← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 9206–9245 · переход к 9211.

стр. 9206

من رأس المال (١)، وبقيت -أيضًا- أحكام أُخرى؛ كرأي العلماء فيها: هل تُعامل معاملة الأَمَة أو معاملة الحُرَّة؟ قوله: (فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا فِي شَهَادَتِهَا وَحُدُودِهَا وَدِيَتِهَا وَأَرْشِ جِرَاحِهَا كَالأَمَةِ) (٢). فهناك أمور أخرى، هل يجوز للسيد أن يطأها بعد أن أصبحت أُمَّ ولد؟ هذه واحدة. أيضًا هل له أن يُزوجها؟ كذلك هل له أن يَستخدمها؟ (٣).

стр. 9207

كذلك هل له أن يأخذ كسبَها؟ هل له أخذ إجارتها؟ (١). هل له أن يُقيم

стр. 9208

الحد عليها؟ (١).

стр. 9209

هل له أن ينظر إلى عَورتها؟ (١). هذه مسائل كثيرة، وأكثر العلماء فيها على أن له ذلك، ومالكٌ خالفَ في بعضها. قوله: (وَجُمْهُورُ مَنْ مَنَعَ بَيْعَهَا لَيْسَ يَرَوْنَ هَاهُنَا سَبَبًا طَارِئًا عَلَيْهَا يُوجِبُ بَيْعَهَا إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهَا إِذَا زَنَتْ رُقَّتْ) (٢).

стр. 9210

أي: أنَّها خانت، وبهذا تُصبح غير صالحة، فيرى بأن هذا عقوبة لها، لكن هناك أحكام كثيرة ذُكرت أكثر مما ذكر المؤلف، منها هل له أن يعتقها؟ والجواب: نعم؛ لأن هذا فيه خير لها، كذلك هل له أن يستخدمها أو لا؟ سيأتي خلاف مالك في ذلك. أيضًا الكسب الذي تحصل عليه هل له أن يأخذه؟ هل له أن يأخذ إجارتها؟ هل له كذلك أن ينظر إلى عورتها؟ هل له أن يُقيم الحد عليها؟ هناك مسائل كثيرة يَرى العلماء أنها تَلحق بالأَمَة (١). قوله: (وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: هَلْ لِسَيِّدِهَا اسْتِخْدَامُهَا طُولَ حَيَاتِهِ وَاغْتِلَالُهُ إِيَّاهَا؟). واغتلاله يعنى: أخذ أجرتها (٢). وهاتان المسألتان خالف فيهما مالك، أما بقية ما ذكرتُ فهي موضع اتِّفاق بين العلماء، ولم يختلفوا فيها، ما عدا مالكًا يقول: "ليس له أن يستخدمها"، والمالكية لهم رأي حتى فيما يتعلق بالزوجة، يعني: قضية الخدمة (٣). ولكن الشافعية والحنابلة خالفوا في ذلك، وقالوا: "له أن يستخدمها، وله أن يأخذ كسبها، وله إجارتها، وله أن ينظر إلى عورتها، وله أن يُزوجها وله أن يعتقها، وله أن يُقيم الحَدَّ عليها، إلى غير ذلك ". ومالك وافقهم في أكثر الأمور، وخالف في استخدامها، وهو يرى أنه ليس له إلا الوطء.

стр. 9211

والشافعية والحنابلة يقولون: ما دام يجوز له الوطء، وهو أهم الأمور؛ فمن باب أَوْلَى يجوز له أن يستخدمها (١). قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ (٢)، وَإِنَّمَا لَهُ فِيهَا الْوَطْءُ فَقَطْ (٣)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ ذَلِكَ (٤). وَعُمْدَةُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْلِكْ رَقَبَتَهَا بِالْبَيْعِ لَمْ يَمْلِكْ إِجَارَتَهَا (٥)، إِلَّا أَنَّهُ يَرَى أَنَّ إِجَارَةَ بَنِيهَا مِنْ غَيْرِهِ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُمْ عِنْدَهُ أَضْعَفُ (٦). وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا (٧). فَسَبَبُ الْخِلَافِ: تَرَدُّدُ إِجَارَتِهَا بَيْنَ أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَطْؤُهَا، وَالثَّانِي: بَيْعُهَا. فَيجِبُ أَنْ يُرَجَّحَ أَقْوَى الأَصْلَيْنِ شَبَهًا (٨). وَأَمَّا مَتَى تَكُونُ حُرَّةً؟ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ آنَ ذَلِكَ الْوَقْتِ

стр. 9212

هُوَ إِذَا مَاتَ السَّيِّدُ) (١). وقد نَبَّه المؤلفُ إلى أنها تكون حرة إذا مات السيد، وتخرج من رأس المال، يعني: لا يكون من الثلث، وهذا ليس فيه خلاف، والمؤلف هنا كأنه أشار إلى قضية الثُّلُث (٢). قوله: (وَلَا أَعْلَمُ الآنَ أَحَدًا قَالَ: تُعْتَقُ مِنَ الثُّلُثِ). فهل هي كالمدبرة يكون في الثلث أو لا؟ فيها خلاف كما مر. والحقيقة: هذه ليس فيها خلاف، ونحن نقطع ما تردد فيه المؤلف هناك خلاف أو ليس بخلاف، نقول: ليس في المسألة خلاف، وإنما هي أم ولد، وتصبح حرة، وتخرج حريتها من رأس المال، وهذا ما جاءت به الآثارُ. قوله: (وَقِيَاسُهَا عَلَى الْمُدَبَّرِ ضَعِيفٌ، عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْمُدَبَّرَ يُعْتَقُ مِنَ الثُّلُثِ). وفي الحقيقة هذا لم يقل به أحد فيما نعلم، فلا حاجة لأن نقول: قاسوا أو لم يقيسوا، ولكن الواقع ليس هناك قياس في هذه المسألة، ولكنها تعتق من رأس المال. قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 9213

([كِتَابُ الجِنَايَاتِ]) هذا الكتاب عقده المؤلف في بيان أنواع الجنايات. والجنايات (١): جمع جناية؛ وهي التعدي، لكن الفقهاء ﵏ خصوا الجناية بالتعدي على النفس.

стр. 9214

أما الجناية على المال بسرقة أو غصب أو نهب أو إتلاف؛ فمنه ما يوجب الحد، ومنه ما يوجب التعزير (١). قوله: (وَالجِنَايَاتُ الَّتِي لَهَا حُدُودٌ مَشْرُوعَةٌ أَرْبَعٌ). يرى المؤلف ﵀ أن الجنايات التي لها حدود مشروعة أربع، والحقيقة أنها خمس: (السرقة، والحرابة (٢)، والزنا، والقذف، وشرب الخمر).

стр. 9215

وقد عدّ المؤلف القصاص نوعًا من أنواع الحدود؛ لأن القاتل المتعمد عقوبته القتل إلا أن يعفوَ أولياء المقتول. وأكثر العلماء على أنه عقوبة لا حدٌّ (١) (٢).

стр. 9216

قوله: (جِنَايَاتٌ عَلَى الأَبْدَانِ وَالنُّفُوسِ وَالأَعْضَاءِ؛ وَهُوَ المُسَمَّى قَتْلًا وَجَرْحًا). هذا هو النوع الأول: الجناية على الأبدان والنفوس والأعضاء. وتنبّه إلى أنه لا يلزم من الجناية على البدن القتل؛ فلا يعامل من قطع يد إنسان أو رجله، أو جدع أنفه، أو شج رأسه، أو قلع ضرسه معاملة من أزهق النفس؛ ولذلك قال الله سبحانه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ثم قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٨، ١٧٩]، لكن الظاهر من صنيع المؤلف أنه أدرج تلك الأنواع بعضها مع بعض؛ ولذا قال: "وهو المسمى قتلًا وجرحًا". قوله: (وَجِنَايَاتٌ عَلَى الفُرُوجِ؛ وَهُوَ المُسَمَّى رنًا وَسِفَاحًا). النوع الثاني: الجناية على الفروج وهي الزنا والسفاح. وجاء النص على عقوبة الزنا بالنسبة للبكر في قول الله تعالى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] الآية، وأما الثيب: فحدّه الرجم، فمما نسخ تلاوة وبقي حكمه: آية: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة﴾ (١)، وجاء تفصيل ذلك مبينًا في

стр. 9217

أحاديث النبي ﷺ (١). قوله: (وَجِنَايَاتٌ عَلَى الأَمْوَالِ؛ وَهَذِهِ مَا كَانَ مِنْهَا مَأْخُوذًا بِحَرْبٍ سُمِّيَ حِرَابَةً (٢) إِذَا كَانَ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ، وَإِنْ كَانَ بِتَأْوِيلٍ سُمِّيَ بَغْيًا (٣)،

стр. 9218

وَإِنْ كَانَ مَأْخُوذًا عَلَى وَجْهِ المُعَافَصَةِ (١) مِنْ حِرْزٍ يُسَمَّى سَرِقَةً (٢)، وَمَا كَانَ مِنْهَا يَعُلو مَرْتبَةً وَقُوَّةَ سُلْطَانٍ سُمِّيَ غَصْبًا (٣). النوع الثالث؟ الجناية على الأموال، وذكر تحتها أربعة أنواع (٤): الأول: قطع الطريق: قال: "وهذا ما كان مأخوذا بحرب سمي حرابة إذا كان بغير تأويل "،

стр. 9219

والمقصود بهم قطاع الطريق، وجاء النص على عقوبتهم في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية. الثاني: البغي: قال: "بتأويل سمي بغيًا"، وهو المراد في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]. الثالث: السرقة: قال: "وإن كان مأخوذًا على وجه المعافصة من حرز يسمى سرقة"، فقوله: "على وجه المعافصة" (١) يعني: سرقهَ، والسرقة هي التي تكون من حرز؛ كصندوق أو بيت ونحوه، فلو نهب إنسان من إنسان شيئًا، أو اختلس منه شيئًا، أو نحو ذلك؛ فهذا لا يسمى سرقة؛ وإنما يعاقب عليها، ويؤخذ الحق منه. الرابع: الغصب: قال: "وما كان منها بعلو مرتبة وقوة سلطان سمي غصبًا"، فيرتبط بالغصب القوة أو السلطة والسيطرة. قوله: (وَجِنَايَاتٌ عَلَى الأَعْرَاضِ؛ وَهُوَ المُسَمَّى قَذْفًا (٢).

стр. 9220

النوع الرابع: الجناية على الأعراض؛ وهي القذف: أي: الرمي بالزنا، فإن لم يثبت؛ يحد القاذف حد القذف؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]. قوله: (وَجِنَايَاتٌ بِالتَّعَدِّي عَلَى اسْتِبَاحَةِ مَا حَرَّمَهُ الشَّرْعُ مِنَ المَأْكُولِ وَالمَشْرُوبِ؛ وَهَذِهِ إِنَّمَا يُوجَدُ فِيهَا حَدٌّ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ فِي الخَمْرِ فَقَطْ (١)؛ وَهُوَ حَدٌّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢) بَعْدَ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه). ذكر المؤلف ﵀ هنا حد شرب الخمر، وشرب الخمر فيه تعدٍّ على العقل وإفساد له، وهو رأس الفواحش؛ وقد جلد النبي ﷺ شارب الخمر (٣)، ثم لما كان زمن عمر ﵁ وقد تُجرئ على شربه، جمع الصحابة فاستشارهم، فقال علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف ﵄: أنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى فيجلد حد المفتري -وهو القذف- ثمانين جلدة" (٤)، واستقر على هذا رأي

стр. 9221

الصحابة ﵃ (١) قوله: (فَلْنَبْتَدِئ مِنْهَا بِالحُدُودِ الَّتِي فِي الدِّمَاءِ، فَنَقُولُ: إِنَّ الوَاجِبَ فِي إِتْلَافِ النُّفُوسِ وَالجَوَارِحِ هُوَ إِمَّا قِصَاصٌ وِإمَّا مَالُ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى الدِّيَةَ). أدخل المؤلف عقوبة القصاص والدية ضمن الحدود، وأكثر الفقهاء يجعلها عقوبة مستقلة، وهذا أمر اصطلاحي ولا مشاحة في الاصطلاح. قوله: (فَإِذَنْ النَّظَرُ أَوَّلًا فِي هَذَا الكِتَابِ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:

стр. 9222

النَّظَرُ فِي القِصَاصِ، وَالنَّظَرُ فِي الدِّيَةِ، وَالنَّظَرُ فِي القِصَاصِ يَنْقَسِمُ إِلَى القِصَاصِ فِي النُّفُوسِ، وَإِلَى القِصَاصِ فِي الجَوَارِحِ، وَالنَّظَرُ أَيْضًا فِي الدِّيَاتِ يَنْقَسِمُ إِلَى: النَّظَرِ فِي دِيَاتِ النُّفُوسِ، وَإِلَى النَّظَرِ فِي دِيَاتِ قَطْعِ الجَوَارِحِ وَالجِرَاحِ، فَيَنْقَسِمُ أَوَّلًا هَذَا الكِتَابُ إِلَى كتَابَيْنِ؛ أَوَّلُهُمَا: يُرْسَمُ عَلَيْهِ كِتَابُ القِصَاصِ، وَالثَّانِي: يُرْسَمُ عَلَيْهِ كِتَابُ الدِّيَاتِ). أشار المولف إشارة عامة إلى طريقته في هذا الكتاب، وأنه قسمه إلى قسمين: القسم الأول: القصاص، وينقسم إلى قسمين: الأول: القصاص في النفوس. والثاني: القصاص في الجوارح. القسم الثاني: الديات، وينقسم إلى قسمين أيضًا: الأول: ديات النفوس. والثاني: ديات قطع الجوارح أو الجراح. واعلم أن الأصل في القتل العمد القصاص، إلا إذا رضي أولياء المقتول أو بعضهم بالدية، أما القتل الخطأ وشبه العمد فليس فيه إلا الدية، وهي على العاقلة (١). وقوله: "وإلى القصاص في الجوارح ": ذلك أن القصاص لا يكون دائمًا في إزهاق النفس؛ فقد يكون في قطع عضو، أو في جدع أنف، أو قطع أذن، أو فقء عين، أو غير ذلك من أعضاء الإنسان وأجزاء بدنه. وما كان من أعضاء الإنسان واحدًا ففيه الدية كاملة؛ كاللسان والذكر، وما كان منه اثنان ففيه نصف الدية؛ كالعينين والشفتين والأذنين ونحو ذلك (٢). قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 9223

(كِتَابُ القِصَاصِ (١) وَهَذَا الكِتَابُ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: الأَوَّلُ: النَّظَرُ فِي القِصَاصِ فِي النّفُوسِ. وَالثَّانِي: النَّظَرُ فِي القِصَاصِ فِي الجَوَارحِ، فَلْنَبْدَأْ مِنَ القِصَاصِ فِي النُّفُوسِ. كِتَابُ القِصَاصِ فِي النُّفُوسِ) بدأ المؤلف ﵀ بكتاب القصاص في النفوس، والمراد: أن من قتل نفسًا ظلمًا وعدوانًا فإنه يقتل بها، إذ لا يجوز للمسلم أن يتعدى على

стр. 9224

نفس فيزهقها بغير حق، أما القتل بحق فهذا ما شرعه الله سبحانه، فالأصل في القتل الحرمة، وقد دل على ذلك الكتاب والسُّنة والإجماع. فمن الكتاب: قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]، وهذه الآية من أشد الآيات في تحريم القتل، وفي بيان شدة عقوبته، وغضب الله سبحانه ولعنه لمن يقتل مؤمنًا ظلمًا وعدوانًا، ولذلك جاء عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: "توبة القاتل لا تقبل؛ لأن هذه الآية من آخر ما نزل" (١)، ولأنه خبر، والأخبار لا يدخلها النسخ (٢).

стр. 9225

وأكثر العلماء على أن القاتل تقبل توبته إذا تاب (١)، واستدلوا على ذلك بعدة أدلة منها: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، قالوا: هذا دليل على أن الله تعالى لا يغفر لمن يموت مشركًا، أما من ارتكب معصية دون الشرك فإن ذلك تحت مشيئة الله . وقوله سبحانه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، قالوا: والقتل داخل في الذنوب. واستدلوا كذلك بما جاء في "الصحيحين" عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب، فأتاه فقال: "إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا؛ فهل له من توبة؟ " فقال: "لا"، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال: "إنه قتل مائة نفس؛ فهل له من توبة؟ " فقال: "نعم؛ مَن يحول بينه وبين التوبة، انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء" فانطلق، حتى إذا نصف الطريق فأتاه ملك الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: "جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله تعالى"، وقالت ملائكة العذاب: "إنه لم يعمل خيرًا قط "، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: "قِيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له "،

стр. 9226

فقاسوا، فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة" (١). ومن السنة: قول النبي ﷺ : "لا يحلُّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللّه وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (٢). وقد أجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق لما سبق من الأدلة (٣). والحكمة من مشروعيته: حفظ المجتمعات والنفوس، ولذا قال الله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩] فكل إنسان تحدثه نفسه أو يدفعه شيطانه لقتل آخر إذا تفكر في مآل أمره ارتدع وابتعد عن القتل، فيكون قد أحيا نفسه وأحيا غيره (٤). قوله: (وَالنَّظَرُ أَوَّلًا فِي هَذَا الكِتَابِ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: إِلَى النَّظَرِ فِي المُوجِبِ (أَعْنِي: المُوجِبَ لِلْقِصَاصِ)، وَإِلَى النَّظَرِ فِي الوَاجِبِ، أَعْنِي القِصَاصَ، وَفِي أَبْدَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ بَدَلٌ، فَلْنَبْدَأْ أَوَّلًا بِالنَّظَرِ فِي المُوجِبِ. وَالنَّظَرُ فِي المُوجِبِ يَرْجِعُ إِلَى النَّظَرِ فِي صِفَةِ

стр. 9227

القَتْلِ وَالقَاتِلِ وَالمَقْتُولِ الَّتِي يَجِبُ بِمَجْمُوعِهَا القِصَاصُ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَيُّ قَاتِلٍ اتَّفَقَ يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَلَا بِأَيِّ قَتْلٍ اتَّفَقَ، وَلَا مِنْ أَيِّ مَقْتُولٍ اتَّفَقَ، بَلْ مِنْ قَاتِلٍ مَحْدُودٍ وَمَقْتُولٍ مَحْدُودٍ، إِذْ كَانَ المَطْلُوبُ فِي هَذَا البَابِ إِنَّمَا هُوَ العَدْلُ. فَلْنَبْدَأْ مِنَ النَّظَرِ فِي القَاتِلِ، ثُمَّ فِي القَتْلِ، ثُمَّ فِي المَقْتُولِ). النظر في الموجب للقصاص: اعلم أن الموجِب للقصاص هو القتل العمد؛ كما قال الله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]. فصفة القتل الذي يوجب القصاص: هو ما كان عمدًا وظلمًا، فيخرج القتل الخطأ؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]. ويخرج ما كان قتلًا بحق؛ كإقامة حدِّ من حدود الله ، وفي الحديث: "لحدٌّ يقام في الأرض خير من أن يمطر الناس أربعين ليلة" (١). قوله: "ولا من أي مقتول اتفق … إلخ "، إشارة إلى موانع إقامة الحد، كالصغر والجنون، وعدم المكافاة بين القاتل والمقتول. قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 9228

(القَوْلُ فِي الشُّرُوطِ فَنَقُولُ: إِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ القَاتِلَ الَّذِي يُقَادُ (١) مِنْهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ بِاتِّفَاقٍ: أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا، بَالِغًا، مُخْتَارًا لِلْقَتْلِ، مُبَاشِرًا غَيْرَ مُشَارِكٍ لَهُ فِيهِ غَيْرَهُ (٢)). شروط القتل العمد الذي يوجب القصاص: أولًا: أن يكون عمدًا عدوانًا، وقد سبق تفصيل ذلك -قريبًا- في بيان صفة القتل العمد. ثانيًا: أن يكون القاتل عاقلًا بالغًا، فالمجنون والصغير غير مكلفين، وفي الحديث: "رفع القلم عن ثلاث: النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق، والصغير حتى يكبر" (٣). كذلك النائم؛ لو انقلب على إنسان بجواره -كطفل صغير مثلًا- فقتله فلا يعتبر هذا عمدًا (٤)، وإنما يدخل في قتل الخطأ فلا يقتص منه.

стр. 9229

واختلفوا في السكران (١)؛ وأكثر العلماء على أنه يقتص منه إذا قتل سكره، بخلاف المغمى عليه (٢). ثالثًا: المكافأة بين المقتول وقاتله؛ فلا يقتل مسلم بكافر، ولا حر بعبد (٣). رابعًا: أن يكون مختارًا للقتل مباشرًا له، واختلفوا فيمن أُمر بالقتل جهة التهديد -أي: إن لم يقتل قُتِل-، وسيأتي تفصيل ذلك.

стр. 9230

قوله: "مختارًا للقتل مباشرًا غير مشارك له فيه غيره ": أشار المؤلف ﵀ إلى مسألة قتل الجماعة بالواحد، وفي المسألة خلاف، والصحيح: أنهم يقتلون به؛ لما صح عن عمر ﵁ أنه: قَتَلَ نَفَرًا؛ خَمْسَةً أَوْ سَبْعَةً بِرَجُلٍ وَاحِدٍ، قَتَلُوهُ قَتْلَ غِيلَةٍ، وَقَالَ عُمَرُ: "لَوْ تَمَالأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا" (١). قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي المُكْرِهِ وَالمُكْرَهِ، وَبِالجُمْلَةِ الآمِرُ وَالمُبَاشِرُ، فَقَالَ مَالِكٌ (٢) وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَالثَّوْرِيُّ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥)،

стр. 9231

وَأَبُو ثَوْرٍ (١) وَجَمَاعَةٌ: "القَتْلُ عَلَى المُبَاشِرِ دُونَ الآمِرِ، وَيُعَاقَبُ الآمِرُ"، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: "يُقْتَلَانِ جَمِيعًا" (٢)، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ إِكْرَاهٌ، وَلَا سُلْطَانٌ لِلآمِرِ عَلَى المَأْمُورِ (٣)، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِلآمِرِ سُلْطَانٌ عَلَى المَأْمُورِ (أَعْنِي: المُبَاشِرَ)، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقَالَ قَوْمٌ: "يُقْتَلُ الآمِرُ دُونَ المَأْمُورِ، وَيُعَاقَبُ المَأْمُورُ"، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ (٤)،

стр. 9232

وَأَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ (٢). وَقَالَ قَوْمٌ: "يُقْتَلُ المَأْمُورُ دُونَ الآمِرِ"، وَهُوَ أَحَعدُ قَوْلَيِّ الشَّافِعِيِّ (٣). وَقَالَ قَوْمٌ: "يُقْتَلَان جَمِيعًا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ" (٤) (٥).

стр. 9233

فرق بين الآمر والمكرِه وبين المباشر والمكرَه، ولذا اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن يقتل المباشر دون الآمر، ويعاقب الآمر بعقوبة دون القتل؛ لأنه ما هدد القاتل ولا ألجأه، وبه قال جمهور العلماء كما حكاه المؤلف عن مالك والشافعي والثوري وأحمد وأبو ثور وجماعة. القول الثاني: يقتلان جميعًا إن لم يكن هناك إكراه ولا سلطان، أو كأن يكون الآمر سَيِّدًا والمأمور عبدًا، وبه قالت طائفة من أهل العلم. وأما إذا كان للآمر سلطانًا على المباشر للقتل، فقد اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: يقتل الآمر دون المأمور، ويعاقب المأمور، وبه قال أبو داود وأبو حنيفة، والشافعي في أحد قوليه، وهو مروي كذلك عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة ﵁ (١).

стр. 9234

القول الثاني: يقتل المأمور دون الآمر، وهو أحد قولي الشافعي. القول الثالث: يقتلان جميعًا، وبه قال مالك، وهو أظهر الأقوال؛ لأن الآمر ألجأ إلى القتل وهدد، والمباشر باشر القتل، وما كان له أن يقتل غيره لينقذ نفسه، كما لو كان في فلاة فاضطر إلى الأكل فلم يجد إلا طعامًا لا يكفي إلا مضطرًّا مثله؛ فليس له أن يأخذه منه. قوله: (فَمَنْ لَمْ يُوجِبْ حَدًّا عَلَى المَأْمُورِ، اعْتَبَرَ تَأْثِيرَ الإِكْرَاهِ فِي إِسْقَاطِ كَثِيرٍ مِنَ الوَاجِبَاتِ فِي الشَّرْعِ؛ لِكَوْنِ المُكْرَهِ يُشْبِهُ مَنْ لَا اخْتِيَارَ لَهُ). شرع المؤلف ﵀ في ذكر تعليلات تلك الأقوال التي سبقت في المسألة: فأما من لم يوجب حدًّا على المأمور: فقد اعتبر تأثير الإكراه في إسقاط كثير من الواجبات في الشرع؛ لكون المكره يشبه من لا اختيار له (١). قوله: (وَمَنْ رَأَى عَلَيْهِ القَتْلَ، غَلَّبَ عَلَيْهِ حُكْمَ الِاخْتِيَارِ، وَذَلِكَ أَنَّ المُكْرَهَ يُشْبِهُ مِنْ جِهَةٍ المُخْتَارَ، وَيُشْبِهُ مِنْ جِهَةٍ المُضْطَرَّ المَغْلُوبَ، مِثْلَ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ عُلُوٍّ، وَالَّذِي تَحْمِلُهُ الرِّيحُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ). فغلَّب هؤلاء جانب الاختيار على جانب الاضطرار. قوله: (وَمَنْ رَأَى قَتْلَهُمْ جَمِيعًا لَمْ يَعْذُرِ المَأْمُورَ بِالِإْكرَاهِ، وَلَا الآمِرَ بِعَدَمِ المُبَاشَرَةِ). وذلك أنه فيه حفظ للدماء، وسد للذريعة؛ فلربما أكره إنسان آخر على قتل شخص، فيتخذه وسيلة وذريعة لسفك الدماء.

стр. 9235

قوله: (وَمَنْ رَأَى قَتْلَ الآمِرِ فَقَطْ، شَبَّهَ المَأْمُورَ بِالآلَةِ الَّتِي لَا تَنْطِقُ (١)). وهذا واضح؛ حيث نزَّل المأمور منزلة الآلة التي تنفذ القتل ولا رأي لها. قوله: (وَمَنْ رَأَى [إِسْقَاطَ] (٢) الحَد عَلَى غَيْرِ المُبَاشِرِ، اعْتَمَدَ أَنَّهُ لَيْسَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ قَاتِلٍ إِلَّا بِالِاسْتِعَارَةِ). وذلك أنه لما تسبب في القتل نُزِّل منزلة المباشر له (٣). قوله: (وَقَدِ اعْتَمَدَتِ المَالِكِيَّةُ فِي قَتْلِ المُكْرَهِ عَلَى القَتْلِ بِالقَتْلِ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَشْرَفَ عَلَى الهَلَاكِ مِنْ مَخْمَصَةٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ إِنْسَانًا فَيَأْكُلَهُ (٤)).

стр. 9236

وقد سبق تقرير هذه الحجة عند عرض قول المالكية، والله يقول: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]. قوله: (وَأَمَّا المُشَارِكُ لِلْقَاتِلِ عَمْدًا فِي القَتْلِ؛ فَقَدْ يَكُونُ القَتْلُ عَمْدًا وَخَطَأً، وَقَدْ يَكُونُ القَاتِلُ مُكَلَّفًا وَغَيْرَ مُكَلَّفٍ، وَسَنَذْكُرُ العَمْدَ عِنْدَ قَتْلِ الجَمَاعَةِ بِالوَاحِدِ، وَأَمَّا إِذَا اشْتَرَكَ فِي القَتْلِ عَامِدٌ وَمُخْطِئٌ، أَوْ مُكَلَّفٌ وَغَيْرُ مُكَلَّفٍ؛ مِثْلَ عَامِدٍ وَصَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ، أَوْ حُرٍّ وَعَبْدٍ فِي قَتْلِ عَبْدٍ عِنْدَ مَنْ لَا يُقِيدُ مِنَ الحُرِّ بِالعَبْدِ، فَإِنَّ العُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ: فَقَالَ مَالِكٌ (١) (٢) وَالشَّافِعِيُّ (٣): "عَلَى العَامِدِ القِصَاصُ، وَعَلَى المُخْطِئِ وَالصَّبِيِّ نِصْفُ الدِّيَةِ"، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَجْعَلُهُ عَلَى العَاقِلَةِ (٤)، وَالشَّافِعِيَّ فِي مَالِهِ (٥) عَلَى مَا يَأْتِي، وَكَذَلِكَ قَالَا فِي الحُرِّ وَالعَبْدِ يَقْتُلَانِ العَبْدَ عَمْدًا أَنَّ العَبْدَ يُقْتَلُ، وَعَلَى الحُرِّ نِصْفُ القِيمَةِ (٦) (٧)، وَكَذَلِكَ الحَالُ فِي المُسْلِمِ

стр. 9237

وَالذِّمِّيِّ يُقْتَلَانِ جَمِيعًا (١) (٢) (٣)). أي: قد يشترك عامد ومخطئ، ولا يدري المخطئ بنية صاحبه، فلو قال شخص لآخر: "قم لنطرح هذه الحجارة، أو نهدم ذلك الجدار"، والآخر لا يعلم أنه تحته شخص يريد الطالب قتله، أو أخذ بالغ عاقل بيد صغير أو مجنون وقال له: "أنا أمسك لك فلان فاقتله، أو أشرك معه عبدًا في قتل عبدٍ آخر"، ففي هذه الحالة لا يقام القصاص على المخطئ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]. مسألة قتل المسلم بالذمي (٤): اختلف أهل العلم فيما لو قتل مسلم ذميًّا، والأكثر على أنه لا يقتل به. وكذلك لو قتل ذمي حربيًّا لا يقاد به، والذمي: هو صاحب العهد الذي يعطى العهد ويدفع الجزية للمسلمين.

стр. 9238

قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): إِذَا اشْتَرَكَ مَنْ يجِبُ عَلَيْهِ القِصَاصُ مَعَ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ القِصَاصُ؛ فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَعَلَيْهِمَا الدِّيَةُ، وَعُمْدَةُ الحَنَفِيَّةِ: أَنَّ هَذِهِ شُبْهَةٌ؛ فَإِنَّ القَتْلَ لَا يَتَبَعَّضُ، وَمُمْكِنٌ أَنْ تَكُونَ إِفَاتَةُ نَفْسِهِ مِنْ فِعْلِ الَّذِي لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ كَإِمْكَانِ ذَلِكَ مِمَّنْ عَلَيْهِ القِصَاصُ، وَقَدْ قَالَ ﵊: "ادْرَؤُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ" (٢)، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الدَّمُ، وَجَبَ بَدَلُهُ، وَهُوَ الدِّيَةُ، وَعُمْدَةُ الفَرِيقِ الثَّانِي: النَّظَرُ إِلَى المَصْلَحَةِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّغْلِيظَ لِحَوْطَةِ الدِّمَاءِ؛ فَكَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا انْفَرَدَ بِالقَتْلِ، فَلَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ فِي القِيَاسِ). فعند الحنيفية يسقط القصاص للشبهة؛ إذ لا يُدرى يقينًا من الذي قتل، والقصاص لا يتبعض فنصير إلى البدل وهو الدية، واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ : "ادرؤوا الحدود بالشبهات " (٣)، وبقوله: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم "، كما لو وقع إنسان على جارية مشتركه مع آخر، ظنًّا منه أنه يجوز له ذلك، فهذا فيه شبهة يُدرأ الحد بها. لكن هل مسألة الباب تعتبر من الشبهات؟ أو مما ينبغى أن تستخدم فيه القوة من باب الردع وصيانة الدماء المؤمنين؟ وهذا ما ذهب إليه الفريق الأول؛ حيث نظر إلى المصلحة التي تقتضي التغليظ في العقوبة، حتى لا يتساهل في أمر الدماء.

стр. 9239

وعلى كلٍّ فإن الإمام له أن ينظر إلى المصلحة في ذلك؛ فإن رأى المصلحة في إقامة الحد على هؤلاء جميعًا، فيقتلون؛ ردعًا لهم، وغلقًا لباب الشر حتى لا يتساهل الناس في شأن الدماء، فله أن يفعل. قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ الَّذِي يَجِبُ بِهِ القِصَاصُ؛ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ العَمْدُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ القَتْلَ صِنْفَانِ: عَمْدٌ، وَخَطَأٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي: هَلْ بَيْنَهُمَا وَسَطٌ أَمْ لَا؟ وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ شِبْهَ العَمْدِ، فَقَالَ بِهِ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ (١)، وَالمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ نَفْيُهُ إِلَّا فِي الابْنِ مَعَ أَبِيهِ (٢)، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ رِوَايَةٌ أُخْرَى (٣)، وَبِإِثْبَاتِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (٤)، وَعَلِيٌّ (٥)، وَعُثْمَانُ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (٦)،

стр. 9240

وَأَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ، وَالمُغِيرَةُ (١)، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ (٢)). بعد أن بيَّن المؤلف ﵀ موجب القصاص، شرع في بيان صفة الذي يجب به القصاص، قال: "فاتفقوا على أنه العمد"؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]، وقد سبق ذكر الخلاف في توبة القاتل العمد. واعلم أن القتل على ثلاثة أنواع، اتفقوا منها على اثنين واختلفوا في الثالث. أما الأول: فالقتل العمد: هو القتل ظلمًا بما يقتل غالبًا. والثاني: القتل الخطأ: وهو ما وقع بدون قصد. والثالث: القتل شبه العمد: وهو القتل بما لا يقتل غالبًا، وسمي بذلك لأن الفاعل فيه قَصَدَ الفعلَ ولم يقصد القتل، وقال بهذا النوع جمهور العلماء، خلافًا لمالك ﵀ (٣). واستدل الجمهور على إثبات هذا النوع بما يلي: أولًا: ما جاء في الصحيحين عن جابر ﵁ أن امرأتين من هذيل اقتتلتا، فرمت إحداهما الأُخرى بحجر فقتلتها، وما في بطنها -يعنى قتلت المرأة والجنين الذي في بطنها- فقال رسول الله ﷺ بدية الجنين -بغرة عبد أو وليدة- وقضى بديه المرأة على عاقلتها (٤).

стр. 9241

والشاهد من هذا الحديث: أن النبي ﷺ جعل الدية على العاقلة، وليس هذا قتل خطأ؛ فكل واحدة منهما قاتلت الأُخرى، ولم يكن هناك قصدٌ كما في القتل العمد، قالوا: وقد جعل النبي ﷺ الدية على العاقلة، والعاقلة لا تتحمل الدية في القتل العمد إذا رضي أولياء المقتول بالدية. إذًا هذا نوع بين القتل الخطأ والقتل العمد، وهو بالعمد أشبه. ثانيًا: ما رواه النسائي عن عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: خطب النبي ﷺ يوم فتح مكة فقال: "ألا وإن في قتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا والحجر مائة من الإبل؛ فيها أربعون ثنية إلى بازل عامها كلهن خلفة" (١)، وهذا نص في إثبات هذا النوع. قوله: (وَالَّذِينَ قَالُوا بِهِ فَرَّقُوا فِيمَا هُوَ شِبْهُ العَمْدِ مِمَّا لَيْسَ بِعَمْدٍ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ فِي الأَغْلَبِ إِلَى الآلَاتِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا القَتْلُ، وَإِلَى الأَحْوَالِ الَّتِي كَان مِنْ أَجْلِهَا الضَّرْبُ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كُلُّ مَا عَدَا الحَدِيدَ مِنَ القُضُبِ (٢) أَوِ النَّارِ وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ فَهُوَ شِبْهُ العَمْدِ (٣)؛ وَقَالَ

стр. 9242

أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: شِبْهُ العَمْدِ مَا لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ (١)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): شِبْهُ العَمْدِ: مَا كَانَ عَمْدًا فِي الضَّرْبِ، خَطَأً فِي القَتْلِ؛ أَيْ: مَا كَانَ ضَرْبًا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ القَتْلُ فَتَوَلَّدَ عَنْهُ القَتْلُ، وَالخَطَأُ: مَا كَانَ خَطَأً فِيهِمَا جَمِيعًا وَالعَمْدُ: مَا كَانَ عَمْدًا فِيهِمَا جَمِيعًا، وَهُوَ حَسَنٌ). الفرق بين القتل العمد وشبه العمد عند الفائلين به: أولًا: من حيث اآلة، فإن كان بآلة يحصل بها القتل غالبًا فهو العمد، وإن كان بآلة لا يحصل بها القتل غالبًا فهو شبه العمد. ثانيًا: من حيث الحال: فإن كان قتال عداوة فهو عمد، وإن كان في مزاح أو تأديب فهو شبه عمد. ثالثًا: من حيث الأثر: فإن كان عمدًا ففيه القصاص، وإن كان شبه عمد ففيه الدية المغلظة. - قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ نَفَى شِبْهَ العَمْدِ: أَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الخَطَإ وَالعَمْدِ، أَعْنِي: بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ القَتْلَ أَوْ لَا يَقْصِدَهُ، وَعُمْدَةُ مَنْ أَثْبَتَ

стр. 9243

الوَسَطَ: أَنَّ النِّيَّاتِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا اللهُ ﵎، وَإِنَّمَا الحُكْمُ بِمَا ظَهَرَ). هذا رجوع من المؤلف ﵀ إلى تحرير مذاهب العلماء في أنواع القتل: أما مالك ﵀ فعمدته في نفيه شبه العمد: أنه لا واسطة بين الخطأ والعمد، أي: بين أن يقصد القتل أو لا يقصده، واستدل على ذلك بظاهر قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ النساء: ٩٢]، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] فذكر نوعين لا واسطة بينهما. قوله: "أَعْنِي: بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ القَتْلَ أَوْ لَا يَقْصِدَهُ)، وَعُمْدَةُ مَنْ أَثْبَتَ الوَسَطَ: أَنَّ النِّيَّاَتِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا اللهُ ﵎". هذه من الأمور المغيبة، والناس يجكمون على الظاهر، ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥]، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]، فالله وحده عالم الغيب، وأما ما يطلع عليه أحد من خلقه؛ مثل إطلاع الرسل على بعض الغيب؛ فذلك مما يطلعهم الله عليه، كما جاء ذكر ذلك في كتاب الله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الجن: ٢٦]، فإن الله يطلع رسله على بعض أمور الغيب عن طريق الوحي، ولذلك لما قضى رسول الله ﷺ في أمر؛ فقال -عليه الصلاه والسلام-: "أيها الناس؛ إنكم تختصمون إليَّ، ولعل أحدكم يكون ألحن بحجته من الآخر -يعني: يكون إنسان صاحب حجة، صاحب عارضة، قوي العارضة، قوي البرهان، فربما بقوة بلاغته يستطيع أن يضرب عن طريق الحجة في ظهر صاحبه، وذاك لا يستطيع أن يؤدي ما في نفسه -لعل يكون أحدكما ألحن

стр. 9244

بحجته من الآخر، فأقضى على نحو مما أسمع فيما يظهر لي، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من نار، فليأخذها أو فليدعها" (١) فليحزن الذين يحتالون على الأمور، أو الذين يأتون بشهداء زور فيتوصلون إلى أخذ بعض حقوق الناس، ربما يتمتعون بذلك في الحياة الدنيا وبئس المتاع، فإن ذلك سيعقبه ضيق وحسرة وندامة، والرسول ﷺ يقول: "كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه" (٢)، ويقول ﵊ في خطبته التي وَدَّع بها المؤمنين يوم حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام" (٣). - قوله: (فَمَنْ قَصَدَ ضَرْبَ آخَرَ بِآلَةٍ تَقْتُلُ غَالِبًا). من الجناية العمد التي توجب القصاص من قصد ضرب شخص بمثقل كبير يقتل مثله غالبًا؛ كما لو أخذ مطرقة كبيرة وضربه على دماغه، أو أخذ فأسًا فضربه، أو حجرًا كبيرًا، أو حديدة كبيرة، أو خشبة كبيرة، فهذه الأشياء آلات تقتل غالبًا، ويسمونها: المثقل؛ نسبةً إلى الثقل. وقوله: "تقتل غالبًا"؛ أي: يقتل مثلها غالبًا، سواء كان من حديد أو خشب أو حجر، أو حتى من ذهب أو من فضة أو من أي شيءٍ، أو ألقى عليه حائطًا، أو بابًا كبيرًا؛ كما لو كان واقفًا، فَقَال: تعال يا فلان، فدفع عليه الباب فقتله، أو رضَّ رأسه بحجر؛ وهذا فيه النص، سيأتي في قصة اليهودية.

стр. 9245

- قوله: (كَانَ حُكْمُهُ كَحُكْمِ الغَالِبِ - أَعْنِي: حُكْمَ مَنْ قَصَدَ القَتْلَ فَقَتَلَ بِلَا خِلَافٍ) (١). يَعْني: أنَ عليه القَوَد؛ أعني: القصاص؛ لمَا روى أنس: "أن يهوديًّا قتل جاريةً على أوضاحِ لها بحجر، فقتله رسول الله ﷺ بين حجرين"، متفق عليه. وفي مسلم: "فأقاده".
следующие страницы →