والشاهد من هذا الحديث: أن النبي ﷺ جعل الدية على العاقلة، وليس هذا قتل خطأ؛ فكل واحدة منهما قاتلت الأُخرى، ولم يكن هناك قصدٌ كما في القتل العمد، قالوا: وقد جعل النبي ﷺ الدية على العاقلة، والعاقلة لا تتحمل الدية في القتل العمد إذا رضي أولياء المقتول بالدية.
إذًا هذا نوع بين القتل الخطأ والقتل العمد، وهو بالعمد أشبه.
ثانيًا: ما رواه النسائي عن عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: خطب النبي ﷺ يوم فتح مكة فقال: "ألا وإن في قتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا والحجر مائة من الإبل؛ فيها أربعون ثنية إلى بازل عامها كلهن خلفة" (١)، وهذا نص في إثبات هذا النوع.
قوله: (وَالَّذِينَ قَالُوا بِهِ فَرَّقُوا فِيمَا هُوَ شِبْهُ العَمْدِ مِمَّا لَيْسَ بِعَمْدٍ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ فِي الأَغْلَبِ إِلَى الآلَاتِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا القَتْلُ، وَإِلَى الأَحْوَالِ الَّتِي كَان مِنْ أَجْلِهَا الضَّرْبُ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كُلُّ مَا عَدَا الحَدِيدَ مِنَ القُضُبِ (٢) أَوِ النَّارِ وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ فَهُوَ شِبْهُ العَمْدِ (٣)؛ وَقَالَ
стр. 9242
أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: شِبْهُ العَمْدِ مَا لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ (١)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): شِبْهُ العَمْدِ: مَا كَانَ عَمْدًا فِي الضَّرْبِ، خَطَأً فِي القَتْلِ؛ أَيْ: مَا كَانَ ضَرْبًا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ القَتْلُ فَتَوَلَّدَ عَنْهُ القَتْلُ، وَالخَطَأُ: مَا كَانَ خَطَأً فِيهِمَا جَمِيعًا وَالعَمْدُ: مَا كَانَ عَمْدًا فِيهِمَا جَمِيعًا، وَهُوَ حَسَنٌ).
الفرق بين القتل العمد وشبه العمد عند الفائلين به:
أولًا: من حيث اآلة، فإن كان بآلة يحصل بها القتل غالبًا فهو العمد، وإن كان بآلة لا يحصل بها القتل غالبًا فهو شبه العمد.
ثانيًا: من حيث الحال: فإن كان قتال عداوة فهو عمد، وإن كان في مزاح أو تأديب فهو شبه عمد.
ثالثًا: من حيث الأثر: فإن كان عمدًا ففيه القصاص، وإن كان شبه عمد ففيه الدية المغلظة.
- قوله: (فَعُمْدَةُ مَنْ نَفَى شِبْهَ العَمْدِ: أَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الخَطَإ وَالعَمْدِ، أَعْنِي: بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ القَتْلَ أَوْ لَا يَقْصِدَهُ، وَعُمْدَةُ مَنْ أَثْبَتَ
стр. 9243
الوَسَطَ: أَنَّ النِّيَّاتِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا اللهُ ﵎، وَإِنَّمَا الحُكْمُ بِمَا ظَهَرَ).
هذا رجوع من المؤلف ﵀ إلى تحرير مذاهب العلماء في أنواع القتل:
أما مالك ﵀ فعمدته في نفيه شبه العمد: أنه لا واسطة بين الخطأ والعمد، أي: بين أن يقصد القتل أو لا يقصده، واستدل على ذلك بظاهر قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ النساء: ٩٢]، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] فذكر نوعين لا واسطة بينهما.
قوله: "أَعْنِي: بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ القَتْلَ أَوْ لَا يَقْصِدَهُ)، وَعُمْدَةُ مَنْ أَثْبَتَ الوَسَطَ: أَنَّ النِّيَّاَتِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا اللهُ ﵎".
هذه من الأمور المغيبة، والناس يجكمون على الظاهر، ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥]، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]، فالله وحده عالم الغيب، وأما ما يطلع عليه أحد من خلقه؛ مثل إطلاع الرسل على بعض الغيب؛ فذلك مما يطلعهم الله عليه، كما جاء ذكر ذلك في كتاب الله : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ [الجن: ٢٦]، فإن الله يطلع رسله على بعض أمور الغيب عن طريق الوحي، ولذلك لما قضى رسول الله ﷺ في أمر؛ فقال -عليه الصلاه والسلام-: "أيها الناس؛ إنكم تختصمون إليَّ، ولعل أحدكم يكون ألحن بحجته من الآخر -يعني: يكون إنسان صاحب حجة، صاحب عارضة، قوي العارضة، قوي البرهان، فربما بقوة بلاغته يستطيع أن يضرب عن طريق الحجة في ظهر صاحبه، وذاك لا يستطيع أن يؤدي ما في نفسه -لعل يكون أحدكما ألحن
стр. 9244
بحجته من الآخر، فأقضى على نحو مما أسمع فيما يظهر لي، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا، فإنما أقطع له قطعة من نار، فليأخذها أو فليدعها" (١) فليحزن الذين يحتالون على الأمور، أو الذين يأتون بشهداء زور فيتوصلون إلى أخذ بعض حقوق الناس، ربما يتمتعون بذلك في الحياة الدنيا وبئس المتاع، فإن ذلك سيعقبه ضيق وحسرة وندامة، والرسول ﷺ يقول: "كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه" (٢)، ويقول ﵊ في خطبته التي وَدَّع بها المؤمنين يوم حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام" (٣).
- قوله: (فَمَنْ قَصَدَ ضَرْبَ آخَرَ بِآلَةٍ تَقْتُلُ غَالِبًا).
من الجناية العمد التي توجب القصاص من قصد ضرب شخص بمثقل كبير يقتل مثله غالبًا؛ كما لو أخذ مطرقة كبيرة وضربه على دماغه، أو أخذ فأسًا فضربه، أو حجرًا كبيرًا، أو حديدة كبيرة، أو خشبة كبيرة، فهذه الأشياء آلات تقتل غالبًا، ويسمونها: المثقل؛ نسبةً إلى الثقل.
وقوله: "تقتل غالبًا"؛ أي: يقتل مثلها غالبًا، سواء كان من حديد أو خشب أو حجر، أو حتى من ذهب أو من فضة أو من أي شيءٍ، أو ألقى عليه حائطًا، أو بابًا كبيرًا؛ كما لو كان واقفًا، فَقَال: تعال يا فلان، فدفع عليه الباب فقتله، أو رضَّ رأسه بحجر؛ وهذا فيه النص، سيأتي في قصة اليهودية.
стр. 9245
- قوله: (كَانَ حُكْمُهُ كَحُكْمِ الغَالِبِ - أَعْنِي: حُكْمَ مَنْ قَصَدَ القَتْلَ فَقَتَلَ بِلَا خِلَافٍ) (١).
يَعْني: أنَ عليه القَوَد؛ أعني: القصاص؛ لمَا روى أنس: "أن يهوديًّا قتل جاريةً على أوضاحِ لها بحجر، فقتله رسول الله ﷺ بين حجرين"، متفق عليه.
وفي مسلم: "فأقاده".
стр. 9246
يعني: رَضَّ رأسَها بين حجرين، ألقاها على حجر وضربها بالآخر، فسال دمها، وانفجر رأسها، ولكن بقي بها رمق.
وقوله: (فقتله رسول الله ﷺ بين حجرين).
هذا فيه المثلة، قُتِلَ بمثل ما قَتل به.
وَمَعْنى قوله في رواية مسلم: (فأقاده)؛ يعني: أقَام عليه القود، القصاص.
(وَمَنْ قَصَدَ ضَرْبَ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ بِآلَةٍ لَا تَقْتُلُ غَالِبًا؛ كَانَ حُكْمُهُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ العَمْدِ وَالخَطَإ، وَهَذَا فِي حَقِّنَا لَا فِي "حَقِّ الآمِرِ (١) نَفْسِهِ" عِنْدَ اللهِ تَعَالَى.
وذَلكَ: أن يقصد جنايةً؛ إما لقصد العدوان عليه، أو قصد التأديب له، فيسرف فيه بما لا يقتل غالبًا، ولم يجرحه بها فيقتله، قصد قتله أو لم يقصده، سُمِّي بذلك؛ لأنه قصد الفعل، وأخطأ في القتل.
- قوله: (أَمَّا شَبَهُهُ العَمْد: فَمِنْ جِهَةِ مَا قَصَدَ ضَرْبَهُ).
فَهو قَدْ قصد العدوان وإنْ لم يقصد القتل؛ فاشتبه مع العمد في أمر القصد.
- قوله: (وَأَمَّا شَبَهُهُ لِلْخَطَإ: فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ ضَرَبَ بِمَا لَا يَقْصِدُ بِهِ القَتْلَ).
ضَربه بعصا أو وَكَزه؛ وقد وكز موسى ﵇ القبطي، فقضى عليه.
стр. 9247
- قوله: (وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَلَا إِنَّ قَتْلَ (١) الخَطَإ شِبْهِ العَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالعَصَا وَالحَجَرِ، دِيَتُهُ مُغَلَّظَةٌ مِائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُويهَا أَوْلَادُهَا" (٢)).
فَالحديثُ يدلُّ على إثبات شبه العمد خلافًا لقول مَنْ صار إلى أنه ليس إلا العمد المحض، أو الخطأ المحض.
- قوله: (إِلَّا أَنَّهُ حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ لَا يَثْبُتُ مِنْ جِهَةِ الإِسْنَادِ فِيمَا ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ (٣)، وَإِنْ كَانَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ قَدْ خَرَّجَهُ (٤)).
هَذَا الحَديث مختلفٌ فيه بين أهل العلم.
قَوْله: (فَهَذَا النَّحْوُ مِنَ القَتْلِ عِنْدَ مَنْ لَا يُثْبِتُهُ يَجِبُ بِهِ القِصَاصُ، وَعِنْدَ مَنْ أَثْبَتَهُ تَجِبُ بِهِ الدِّيَةُ).
هَذَا هو أثرُ الخلاف بين الفقهاء في القتل شبه العمد.
- قوله: (وَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الضَّرْبَ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ
стр. 9248
الغَضَبِ وَالنَّائِرَةِ يجِبُ بِهِ القِصَاصُ (١)، وَاخْتُلِفَ فِي الَّذِي يَكُونُ عَمْدًا عَلَى جِهَةِ اللَّعِبِ، أَوْ عَلَى جِهَةِ الأدَبِ لِمَنْ أُبِيحَ لَهُ الأَدَبُ، وَأَمَّا الشَّرْطُ الَّذِي يجِبُ بِهِ القِصَاصُ فِي المَقْتُولِ، فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُكَافِئًا لِدَمِ القَاتِلِ).
يريد المؤلف ﵀ أن يتكلم عن شرطٍ من شروط وجوب القصاص، وهو المكافأة.
стр. 9249
- قوله: (وَالَّذِي بهِ تَخْتَلِفُ النُّفُوسُ هُوَ الإِسْلَامُ وَالكُفْرُ وَالحُرِّيَّةُ وَالعُبُودِيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالأُنُوثِيَّةُ وَالوَاحِدُ وَالكَثِيرُ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ المَقْتُولَ إِذَا كَانَ مُكَافِئًا لِلْقَاتِلِ فِي هَذِهِ الأرْبَعَةِ أَنَّهُ يجِبُ القِصَاصُ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الأَرْبَعَةِ إِذَا لَمْ تَجْتَمِعْ، أَمَّا الحُرُّ إِذَا قَتَلَ العَبْدَ عَمْدًا، فَإِنَّ العُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ مَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢) وَاللَّيْثُ (٣) وَأَحْمَدُ (٤) وَأَبُو ثَوْرٍ (٥): لَا يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ).
لَا يُقْتل حرٌّ بعَبْدٍ؛ لقول الله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، فيدل على أنه لا يُقْتل به الحرُّ.
وقال عليٌّ ﵁: "ومن السنة ألَّا يقتل حر بعبد" (٦).
- قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (٧): يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ إِلَّا عَبْدَ نَفْسِهِ).
ومَعْنى قول أبي حنيفة: أنه لو قتل عبد غيره يُقْتل به، ولو قتل عبده الذي تحته لم يُقْتل به.
стр. 9250
(وَقَالَ قَوْمٌ: يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ؛ سَوَاءٌ أَكَانَ عَبْدَ القَاتِلِ أَوْ عَبْدَ غَيْرِ القَاتِلِ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ (١).
قال: يُقْتل به؛ لعموم النصوص، ولقَوْله ﷺ : "المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ" (٢)؛ ولأنه معصوم قتل ظلمًا، فيجب القصاص على قاتلِهِ كالحرين والعبدين.
- قوله: (فَمَنْ قَالَ: لَا يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ، احْتَج بِدَلِيلِ الخِطَابِ المَفْهُومِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]).
قال الرازي في "تفسيره" (٣): "واحتجوا عليه بوجوهٍ:
الأوَّل: أن الألفَ واللامَ في قوله: ﴿الْحُرُّ﴾ تفيد العموم فقوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ يفيد أن يقتل كل حرٍّ بالحر، فلو كان قتل حرٍّ بعبد مشروعًا، لكان ذلك الحرُّ مقتولًا لا بالحرِّ، وذلك ينافي إيجاب أن يكون كل حرٍّ مقتولًا بالحر.
الثاني: أنَّ الباءَ من حروف الجر، فيكون متعلقًا لا محالة بفعلٍ، فيكون التقدير: الحر يقتل بالحر، والمبتدأ لا يكون أعمَّ من الخبر، بل إما أن يكون مساويًا له، أو أخص منه، وعلى التقديرين فهذا يقتضي أن يكون كلُّ حرّ مقتولًا بالحرِّ، وذلك ينافي كون حر مقتولًا بالعبد.
الثالث: وهو أنه تعالى أوجب في أول الآية رعاية المماثلة، وهو قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، فلما ذكر عَقيبه قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، دل ذلك على أن رعايةَ التسوية في الحرية والعبدية معتبرة؛
стр. 9251
لأن قوله: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ خرج مخرجَ التفسير؛ لقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، وإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد إهمال لرعاية التسوية في هذا المعنى، فوجب ألا يكون مشروعًا".
- قوله: (وَمَنْ قَالَ بِقْتَلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ، احْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﵊: "المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ") (١).
وَوَجْه استدلَالهم: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُفرِّق بين حُرٍّ وعَبْدٍ.
- قوله: (فَسَبَبُ الخِلَافِ مُعَارَضَةُ العُمُومِ لِدَلِيلِ الخِطَابِ، وَمَنْ فَرَّقَ فَضَعِيفٌ).
مَن فرَّق فقال: لا يُقْتل الحرُّ بالعبد، فإنَّ استدلالَه ضعيف.
- قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ العَبْدَ يُقْتَلُ بِالحُرِّ، وَكَذَلِكَ الأَنْقَصُ بِالأَعْلَى).
العَبْد يُقْتل بالحر؛ لأنه إذا قُتِلَ الحرُّ بالحرِّ، فمن باب أولى أن يُقْتل العبد بالحر.
- قوله: (وَمِنَ الحُجَّةِ أَيْضًا لِمَنْ قَالَ: يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ: مَا رَوَاهُ الحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ، قَتَلْنَاهُ بِهِ" (٢).
هذَا الحديث لا تقوم به حجةٌ؛ لأن أكثر أهل العلم يقولون: إن الحسنَ لم يسمع من سمرةَ، وأيضًا فلو كان صحيحًا عن الحسن ما كان خالفه؛ فقد كان يُفْتي بأنه لا يُقتل الحرُّ بالعبد.
أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِعَهْدِهِ" (١).
- قوله: (وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ).
عن النزال بن سبرةْ أن رجلًا من المسلمين قَتلَ رجلًا من أهل الحيرة، فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر: "أَن اقتُلُوه به"، فقيل لأخيه حنين: اقتله، قال: "حتى يجيء الغضب"، قال: فبلغ عمر أنه من فرسان المسلمين، قال: فكتب عمر: "ألَّا تقيدوه به"، قال: فجاءه الكتاب وقد قتل (٢).
(قَالُوا: وَهَذَا مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: "لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ"، أَيْ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الكَافِرُ الحَرْبِيُّ دُونَ الكَافِرِ المُعَاهَدِ).
وَقَالوا أيضًا: فحُكْم كل كلام النبي ﷺ أن يُحْملَ على فائدةٍ مجددةٍ، ولو حَمَلناه على ما قلت، لسقطت فائدته؛ لأنه يَكُون مقصورًا على النهي عن بعض العهد، وخفر الأمان، وقتل مَنْ لا يستحق القتل، وهذا معنًى قد علمناه بغير هذا الخبر، فاقتضى الخبر فائدة غيره، ولا فائدة فيه إلا ما وصفنا.
- قوله: (وَضَعَّفَ أَهْلُ الحَدِيثِ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلْمَانِيِّ (٣).
قال ابن عد البر: "هذا حديث منقطع لا يثبته أحدٌ من أهل العلم بالحديث لضعفه" (٤).
- قوله: (وَمَا رَوَوْا مِنْ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ).
قال ابن عبد البر: "ورَوَوا فيه عن عمر ﵁ حديثًا لا حُجَّة لهم
стр. 9255
فيه … لو كان القتل عليه واجبًا، ما كان عمر ليكتب ألا يقتل؛ لأنه من فرسان المسلمين؛ لأن الشريف والوضيع ومَنْ فيه غنًى ومَنْ ليس فيه غنًى في الحق سواء، وقد رُوِيَ هذا الخبر بما دل عليه أنه شاور، فقال له -إما عليٌّ وإما غيره- فإنَّه لا يجب عليه قتلٌ، فكتب ألا يقتل" (١).
فَعَن النزال بن سبرة قال: قتل رجل من فرسان الكوفة عباديًّا من أهل الحيرة، فكتب عمر أن أقيدوا أخاه منه، فدفعوا الرجل إلى أخي العبادي، فقتله، ثم جاء كتاب عمر ألا تقتلوه، وقد قتله (٢).
- قوله: (وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ القِيَاسِ، فَإِنَّهُمُ اعْتَمَذُوا عَلَى إِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ فِي أَنَّ يَدَ المُسْلِمِ تُقْطَعُ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الذِّمِّيِّ، قَالُوا: فَإِذَا كَانَتْ حُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ مَالِ المُسْلِمِ، فَحُرْمَةُ دَمِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ، فَسَبَبُ الخِلَافِ تَعَارُضُ الآثَارِ وَالقِيَاسِ).
قال ابن عبد البر ﵀: "وَاحتجُّوا بالإجماع علَى أن المسلمَ تُقْطع يده إذا سرق من مال ذمِّيٍّ، فنفسه أحرى أن تؤخذ بنفسه، وهذا لعمري قياسٌ حسنٌ لولا أنه باطلٌ عند الأثر الصحيح، ولا مدخل للقياس والنظر مع صحة الأثر" (٣).
- قوله: (وَأَمَّا قَتْلُ الجَمَاعَةِ بِالوَاحِدِ).
مثال ذلك: اجتمع جماعة، فَوضعوا حديدة؛ كسكين أو غيرها عند مفصل يد رجلٍ، ثم تحاملوا جميعًا عليها، اشتركوا جميعًا في الضغط.
(فَإِنَّ جُمْهُورَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ قَالُوا: تُقْتَلُ الجَمَاعَةُ بِالوَاحِدِ، مِنْهُمْ:
стр. 9256
مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَالثَّوْرِيُّ (٤)، وَأَحْمَدُ (٥)، وَأَبُو ثَوْرٍ (٦) وَغَيْرُهُمْ (٧)، سَوَاءٌ كثُرَتِ الجَمَاعَةُ أَوْ قَلَّتْ).
فِي هذِهِ الحالة يجب عند جمهور الفقهاء القصاص عليهم جميعًا؛ لاشتراكهم في ذلك.
(وَبِهِ قَالَ عُمَرُ حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا).
عَنْ سَعيد بن المُسيَّب، أنَّ عمر بن الخطاب قتل نفرًا، خمسةً أو سبعةً برجلٍ واحدٍ قتلوه قتلَ غيلةٍ، وقال عمر: "لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا" (٨).
- قوله: (وَلَكِنْ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ هَذَا إِنَّمَا كَانَ يَلْزَمُ لَوْ لَمْ يَقْتُلْ مِنَ الجَمَاعَةِ أَحَدٌ، فَأَمَّا إِنْ قَتَلَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ وَهُوَ الَّذِي مِنْ قَتْلِهِ يُظَنُّ إِتْلَافُ النَّفْسِ غَالِبًا عَلَى الظَّنِّ، فَلَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ يَبْطُلَ الحَدُّ حَتَّى يَكُونَ سَبَبًا لِلتَّسْلِبطِ عَلَى إِذْهَابِ النُّفُوسِ، وَعُمْدَةُ مَنْ قَتَلَ الوَاحِدَ بِالوَاحِدِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]).
أي: لأنَّ الله سبحانه شرط المساواة، ولا مساواة بين الجماعة والواحد.
والجواب: أنَّ المرادَ بالقصاص في الآية قَتْل مَنْ قتل كائنًا مَنْ كان، ردًّا على العرب التي كانت تريد أن تقتل بمَنْ قتل مَنْ لم يقتل، وتقتل في مقابلة الواحد مائة، افتخارًا واستظهارًا بالجاه والمقدرة، فأمر الله سبحانه بالعدل والمساواة، وذلك بأن يقتل مَنْ قتل (١).
- قَوْله: (وَأَمَّا قَتْلُ الذَّكَرِ بِالأُنْثَى، فَإِنَّ ابْنَ المُنْذِرِ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ ذَكَرَ الخِلَافَ حَكَى أَنَّهُ إِجْمَاعٌ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنَ الصَّحَابَةِ).
حَكَى ابْن المنذر في "الأوسط" الإجماعَ على أنَّ الذكر يقتصُّ منه في قَتْل الأنثى، وحكَاه عن قومٍ منهم الأئمَّة الأربعة (٢).
- قَوْله: (وَعَنْ عُثْمَانَ البَتِّيِّ أَنَّهُ إِذَا تُتِلَ الرَّجُلُ بِالمَرْأَةِ، كَانَ عَلَى أَوْلِيَاءِ المَرْأَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ).
стр. 9259
حكَاه عنه ابن عبد البَر في: "الاستذكار" بعد أن نقلَ الإجماع على قتل الذَّكَر بالأنثى (١).
- قَوْله: (وَحَكَى القَاضِي أَبُو الوَلِيدِ البَاجِيُّ فِي "المُنْتَقَى" عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الذَّكرُ بِالأُنْثَى).
قال الباجي ﵀: "الرجل يُقْتل بالمرأة، والمرأة بالرجل، وعليه جمهور الفقهاء، ورُوِيَ عن الحسن البصريِّ: لا يُقْتل الرجل بالمرأة" (٢).
- قوله: (وَحَكَاهُ الخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ، وَهُوَ شَاذٌّ، وَلَكِنَّ دَلِيلَهُ قَوِيٌّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]).
قال الخَطَّابي ﵀: "وفيه دليلٌ على وجوب قتل الرجل بالمرأة، وهو قول عامة أهل العلم إلا الحسن البصري وعطاء، فإنهما زعما أن الرجل لا يُقْتل بالمرأة" (٣).
- قوله: (وَإِنْ كَانَ يُعَارِضُ دَلِيلَ الخِطَابِ هَاهُنَا العُمُوم الَّذِي فِي قَوْلى تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، لَكِنْ يَدْخُلُهُ أَنَّ هَذَا الخِطَابَ وَارِدٌ فِي غَيرِ شَرِيعَتِنَا، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، أَعْنِي: هَلْ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا أَمْ لَا؟).
اختلف الأصوليون في هذه المسألة على أقوالٍ (٤):
الأول: شرع من قبلنا شرع لنا إلا ما ثبت نسخه.
стр. 9260
الثاني: شرع من قبلنا ليس بشرع لنا.
الثالث: شرع إبراهيم خاصة شرعٌ لنا، وما سواه ليس بشرع لنا.
- قوله: (وَالِاعْتِمَادُ فِي قَتْلِ الرَّجُلِ بِالمَرْأَةِ هُوَ النَّظَرُ إِلَى المَصْلَحَةِ العَامَّةِ، وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا البَابِ فِي الأَبِ وَالابْنِ، فَقَالَ مَالِكٌ (١): لَا يُقَادُ الأَبُ بِالابْنِ إِلَّا أَنْ يُضجِعَهُ فَيَذْبَحَهُ، فَأَمَّا إِنْ حَذَفَهُ بِسَيْفٍ أَوْ عَصًا فَقَتَلَهُ، لَمْ يُقْتَلْ، وَكَذَلِكَ الجَدُّ عِنْدَهُ مَعَ حَفِيدِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَالثَّوْرِيُّ (٤): لَا يُقَادُ الوَالِدُ بِوَلَدِهِ، وَلَا الجَدُّ بِحَفِيدِهِ إِذَا قَتَلَهُ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ أَوْجُهِ العَمْدِ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ) (٥).
المرَاد به: عدم الاقتصاص عن الوالد إن قتل ولده، وهو قول الجمهور.
وقال مالك: يُقَاد إذا ذبحه ذبحًا، وإن قتل الوالد ولده ضربًا بالسيف، فلا قصاصِ عليه؛ لاحتمال أنه ضربه تأديبًا، وأتى على النفس من غير قصدٍ، وإنْ ذبَحه فَعَليه القصاص؛ لأنه عمد بلا شبهة ولا تأويل، بل جناية الأب أغلظ؛ لأن فيه قطع الرحم، وهو كمَنْ زنى بابنته، فإنه يلزم الحد.
انتقل المؤلف ﵀ إلى بيان ما هو الواجب على من قتل عمدًا - وهو القصاص- فيُقتل بمن قتل، أو العفو إن عفا ولي الدم، والعفو: إما على الدية وإما على غير دية، لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ثم بين العلة فقال: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وهذا من خصائص هذه الشريعة؛ إذ لم يكن في الشرائع السابقة إلا القصاص …
- قوله: (وَاخْتَلَفوا: هَلِ الانْتِقَالُ مِنَ القِصَاصِ إِلَى العَفْوِ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ لِوَلِيِّ الدَّمِ دونَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِيَارٌ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ؟ أَمْ لَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ إِلَّا بِتَرَاضِي الفَرِيقَيْنِ (أَعْنِي: الوَلِيَّ وَالقَاتِلَ)؟ وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُرِدِ المُقْتَصُّ مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ لَمْ يَكنْ لِوَلِيِّ الدَّمِ إِلَّا القِصَاصُ مُطْلَقًا أَوِ العَفْوُ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يجِبُ لِلْوَلِيِّ إِلَّا أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ عَنْ غَيْرِ دِيَةٍ إِلَّا أَنْ يَرْضَى (١) بِإِعْطَاءِ الدِّيَةِ لِلْقَاتِلِ (٢) وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ القَاسِمِ عَنْهُ (٣)، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤)،
стр. 9264
وَالثَّوْرِيُّ (١)، وَالأَوْزَاعِيُّ (٢)، وَجَمَاعَةٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَحْمَدُ (٤)، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ المَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: وَلِيُّ الدَّمِ بِالخِيَارِ؛ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، رَضِيَ القَاتِلُ أَوْ لَمْ يَرْضَ، وَرَوَى ذَلِكَ أَشْهَبُ (٥) عَنْ مَالِكٍ إِلَّا أَنَّ المَشْهُورَ عَنْهُ هِيَ الرِّوَايَةُ الأُولَى).
أي: إذا تنازل أولياء القتيل عن القصاص مقابل الدية فهل تتعين بذلك؟ أم لا بد من موافقة القاتل؟ اختنف العلماء في هذه المسألة على قولين:
الأول: أن الدية تتعين بذلك، ولا خيار للقاتل؛ لأن في ذلك حفظًا لنفسه، وإليه ذهب الجمهور.
стр. 9265
الثاني: أنه ليس لولي الدم إلا القصاص، أو العفو من غير دية، إلا أن يرضى القاتل بدفع الدية، وإليه ذهب مالك، وغالب أصحابه على الأول.
وهذا القول -أي: الأول- يلتقي مع روح الشريعة؛ لأنه لو أبى يكون قد عرض نفسه للقتل، وهو مأمور بحفظها.
- قوله: (فَعُمْدَةُ مَالِكٍ فِي الرِّوَايَةِ المَشْهُورَةِ: حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ سِنِّ الرُّبَيِّعِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ" (١)، فَعُلِمَ بِدَلِيلِ الخِطَابِ (٢) أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلَّا القِصَاصُ).
ذكر المؤلف الحديث مختصرًا تبعًا لابن عبد البر، حيث أورده كذلك في كتابه "الاستذكار" (٣) وهو في "الصحيحين" بسياق أتم، والشاهد فيه قوله: "كتاب الله القصاص"، فلم يخيّرهم بين القصاص وبين الدية، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فدلَّ ذلك على أن ليس لهم الدية إلا إذا وافق القاتل (٤).
وأجيب عن ذلك: بأن أولياء تلك المرأة التي كُسرت ثنيتها طلبوا القصاص (٥)،
стр. 9266
فبيَّن لهم النبي ﷺ أن ما جاء في كتاب الله هو القصاص (١).
- قوله: (وَعُمْدَةُ الفَرِيقِ الثَّانِي: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الثَّابِتُ: "مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيل فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ وَبَيْنَ أَنْ يَعْفُوَ" (٢)، هُمَا حَدِيثَان مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِمَا، لَكِنَّ الأَوَّلَ ضَعِيفُ الدِّلَالَةِ قِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلَّا القِصَاصُ، وَالثَّانِي: نَصٌّ فِي أَنَّ لَهُ الخِيَارَ، وَالجَمْعُ بَيْنَهُمَا يُمْكِنُ إِذَا رُفِعَ دَلِيلُ الخِطَابِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الجَمْعُ وَاجِبًا وَمُمْكِنًا فَالمَصِيرُ إِلَى الحَدِيثِ الثَّانِي وَاجِبٌ. وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الجَمْعَ وَاجِبٌ إِذَا أَمْكَنَ، وَأَنَّهُ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وَإِذَا عُرِضَ عَلَى المُكَلَّفِ فِدَاءُ نَفْسِهِ بِمَالٍ، فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهَا، أَصْلُهُ إِذَا وَجَدَ الطَّعَامَ فِي مَخْمَصَةٍ بِقِيمَةِ مِثْلِهِ، وَعِنْدَهُ مَا يَشْتَرِيهِ (أَعْنِي: أَنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِشِرَائِهِ)، فَكَيْفَ بِشِرَاءِ نَفْسِهِ؟).
استدل أصحاب القول الثاني -وهو الراجح- بحديث أبي هريرة ﵁ وهو نص صريح في المسألة.
ولاحظ هنا أن المؤلف ﵀ لم يتعصب لمذهبه المالكي في هذه المسألة، بل ضعف احتجاج المالكية، وقوله: "وإذا عرض على المكلف فداء نفسه بمال فواجب عليه أن يفديها"، إشارة إلى أن الإنسان يفدي نفسه
стр. 9267
بأضعاف مضاعفة، فكيف يعرض نفسه للقتل مقابل أن يدفع الدية؟ فهو قد ارتكب ذنبًا واستحق القصاص، فالواجب أن يحمد الله أن عفي عنه وطلبت الدية.
- قوله: (وَيَلْزَمُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ أَوْلِيَاءُ صِغَارٌ وَكبَارٌ أَنْ يُؤَخِّرَ القَتْلَ إِلَى أَنْ يَكْبُرَ الصِّغَارُ فَيَكُونَ لَهُمُ الخِيَارُ (١)، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الصِّغَارُ يَحْجُبُونَ الكِبَارَ مِثْلَ البَنِينَ مَعَ الإِخْوَةِ (٢)).
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز أن يستوفي الكبار الحق في القصاص أو أن ينتقلوا إلى الدية بل ينتظر الصغار إلى أن يبلغوا، وذهب إلى ذلك الشافعية والحنابلة، وهو قول الأكثر.
القول الثاني: إلى أنه يجوز للكبار أن يستوفوا الحق في القصاص،
стр. 9268
أو الانتقال إلى الدية، ولا يلزم انتظار بلوغ الصغار، وإليه ذهب الحنفية والمالكية.
واستدل أصحاب هذا القول بفعل الصحابة؛ حيث إن الحسن بن علي ﵄ قتل ابن ملجم قاتل علي، وكان له ورثة صغارًا، فقتله ولم ينتظر بلوغهم (١).
وأجاب أصحاب القول الأول: بأن قتل ابن ملجم إنما كان لإلحاده وبغيه وإفساده فى الأرض، ولأنه كان خارجيًّا سالًّا للسيف على الأمة.
مع اتفاقهم على انتظار الغائب (٢) من أولياء القتيل، وألا يتم القصاص أو العفو إلا بعد حضوره.
- قوله: (قَالَ القَاضِي: وَقَدْ كَانَتْ وَقَعَتْ هَذِهِ المَسْأَلَةُ بِقُرْطُبَةَ حَيَاةَ جَدِّي ﵀، فَأَفْتَى أَهْلُ زَمَانِهِ بِالرِّوَايَةِ المَشْهُورَةِ؛ وَهُوَ أَنْ لَا يُنْتَظَرَ الصَّغِيرُ، فَأَفْتَى هُوَ ﵀ بِانْتِظَارِهِ عَلَى القِيَاسِ، فَشَنَّعَ أَهْلُ زَمَانِهِ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ التَّقْلِيدِ حَتَّى اضْطُرَّ أَنْ يَضَعَ فِي ذَلِكَ قَوْلًا يَنْتَصِرُ فِيهِ لِهَذَا المَذْهَبِ، وَهُوَ مَوْجُود بِأَيْدِي النَّاسِ).
قوله: "قال القاضي" يقصد نفسه كما سبق التنبيه على ذلك مرارًا.
стр. 9269
قوله: "فأفتى هو ﵀ بانتظاره على القياس"، أي: على الغائب، وقد قلتم بوجوب انتظاره، وربما طال أمد غيابه سنين.
قوله: "فشنع أهل زمانه ذلك عليه … إلخ"، أي: لتجرئه على مخالفة المذهب، وهذا من التعصب الأعمى الذي يطمس معالم الحق ويغطي الضياء عن صاحبه، فلا يدرك الحق وإن كان واضحًا، فاضطر إلى أن يضع كتابًا في هذه المسألة بيانًا للحق، لا دفاعًا عن نفسه، فلا يلزم أن يكون الحق محصورًا في مذهب من المذاهب.
والصواب في هذه المسألة هو ما انتصر له ابن رشد ﵀ وهو قول أكثر العلماء.
- قوله: (وَالنَّظَرُ فِي هَذَا البَابِ هُوَ فِي قِسْمَيْنِ: فِي العَفْوِ وَالقِصَاصِ. وَالنَّظَرُ فِي العَفْوِ فِي شَيْئَيْنِ، أَحَدُهُمَا: فِيمَنْ لَهُ العَفْوُ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ، وَتَرْتِيبُ أَهْلِ الدَّمِ فِي ذَلِكَ، وَهَلْ يَكُونُ لَهُ العَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ أَمْ لَا؟ وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِي هَلْ لَهُ العَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ؟).
سبق الكلام عن هذه المسألة، وأن له العفو على الدية، ولكن اختلفوا فيه من جهة هل هو مرتبط بموافقة القاتل أم لا؟
والصواب: أنه لا يحتاج إلى موافقته؛ لأن فيه صيانة لنفسه، فيحمد الله أن قد تنازل الأولياء عن القصاص.
- قوله: (وَأَمَّا مَنْ لَهُمُ العَفْوُ بِالجُمْلَةِ فَهُمُ الَّذِينَ لَهُمُ القِيَامُ بِالدَّمِ، وَالَّذِينَ لَهُمُ القِيَامُ بِالدَّمِ هُمُ العَصَبَةُ عِنْدَ مَالِكٍ (١)، وَعِنْدَ غَيْرِهِ: كلُّ مَنْ يَرِثُ (٢)؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ المَقْتُولَ عَمْدًا إِذَا كَانَ لَهُ بَنُونَ
стр. 9270
بَالِغُونَ فَعَفَا أَحَدُهُمْ أَنَّ القِصَاصَ قَدْ بَطَلَ وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ (١))،
انتقل المؤلف إلى مسألة أُخرى وهي: من له حق العفو؟
فذهب مالك ﵀ إلى أن من لهم حق العفو هم من لهم حق القيام بالدم؛ وهم العصبة.
وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنه حق كل من يرث، كما أنه لا خلاف بينهم على أن من قتل عمدًا، وكان له بنون بالغون فعفا أحدهم؛ فقد سقط القصاص ووجبت الدية.
- قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي اخْتِلَافِ البَنَاتِ مَعَ البَنِينَ فِي العَفْوِ أَوْ القِصَاصِ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ أَوِ الزَّوْجُ وَالأَخَوَاتُ، فَقَالَ مَالِكٌ (٢): لَيْسَ
стр. 9271
لِلْبَنَاتِ وَلَا الأَخَوَاتِ قَوْلٌ مَعَ البَنِينَ وَالإِخْوَةِ فِي القِصَاصِ أَوْ ضِدِّهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ، وَكَذَلِكَ الأَمْرُ فِي الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَالشَّافِعِيُّ: (١) كُلُّ وَارِثٍ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فِي إِسْقَاطِ القِصَاصِ، وَفِي إِسْقَاطِ حَظِّهِ مِنَ الدِّيَةِ، وَفِي الأَخْذِ بِهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: الغَائِبُ مِنْهُمْ وَالحَاضِرُ وَالصَّغِيرُ وَالكَبِيرُ سَوَاءٌ، وَعُمْدَةُ هَؤُلَاءِ: اعْتِبَارُهُمُ الدَّمَ بِالدِّيَةِ، وَعُمْدَةُ الفَرِيقِ الأَوَّلِ: أَنَّ الوِلايَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلذُّكُورِ دُونَ الإِنَاثِ).
أي: إذا حصل العفو من البنات أو من واحدة منهن؛ هل يسقط القصاص أو لا؟ وكذلك الأمر بالنسبة للزوجة أو الزوجات؟
فذهب مالك ﵀ إلى أنه ليس للبنات أو الأخوات قول مع البنين أو الإخوة، وهو الصحيح إذ لا دليل على التفريق، ولأن الولاية إنما هي للذكران دون الإناث.
وذهب أبو حنيفة والثوري والشافعي وأحمد إلى اعتبار قول كل وارث في إسقاط القصاص، أو في إسقاط حظه من الدية، وذلك لأنهم يعتبرون الدم بالدية، وأيضًا قاسوا هذه المسألة على مسألة النكاح، لكن يرد عليهم بأن النكاح وردت فيه نصوص خاصة كقول النبي ﷺ : "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (٢)، وقوله: "لا تزوج المرأة
خِلَافٌ فِي أَنَّهُ لَا يُسْقِطُ ذَلِكَ طَلَبَ الوَلِيِّ الدِّيَةَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَفْوُهُ عَنِ الدَّمِ لَا ئسْقِطُ حَقَّ الوَلِيِّ، فَأَحْرَى أَنْ لَا يُسْقِطَ عَفْوَهُ عَنِ الجُرْحِ).
خلط المؤلف بين مسألتين في باب الجراحات، والأولى التفصيل، وذلك أن الجراحات إما أن تكون مما يشىرع فيها القصاص، وإما مما لا يجب فيها القصاص.
فإن كان مما يشرع فيها القصاص: فجمهور العلماء على القول بجواز العفو.
وأما إن كان مما لا يجب فيها القصاص ثم سرت بعد ذلك إلى النفس: فذهب بعض العلماء إلى أن لأولياء القتيل المطالبة بالقصاص، أو الدية، أو العفو.
وأما قول مالك: "لهم ذلك إلا أن يقول عفوت عن الجراحات وعما تؤول إليه" فهذا في الجراحات التي لا قصاص فيها (١).
إِلَّا أَنْ يَكُونَ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ، فَيُؤَدِّبُهُ الإِمَامُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى. وَلَا عُمْدَةَ لِلطَّائِفَةِ الأُولَى إِلَّا أَثَرٌ ضَعِيفٌ (١). وَعُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ: ظَاهِرُ الشَّرْعِ، وَأَنَّ التَّحْدِيدَ فِي ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا يِتَوْقِيفٍ، وَلَا تَوْقِيفَ ثَايِتٌ فِي ذَلِكَ).
أشار المؤلف هنا إلى مسألة مهمة؛ وهي إذا عفا الأولياء عن القاتل عمدًا؛ هل يبقى للسلطان حق فيه أم لا؟
فذهب مالك والليث إلى أنه يبقى للسلطان حق، فيحبس سنة ويجلد مئة، استنادًا إلى أثر روي في ذلك عن عمر ﵁.
كما أن المالكية بنوا ذلك على الاستصلاح -أي: المصالح المرسلة- فإذا عفى ولي الدم فللإمام أن يؤدبه من قبيل المصلحة.
وذهب الجمهور إلى أنه لم يبق للسلطان حق، وليس على القاتل شيءٌ من ذلك؛ لأن هذا حق للولي فسقط بإسقاطه، وهو حق واحد لا يتجزأ.
وعلة هذا القول: أن إيجاب أي حكم شرعي لا يكون إلا بنص أو قياس صحيح، وهذا غير متحقق هنا، وأجابوا عن أثر عمر ﵁ بأنه ضعيف لا تقوم به حجة.
وذهب أبو ثور ﵀ إلى أنه لا يجب على القاتل شيء، إلا إذا كان معروفًا بالشر؛ فللإمام أن يؤدبه على قدر ما يرى.