← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 9276–9315 · переход к 9281.

стр. 9276

وَمُحَمَّدٌ (١): إِذَا عَفَا عَنِ الجِرَاحَةِ وَمَاتَ فَلَا حَقَّ لَهُمْ، وَالعَفْوُ عَنِ الجِرَاحَاتِ عَفْوٌ عَنِ الدَّمِ. وَقَالَ قَوْمٌ (٢): بَلْ تَلْزَمُهُمُ الدِّيَةُ إِذَا عَفَا عَنِ الجِرَاحَاتِ مُطْلَقًا، وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تَلْزَمُ (٣) الجَارِحَ الدِّيَةُ كُلُّهَا، وَاخْتَارَهُ المُزَنِيُّ (٤) مِنْ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ (٥)، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَلْزَمُ مِنَ الدِّيَةِ مَا بَقِيَ مِنْهَا بَعْدَ إِسْقَاطِ دِيَةِ الجُرْحِ الَّذِي عَفَا عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ (٦) (٧)، وَأَمَّا مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَا يَعْفُو عَنِ الدَّمِ؛ فَلَيْسَ يُتَصَوَّرُ مَعَهُ

стр. 9277

خِلَافٌ فِي أَنَّهُ لَا يُسْقِطُ ذَلِكَ طَلَبَ الوَلِيِّ الدِّيَةَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَفْوُهُ عَنِ الدَّمِ لَا ئسْقِطُ حَقَّ الوَلِيِّ، فَأَحْرَى أَنْ لَا يُسْقِطَ عَفْوَهُ عَنِ الجُرْحِ). خلط المؤلف بين مسألتين في باب الجراحات، والأولى التفصيل، وذلك أن الجراحات إما أن تكون مما يشىرع فيها القصاص، وإما مما لا يجب فيها القصاص. فإن كان مما يشرع فيها القصاص: فجمهور العلماء على القول بجواز العفو. وأما إن كان مما لا يجب فيها القصاص ثم سرت بعد ذلك إلى النفس: فذهب بعض العلماء إلى أن لأولياء القتيل المطالبة بالقصاص، أو الدية، أو العفو. وأما قول مالك: "لهم ذلك إلا أن يقول عفوت عن الجراحات وعما تؤول إليه" فهذا في الجراحات التي لا قصاص فيها (١).

стр. 9278

- قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي القَاتِلِ عَمْدًا يُعْفَى عَنْهُ؛ هَلْ يَبْقَى لِلسُّلْطَانِ فِيهِ حَقٌّ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَاللَّيْثُ: إِنَّهُ يُجْلَدُ مِائَةً وَيُسْجَنُ سَنَةً، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ المَدِينَةِ (٢)، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ (٣)، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ (الشَّافِعِيُّ (٤) وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ (٥)): لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ (٦):

стр. 9279

إِلَّا أَنْ يَكُونَ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ، فَيُؤَدِّبُهُ الإِمَامُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى. وَلَا عُمْدَةَ لِلطَّائِفَةِ الأُولَى إِلَّا أَثَرٌ ضَعِيفٌ (١). وَعُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ: ظَاهِرُ الشَّرْعِ، وَأَنَّ التَّحْدِيدَ فِي ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا يِتَوْقِيفٍ، وَلَا تَوْقِيفَ ثَايِتٌ فِي ذَلِكَ). أشار المؤلف هنا إلى مسألة مهمة؛ وهي إذا عفا الأولياء عن القاتل عمدًا؛ هل يبقى للسلطان حق فيه أم لا؟ فذهب مالك والليث إلى أنه يبقى للسلطان حق، فيحبس سنة ويجلد مئة، استنادًا إلى أثر روي في ذلك عن عمر ﵁. كما أن المالكية بنوا ذلك على الاستصلاح -أي: المصالح المرسلة- فإذا عفى ولي الدم فللإمام أن يؤدبه من قبيل المصلحة. وذهب الجمهور إلى أنه لم يبق للسلطان حق، وليس على القاتل شيءٌ من ذلك؛ لأن هذا حق للولي فسقط بإسقاطه، وهو حق واحد لا يتجزأ. وعلة هذا القول: أن إيجاب أي حكم شرعي لا يكون إلا بنص أو قياس صحيح، وهذا غير متحقق هنا، وأجابوا عن أثر عمر ﵁ بأنه ضعيف لا تقوم به حجة. وذهب أبو ثور ﵀ إلى أنه لا يجب على القاتل شيء، إلا إذا كان معروفًا بالشر؛ فللإمام أن يؤدبه على قدر ما يرى.

стр. 9280

قال المصنف رحمه الله تعالى: القَوْلُ فِي القِصَاصِ وَالنَّظَرُ فِي القِصَاصِ هُوَ فِي صِفَةِ القِصَاصِ، وَمِمَّنْ يَكُونُ؟ وَمَتَى يَكُونُ؟ فَأَمَّا صِفَةُ القِصَاصِ فِي النَّفْسِ: فَإِنَّ العُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُقْتَصُّ مِنَ القَاتِلِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي قَتَلَ، فَمَنْ قَتَلَ تَغْرِيقًا قُتِلَ تَغْرِيقًا، وَفَنْ قَتَلَ بِضَرْبٍ بِحَجَرٍ قُتِلَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (١) وَالشَّافِعِيُّ (٢)، قَالُوا: إِلَّا أَنْ يَطُولَ تَعْذِيبُهُ بِذَلِكَ فَيَكُونَ السَّيْفُ لَهُ أَرْوَحَ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ (٣) فِيمَنْ حَرَقَ آخَرَ؛ هَلْ يُحْرَقُ؟ مَعَ مُوَافَقَتِهِمْ

стр. 9281

لِمَالِكٍ فِي احْتِذَاءِ صُورَةِ القَتْلِ؟ وَكَذَلِكَ فِيمَنْ قَتَلَ بِالسَّهْمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١) (٢) وَأَصْحَابُهُ: بِأَيِّ وَجْهٍ قَتَلَهُ لَمْ يُقْتَلْ إِلَّا بِالسَّيْفِ. وَعُمْدَتُهُمْ: مَا رَوَى الحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا قَوَدَ إِلَّا بِحَدِيدَةٍ" (٣)، وَعُمْدَةُ الفَرِيقِ الأَوَّلِ: حَدِيثُ أَنَسٍ: "أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَخَ (٤) رَأْسَ امْرَأَةٍ بِحَجَرٍ، فَرَضَخَ النَّبِيُّ ﷺ رأَسَهُ بِحَجَرٍ، أَوْ قَالَ: بَيْنَ حَجَرَيْنِ" (٥)، وقَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [لبقرة: ١٧٨]، وَالقِصَاصُ يَقْتَضِي المُمَاثَلَةَ). انتقل المؤلف إلى حكم آخر من أحكام القصاص؛ وهو كيفية القصاص وصفته، وذلك راجع إلى اختلاف القِتْلة، فهناك من يقتل بحديدة، وهناك من يقتل بحجر، وهناك من يذبح، وهناك من يخنق، وهناك من يلقي في بئر أو يغرق أو يحرق، وهناك من يعذب بقطع الأطراف مثلًا ثم يقتل، إلى غير ذلك من الصور.

стр. 9282

فهل يقتصر على السيف أو أنه يقتل على الكيفية التي بها قَتَل؟ فذهب مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه إلى: أنه يقتص من القاتل على الصفة التي قتل، إلا أن يطول تعذيبه بذلك؛ فيكون السيف له أروح، فمن قتل تغريقًا قتل تغريقًا، ومن قتل بضرب حجر قتل بمثل ذلك، ومن قتل خنقًا قتل خنقًا، ومن رمى غيره في بئر عمدًا فقتله فعل به كذلك، ومن هدم جدارًا على رجل حتى مات يفعل به كذلك أيضًا. واستدلوا على ذلك بما يلي: أولًا: قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، قال المؤلف: "والقصاص يقتضي المماثلة". ولو ذكر المؤلف الآية الأُخرى التي استدل بها الجمهور وهي قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥] لكان أنسب. ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. ثالثًا: الحديث المتفق عليه من حديث أنس ﵁: "أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَخَ رَأْسَ أمْرَأَةٍ بِحَجَرٍ، فَرَضَخَ النَّبِيُّ ﷺ رأَسَهُ بِحَجَرٍ، أَوْ قَالَ: بَيْنَ حَجَرَيْنِ" (١). واختلف المالكية فيمن حرق آخر؛ فجمهورهم على أنه لا يحرق، لأنه قد جاء النهي عن التعذيب بالنار، قال النبي ﷺ : "لا يعذب بالنار إلا

стр. 9283

ربُّ النار" (١)، وذهبت قلة منهم إلى أنه يحرق. وذهب أبو حنيفة، ورواية عن أحمد إلى: أن القاتل لا يقتل بالسيف، مهما كان وجه قتله. واستدلوا على ذلك بقول النبي ﷺ : "لا قود إلا بحديدة" (٢)، وفي رواية: "لا قود إلا بالسيف". وأجاب الجمهور: بأنه حديث ضعيف. ثانيًا: استدلوا بقول النبي ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته" (٣)، فإذا كان ذلك مع الحيوان فالإنسان من باب أولى، فهو أعظم وأشد حرمة. ولذا قال بعضهم: لا ينفذ القصاص إلا بحضور السلطان، أو من ينيبه، حتى لا يحصل حيف وتجاوز، ولربما قتله بسيف غير حاد فيؤذيه (٤).

стр. 9284

تتمة: هناك صورة أُخرى لم يشر إليها المؤلف؛ وهي القتل بمُحرَّم، كأن يجرعه الخمر حتى يموت، أو يرتكب معه جريمة حتى يقتله؟ والجواب: أنه لا يقتل بمحرم، وللشافعية في هذا وجه؛ لكنه ضعيف، والصحيح: أنه إذا قتل بمحرم فإنه لا يقتل به، وإنما بالسيف. - قوله: (وَأَمَّا مِمَّنْ يَكُونُ القِصَاصُ؟ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ وَلِيِّ الدَّمِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْهُ لِمَكَان العَدَاوَةِ، وَمَخَافَةَ أَنْ يَجُورَ فِيهِ (١)). قوله: "ممن يكون القصاص"، أي: من الذي يتولى تنفيذ القصاص؟ فقيل: يتولاه ولي الدم، واستدلوا بقصة الرجل الذي جاء بمن قتل أخاه يجره ممسكًا به فقال: يا رسول الله: "هذا قتل أخي"، فقال له النبي ﷺ : "خذه فاقتله" (٢). وقيل: بل السلطان، أو نائبه، وأجابوا عن الحديث: بأن لفظه عام فيحتمل. وعند المالكية (٣) والشافعية والحنابلة: أنه يتعين حضور السلطان أو من ينوب عنه؛ خشية حدوث تجاوز من ولي الدم. - قوله: (وَأَمَّا مَتَى يَكُونُ القِصَاصُ؟ فَبَعْدَ ثُبُوتِ مُوجِبَاتِهِ، وَالإِعْذَارِ إِلَى القَاتِلِ فِي ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا). موجبات القصاص: أولًا: أن يكون عمدًا؛ سواء كان في النفس، أو فيما دون النفس. ثانيًا: أن يكون القاتل مكلفًا بالغًا عاقلًا.

стр. 9285

ثالثًا: حصول التكافؤ بين القاتل والمقتول. رابعًا: أن يثبت ذلك يقينًا، فلا يقتص من شخص بمجرد الظن. - قوله: (وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شَرْطِ القِصَاصِ أَنْ لَا يَكُونَ المَوْضِعُ الحَرَمَ؟). أشار المؤلف هنا إلى مسألة مهمة؛ وهي إقامة القصاص في الحرم المكي، وقد جاءت نصوص كثيرة في تعظيم شأن الحرم وحرمة سفك الدم فيه، من ذلك قول النبي ﷺ : "إن الله حرم مكة، ولم يحرمها الناس" (١) الحديث وفيه: "فلا يسفك فيها دم"، وقال ﷺ : "إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فلا يسفك فيها دم"، وإقامة الحد أو القصاص في الحرم هذا ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يرتكب موجب الحد أو القصاص داخله، فلا خلاف بين العلماء (٢) على إقامة الحد عليه، أو القود منه فيه. الثاني: أن يرتكب الجاني الجناية خارج الحرم فيلجأ إلى الحرم، فذهب أبو حنيفة (٣)، وأحمد (٤) في المشهور عنه إلى: أنه لا يقام عليه

стр. 9286

الحد طالما هو فيه، ولكن يضيق عليه فيه حتى يخرج فيقام عليه القصاص أو الحد. وروي عن أحمد في غير المشهور عنه: التفريق بين الحد وبين القصاص (١). وذهب مالك والشافعي إلى أنه: يقام عليه القصاص والحد في الحرم؛ لقول النبي ﷺ : "إن الحرم لا يعيذ عاصيًا" (٢)، ولأن النبي ﷺ قتل ابن الأخطل وهو متعلق بأستار الكعبة (٣).

стр. 9287

- قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الحَامِلَ إِذَا قَتَلَتْ عَمْدًا أَنَّهُ لَا يُقَادُ مِنْهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا (١)). لأنه لو اقتيد منها وهي حامل أدى ذلك إلى قتل حملها، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، فهذا تعدٍّ، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ (٢). - قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي القَاتِلِ بِالسَّمِّ؛ وَالجُمْهُورُ (٣) عَلَى وُجُوبِ القِصَاصِ؛ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ (٤): لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ -عَلَيْهِ

стр. 9288

الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- سُمَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَنْ سَمَّهُ (١). كَمُلَ كتَابُ القِصَاصِ فِي النَّفْسِ). قوله: "واختلفوا في القتل بالسم"، أي: إذا وضع له السم ليقتله به، أما إن خلط السم بغيره فإنه لا يقتل به (٢). واختلف أهل العلم في القتل بالسم على قولين: القول الأول: أنه يقتص منه، وحده -أي: عقوبته- ضربة بالسيف، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد وهي رواية عن الشافعي، فلا فرق عند الجمهور بين القتل بالسم أو السيف. القول الثاني: أنه لا يُقتل به؛ لأنه أكل ذلك اختيارًا، وإليه ذهب أهل الظاهر، ورواية عن الشافعي. واحتج هؤلاء بما رواه البخاري في قصة اليهودية التي أتت بشاة مسمومة إلى النبي ﷺ فأكل منها، وأن النبي ﷺ لم يقتل تلك اليهودية (٣).

стр. 9289

ولكن يجاب عنه: بما جاء في رواية أبي داود (١): أن بشر بن البراء أكل من تلك الشاة فمات وأن الرسول ﷺ قتل المرأة به، إذن فالقتل بالسم كالقتل بغيره، ويقتص من فاعله، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وهذا قتيل فينبغي أن يؤخذ حقه، قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقد جاءت السنة بقتل المرأة اليهودية، كما في رواية أبي داود سالفة الذكر. - قوله:

стр. 9290

([كِتَابُ الجِرَاحِ (١)] وَالجِرَاحُ صِنْفَانِ: مِنْهَا مَا فِيهِ القِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ أَوِ العَفْوُ، وَمِنْهَا مَا فِيهِ الدِّيَةُ أَوِ العَفْوُ، وَلْنَبْدَأْ بِمَا فِيهِ القِصَاصُ، وَالنَّظَرُ أَيْضًا هَاهُنَا: فِي شُرُوطِ الجَارِحِ، وَالجُرْحِ الَّذِي بِهِ يَحِقُّ القِصَاصُ، وَالمَجْرُوح، وَفِي الحُكْمِ الوَاجِبِ الَّذِي هُوَ القِصَاصُ، وَيي بَدَلِهِ إِنْ كَانَ لَهُ بَدَلٌ). شرع المصنف في ذكر الأحكام المتعلقة بالجراح، وقصده ما كان منها عن عمد كأن يتعمد فقء عينه أو كسر أنفه أو نحو ذلك، أما إذا لم يكن عامدًا قاصدًا فهو شبه عمد، وإن لم يكن هناك قصد أصلًا فهو الخطأ. ومراد المؤلف: الأول، فهو الذي يترتب عليه القصاص أو الدية، أما غير العمد ففيه الدية أو العفو. قال المصنف رحمه الله تعالى: (القَوْلُ فِي الجَارِحِ وَيُشْتَرَطُ فِي الجَارحِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا، كَمَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي القَاتِلِ،

стр. 9291

وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا، وَالبُلُوغُ يَكُونُ بِالِاحْتِلَامِ (١) وَالسِّنِّ (٢) بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ الخِلَافُ فِي مِقْدَارِهِ؛ فَأَقْصَاهُ ثَمَانِيَ عَشَرَةَ سَنَةً (٣)، وَأَقَلُّهُ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٤)). قوله: "ويشترط في الجارح"، أي: المتعدي "أن يكون مكلفًا"، والمكلف هو البالغ العاقل؛ لقول النبي ﷺ : "رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصغير حتى يبلغ" (٥)، والبلوغ بالنسبة للذكر يحصل بأحد أمور ثلاثة، وهي:

стр. 9292

أولًا: الاحتلام. ثانيًا: الإنبات، وهو إنبات الشعر في الموضع المعروف حول القُبُل. ثالثًا: السن، واختلف العلماء في تحديد السن الذي يكون به البلوغ؛ فقيل: خمس عشرة سنة، وقيل: ثمان عشرة سنة. أما الأنثى؛ فإنه يعرف بلوغها بواحد من هذه الثلاثة، ويضاف إليها رابعًا؛ وهو الحيض (١). * قوله: ((٢) وَلَا خِلَافَ أَنَّ الوَاحِدَ إِذَا قُطِعَ عُضْوُ إِنْسَانٍ وَاحِدٍ اقْتُصَّ مِنْهُ إِذَا كَانَ مِمَّا فِيهِ اقْتِصَاصٌ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا قَطَعَتْ جَمَاعَةٌ عُضْوًا وَاحِدًا، فَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: لَا تُقْطَعُ يَدَانِ في يَدٍ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: تقْطَعُ الأَيْدِي بِاليَدِ الوَاحِدَةِ (٣)، كَمَا تقْتَلُ عِنْدَهُمُ الأَنْفُسُ

стр. 9293

بِالنَّفْسِ الوَاحِدَةِ، وَفَرَّقَتِ الحَنَفِيَّةُ (١) بَيْنَ النَّفْسِ وَالأَطْرَافِ؛ فَقَالُوا: لَا تُقْطَعُ أَعْضَاءٌ بِعُضْوٍ، وَتُقْتَلُ أَنْفُسٌ بِنَفْسٍ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الأَطْرَافَ تَتَبَعَّضُ، وَإِزْهَاقَ النَّفْسِ لَا يَتَبَعَّضُ). صورة المسألة: أن يشترك خمسة مثلًا في قطع يد رجل، فهل تقطع يد واحدة أو تقطع أيدي أولئك الخمسة؟ ذهب مالك وهو مشهور مذهب الإمام أحمد: إلى قطع أيدي الجميع؟ كما هو الحال فيما لو اشترك جماعة في قتل رجل قإنهم يقتلون به جميعًا، بل إن إزهاق النفس أعظم من إتلاف عضو، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩]، كما أن في هذا القول سدًّا للذريعة، كما هو واضح عند التأمل. وذهب الحنفية إلى أنه لا تقطع إلا يد واحدة، واستدلوا بما جاء عن علي ﵁: أن رجلين أتياه برجل فقالا: "هذا سرق "، وشهدا فقطع علي ﵁ يده، ثم جاءا بآخر، وقالا: "يا أمير المؤمنين؛ هذا هو السارق، وقد أخطأنا"، فلم يجز شهادتهما، وغرمهما دية يد الأول، وقال: "لو أعلمكما تعمدتما لقطعتكما" (٢) (٣).

стр. 9294

* قوله: (وَاخْتُلِفَ فِي الإِنْبَاتِ؛ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): هُوَ بُلُوغٌ

стр. 9295

بِإِطْلَاقٍ، وَاخْتَلَفَ المَذْهَبُ (١) فِيهِ فِي الحُدُودِ، هَلْ هُوَ بُلُوغٌ فِيهَا أَمْ لَا؟ وَالأصْلُ فِي هَذَا كلِّهِ حَدِيثُ بَنِي قُرَيْظَةَ: "أَنَّهُ ﷺ قَتَلَ مِنْهُمْ مَنْ أَنْبَتَ وَجَرَى عَلَيْهِ المَوَاسِي" (٢)، كمَا أَنَّ الأَصْلَ فِي السِّنّ "حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يَقْبَلْهُ، وَقَبِلَهُ يَوْمَ الخَنْدَقِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً" (٣). قوله: "واختلف في الإنبات؛ فقال الشافعي: هو بلوغ بإطلاق ": هذا وَهْم من المؤلف ﵀ في إطلاق نسبة هذا القول للشافعي، بل هذا مذهب مالك، وأحمد (٤)، وفصّل الشافعي ﵀ فعنده هو بلوغ بإطلاق بالنسبة للكافر، أما المسلم فعنه فيه روايتان. * قوله: (وَاخْتَلَفَ المَذْهَبُ فِيهِ فِي الحُدُودِ؛ هَلْ هُوَ بُلُوغٌ فِيهَا أَمْ لَا؟ وَالأَصْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ: حَدِيثُ بَنِي قُرَيْظَةَ "أَنَّهُ ﷺ قَتَلَ مِنْهُمْ مَنْ أَنْبَتَ وَجَرَى عَلَيْهِ المَوَاسِي "، كَمَا أَنَّ الأَصْلَ فِي السِّنِّ: "حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يَقْبَلْهُ، وَقَبِلَهُ يَوْمَ الخَنْدَقِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً" (٥)).

стр. 9296

قوله: "المواسي" المواسي: جمع الموسى، ونسب إلى المواسي؛ لأن العانة إنما تحلق بها، وجاء في بعض روايات حديث عطية القرضي: "فنظروا في عانتي، فلم تكن قد نبتت ". قوله: "كما أن الأصل في السن حديث ابن عمر"، الحديث رواه أحمد (١)، والبخاري، ومسلم وأكثر أهل السنن (٢)، وفيه: "أنه عرضه يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يقبله، وقبله يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة"، ولا خلاف بين أهل العلم أن غزوة أحد كانت في شوال من السنة الثالثة (٣)، وإنما اختلفوا في غزوة الخندق -أي: الأحزاب- أكانت في العام الرابع أو الخامس؟ (٤)، فإن كانت في العام الرابع- وهذا الذي رحجه كثير من العلماء (٥) - فلا إشكال في ذلك، إذ يكون سن ابن عمر ﵁ يومئذ خمس عشرة سنة، وإن كانت في العام الخامس فهذا موضع إشكال؛ إذ يكون سنه يومئذ ست عشرة سنة. وأجاب بعض العلماء فقال: لعله لما عرض يوم أحد لم يكن قد بلغ الرابعة عشرة، وإنما دخل فيها، فلما كان يوم الخندق كان قد أكمل الخمس عشرة سنة ودخل في السادسة عشرة (٦).

стр. 9297

قال المصنف رحمه الله تعالى: (القَوْلُ فِي المَجْرُوحِ وَأَمَّا المَجْرُوحُ؛ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ دَمُهُ مُكَافِئًا لِدَمِ الجَارح). انتقل المؤلف ﵀ إلى الكلام عن المجروح، أي: الذي أصيب بالجرح، والجروح كثيرة، منها: - الموضحة: وهي التي توضح العظم وتبرزه. - الهاشمة: وهي التي توضح العظام وتهشمه. - المنقلة: وهي التي تزيد على المنقلة، بأن تنقل العظام بحيث تحتاج إلى جمع لتلتئم. - المأمومة: وهي التي تصل إلى أم الدماغ، وأم الدماغ جلدته. واتفق العلماء على أن في الموضحة القصاص، وما زاد عليها ففيه الدية، وسيأتي الكلام عنها مفصلًا إن شاء الله تعالى (١). ولكن لا بد من توافر شروط في هذا المجروح، ومنها: أولًا: التكافؤ بينه وبين الجارح، فلا يقتص لكافر من مسلم، ولا لعبد من حر، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وقيده أبو حنيفة بكونه سيده، واستدلوا بقول عمر ﵄: "لو لم أسمع من

стр. 9298

رسول الله ﷺ : ألا يقاد مملوك من مالكه، لأقدتك منه" (١)، يعني لأقمت القصاص عليك. ثانيًا: إمكان استيفاء القصاص، فلو تجاوز الجرح الموضحة كأن يكون هاشمة أو منقلة ينتقل إلى الدية (٢)، ففي الهاشمة عشر من الإبل، وفي المنقلة خمسة عشر. * قوله: (وَالَّذِي يُؤَثِّرُ فِي التَّكَافُؤِ العُبُودِيَّةُ وَالكُفْرُ. أَمَّا العَبْدُ وَالحُرُّ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ القِصَاصِ بَيْنَهُمَا فِي الجُرْحِ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي النَّفْسِ؛ فَمِنْهُمْ (٣) مَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يُقْتَصرُّ مِنَ الحُرِّ لِلْعَبْدِ، وَيُقْتَصُّ لِلْحُرِّ مِنَ العَبْدِ كَالحَالِ فِي النَّفْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّهُ يُقْتَصُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الجُرْحِ وَالنَّفْسِ (٤)، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ؛ فَقَالَ: يُقْتَصُّ مِنَ الأَعْلَى لِلأدْنَى فِي النَّفْسِ وَالجُرْحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُقْتَصُّ مِنَ النَّفْسِ

стр. 9299

دُونَ الجُرْحِ، وَعَنْ مَالِكٍ (١) الرِّوَايَتَانِ. وَالصَّوَابُ: كَمَا يُقْتَصُّ مِنَ النَّفْسِ أَنْ يُقْتَصَّ مِنَ الجُرْحِ، فَهَذِهِ هِيَ حَالُ العَبِيدِ مَعَ الأَحْرَارِ). فحاصل كلام المؤلف: أنه كما يقتص في الجرح يقتص في النفس، وإن لم يكن فلا؛ لأنها نفس ولا فرق أن يعتدى عليها بإزهاقها، أو بإتلاف عضو منها. ومن قال بالتفريق بين النفس والعضو؛ فحجتهم أن الأجزاء تتبعض، أما النفس فهي شيء واحد ليس فيه إلا إزهاق. * قوله: (وَأَمَّا حَالُ العَبِيدِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، فَإِنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِيهِمْ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّ القِصَاصَ بَيْنَهُمْ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ (٢) وَجَمَاعَةٍ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ (٣)،

стр. 9300

وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (١)، وَالقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا قِصَاصَ بَيْنَهُمْ لَا فِي النَّفْسِ وَلَا فِي الجَرْحِ، وَأَنَّهُمْ كَالبَهَائِمِ، وَهُوَ قَوْلُ الحَسَنِ (٢)، وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَجَمَاعَةٍ (٣)، وَالثَّالِثُ: أَنَّ القِصَاصَ بَيْنَهُمْ فِي النَّفْسِ دُونَ مَا دُونَهَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤)، وَالثَّوْرِيُّ (٥)، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (٦). وَعُمْدَةُ الفَرِيقِ الأَوَّلِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وَعُمْدَةُ الحَنَفِيَّةِ: مَا رُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ: "أَنَّ عَبْدًا لِقَوْمٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ عَبْدٍ لِقَوْمٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَقْتَصَّ مِنْهُ" (٧)، فَهَذَا هُوَ حُكْمُ النَّفْسِ).

стр. 9301

أمَّا جراحات العبيد بعضهم مع بعض؛ فللعلماء فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يقتص بينهم في النفس وما دونها، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، وهو المروي عن عمر بن الخطاب، وتمسك أصحاب هذا القول بعموم قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، فيقاد العبيد بعضهم من بعض. القول الثاني: أنه لا قصاص بينهم لا في النفس ولا في الجرح، وهو قول الحسن وابن شبرمة وجماعة. واعتبر هؤلاء مالية العبد، وأنه سلعة تباع وتشترى، والقود منه يترتب عليه ضرر لمالكه. أما قول المؤلف: "وأنهم كالبهائم "، فهذه لفظة ما تنبغي، ولكن هؤلاء نظروا إليهم من حيث كونهم يباعون ويشترون، وإلا فإن للعبيد كرامة؟ لعموم قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، فكيف إذا كانوا أرقاء مؤمنين؟! ولذا قال النبي ﷺ فيهم: "إخوانكم -يعني خَدَمكم- خَوَلُكم" (١).

стр. 9302

القول الثالث: أن القصاص بينهم في النفس دون ما دونها، وبه قال أبو حنيفة والثوري، وروي كذلك عن ابن مسعود ﵁. واستدل أصحاب هذا القول: بما روي عن عمران بن حصين ﵁: "أن عبدًا لقوم فقراء قطع أذن عبد لقوم أغنياء، فأتوا رسول الله ﷺ فلم يقتص منه "، وفي بعض ألفاظ الحديث كما عند أصحاب السنن (١) والحاكم (٢): "فلم يجعل الرسول ﷺ شيئًا ". * * * قال المصنف رحمه الله تعالى: (القَوْلُ فِي الجَرْحِ وَأَمَّا الجَرْحُ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ العَمْدِ، أَعْنِي: الجَرْحَ الَّذِي يجِبُ فِيهِ القِصَاصُ). مر بنا أن الذي يقتص منه هو القاتل عمدًا، أما شبه العمد فلا يقتص منه عند الجمهور، خلافًا للمالكية إلا في الابن مع أبيه (٣). * قوله: (وَالجُرْحُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ يُتْلِفُ جَارِحَةً مِنْ جَوَارحِ المَجْرُوحِ أَوْ لَا يُتْلِفُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُتْلِفُ جَارِحَةً؛ فَالعَمْدُ فِيهِ: هُوَ أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَهُ عَلَى وَجْهِ الغَضَبِ بِمَا يَجْرَحُ غَالِبًا، وَأَمَّا إِنْ جَرَحَهُ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ، أَوِ اللَّعِبِ بِمَا لَا يُجْرَحُ بِهِ غَالِبًا، أَوْ عَلَى وَجْهِ الأَدَبِ،

стр. 9303

فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الخِلَافُ الَّذِي يَقَعُ فِي القَتْلِ الَّذِي يَتَوَلَّدُ عَنِ الضَّرْبِ فِي اللَّعِبِ (١) وَالأَدَبِ بِمَا لَا يَقْتُلُ كَالِبًا، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ (٢) يَعْتَبِرُ الَالَةَ حَتَّى يَقُولَ: إِنَّ القَاتِلَ بِالمُثَقَّلِ لَا يُقْتَلُ وَهُوَ شُذُوذٌ مِنْهُ، أَعْنِي: بِالخِلَافِ هَلْ فِيهِ القِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ؟ إِنْ كَانَ الجُرْحُ مِمَّا فِيهِ الدِّيَةُ). شرع المؤلف هنا في ذكر حالات الجرح، فقال: "فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُتْلِفُ جَارِحَةً؛ فَالعَمْدُ فِيهِ: هُوَ أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَهُ عَلَى وَجْهِ الغَضَبِ بِمَا يَجْرَحُ غَالِبًا"، فهذا فيه تعدٍّ وقصد. وأما إن جرحه على وجه اللعب؛ كاثنين يتمازحان، فرمى أحدهما الآخر بشيء، فجرحه دون قصد إلحاق الضرر به، فلا يعد هذا من قبيل العمد. وإن ضربه على وجه الأدب؛ كمدرس تجاوز في ضرب تلميذٍ فمات، أو تعطلت حاسة من حواسه؛ فهذا يعتبر من باب الخطأ؛ لأنه لم يقصد التعدي، بل ضربه بما لا يقتل غالبًا. قوله: "وهو شذوذ منه "، أي: من أبي حنيفة ﵀ وهو كما قال، فإذا لم يقتل المثقل، فما الذي يقتل؟ فليس شرطًا أن يكون القتل بالسيف، فتنبه.

стр. 9304

* قوله: (وَأَمَّا إِنْ كَانَ الجُرْحُ قَدْ أَتْلَفَ جَارِحَةً مِنْ جَوَارحِ المَجْرُوحِ، فَمِنْ شَرْطِ القِصَاصَ فِيهِ العَمْدُ أَيْضًا بِلَا خِلَافٍ، وَفِي تَمْيِيزِ العَمْدِ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ العَمْدِ خِلَافٌ. أَمَّا إِذَا ضَرَبَهُ عَلَى العُضْوِ نَفْسِهِ فَقَطَعَهُ، وَضَرَبَهُ بِآلَةٍ تَقْطَعُ العُضْوَ غَالِبًا، أَوْ ضَرَبَهُ عَلَى وَجْهِ النَّائِرَةِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ فِيهِ القِصَاصَ (١)). قوله: "النائرة"، أي: العداوة، كأنها نار تشتعل في قلب صاحبها، فيغضب ويثور، والأمر فيها واضح. * قوله: (وَأَمَّا إِنْ ضَرَبَهُ بِلَطْمَةٍ أَوْ سَوْطٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا الظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إِتْلَافَ العُضْوِ مِثْلَ أَنْ يَلْطِمَهُ فَيَفْقَأَ عَيْنَهُ، فَالَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ: أَنَّهُ شِبْهُ العَمْدِ وَلَا قِصَاصَ فِيهِ (٢)، وَفيهِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ فِي مَالِهِ، وَهِيَ رِوَايَةُ العِرَاقِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ، وَالمَشْهُورُ فِي المَذْهَبِ: أَنَّ ذَلِكَ

стр. 9305

عَمْدٌ وَفِيهِ القِصَاصُ، إِلَّا فِي الأَبِ مَعَ ابْنِهِ (١)). أشار المؤلف هنا إلى أنه لو ضربه بلطمة أو سوط ففقأ عينه مثلًا؛ فالجمهور على أنه لا قصاص، وفيه الدية مغلظة في ماله، وهذا واضح، لكن لو قلع عين إنسان مثلًا ففيه القصاص؛ لأن هذا يمكن استيفاؤه. وقيل: فيه الدية؛ لأنه لا يمكن أن يتوصل إلى ذلك إلا بالتجاوز والحيف، ولا ينبغي قصاصٌ مع التجاوز والحيف، بخلاف ما لو قطع يده أو أنفه أو شفته أو أنثييه فإن ذلك يمكن استيفاء القصاص فيه دون تجاوز. قوله: "وَهِيَ رِوَايَةُ العِرَاقِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ "، وبه قال الشافعية والحنابلة أيضًا. * قوله: (وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ شِبْهَ العَمْدِ: إِنَّمَا هُوَ فِي النَّفْسِ لَا فِي الجُرْحِ (٣)، وَأَمَّا إِنْ جَرَحَهُ فَأَتْلَفَ

стр. 9306

عُضْوًا عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ فَفِيهِ قَوْلَان (١): أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ القِصَاصِ، وَالثَّانِي: نَفْيُهُ. وَمَا يَجِبُ عَلَى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فَفِيهِ القَوْلَانِ، قِيلَ: الدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ، وَقِيلَ: دِيَةُ الخَطَإِ، أَعْنِي: فِيمَا فِيهِ دِيَةٌ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الأَدَبِ فَفِيهِ الخِلَافُ (٢). وَأَمَّا مَا يَجِبُ فِي جِرَاحِ العَمْدِ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَهُوَ القِصَاصُ). قوله: "وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد" لم يقل المؤلف: "قال الحنفية" لكثرة الاختلاف بين الإمام وصاحبيه، وهو اختلاف في طلب الحق. * قوله: (وَأَمَّا مَا يَجِبُ فِي جِرَاحِ العَمْدِ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَهُوَ القِصَاصُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] وَذَلِكَ فِيمَا أَمْكَنَ القِصَاصُ فِيهِ مِنْهَا، وَفِيمَا وُجِدَ مِنْهُ مَحَلُّ القِصَاصِ وَلَمْ يُخْشَ مِنْهُ تَلَفُ النَّفْسِ. وَإِنَّمَا صَارُوا لِهَذَا لِمَا رُوِيَ: "أَنَّ

стр. 9307

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَفَعَ القَوَدَ فِي المَأْمُومَةِ وَالمُنَقِّلَةِ وَالجَائِفَةِ" (١)، فَرَأَى مَالِكٌ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ: أَنَّ هَذَا حُكْمُ مَا كَانَ فِي مَعْنَى هَذِهِ مِنَ الجِرَاحِ الَّتِي هِيَ مَتَالِفُ، مِثْلُ كسْرِ عَظْمِ الرَّقَبَةِ وَالصُّلْب وَالصَّدْرِ وَالفَخِذِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (٢)، وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي المُنَقِّلَةِ، فَمَرَّةً قَالَ: بِالقِصَاصِ، وَمَرَّةً قَالَ بِالدِّيَةِ (٣)). أشار المؤلف إلى شروط القصاص التي مَرَّ ذكرها، وهي: أولًا: وجود العمد. ثانيًا: وجود التكافؤ. ثالثًا: عدم التجاوز في استيفاء هذا الحق. رابعًا: طلب الأولياء إقامة القصاص. قوله: "وذلك فيما أمكن القصاص فيه … "، إلخ: اعلم أن الحد الفاصل بين ما يستوفى فيه القصاص وبين ما يصار فيه إلى الدية مباشرة: (الموضحة)، وهي التي توضح العظم، ففي الموضحة القصاص إلا أن يتنازل، فينتقل إلى الدية، وهي خمس من الإبل.

стр. 9308

وما فوف الموضحة؛ كالهاشمة والمنقلة والمأمومة: فإنه ليس فيها قصاص؛ لتعذر الاستيفاء وخشية التلف، والعمدة في ذلك: ما روي "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَفَعَ القَوَدَ فِي المَأْمُومَةِ وَالمُنَقِّلَةِ وَالجَائِفَةِ" (١)، وكذلك ما جاء في كتاب النبي ﷺ إلى عمرو بن حزم وأن فيها الدية (٢). وذهب مالك ﵀ ومن قال بقوله: إلى أن هذا حكم ما كان في معنى هذه من الجراح التي هي متالف؛ مثل كسر عظم الرقبة والصلب والصدر والفخذ وما أشبه ذلك، وأما غيره من العلماء فلا يرون فيها قصاص للدليلين المذكورين. * قوله: (وَكَذَلِكَ الأَمْرُ عِنْدَ مَالِكٍ فِيمَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّسَاوِي فِي القِصَاصِ؛ مِثْلُ الِاقْتِصَاصِ مِنْ ذَهَابِ بَعْضِ النَّظَرِ أَوْ بَعْضِ السَّمْعِ (٣)، وَيَمْنَعُ القِصَاصَ أَيْضًا عِنْدَ مَالِكٍ عَدَمُ المِثْلِ مِثْلَ أَنْ يَفْقَأَ أَعْمَى عَيْنَ بَصِيرٍ (٤)). وذلك لحصول التفاوت، ولو قطع إنسان صحيح يدًا شلاء، قيل: يقتص اليسار مع اليمين.

стр. 9309

* قوله: (وَاخْتَلَفَ مِنْ هَذَا فِي الأَعْوَرِ يَفْقَأُ عَيْنَ الصَّحِيحِ عَمْدًا، فَقَالَ الجُمْهُورُ (١): إِنْ أَحَبَّ الصَّحِيحُ أَنْ يَسْتَقِيدَ مِنْهُ فَلَهُ القَوَدُ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا عَفَا عَنِ القَوَدِ، فَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ أَحَبَّ فَلَهُ الدِّيَةُ كَامِلَةً أَلْفُ دِينَارٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ (٢)، وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ إِلَّا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَهُوَ أَيْضًا مَنْقُولٌ عِنْ مَالِكٍ، وَبِقَوْلِ الشَّافِعِيُّ قَالَ ابْنُ القَاسِمِ (٤)، وَبِالقَوْلِ الآخَرِ قَالَ المُغِيرَةُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَابْنُ دِينَارٍ. وَقَالَ الكُوفِيُّونَ: (٥)

стр. 9310

لَيْسَ لِلصَّحِيحِ الَّذِي فُقِئَتْ عَيْنُهُ إِلَّا القَوَدُ أَوْ مَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ، وَقَدْ قِيلَ: لَا يَسْتَقِيدُ مِنَ الأعْوَرِ وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ (١)، وَعَنْ عُثْمَانَ (٢)). وعند الحنابلة لا قود هنا، وإنما الدية كاملة، واحتجوا لقولهم بما روي عن عمر وعثمان ﵄. * قوله: (وَعُمْدَةُ صَاحِبِ هَذَا القَوْلِ: أَنَّ عَيْنَ الأَعْوَرِ بِمَنْزِلَةِ عَيْنَيْنِ، فَمَنْ فَقَأَهَا فِي وَاحِدَةٍ فَكَأَنَّهُ اقْتَصَّ مِنِ اثْنَيْنِ فِي وَاحِدَةٍ، وَإِلَى نَحْوِ هَذَا ذَهَبَ مَنْ رَأَى أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ القَوَدَ أَنَّ لَهُ دِيَةً كَامِلَةً، وَيَلْزَمُ حَامِلَ هَذَا القَوْلِ أَنْ لَا يَسْتَقِيدَ ضَرُورَةً، وَمَنْ قَالَ بِالقَوَدِ وَجَعَلَ الدِّيَةَ نِصْفَ الدِّيَةِ فَهُوَ أَحْرَزُ لِأصْلِهِ، فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ بَيَّنَ بِنَفْسِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا: هَلِ المَجْرُوحُ مُخَيَّر بَيْنَ القِصَاصِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ؟ أَمْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا القِصَاصُ فَقَطْ إِلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ؟ فَفِيهِ القَوْلَان عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ القَوْلَيْنِ فِي القَتْلِ (٣)، وَكَذَلِكَ أَحَدُ قَوْثَي مَالِكٍ فِي الأَعْوَرِ يَفْقَأُ عَيْنَ الصَّحِيحِ (٤): أَنَّ

стр. 9311

الصَّحِيحَ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَفْقَأَ عَيْنَ الأَعْوَرِ، أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ أَلْفَ دِينَارٍ، أَوْ خَمْسَمِائَةٍ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ). قوله: "عين الأعور بِمَنْزِلَةِ عَيْنَيْنِ، فَمَنْ فَقَأَهَا فِي وَاحِدَةٍ فَكَأَنَّهُ اقْتَصَّ مِنِ اثْنَيْنِ فِي وَاحِدَةٍ"، أي: لذلك يكون فيها دية؛ لأنه لو حصل القصاص ذهب بصره بالكلية فيكون حيفًا. * قوله: (وَأَمَّا مَتَى يُسْتَقَادُ مِنَ الجُرْحِ؟ فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُسْتَقَادُ مِنْ جُرْع إِلَّا بَعْدَ انْدِمَالِهِ (١)، وَعِنْدَ الشَّافِعِيُّ (٢): عَلَى الفَوْرِ، فَالشَّافِعِيُّ تَمَسَّكَ بِالظَّاهِرِ. وَمَالِكٌ رَأَى أَنْ يُعْتَبَرَ مَا يَؤولُ إِلَيْهِ أَمْرُ الجُرْحِ مَخَافَةَ أَنْ يُفْضِيَ إِلَى إِتْلَافِ النَّفْسِ). اختلف العلماء في هذه المسألة إلى قولين: القول الأول: أنه لا يقتص من جرح إلا بعد اندماله، وهو قول الجمهور أبو حنيفة، ومالك، وأحمد؛ لئلا يؤدي ذلك إلى إتلاف نفسه، واستدلوا على ذلك بحديث عبد الله بن عمرو ﵄ "أن رجلًا طعن بقرن في ركبته فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أقدني، قال: "حتى تبرأ"، ثم جاء إليه، فقال: "أقدني "، فأقاده، ثم جاء إليه فقال: يا رسول الله عرجت،

стр. 9312

فقال: "قد نهبتك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك ". ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه، وفي رواية: "أبعدك الله أنت عجلت" (١). القول الثاني: أنه يقتص منه على الفور، تمسكًا بالظاهر. * قوله: (اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي المُقْتَصِّ مِنَ الجُرْحِ يَمُوتُ المُقْتَصُّ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ الجُرْحِ، فَقَالَ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ (٤): لَا شَيْءَ عَلَى المُقْتَصِّ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ (٥)، وَعُمَرَ مِثْلُ ذَلِكَ (٦)، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ (٧)، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ،

стр. 9313

وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَجَمَاعَةٌ (١): إِذَا مَاتَ وَجَبَ عَلَى عَاقِلَةِ المُقْتَصِّ الدِّيَةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ فِي مَالِهِ، وَقَالَ عُثْمَانُ البَتِّيُّ (٢): يَسْقُطُ عَنْهُ مِنَ الدِّيَةِ قَدْرُ الجِرَاحَةِ الَّتِي اقْتَصَّ مِنْهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ (٣). فَعُمْدَةُ الفَرِيقِ الأَوَّلِ: إِجْمَاعُهُمْ (٤) عَلَى أَنَّ السَّارِقَ إِذَا مَاتَ مِنْ قَطْعِ يَدِهِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الَّذِي قَطَعَ يَدَهُ، وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ قَتْلُ خَطإٍ وَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ). انتقل المؤلف إلى مسألة أُخرى؛ وهي موت الجارح -المقتص منه- بسبب القصاص: القول الأول: أنه لا يترتب على ذلك شيء، وعن أبي بكر وعمر وعلي (٥) ﵃ أنهم قالوا: "الحق قتله" فلا دية له، كما أنهم اتفقوا على أن السارق إذا مات من قطع يده فإنه لا شيء على الذي قطع يده، وهو

стр. 9314

قول مالك، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، وأبو ثور، واحتج أبو حنيفة: بأنه قتل خطأ تجب في الدية. القول الثاني: وجوب الدية على العاقلة، وبه قال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وجماعة وهو قول ابن مسعود ﵄، ثم اختلف أصحاب هذا القول؛ فقال بعضهم: إن الدية إنما تكون من ماله. وقال عثمان البتي: يسقط عنه من الدية قدر الحاجة التي اقتص منها. ولا شك أن قول الجمهور أقوى سندًا، فقد قال النبي ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" (١)، وقال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" (٢)، لا سيما والعلة فيه ظاهرة قالوا: "الحق قتله ". * قوله: (وَلَا يُقَادُ عِنْدَ مَالِكٍ (٣) فِي الحَرِّ الشَّدِيدِ وَلَا البَرْدِ الشَّدِيد، وَيُؤَخَّرُ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَمُوتَ المُقَادُ مِنْهُ). جرت عادة الفقهاء بذكر هذه المسألة في باب الحدود، وإنما قدمها المؤلف هنا لمناسبة باب القصاص، ولكنه أشار إليها هنا إشارة مختصرة. والذي عليه جمهور العلماء من المالكية (٤)، والشافعية (٥)،

стр. 9315

والحنابلة (١): أنه لا يقام الحد ولا القصاص في الحر الشديد ولا البرد الشديد، ولا على المريض، لما أخرجه مسلم (٢) وأصحاب السنن عن علي ﵁: أن أمة زنت فأمره رسول الله ﷺ أن يجلدها، فلما أراد أن يجلدها، قالة "فإذا هي قريبة عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها قتلتها" فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "أحسنت ". فأقره رسول الله ﷺ على توقفه. ورواية أُخرى عن الحنابلة: بإقامة الحد والقصاص على المريض، واستدلوا على ذلك: بأن عمر ﵄ أقام الحد على قدامة بن مظعون وهو مريض (٣)، واشتهر هذا بين الصحابة دون نكير. والراجح في نظري: قول الجمهور؛ لظهور حجته وقوته. * قوله: (وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ المَكَانَ شَرْطٌ فِي جَوَازِ القِصَاصِ وَهُوَ غَيْرُ الحَرَمِ (٤)، فَهَذَا هُوَ حُكْمُ العَمْدِ فِي الجِنَايَاتِ عَلَى النَّفْسِ وَفِي الجِنَايَاتِ
следующие страницы →