← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 9311–9350 · переход к 9316.

стр. 9311

الصَّحِيحَ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَفْقَأَ عَيْنَ الأَعْوَرِ، أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ أَلْفَ دِينَارٍ، أَوْ خَمْسَمِائَةٍ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ). قوله: "عين الأعور بِمَنْزِلَةِ عَيْنَيْنِ، فَمَنْ فَقَأَهَا فِي وَاحِدَةٍ فَكَأَنَّهُ اقْتَصَّ مِنِ اثْنَيْنِ فِي وَاحِدَةٍ"، أي: لذلك يكون فيها دية؛ لأنه لو حصل القصاص ذهب بصره بالكلية فيكون حيفًا. * قوله: (وَأَمَّا مَتَى يُسْتَقَادُ مِنَ الجُرْحِ؟ فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُسْتَقَادُ مِنْ جُرْع إِلَّا بَعْدَ انْدِمَالِهِ (١)، وَعِنْدَ الشَّافِعِيُّ (٢): عَلَى الفَوْرِ، فَالشَّافِعِيُّ تَمَسَّكَ بِالظَّاهِرِ. وَمَالِكٌ رَأَى أَنْ يُعْتَبَرَ مَا يَؤولُ إِلَيْهِ أَمْرُ الجُرْحِ مَخَافَةَ أَنْ يُفْضِيَ إِلَى إِتْلَافِ النَّفْسِ). اختلف العلماء في هذه المسألة إلى قولين: القول الأول: أنه لا يقتص من جرح إلا بعد اندماله، وهو قول الجمهور أبو حنيفة، ومالك، وأحمد؛ لئلا يؤدي ذلك إلى إتلاف نفسه، واستدلوا على ذلك بحديث عبد الله بن عمرو ﵄ "أن رجلًا طعن بقرن في ركبته فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أقدني، قال: "حتى تبرأ"، ثم جاء إليه، فقال: "أقدني "، فأقاده، ثم جاء إليه فقال: يا رسول الله عرجت،

стр. 9312

فقال: "قد نهبتك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك ". ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه، وفي رواية: "أبعدك الله أنت عجلت" (١). القول الثاني: أنه يقتص منه على الفور، تمسكًا بالظاهر. * قوله: (اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي المُقْتَصِّ مِنَ الجُرْحِ يَمُوتُ المُقْتَصُّ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ الجُرْحِ، فَقَالَ مَالِكٌ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ (٤): لَا شَيْءَ عَلَى المُقْتَصِّ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ (٥)، وَعُمَرَ مِثْلُ ذَلِكَ (٦)، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ (٧)، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ،

стр. 9313

وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَجَمَاعَةٌ (١): إِذَا مَاتَ وَجَبَ عَلَى عَاقِلَةِ المُقْتَصِّ الدِّيَةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ فِي مَالِهِ، وَقَالَ عُثْمَانُ البَتِّيُّ (٢): يَسْقُطُ عَنْهُ مِنَ الدِّيَةِ قَدْرُ الجِرَاحَةِ الَّتِي اقْتَصَّ مِنْهَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ (٣). فَعُمْدَةُ الفَرِيقِ الأَوَّلِ: إِجْمَاعُهُمْ (٤) عَلَى أَنَّ السَّارِقَ إِذَا مَاتَ مِنْ قَطْعِ يَدِهِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الَّذِي قَطَعَ يَدَهُ، وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ قَتْلُ خَطإٍ وَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ). انتقل المؤلف إلى مسألة أُخرى؛ وهي موت الجارح -المقتص منه- بسبب القصاص: القول الأول: أنه لا يترتب على ذلك شيء، وعن أبي بكر وعمر وعلي (٥) ﵃ أنهم قالوا: "الحق قتله" فلا دية له، كما أنهم اتفقوا على أن السارق إذا مات من قطع يده فإنه لا شيء على الذي قطع يده، وهو

стр. 9314

قول مالك، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد، وأبو ثور، واحتج أبو حنيفة: بأنه قتل خطأ تجب في الدية. القول الثاني: وجوب الدية على العاقلة، وبه قال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وجماعة وهو قول ابن مسعود ﵄، ثم اختلف أصحاب هذا القول؛ فقال بعضهم: إن الدية إنما تكون من ماله. وقال عثمان البتي: يسقط عنه من الدية قدر الحاجة التي اقتص منها. ولا شك أن قول الجمهور أقوى سندًا، فقد قال النبي ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" (١)، وقال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" (٢)، لا سيما والعلة فيه ظاهرة قالوا: "الحق قتله ". * قوله: (وَلَا يُقَادُ عِنْدَ مَالِكٍ (٣) فِي الحَرِّ الشَّدِيدِ وَلَا البَرْدِ الشَّدِيد، وَيُؤَخَّرُ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَمُوتَ المُقَادُ مِنْهُ). جرت عادة الفقهاء بذكر هذه المسألة في باب الحدود، وإنما قدمها المؤلف هنا لمناسبة باب القصاص، ولكنه أشار إليها هنا إشارة مختصرة. والذي عليه جمهور العلماء من المالكية (٤)، والشافعية (٥)،

стр. 9315

والحنابلة (١): أنه لا يقام الحد ولا القصاص في الحر الشديد ولا البرد الشديد، ولا على المريض، لما أخرجه مسلم (٢) وأصحاب السنن عن علي ﵁: أن أمة زنت فأمره رسول الله ﷺ أن يجلدها، فلما أراد أن يجلدها، قالة "فإذا هي قريبة عهد بنفاس، فخشيت إن أنا جلدتها قتلتها" فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "أحسنت ". فأقره رسول الله ﷺ على توقفه. ورواية أُخرى عن الحنابلة: بإقامة الحد والقصاص على المريض، واستدلوا على ذلك: بأن عمر ﵄ أقام الحد على قدامة بن مظعون وهو مريض (٣)، واشتهر هذا بين الصحابة دون نكير. والراجح في نظري: قول الجمهور؛ لظهور حجته وقوته. * قوله: (وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ المَكَانَ شَرْطٌ فِي جَوَازِ القِصَاصِ وَهُوَ غَيْرُ الحَرَمِ (٤)، فَهَذَا هُوَ حُكْمُ العَمْدِ فِي الجِنَايَاتِ عَلَى النَّفْسِ وَفِي الجِنَايَاتِ

стр. 9316

عَلَى أَعْضَاءِ البَدَن، وَيَنْبَغِي أَنْ نَصِيرَ إِلَى حُكْمِ الخَطَإِ فِي ذَلِكَ، وَنَبْتَدِئَ بِحُكْمِ الخَطَإِ فِي النَّفْسِ). والمراد: الحرم المكي، وقد سبق تفصيل الكلام في هذه المسألة، وأن جماهير العلماء على أن من ارتكب ما يستوجب الحد أو القصاص في الحرم فإنه يقتص منه ويقام عليه الحد، لكن اختلفوا فيمن ارتكب جنايته خارج الحرم ثم لجأ إليه: فذهبت الحنفية والحنابلة: إلى أنه يضيق عليه حتى يخرج فتقام عليه العقوبة. وذهبت المالكية والشافعية: إلى أنه يقام عليه في الحرم، فلم يفرقوا بين فعل الجناية داخل الحرم أو خارجه. * قول: ([كِتَابُ الدِّيَاتِ فِي النُّفُوسِ]) هذا الكتاب عقده المؤلف في ذكر الديات، بعدما استوفى الكلام عن القصاص في النفس وفيما دون النفس. * قوله: (وَالأَصْلُ فِي هَذَا البَاب قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]). إذًا الأصل في الديات: هو الكتاب والسنة، فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢].

стр. 9317

ومن السنة ما جاء في كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم إذ ذكر فيه الفرائض والسنن والديات وفيه أن رسول الله ﷺ قال: "وإن في النفس مئة" (١)، وفي بعض الروايات: "وإن في نفس المؤمن" (٢)، وما رواه النسائي عن عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: خطب النبي ﷺ يوم فتح مكة فقال: "ألا وإن في قتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا والحجر مائة من الإبل، فيها أربعون ثنية إلى بازل عامها كلهن خلفة" (٣)، وأجمع العلماء على ذلك من حيث الجملة (٤). قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾، أي: يعفو فحينئذ تسقط الدية، وسيأتي في كلام المؤلف تفصيل الكلام عن الديات في أنواع القتل الثلاث. قال المصنف رحمه الله تعالى:

стр. 9318

[كتاب الديات في النفوس] (والأصل في هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]. وَالدِّيَاتُ (١) تَخْتَلِفُ فِي الشَّرِيعَةِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الدِّمَاءِ، وَبِحَسَبِ اخْتِلَافِ الَّذِينَ تَلْزَمُهُمُ الدِّيَةُ). الدِّماءُ ليست كُلُّها واحدة، فهذا مُسلِمٌ وهذا كافِرٌ، هذا حُرٌّ وهذا عبدٌ، هذا ذكرٌ وهذِهِ أنثى. فدِيَةُ الحُرِّ المسلمِ مائةٌ من الإبلِ؛ إذنْ تكون دِيَةُ الأنثى على النِّصفِ منه، كذلك الكافرُ على النِّصفِ منه، وهكذا فيما يتعلق باختلافِ الدِّيَاتِ باختلافِ الدِّماءِ.

стр. 9319

فقد تكونُ على الشَّخصِ كما في العمدِ، وأحيانًا تكونُ على العاقلةِ كما في شِبْهِ العمدِ، وفيه خلافٌ. وعلى العاقلة في الخطأ، ولا خلاف في ذلك؛ فإنِّها على العاقلةِ، ولكنَّهم يختلفون في التقسيمات. وقد اختلف العلماء (١) في بيان المراد بالعاقلة: فبعضهم قال: هم العصبةُ؛ لأنَّ هذا هو الذي كان في زمنِ رسولِ اللهِ ﷺ ، والدواوينُ إنِّما التي وضَعَها عمرُ ﵁، وبعضهم ذهب إلى أن العصبةُ هم أهل الديوانِ. ولم يتعرض المؤلف إلى دخول الفقير والمرأة في العاقلة أم لا، وغيرها من الأشياءِ التي تكلم عنها العلماءُ في كتبهم، لكنَّ المُؤلِّفَ يُوجِزُ فلا يدخلُ في هذه الجزئياتِ. * قولُهُ: (وَأَيْضًا تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْعَمْدِ إِذَا رَضِيَ بِهَا الْفَرِيقَانِ، وَأَمَّا مَنْ لَهُ الْقَوَدُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الِاخْتِلَافِ). المراد بالفريقين: المُقتَصُّ والمُقتَصُّ منه، أو الأولياء إذا ماتوا، وهذه المسألة قد مرَّت بنا، وعرفنا مَن خالف ورأى أنه لا بد أنْ يوافقَ القاتلُ على الدِّيةِ؛ لأنَّهُ رُبَّما يرفضُ ذلك، وقلنا: الصحيح -وهو رأي الأكثر- بأنَّهُ لا يلزم موافقتُهُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. * قولُهُ: (وَالنَّظَرُ فِي الدِّيَةِ هُوَ فِي مُوجِبِهَا (أَعْنِي: فِي أَيِّ قَتْلٍ تَجِبُ)، ثُمَّ فِي نَوْعِهَا وَفِي قَدْرِهَا، وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي تجِبُ فِيهِ، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ). ما الذي يُوجِبُ الدِّيةَ؟ الدِّيةُ يُوجِبُها: إما عمدٌ يُتنازلُ إلى الدِّيةِ، وإفا شِبهُ عمدٍ، وهذا فيه الدِّيةُ مُغلَّظةٌ، وإمَّا الخطأُ، وهذا أيضًا قد جاء التنصيصُ عليه في الكتاب العزيز؛ لأنَّ القتلَ -كما عرفنا- أنواع ثلاثة.

стр. 9320

أما نوعُها: فقد تكون من الإبلِ، أو من البقرِ، أو من الغنمِ، وكذلك أيضًا تكونُ في الدَّنانيرِ والدَّراهم. هذه أمورٌ خمسةٌ، جاءت بها الأحاديثُ. ودِية الإبلِ هناك مَنْ يعتبرُها أصَلًا كما سيأتي. أيضًا تكون الدِّية من الذَّهب الذي يُعرفُ بالدَّنانيرِ، ومن الدَّراهمِ التي تُعرفُ بالوَرِقِ. أمَّا الإبلُ؛ فقد جَاء التنصيصُ عليها مائة من الإبل، وكذلك مائتان من البقر، والغنم جاء ألفٌ وألفانِ، وكذلك الحالُ بالنِّسبةِ للاختلافِ في الدَّراهمِ، أمَّا الدَّنانيرُ؛ فقد جاءَ فيها ألفٌ. * قولُهُ: (فَأَمَّا فِي أَيِّ قَتْلٍ تجِبُ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ) (١). هذا لا خلافَ بين العلماء فيه؛ لأنَّه قد جاء في الآية: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٣]. * قولهُ: (وَفِي الْعَمْدِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ مثل المجنون والصبي) (٢). من غير المكلَّف؛ كالصبيّ، أو المجنونِ، فمعلومٌ بأنَّ الصبيَّ والمجنونَ لو قتل أحدا لا يُقتَصُّ منه؛ لأنَّهُ مرفوعٌ عنه القلم، ولكن يكون عمدًا. قولُهُ: (وَفِي الْعَمْدِ الَّذِي تَكُونُ حُرْمَةُ الْمَقْتُولِ فِيهِ نَاقِصَةً عَنْ حُرْمَةِ الْقَاتِلِ) (٣). أيضًا كذلك، كأنْ يكونَ حُرًّا وعبدًا، مسلمًا وكافرًا.

стр. 9321

* قولهُ: (مِثْلَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَمِنْ قَتْلِ الْخَطَأِ مَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ خَطَأٌ، وَمِنْهُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ صَدْرٌ مِنْ ذَلِكَ). يعني: هناك خطأٌ، وهناك شِبهُ عمدٍ، وشِبهُ العمدِ عند المالكيةِ (١) في المشهورِ عنهم هو نوعٌ من العمدِ، وعند جمهورِ العلماءِ (٢) هو قسمٌ مستقلٌّ. * قولهُ: (وَسَيَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَضْمِينِ الرَّاكبِ وَالسَّائِقِ وَالْقَائِدِ). هذا سيأتي بعد ذلك في أبواب الدَّواب. ومرادُهُ: أنَّه إذا رَكِبَ إنسانٌ دابَّةً يقودُها ثم جنت، فإنَّ العلماءَ يفرِّقُون بين أنْ تكونَ الدابَّةُ عليها قائدٌ، أو ليس عليها قائدٌ. بين أن تَجني في مقدِّمتِها، وبين أن تَجني في رِجلِها، وهذا قد تقدَّم في الحقيقةِ، ولكنَّه سيعودُ إليه مرةً أُخرى عندما يأتي إلى بعض أحكام الجنايات. * قوله: (وَأَمَّا قَدْرُهَا وَنَوْعُهَا، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ) (٣). شَرَعَ المؤلِّفُ ﵀ في بيانِ قدرِ الدِّيَةِ، فقال: "وقدرُها: مائة

стр. 9322

من الإبلِ ". وأما نوعُها: فقد تكونُ من الإبلِ، أو من غيرِها. وسيأتي ذكر الخلاف في كون الإبل هل هي أصل، وما عداها يكونُ بدلًا، أو لا .. كما عند الشافعيةِ، ورواية للحنابلةِ (١)، أو كلُّ هذه الأمورِ الخمسةِ هي أصولٌ .. يعني على أهلِ الإبلِ مائةٌ من الإبلِ، وهل يُشترط فيها أنْ تكونَ صحيحةً وأنْ تكونَ سالمةً من العيوب أوْ لا؟ هذه أيضًا لمْ يعرِضْ لها المؤلِّفُ، وأكثرُ العلماءِ يقولون: يُؤخذُ ممَّا بين أيديهم، كالحالِ بالنِّسبةِ للزَّكاةِ لا يُنتَقى، فمعلوم بأنَّ الذي يقوم بجباية الزَّكاة، يتقي كرائمَ الأموالِ كما قال رسولُ اللهِ ﷺ : "وإيَّاك وكرائمَ أموالِهِم" ثم عقَّبَ بقولِهِ: "واتَّقِ دعوةَ المظلومِ" رواه البخاري ومسلم (٢). إذنْ هو دائمًا ينظر إلى الوسط، وإنْ كان الخَرْص (٣) أيضًا بالنِّسبة للزَّكاة فيما هو ثمرٌ معلَّق، فإنَّهُ يَترك شيئًا منه، "دعوا الثُّلثَ فإن لم تدعوا الثُّلثَ فدعوا الرُّبُعَ ". رواه الخمسة إلَّا ابن ماجه، وصححه ابن حِبَّان والحاكم (٤) لأنَّ هناك طائرًا يأكلُ، وهناك أيضًا ضيف يَحِلُّ وأهلُ البيتِ والبستانِ يحتاجون إلى ذلك، فيُراعى ذلك، وهذا كُلُّهُ مرَّ في أبواب الزكاة. * قوله: (وَهِيَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ (٥) ثَلَاثُ دِيَاتٍ: دِيَة الْخَطَإِ، وَدِيَةُ

стр. 9323

الْعَمْدِ إِذَا قُبِلَتْ، وَدِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ. وَهِيَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْأَشْهَرِ عَنْهُ، مِثْلَ فِعْلِ الْمُدْلِجِيِّ بِابْنِهِ). المُدْلجِي: هو قتادة المُدْلجِي الذي رمى ابنَه بسيفٍ، فأصابَهُ في ساقِهِ، فَنُزِيَ جُرحُهُ -يعني سَرى ذلك الجُرحُ إلى نفسِهِ- فمات، فحضَرَ سُراقةُ بن مالك بن جُعْثم -الذي هو سيِّدُ القومِ في ذاك المكانِ- إلى عمرَ ﵁، فأخبره بأنَّهُ رماه ولمْ يقصدْ قتلَهُ، فقال له عمر: "اعدد على ماء قديد، عشرين ومائة بعير، حتى أقدم عليك "، فلما قدم إليه عمر بن الخطاب؛ أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة. ثم قال: "أين أخو المقتول؟ " قال: هأنذا، قال: خذها، فإنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ" (١). * قوله: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ (٢) فَالدِّيَةُ عِنْدَهُ اثْنَان فَقَطْ: مُخَفَّفَةٌ وَمُغَلَّظَةٌ. فَالْمُخَفَّفَةُ: دِيَةُ الْخَطَإِ، وَالْمُغَلَّظَةُ: دِيَةُ الْعَمْدِ وِدِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ). وهذا هو أيضًا مذهبُ أحمدَ (٣)، يعني دِيَةَ العمدِ، سيأتي ذكرُها بأنَّها حالَّةٌ ما فيها تأخيرٌ تُؤخَذُ مباشرةً، وبأنَّها على الجاني، وتكونُ أرباعًا، وشِبه العمدِ تكونُ أثلاثًا، ومُغلَّظة، لكنَّها تكون على ثلاث سنوات تختلفُ عن العمد. العمدُ حالَّة ويتحمَّلها الجانى، "من جنى فعليه جنايتُه" كما جاء في الحديث (٤).

стр. 9324

* قولهُ: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ (١) فَالدِّيَاتُ عِنْدَهُ اثْنَانِ أَيْضًا: دِيَةُ الْخَطَإِ، وَدِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ). الإمام أبو حنيفةَ ﵀ يرى أيضًا أنَّ الدِّيةَ نوعان: دِيَةُ الخطأِ، ودِيَةُ شِبهِ العمدِ. فأمَّا العمدُ: فيرى أنَّ الأصلَ فيه القَوَدُ (٢)، والنزولُ عن القَوَدِ إنَّما هو صلحٌ، لكنَّه في النِّهايةِ ينتهي إلى مذهبِ الجمهورِ. * قولُه: (وَلَيْسَ عِنْدَهُ دِيَة فِي الْعَمْدِ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عِنْدَهُ فِي الْعَمْدِ مَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ، وَهُوَ حَالٌّ عَلَيْهِ غَيْرُ مُؤَجَّلٍ (٣)، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ الْمَشْهُورِ (٤) لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ تَلْزَمْهُ الدِّيَةُ عِنْدَهُ إِلَّا بِاصْطِلَاحٍ، فَلَا مَعْنَى لِتَسْمِيَتِهَا دِيَةً إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْهُ (٥) أَنَّهَا تَكُونُ مُؤَجَّلَةً كَدِيَةِ الخَطَأِ، فَهُنَا يَخْرُجُ حُكْمُهَا عَنْ حُكْمِ الْمَالِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ). وهذا هو قولُ العلماءِ -كما قلتُ لكم- يُرجع إليه، يعني: ديةُ العمدِ

стр. 9325

تكونُ حالَّةً ما فيها تأجيل، ولكنَّها تُجعَلُ أرباعًا: بنات مخاض، بنات لَبُونٍ، حِقَّة، جَذَعة. يكونُ من هذه عددٌ، ومن هذه عددٌ، ومن هذه عدد، ومن هذه عددٌ، إلى أنْ تصلَ خمسًا وعشرين، خمسًا وعشرين، خمسًا وعشرين، خمسًا وعشرين، وتُؤخَذُ مباشرةً. وهل تكونُ من حين تقرير الجنايةِ؟ أوْ من حينِ صدورِ حُكمِ الحاكمِ الذي هو القاضي؟ هذه مسألةٌ خلافية لمْ يعرضْ لها المؤلِّفُ، فبعضُهم يقولُ: "تبدأ من حيث ثبوت الجنايةِ" (١)، وهذا يكون للمُؤَجَّلةِ كديةِ شبهِ العمدِ، وكذلك دية الخطأِ، وبعضُهم يقولُ: "تبدأ من وقت الجنايةِ" (٢)؛ لأنَّ هذا قد حَصَلَ فاستُحِقتْ، وبعضُهم يقول: "تكون من وقت حكمِ الحاكمِ؛ لأنَّه هو الذي يرفعُ الخلافَ ". وكونُها مؤجلة هذا رأيٌ ضعيفٌ في المذهب، وهو خلافُ مذهب الجمهورِ (٣)، فدية العمدِ حالَّةٌ.

стр. 9326

* قوله: (وَدِيَةُ الْعَمْدِ عِنْدَهُ (١) أَرْبَاعٌ). إذنْ دِيَة العمد عنده أربعة، ليس عنده وحده؛ بل هي كذلك عند الشافعي (٢) وأحمدَ (٣). * قوله: (خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ وَرَبِيعَةَ) (٤). بنتُ مَخَاضٍ: هي التي مضى عليها سنةٌ ودخلتْ في الثانية، يعني لا تزال قريبةً من وقت الولادة، ثم تأتي بعده ابنُ أوْ بنتُ لبونٍ: وهو الذي مضى عليه سنتان ودخل في الثالثة، وسُمِّي ابنُ لبونٍ أوْ بنتُ لبونٍ؛ لأنَّ أُمَّهُ قد ولدتْ أُخرى، ففيها لبنٌ، ثم يأتي بعد ذلك الحِقَّةُ: وهي التي أتمَّتْ ثلاثَ سنواتٍ ودخلتْ في الرابعةِ، ثم تأتي الجَذَعةُ: وهي التي أكملتْ أربعًا ودخلتْ في الخامسةِ، ثم يأتي بعد ذلك الخَلِفَة: وهي التي أكملتْ خمسًا ودخلتْ في الثالثةِ، والخَلِفَةُ: هي التي تكون حاملًا .. التي مرَّتْ في قصة عمرَ ﵁.

стр. 9327

وابنُ شهابٍ: هو الإمامُ مُحمَّدُ بنُ شهابٍ الزُّهْري التابعي المُحَدِّث المعروف. * قولهُ: (وَالدّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ عِنْدَهُ أَثْلَاثًا (١): ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً (وَهِيَ الْحَوَامِلُ)). وهو كذلك عند الحنابلة (٢). * قولُه: (وَلَا تَكُونُ الْمُغَلَّظَةُ عِنْدَهُ فِي الْمَشْهُورِ إِلَّا فِي مِثْلِ فِعْلِ الْمُدْلِجِيِّ بِابْنِهِ) (٣). المُغلَّظةُ: في مثلِ فعل المُدْلجِيِّ الذي رمى ابنَه بسيفٍ فقتلَهُ، فذاك لا يُعتَبرُ عمدًا عند مالكٍ ﵀؛ إنِّما هو شبهُ عمدٍ؛ لأنَّ مالِكًا لا يرى شبهَ العمدِ أصلًا، وقد تكلَّمنا عن هذا. وقد ذُكِرَ في الكتاب العزيزِ نوعان، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]. ولم يَرِدْ ذكرُ شِبهِ الخطأ في القرآن، لكنَّه جاء في سنةِ رسولِ اللهِ ﷺ فقال: "ألا إنَّ دِيَةَ الخطأ شِبه العمدِ؛ ما كان بالسوط والعصا، مائة من الإبل، منها أربعون في بطون أولادِها". رواه أبو داود (٤). *قولُ: (وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٥) أَنَّهَا تَكُونُ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ أَثْلَاثًا أَيْضًا).

стр. 9328

وهو كذلك عند أحمدَ (١) كما ذكرنا. * قولُهُ: (وَرُوِي ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ وَزيدِ بْنِ ثَابِتٍ) (٢). يعني تكونُ أثلاثًا على ثلاثِ سنواتٍ، كلّ سنةٍ يكونُ فيها الثُّلث. * فولُهُ: (وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: الدِّيَةُ فِي الْعَمْدِ إِذَا عَفَا وَلِيُّ الدَّمِ أَخْمَاسًا كَدِيَةِ الْخَطَإِ) (٣). الآن سيذكرُ أنواعَهَا، وسترون بأنَّ المالكيةَ، والشافعيةَ في جانب، والحنفيَّةَ والحنابلةَ في جانبٍ آخرَ. والخلافُ بينَهم في صِنْفٍ واحدٍ فقطً، وسببُ ذلك: أنَّ هذا وردَ، وهذا وردَ في الأحاديث، فهؤلاءِ أخذوا بشيءٍ، وهؤلاءِ أخذوا بشيءٍ. المُؤلِّفُ ذكرَ رأيَ الأئمةِ الثلاثةِ، ولمْ يذكرْ رأيَ الإمامِ أحمدَ وهو مع الإمام أبي حنيفةَ. * قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا فِي أَسْنَان الْإِبِلِ فِي دِيَةِ الْخَطَإِ، فَقَالَ مَالِكٌ (٤)،

стр. 9329

وَالشَّافِعِيُّ (١): هِيَ أَخْمَاسٌ: عِشْرُون ابْنَةَ مَخَاضٍ). لا خلافَ بين الأئمةِ كُلِّهِم على أنَّها أخماسٌ، لكنَّهم اختلفوا في نوعٍ واحدٍ كما سيأتي. * قوله: (وَعِشْرُونَ ابْنَةَ لَبُونِ، وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُون ذَكَرًا). والخلاف بينهم في هذه الجزئية. * قولُهُ: (وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَرَبِيعَةَ) (٢). ابنُ شهاب الزُّهْري قد مرَّ ذكره، وربيعةُ هو ابنُ عبدِ الرَّحْمن شيخُ الإمامِ مالكٍ. * قولُهُ: (وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ) (٣). وبه قال أبو حنيفةَ، وأحمدُ (٤) وأصحابُهُم، لكن سَيُقَيِّدهُ كما سيأتي.

стр. 9330

" قوكٌ: (أَعْنِي: التَّخْمِيسَ، إِلَّا أَنَّهُمْ جَعَلُوا مَكَانَ ابْنِ لَبُونِ ذَكَرٍ: ابْنَ مَخَاضٍ ذَكَرًا). جعلوا ابن مخاضٍ بدل ابن لبونٍ، وإلَّا فإنَّهم متفقون على التخميس، وفي الأربعة، ولكن اختلفوا بين ابنِ مخاضٍ، وابنِ لبونٍ. " قولُهُ: (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْوَجْهَان جَمِيعًا (١)، وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ أَنَّهُ جَعَلَهَا أَرْبَاعًا (٢)، أَسْقَطَ مِنْهَا الْخَمْسَ وَالْعِشْرِينَ بَنِي لَبُونٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (٣)، وَلَا حَدِيثَ فِي ذَلِكَ مُسْنَدٌ، فَدَلَّ عَلَى الْإِبَاحَةِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- كَمَا قَالَ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ) (٤). هذا القولُ الثالثُ ليس فيه دليل، أمَّا الأول الذي أخذ به المالكيةُ، والشَّافعيَّةُ، والثاني الذي أخذ به الحنفيَّةُ والحنابلةُ، كلٌّ منهما له دليلٌ أو أدلةٌ، لكن دائمًا يُؤخَذُ بالأحوط، وُيؤخَذُ بما جاءتْ به الأحاديثُ، وإنْ

стр. 9331

كان الحديثُ الذي ورد عند هؤلاء وهؤلاء، تُكلِّمَ فيه، لَكِنْ كلٌّ منهما له عدَّة طرقٍ. * قولهُ: (وَخَرَّجَ الْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ). هذا وهمٌ من المُؤلِّفِ! لمْ يُخَرِّج البخاريُّ هنا هذا؛ إنَّما خرَّجَهُ أصحابُ السُّننِ (١)، ولو خزَجَهُ البخاريُّ لمَا اعترضَ عليهم ابنُ عبدِ البر، فلا يمكنُ أن يُعلَّ حديثٌ في البخاري. * قولُه: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "فِي دِيَةِ الْخَطَإِ عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَ مَخَاضٍ ذُكُورٌ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ حِقَّةً". وَاعْتَلَّ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَبُو عُمَرَ). يعني: ذكرَ فيه عِلَّةً. كيف يكون فيه علة وهو في البخاري؟! هذا وهمٌ، ولعلَّه سَبَقَ إلى ذهنِ المُؤلِّف، يعني نظرَ المُؤلِّفُ إلى موضعٍ آخرَ فقال رواه البخاري، أو رُبَّما يكونُ من النُّساخ والله أعلم، ولا نستطيعُ أن نقطعَ، ولو خرَّجه البخاريُّ لرُفِعَ الإشكالُ هنا. * قوله: (بِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ حَنِيفِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (وَهُوَ مَجْهُولٌ) قَالَ: وَأَحَبُّ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ، لِأَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ) (٢).

стр. 9332

هذا الحديثُ أخرجَهُ أصحابُ السننِ، ولكن اختُلِفَ فيه لوجود بعض الرواة الذين تُكُلِّمَ فيهم، ومنهم ممَّا ذكر المؤلِّفُ، فهل يُحقلُ أن يُخرِّجَ البخاريُّ حديثًا في سندِهِ عدَّةُ مطاعنَ؟! فكلُّ ما في صحيح البخاريِّ فهو صحيحٌ، بل هو من أشدِّ العلماءِ فيما يتعلَّق بالتخريج، وشرطه أَشدُّ من مسلمٍ. * قولُهُ: (كمَا اخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ. وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ). كذلك أيضًا هذا عند أصحابِ السُّنَنِ (١)، وهو أيضًا فيه كلامٌ. * قودٌ: ("أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى أَنَّ مَنْ قُتِلَ خَطَأً فَدِيَتُهُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ: ثَلَاثُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَثَلَاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَعَشَرَةُ بَنِي لَبُونٍ ذُكُورٍ"). هنا اختلف عمَّا مرَّ في الأقوالِ السابقةِ. * قوله: (قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ). أبو سليمان الخطابي: هو أحدُ شُرَّاحِ سُنَنِ أبي داودَ الإمامُ الجليلُ المعروفُ. * قوله: (هَذَا الْحَدِيث لَا أَعْرِفُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاء الْمَشْهُورِينَ قَالَ بِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ اَكْتَرُ الْعُلَمَاء: إِنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ أَخْمَاسٌ، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِي الْأَصْنَافِ) (٢). اختلفوا في صِنفٍ واحدٍ منها كما رأيتم، هذا الكلامُ ذكره عند شرحه لهذا الحديثِ في سنن أبي داودَ.

стр. 9333

" قولُه: (وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ مُرَبَّعَةٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَهُمُ: الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ (١). وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوهَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ جَذَعَةً، وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ حِقَّةً، وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ بَنَاتِ مَخَاضٍ). بدأ من الأعلى إلى الأسفل، عكسَ ما كان أولًا، وهو يَعُدُّ هنا، ولا يُؤثِّرُ هذا للاختيار، وهذا قولٌ مرجوحٌ، والقولُ الراجحُ: هو القولانِ اللذَّان أخذ بهما الأئمةُ، وانقسموا إلى قسمين. وهكذا ترون كيف كان اختلاف العلماء ﵏، فلمْ يكنْ هدفهم هو وجودُ هذا الاختلافِ؛ لكنَّهم دائمًا يختلفون تحريًا للصواب، فمَنْ رأى أنَّ الحقَّ في هذا الجانب قال به، ومَنْ رأى بأنَّ هذا أرجحُ قال به، ورُبَّما يُرجِّحُ هذا رأيَهُ؛ لأنَّهُ يجدُ في جانبِهِ قولًا أو أقوالًا للصَّحابةِ وهكذا، فكُلُّهم يأخذون بما يرون أنَّه أرجحُ في نظرهم. كذلك ترون المسائلَ التي فيها خلافٌ إنَّما تكونُ عندما تردُ بعضُ النُّصوصِ التي تُكُلِّمَ في سندِهِا، أو تحتملُ عِدَّةَ معانٍ، فإنَّهم يختلفون في مثل هذا الأمرِ. * قوله: (كمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَخَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ) (٢). لا شك أنَّ هذا من المواضع التي يُهتمُّ بها؛ لأنَّها تتعلقُ بحقوق النَّاس، فهذا إنسانٌ قُتِلَ له قتيلٌ، ولو أُعطِيَ مُلك الدنيا كُلِّها لمَا رضي أنْ يقبلَ مقابل أن يذهب والدهُ أو ابنُه، ولكن هذه إرادةُ اللهِ، ولذلك تنوَّع القتلُ، فإذا ما قتل إنسان فهناك حقٌّ، والنَّاس يختلفون، فبعضهم لا تقبل

стр. 9334

نفسُهُ أنْ يأخذَ الدِّيَةَ، مع أنَّ هذا حقٌّ أثبته الشرع له .. هو لا يقبلها لا لأنَّها لا تجوز، ولكنَّهُ لا يقبلها لأنَّهُ عنده من السُّمُوَ ما هو أكبرُ وأعلى من ذلك، فهو يقول: إذا قبلتُها، كأنَّني بِعتُ والدي، أوْ أخي، أوْ غير ذلك، لكنَّني أريد ما هو أعظمُ من ذلك، وهو الثوابُ والجزاءُ من اللهِ عندما أُعْتِقُ القاتلَ، وبعضُ النَّاسِ يقولُ: هذا حقٌّ أنا آخذُهُ ولا غُبارَ عليه؛ وبعضهم رُبَّما لا يُريدُ أنْ يأخذَ، ولكنَّ الحاجةَ تجعلُهُ يأخذ ذلك. إذنْ لا شك أنَّ هذه أحكامُ اللهِ، وهي أيضًا ما جاء في سنة رسول الله ﷺ ، ومن يأخذ بحُكم جاء في كتاب اللهِ وفي سنَّةِ رسولِهِ ﷺ ؛ فهو ملتزمٌ بهدي الكتابِ والسنَّةِ. * قولُهُ: (وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَخْمِيسِ دِيَةِ الْخَطَإِ: عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي مَخَاضٍ ذَكَرٍ. وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى بَنِي الْمَخَاضِ؛ لِأَنَّهَا لمْ تُذْكَرْ فِي أَسْنَانٍ فِيهَا. وَقِيَاسُ مَنْ أَخَذَ بِحَدِيثِ التَّخْمِيسِ فِي الْخَطَإِ، وَحَدِيثِ التَّرْبِيعِ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ إِنْ ثَبَتَ هَذَا). التربيعُ في شِبهِ العمدِ الذي تكلَّم عنه، وفيه مقالٌ. * قولُهُ: (النَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ فِي دِيَةِ الْعَمْدِ بِالتَّثْلِيثِ، كَمَا قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ) (١). وكذلك أحمد (٢)، أي: دِيَةُ العمدِ بالتثليث.

стр. 9335

* قولُهُ: (وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِالتَّثْلِيثِ شَبَّهَ الْعَمْدَ بِمَا دُونَهُ). وهم الجمهور، فقد قالوا بالتربيع (١)، وهو قولٌ للشافعي (٢). * قولُهُ: (فَهَذَا هُوَ مَشْهُورُ أَقَاوِيلِهِمْ فِي الدّيَةِ الَّتِي تَكُونُ مِنَ الْإِبِلِ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ). إذنْ هذه من الإبلِ على أهل الإبلِ، لكنْ لو لمْ تُوجد الإبلُ أوْ حتى وُجِدتْ، فهلِ الإبلُ شرطٌ ويكونُ غيرُها بدل؟ بعضُ العلماءِ يعتبرها أصلًا (٣)، ومع هذا، فإنَّهُم لا يقولون بعدم جواز غيرها مع وجودِها، فلو أُخِذُ غيرُها لجازَ ذلك مع وجودها، وهو أيضا قولٌ للشافعي (٤)، وروايةٌ للحنابلة (٥).

стр. 9336

وهل الإبل خاصَّةٌ بأهلِ الإبلِ أوْ لا؟ المرادُ: هي الدِّيَةُ التي تنوَّعتْ أنواعًا خمسةً، سواء كانت من الإبل، أوْ من البقر، أوْ من الغنم، أوْ من الذهب، أوْ من الفضة، فإذا ما دُفِعَتْ قيمةُ هذه الدِّيَة، يكونُ قد تمَّ ذلك، لكن هل هناك فاضلٌ ومفضولٌ؟ هناك أصلٌ وغيرهُ، هذا هو الذي اختلف فيه العلماءُ، وهو اختلافٌ يسيرٌ، لذلك اعتبره المؤلِّفُ فرعًا ولمْ يعرِضْ له. * قولُهُ: (وَأَمَّا أَهْلُ الذَّهَب وَالْوَرِقِ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَا يجِبُ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ مَالِكٌ (١): عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ). وكذلك أحمد (٢). الذهبُ الذي يُعَبَّرُ عنه في منهج الفقهاء وفي لغتِهم بالدَّنانير، وبالنِّسبة للوَرِق الذي هو الفضة، وقد رأيتُم بأنَّ الزكاةَ تجبُ في عشرين مثقالًا، وفي مائتي درهمٍ، فإذا ضربتَ العشرين بعشرة، بلغت مائتين، معنى هذا أنَّ الدّينارَ يساوي عشرةَ دراهمَ، والقول الراجح والمشهور هنا أنَّ الدِّينارَ الواحدَ يُقابِلُ اثني عشرَ درهمًا وهو خلافُ ما أخذ به أبو حنيفةَ، وهو قولُ الجمهورِ كما سيأتي. * قولُهُ: (وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ (٣): عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ).

стр. 9337

قالوا هذا؛ لأنَّه قد جاء في ذلك حديثٌ (١)، وأيضًا قاسوا ذلك على الزكاة (يعني على النِّصاب في الزكاة)، وسترون أثر عمرَ ﵁ (٢) المُلهَم عندما ارتفعتْ قِيَمُ الإبلِ وأصبحتْ هذه النَّاقةُ التي كانت تُباعُ بمبلغٍ مُعيَّنٍ ارتفع سعرُها، كما هو معلومٌ أن الإبلَ لها قيمةٌ عظيمةٌ عند العرب، فارتفعت قيمتُها فعدل عمرُ ﵁ اجتهادًا منه واستصلاحًا لذلك. والخلافِ هنا بين الفقهاءِ فيما يتعلَّقُ بالوَرِقِ، إذنْ لا خلافَ بينهم في الإبل، فكُلُّهم متَّفِقُون على أنَ الدِّيةَ من الإبلِ مائة، وأنَّها كذلك من الذهب ألفُ دينارٍ، وكذلك من البقر مائتان، ومن الغنم ألفٌ، لكن يبقى الخلافُ في الدَّراهمِ؛ أهي عشرةُ ألافٍ؟ أم اثنا عشرَ ألفًا؟. * قولُهُ: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِمِصْرَ (٣): لَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ إِلَّا قِيمَةُ الْأِبِلِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ). قد ذكرت أنَّ الشافعيَّ ﵀ يذهب إلى أنَّ الإبلَ هي الأصلُ، وأنَّها هي التي يُرجَعُ إليها في التقدير، والشافعيُّ كما هو معلومٌ له مذهبانِ؟ مذهبُهُ القديمُ، ومذهبُهُ الجديدُ؛ مذهبُهُ القديمُ: الذي كان في العراق، وتعلمون أن الإمامَ عندما يطوفُ في الدنيا ويلتقي بالعلماءِ ويأخذ من علمِهِم وفقهِهِم وحديثِهم، ويقف على عددٍ من النُّصوصِ من السُّنَّةِ التي لمْ تكنْ عنده؛ فإنَّه حينئذٍ يتغيَّرُ اجتهادُهُ في المسائلِ (٤)؛ لأنَّ الإنسانَ

стр. 9338

رُبَّما لم يكن قد وقفَ على جملةٍ من الأحاديثٍ فرآها، لذلك اشتُهِرَ عنه أنَّه قال: "إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي "، فكان مذهبُهُ في مصرَ هو الذي يُسمَّى بالمذهب الجديدِ، لكن وُجِدتْ مسائلُ في القديمِ رجَّحها الشافعيةُ، وهي محدودةٌ لا تتجاوز عشرَ مسائلَ (١)، لكن أحيانًا عندما تنظرُ تجدُ أيضًا أنَّ في مذهبهِ القديمِ غيرَ ما رجَّحَهُ الشافعيةُ هي الأرجحُ؛ لأنَّها تلتقي مع رأي لأَحدِ الأئمةِ أوْ لأكثر من إمام، وهناك دليل يَعضُدُها ويؤيِّدُها. * قولُهُ: (وَقَوْلُهُ بِالْعِرَاقِ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ) (٢). يعني قولُهُ بالعراقِ الذي هو القديمِ؛ لأنَّه اعتبرَ أنَّ الإبلَ أصلٌ. وللحنابلةِ (٣) روايةٌ وافقوهُ في أنَها الأصلُ، لكنهم اختلفوا بأنَّها لا تكون مقياسًا، فلو أُخِذَ من الدَّراهمِ أوِ الدَّنانيرِ فذلك جائز. فتُقَوَّمُ بالإبل؛ لأنها الأصلُ، فإذا لم تكن هناك إبلٌ قُوِّمت الدية بقيمة الإبلِ، أي: باثني عشر ألف مثلًا وقد تقلُّ عنها، ورُبَّما تزيدُ عن ألفِ دِينارٍ، فاعتُبِرَت الإبلُ

стр. 9339

هي الأصلُ في ذلك، وهي التي كَثُرَ ذكرُها في الأحاديثِ، كما في حديثِ عمرو بن شعيبٍ، وحديثِ عمرو بن حزمٍ، وغير ذلك من الأحاديث (١). * قولُهُ: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ تَقْوِيمُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْمِائَةَ مِنَ الْإِبِلِ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ بِأَلْفِ دِينَارٍ) (٢). الإمامُ أحمدُ مع الإمامِ مالكٍ في هذه المسألة. وتقويمُها: يعني تحديد قيمتها. قولُهُ (بألفِ دينارٍ): يعني أنَّها تُعادِلُها، لا على أنَّها أصلٌ وهذه فرعٌ، ولكن إذا وُجِدَ ألفُ دينارٍ يقابلُهُ مائةٌ من الإبل، دون أن تنظر إلى قيمةِ الإبلِ أهي أكثر أو أقل. * قولُهُ: (وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ). يعني ليستْ عشرة آلاف، وإنَّما اثني عشرَ، وهذه هي حُجَّةُ مالك وأحمدَ رحمهما اللهُ. * قوله: (وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ مَا رَوَوْا أَيْضًا عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَوَّمَ الدِّينَارَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ) (٣). ولكن المشهور عنه هو الأولُ، والحنفيَّةُ قَوَّوا مذهبَهم فيما يتعلَّق بنصابِ الزكاةِ، ولكنَّ العلماءَ فرَّقُوا بين ذا وذاك. * قولُهُ: (وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى تَقْوِيمِ الْمِثْقَالِ بِهَا فِي الزَّكَاةِ). (تقويمُ المِتقالِ بها) فعندما تضربُ العشرين مثقالًا بعشرٍ؛

стр. 9340

تبلغُ مائتين، إذنْ هناك في الزَّكاة عشرةٌ تقابلُ دينارًا واحدًا. * قولُهُ: (وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ (١) فَيَقُولُ: إِنَّ الْأَصلَ فِي الدِّيَةِ إِنَّمَا هُوَ مِائَةُ بَعِيرٍ). كذلك الحنفيَّةُ لهم خلافٌ معروفٌ -كما سيأتي في قطعِ اليدِ في السرقةِ بالنسبة للدَّراهمِ-. * قولُهُ: (وَعُمَرُ إِنَّمَا جَعَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ، وَاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قِيمَةَ الْإِبِلِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فِي زَمَانِهِ). أي: أن الإمام الشافعيّ يقول: نعم، ولكنَّ عمرَ ﵁ عندما جعل ما يقابلُ المائةَ بعيرٍ ألفَ دينارٍ، أو اثني عشرَ ألف درهم؛ لأنَّ هذا هو الذي في زمنهِ، يعني قيمةَ المائةِ من الإبلِ تساوي اثني عشَرَ ألفٍ من الدراهم، وألفًا من الدنانير، ولذلك كانت في زمنِ رسولِ اللهِ ﷺ تختلفُ عن ذلك. * قولُهُ: (وَالْحُجَّةُ لَهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَتِ الدِّيَاتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ وَثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ) (٢).

стр. 9341

ثمانِمِائة دينارٍ، وثمانية آلافِ درهمٍ، يعني نقصت الثلث بالنِّسبة للدَّراهمِ. * قولُهُ: (وَدِيَةُ أَهْلِ الكِتَابِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فَكَانَ ذَلِكَ حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ). يعني كان هذا في زمنِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وفي زمن أبي بكرٍ وعمرَ ﵄ فعمرُ ذكرَ بأنَّ الأسعارَ تغيرتْ، ولذلك غيَّرَ في الأمرِ، لكن هل هو أمرٌ ثابتٌ؟ أوْ هو أمرٌ اجتهاديٌّ يتغيَّرُ بتغيُّر القيمِ؟ هذا يرجعُ إلى كون الإبل أصلًا أم لا، فإنْ قلنا: هي أصلٌ، نرجعُ إليها في كل وقت من الأوقات كُلَّما تغيرتِ النِّسَبُ القيميةُ، نعودُ إلى الإبلِ، فما يبلغُ قيمةَ مائةٍ من الإبلِ نعتبرهُ. هذا هو مذهبُ الشافعي (١). * قولُهُ: (فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: إِنَّ الْإِبِلَ غَلَتْ، فَفَرَضَهَا عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاةِ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَتَيْ حُلَّةٍ). (إنَّ الإبلَ قد غلتْ) يعني ارتفعت قيمتُها، وتعلمون أنَّ الإبلَ هي الوسيلةُ التي كان يركبُها النَاسُ، يحملون عليها بضائِعَهم، وكمْ لها من الفوائدِ العظيمةِ، فقد كانت تجولُ الصحارى والقِفَارَ، فلم تكن هناك سياراتٌ، ولا سُفُنٌ، ولا طائراتٌ، إنَّما هي كانت وسيلتُهم التي يستخدمونها في حاجاتهم.

стр. 9342

وبالنِّسبة لألفي شاةٍ هناك من يرى ألفَ شاةٍ، ولكنَّ الصحيحَ أنَّها ألفا شاةٍ. والحُلَلُ إنَّما هي من الذهب. * قوله: (وَتَرَكَ دِيَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَرْفَعْ فِيهَا شَيْئًا). ترك على ما كانت، ولكنَّهُ غيَّرَ في دِيَةِ المسلمين. هل فِعْلُ عمرَ ذاك يُعتَبرُ مُخالِفًا لِمَا كان في زمن رسول الله ﷺ ؟ هو اجتهد في هذا الأمر، وكما هو معلوم بأنَّ عُمرَ اجتهد في مسائلَ كثيرةٍ وغيَّرَ فيها، وأنَّ الصحابةَ عندما جاؤوا إلى حدِّ الخمرِ، اجتمع الصحابةُ واستشارهم، فكان هناك رأيٌ لعلي وعبدِ الرَّحمنِ بن عَوفٍ ﵄ بأنَّه إذا سَكِرَ هذى، وإذا افترى قَذَفَ؛ فيُقامُ عليه حدُّ القذفِ، فأدنى الحدودِ وأقلُّها هو حدُّ القذفِ، ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فقرَّروا ذلك (١). أيضًا عثمانُ ﵁ اتسعتِ المدينةُ في زمنهِ، فلمَّا اتسعتِ المدينةُ (لم يكن هناك إلَّا أذانٌ واحدٌ في زمن رسول الله وأبي بكرٍ وعمرَ) .. لمَّا امتدتِ المدينةُ واتسعتْ؛ زادَ النداءَ الثانيَ على الزوراء .. لم يكن هناك إلا نداء واحد إذا جلس الإمامُ على المنبر، لكن رأى أنَّ المدينةَ امتدَّتْ

стр. 9343

وأصبحت واسعةً، وترامت أطرافُها، فالنَّاسُ بحاجةٍ إلى أن يتهيئوا للصَّلاة، لأنَّ بعضَهم عُمَّالٌ، والعاملُ يحتاجُ إلى النظافة (الاغتسال)، وتعلمون ما ورد من الحضِّ على الاغتسال يومَ الجُمُعة، فاجتهد في هذه المسألة، فوضع النداءَ الثاني على الزوراء (مكان عالٍ في المدينة) (١). إذن اجتهد والرسول ﷺ قال: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ" (٢). وهم عندما يجتهدون يدورون في فلكِ الكتاب والسُّنَّة. * قولُهُ: (وَاحْتَجَّ بَعْضُ النَّاسِ لِمَالِكٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَقْوِيمُ عُمَرَ بَدَلًا لَكَانَ ذَلِكَ دَيْنًا بِدَيْنٍ). يعني: احتجَّ البعضُ بأنَّ هذا يدخلُ في أبواب الربا؛ لأنَّ هذه الدِّيةَ مُؤجَّلةٌ، فكأنَّه عندما تكون قيمةُ هذا مقابلَ هذا؛ كأنَّه استبدالُ شيءٍ بشيءٍ؛ فيدخلُ في أبواب الربا. * قوله: (لِإِجْمَاعِهِمْ أَنَّ الدِّيَةَ فِي الْخَطَإِ مُؤَجَّلَة لِثَلَاثِ سِنِينَ) (٣). وكذلك في شِبهِ العمدِ عند الأكثر (٤).

стр. 9344

* قولُهُ: (وَمَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَجَمَاعَة (٣) مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ لَا تُؤْخَذُ إِلَّا مِنَ الإِبِلِ أَوِ الذَّهَبِ أَوِ الْوَرِقِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (٤) وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ (٥) الْمَدَنِيُّونَ: يُوضَعُ عَلَى أَهْلِ الشَّاةِ أَلْفَا شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَا بَقَرَةٍ). وهو كذلك عند الإمام أحمد (٦). يعني هذه الأمور الخمسة ثبتت، فينبغي أن يُعملَ بها، ولكن الذي اشتَهرَ -كما قلتُ لكم- هي الإبلُ؛ لأنها كثر ذكرها في الأحاديث.

стр. 9345

* قولُهُ: (وَعَلَى أَهْلِ الْبُرُودِ مِائَتَا حُلَّةٍ. وَعُمْدَتُهُمْ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ الْمُتَقَدِّمِ. وَمَا أَسْنَدَهُ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطَاءٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وضَعَ الدِّيَةَ عَلَى النَّاسِ فِي أَمْوَالِهِمْ مَا كَانَتْ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ مِائَةُ بَعِيرٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاةِ أَلْفُ شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَا بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْبُرُودِ مِائَةُ حُلَّةٍ" (١). وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى الأَجْنَادِ أَنَّ الدِّيَةَ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِائَةَ بَعِيرٍ) (٢). هذا كُلُّهُ ما رأيتُ أحدًا من المعلِّقين وقف عليه، وهو موجودٌ -أي: أثر عمر بن عبد العزيز- في مُصنَّف ابن أبي شيبة. * قوله: (قَالَ: فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَهُ مِنَ الأَعْرَابِ فَدِيَتُهُ مِنَ الإِبِلِ، لَا يُكَلَّفُ الأَعْرَابِيُّ الذَّهَبَ وَلَا الْوَرِقَ). يعني: إذا كان من الأعراب صاحب إبلٍ؛ لا يُقالُ له: ائتنا بالذهب، بلْ هذه الإبل يُؤخذ منها. * قولُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الأَعْرَابِيُّ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، فَعَدْلُهَا مِنَ الشَّاةِ أَلْفُ شَاةٍ). يكون عنده شياهٌ، فيدفعُ مقابلها من الشياه. * قوله: (وَلِأَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ أَيْضًا رَوَوْا عَنْ عُمَرَ (٣) مِثْلَ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ نَصًّا. وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ جَازَ

стр. 9346

أَنْ تُقَوَّمَ بِالشَّاةِ وَالْبَقَرِ لَجَازَ أَنْ تُقَوَّمَ بِالطَّعَامِ عَلَى أَهْلِ الطَّعَامِ، وَبِالْخَيْلِ عَلَى أَهْلِ الْخَيْلِ). بالنِّسبة للشاةِ والبقر، وردتْ في الآثار، وأما تلك لم ترد. ذِكْرُ الطعامِ وردَ في روايةٍ ضعيفةٍ جدًّا، إذنْ هذه وردت فيُعمَلُ بها، والقصدُ هنا هو الوصول إلى الحقِّ، أن تُؤخذَ هذه الدِّيَةُ من أيِّ نوع كانت ممَّا جاء في تلك الآثار. * قوله: (وَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ). لم يقل به أحد، لأنَّه لمْ يرِدْ، أمَّا تلك فقد وردت، فقال بها بعضُ العلماء. * قولُهُ: (وَالنَّظَرُ فِي الدِّيَةِ كَمَا قُلْتُ هُوَ فِي نَوْعِهَا، وَفِي مِقْدَارِهَا، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ، وَفِيمَا تجِبُ، وَمَتَى تجِبُ؟ أَمَّا نَوْعُهَا وَمِقْدَارُهَا فَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِيهِ فِي الذُّكُورِ الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ). النوعُ يكونُ من الإبل، أو الذهب، أو الفضة إلى آخره، ومقدارُها مائةٌ من الإبل إلى آخره، إذنْ هو تكلَّم عن النوعين. * قَوْلُهُ: (وَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ (١) أَنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ تجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَأَنَّهُ حُكْمٌ مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وَمِنْ قَوْلِهِ ﵊ لِأَبِي رَمِثَةَ وَوَلَدِهِ: "لَا يَجْنِي عَلَيْكَ، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ") (٢).

стр. 9347

عرفنا بأنَّ الدِّيَةَ قد تكون انتقالًا من قَوَدٍ إلى دِيَةٍ، التي هي التحوُّل إلى البدن، فإنَّ الذي يقتلُ غيرَه عمدًا يلزمُهُ القصاصُ، فإذا ما تنازل أولياءُ القتيلٍ إلى الدِّيَةِ؛ حلَّت حينئذٍ الدِّيَةُ .. أصبحت هذه دِيَةُ العمدِ، وبأنَّها تكون مُربَّعةً وحالَّةً -أي: تُدفع في الحال- وتكون على الجاني؛ لأنه هو الذي جنى على نفسه فيتحمل. فالعمد لا تتحمله العاقلة؛ لأنَّ هذا إنسانٌ قد جنى على غيره جنايةً متعمَّدةً، فهو يتحمَّلُ وزرَها ونتائِجَها وعواقبَها، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "إِذَا جَنَى أَحَد فَعَلَيْهِ جِنَايَتُهُ" (١). وهذا جنى، فهو يتحمَّلُ ما جنتْ يدُهُ. * قوله: (وَأَمَّا دِيَةُ الْعَمْدِ فَجُمْهُورُهُمْ (٢) عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ- أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا، وَلَا اعْتِرَافًا، وَلَا صُلْحًا فِي عَمْدٍ" … ) (٣).

стр. 9348

رفعوه إلى الرسول ﷺ ، وفيه كلامٌ (١). إذنْ عرفنا بأنَّ دِيَةَ العمدِ يتحمَّلُها الجاني القاتلُ، ولا عَلاقةَ بالعاقلةِ، كما أورد المؤلِّفُ قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]). "من جنى فعليه جنايتُه"، لكنَّ المخطئ يقول الله تعالى في شأنِهِ: (﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]). ويقول النبيُّ ﷺ : "إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (٢). فالخطأُ يقعُ من كل إنسانٍ، وكُلُّنا بشرٌ، فرسول الله ﷺ نَسِيَ في الصَّلاة، وكذلك نَسِيَ آدمُ ونسيت ذريته، ورُبَّما يُخطِئُ الإنسانُ في أمرٍ من الأمورِ؛ لأنَّه لا يريدُ أن يقعَ في ذلك المحظور، ولا في ذلك الممنوع، لكنَّه وقع فيه (٣).

стр. 9349

* قولُهُ: (وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّهَا لَا نَحْمِلُ مَنْ أَصَابَ نَفْسَهُ خَطَأً (١)، وَشَذَّ الأَوْزَاعِيُّ (٢) فَقَالَ: مَنْ ذَهَبَ يَضْرِبُ الْعَدُوَّ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ فِي قَطْعِ الأَعْضَاءِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا فَقَأَ عَيْنَ نَفْسِهِ خَطَأً، فَقَضَى لَهُ عُمَرُ بِدِيَتِهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ) (٣). يستدلون بقصَّةِ الذي ضرب شيئًا فأذهبَ عينَه، فقالوا: "لم تُؤمر العاقلةُ بدِيَةِ العينِ". يعني: هذا الأثرُ هو الذي يستدلُّون به على هذه المسألة التي أشار إليها المؤلِّفُ، وكما مرَّ سابقًا أن القتلَ ثلاثة أنواع:

стр. 9350

أولُها: العمدُ، وهذا فيه القصاصُ، فإذا عُفِيَ انتقلوا إلى الدِّيَةِ؛ والدِّيَةُ على العاقلة قولًا واحدًا وهي حالَّةُ، وهي على الشَّخصِ نفسهِ القاتلِ قولًا واحدًا، وهي حالَّة مُربَّعةٌ. الثاني: دِيَةُ الخطأ، وهذا بإجماع العلماءِ على العاقلة (١). الثالثة: دِيَةُ شِبهِ العمد، وفيها خلافٌ، والمشهورُ أنَّها على العاقلة كما مرَّ بنا، وهي أيضًا مُثلَّثة، يعني تكونُ كالخطأ على ثلاث سنوات، ولكنَّها مُغلَّظةٌ كما مرَّ في أثر عمرَ ﵁، فهذه هي أنواع الدِّياتِ الثلاثِ. ورد أيضًا على خلاف ذلك؛ لأنَّه لمْ يُؤمرْ بالدِّيَةِ؛ لأنَّه هو الذي جنى على نفسه، كما لو جنى على غيره كما أشرت لكم. إذنْ هناك دِيَةُ العمد، وهناك دِيَةُ الخطأ، وهناك دِيَةُ شِبهِ العمدِ. * قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا فِي دِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَفِي الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ). اختلفوا في دِيَةِ شِبهِ العمد، وكذلك أيضًا في الدِّيَةِ المُغلَّظةِ، سيشرع المؤلِّفُ الآن في تفصيلها، دِيَةُ شِبهِ العمد مرَّتْ بنا يعني تحديدها، وبأنَّها ليستْ غير حالَّةٍ، هانَّما هي مُؤجَّلة، لكن هل تكون أرباعًا وأثلاثًا؛ فقد رأينا على الأرجح أنَّها تكونُ أرباعًا، وأنَّها مُؤجَّلةٌ على ثلاث سنواتٍ كدِيَةِ الخطأِ، ولكنَّها تختلفُ عن دِيَةِ الخطأ فيما يتعلَّقُ بالتغليظ فيها. * قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا فِي دِيَةِ مَا جَنَاهُ الْمَجْنُونُ وَالصَّبِيُّ عَلَى مَنْ تجِبُ؟). أنتم تعلمون -وهذا مرَّ بنا كثيرًا في أبوابٍ عِدَّةٍ ما يتعلَّق بالتكليف-
следующие страницы →