهارة، وإنما يومئ إليه، فهذه عادة الفقهاء في كتبهم حيث يكررون بحث هذه المسألة في كتاب الصلاة.
والسبب في ذلك: أن الطهارة شرط لصحة الصلاة، فهي متقدمة عليها؛ لأن صحة الصلاة متوقفة على صحة الطهارة.
وعلى الصحيح: فالطهارة شرط صحة، لا شرط وجوب (١).