← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 9346–9385 · переход к 9351.

стр. 9346

أَنْ تُقَوَّمَ بِالشَّاةِ وَالْبَقَرِ لَجَازَ أَنْ تُقَوَّمَ بِالطَّعَامِ عَلَى أَهْلِ الطَّعَامِ، وَبِالْخَيْلِ عَلَى أَهْلِ الْخَيْلِ). بالنِّسبة للشاةِ والبقر، وردتْ في الآثار، وأما تلك لم ترد. ذِكْرُ الطعامِ وردَ في روايةٍ ضعيفةٍ جدًّا، إذنْ هذه وردت فيُعمَلُ بها، والقصدُ هنا هو الوصول إلى الحقِّ، أن تُؤخذَ هذه الدِّيَةُ من أيِّ نوع كانت ممَّا جاء في تلك الآثار. * قوله: (وَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ). لم يقل به أحد، لأنَّه لمْ يرِدْ، أمَّا تلك فقد وردت، فقال بها بعضُ العلماء. * قولُهُ: (وَالنَّظَرُ فِي الدِّيَةِ كَمَا قُلْتُ هُوَ فِي نَوْعِهَا، وَفِي مِقْدَارِهَا، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ، وَفِيمَا تجِبُ، وَمَتَى تجِبُ؟ أَمَّا نَوْعُهَا وَمِقْدَارُهَا فَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِيهِ فِي الذُّكُورِ الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ). النوعُ يكونُ من الإبل، أو الذهب، أو الفضة إلى آخره، ومقدارُها مائةٌ من الإبل إلى آخره، إذنْ هو تكلَّم عن النوعين. * قَوْلُهُ: (وَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ (١) أَنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ تجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَأَنَّهُ حُكْمٌ مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وَمِنْ قَوْلِهِ ﵊ لِأَبِي رَمِثَةَ وَوَلَدِهِ: "لَا يَجْنِي عَلَيْكَ، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ") (٢).

стр. 9347

عرفنا بأنَّ الدِّيَةَ قد تكون انتقالًا من قَوَدٍ إلى دِيَةٍ، التي هي التحوُّل إلى البدن، فإنَّ الذي يقتلُ غيرَه عمدًا يلزمُهُ القصاصُ، فإذا ما تنازل أولياءُ القتيلٍ إلى الدِّيَةِ؛ حلَّت حينئذٍ الدِّيَةُ .. أصبحت هذه دِيَةُ العمدِ، وبأنَّها تكون مُربَّعةً وحالَّةً -أي: تُدفع في الحال- وتكون على الجاني؛ لأنه هو الذي جنى على نفسه فيتحمل. فالعمد لا تتحمله العاقلة؛ لأنَّ هذا إنسانٌ قد جنى على غيره جنايةً متعمَّدةً، فهو يتحمَّلُ وزرَها ونتائِجَها وعواقبَها، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "إِذَا جَنَى أَحَد فَعَلَيْهِ جِنَايَتُهُ" (١). وهذا جنى، فهو يتحمَّلُ ما جنتْ يدُهُ. * قوله: (وَأَمَّا دِيَةُ الْعَمْدِ فَجُمْهُورُهُمْ (٢) عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ- أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا، وَلَا اعْتِرَافًا، وَلَا صُلْحًا فِي عَمْدٍ" … ) (٣).

стр. 9348

رفعوه إلى الرسول ﷺ ، وفيه كلامٌ (١). إذنْ عرفنا بأنَّ دِيَةَ العمدِ يتحمَّلُها الجاني القاتلُ، ولا عَلاقةَ بالعاقلةِ، كما أورد المؤلِّفُ قولَ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]). "من جنى فعليه جنايتُه"، لكنَّ المخطئ يقول الله تعالى في شأنِهِ: (﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]). ويقول النبيُّ ﷺ : "إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (٢). فالخطأُ يقعُ من كل إنسانٍ، وكُلُّنا بشرٌ، فرسول الله ﷺ نَسِيَ في الصَّلاة، وكذلك نَسِيَ آدمُ ونسيت ذريته، ورُبَّما يُخطِئُ الإنسانُ في أمرٍ من الأمورِ؛ لأنَّه لا يريدُ أن يقعَ في ذلك المحظور، ولا في ذلك الممنوع، لكنَّه وقع فيه (٣).

стр. 9349

* قولُهُ: (وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّهَا لَا نَحْمِلُ مَنْ أَصَابَ نَفْسَهُ خَطَأً (١)، وَشَذَّ الأَوْزَاعِيُّ (٢) فَقَالَ: مَنْ ذَهَبَ يَضْرِبُ الْعَدُوَّ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ فِي قَطْعِ الأَعْضَاءِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا فَقَأَ عَيْنَ نَفْسِهِ خَطَأً، فَقَضَى لَهُ عُمَرُ بِدِيَتِهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ) (٣). يستدلون بقصَّةِ الذي ضرب شيئًا فأذهبَ عينَه، فقالوا: "لم تُؤمر العاقلةُ بدِيَةِ العينِ". يعني: هذا الأثرُ هو الذي يستدلُّون به على هذه المسألة التي أشار إليها المؤلِّفُ، وكما مرَّ سابقًا أن القتلَ ثلاثة أنواع:

стр. 9350

أولُها: العمدُ، وهذا فيه القصاصُ، فإذا عُفِيَ انتقلوا إلى الدِّيَةِ؛ والدِّيَةُ على العاقلة قولًا واحدًا وهي حالَّةُ، وهي على الشَّخصِ نفسهِ القاتلِ قولًا واحدًا، وهي حالَّة مُربَّعةٌ. الثاني: دِيَةُ الخطأ، وهذا بإجماع العلماءِ على العاقلة (١). الثالثة: دِيَةُ شِبهِ العمد، وفيها خلافٌ، والمشهورُ أنَّها على العاقلة كما مرَّ بنا، وهي أيضًا مُثلَّثة، يعني تكونُ كالخطأ على ثلاث سنوات، ولكنَّها مُغلَّظةٌ كما مرَّ في أثر عمرَ ﵁، فهذه هي أنواع الدِّياتِ الثلاثِ. ورد أيضًا على خلاف ذلك؛ لأنَّه لمْ يُؤمرْ بالدِّيَةِ؛ لأنَّه هو الذي جنى على نفسه، كما لو جنى على غيره كما أشرت لكم. إذنْ هناك دِيَةُ العمد، وهناك دِيَةُ الخطأ، وهناك دِيَةُ شِبهِ العمدِ. * قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا فِي دِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَفِي الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ). اختلفوا في دِيَةِ شِبهِ العمد، وكذلك أيضًا في الدِّيَةِ المُغلَّظةِ، سيشرع المؤلِّفُ الآن في تفصيلها، دِيَةُ شِبهِ العمد مرَّتْ بنا يعني تحديدها، وبأنَّها ليستْ غير حالَّةٍ، هانَّما هي مُؤجَّلة، لكن هل تكون أرباعًا وأثلاثًا؛ فقد رأينا على الأرجح أنَّها تكونُ أرباعًا، وأنَّها مُؤجَّلةٌ على ثلاث سنواتٍ كدِيَةِ الخطأِ، ولكنَّها تختلفُ عن دِيَةِ الخطأ فيما يتعلَّقُ بالتغليظ فيها. * قولُهُ: (وَاخْتَلَفُوا فِي دِيَةِ مَا جَنَاهُ الْمَجْنُونُ وَالصَّبِيُّ عَلَى مَنْ تجِبُ؟). أنتم تعلمون -وهذا مرَّ بنا كثيرًا في أبوابٍ عِدَّةٍ ما يتعلَّق بالتكليف-

стр. 9351

أن الله عندما أمر عبادَه بأمورٍ، ونهاهم عن أُخرى، إنَّما وضع اللهُ لذلك روابط، وهناك ما يُعرف بالتكليف، فالمُكلَّفُ هو البالغُ العاقلُ، أمَّا الصبيُّ الذي لم يبلغ؛ فقد عرفنا علامات البلوغ، فهذا يُعتَبرُ مُكلَّفًا، وكذلك أيضًا من زال عقلهُ؛ فإنَّه لا يكون مُكلَّفًا؛ لأنَّ ذلك قد سُلِبَ عنه العقلُ الذي يُدرِكُ به ويميِّزُ بين النافع والضَّارِّ، فلو قُدِّرَ أنَّ صبيًّا قتل، أوْ مجنونًا؛ فإنَّه لا يُقتل بذلك الفعل، لكن هناك ضوابط تكلَّم عنها العلماءُ وحدَّدوها. إذنْ إذا لم يكن هناك قتلٌ، فلا بُدَّ من دِيَةٍ، وسيأتي الكلام تفصيلًا عن إذا كانت هناك دِيَةٌ؛ فهل هي على العاقلة أمْ في مال الصبيِّ -إنْ كان له مالٌ - أمْ في مال المجنون؟ * قولُهُ: (فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢) وَجَمَاعَةٌ (٣): "إِنَّهُ كُلُّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْعَاقِلَةِ"). كذلك الإمامُ أحمدُ (٤). هؤلاء الأئمةُ الثلاثةُ قالوا: "دِيَةُ الصَّبيِّ والمجنونِ تكونُ على العاقلة". وسنعرف بعد قليل مَنِ المراد بالعاقلة.

стр. 9352

يعني تتحمَّلهُ العاقلةُ. هذه الدِّيَةُ لا تكون في مالٍ واحدٍ منهما؛ وإنَّما تكون على العاقلة، وعادةً كون الدِّيَة في بعض أنواعِها على العاقلة تكون مواساةً للقاتل؛ لأنَّ الذي تكون دِيتُهُ على العاقلة لا يكون متعمِّدًا، أمَّا المتعمِّدُ فقد عرفنا أن الدِّيَةَ تكون حالَّةً، يعني لا تُؤجَّل، وتكون في ماله، فلا تتحملُ العاقلةُ عمدًا ولا تتحمَّل أيضًا عقدًا، ولا صُلحًا، ولا اعترافًا، إذنْ هذا إنسانٌ أخطأ أو حصل منه شِبه خطأ، فهو بحاجةٍ إلى التسرية (التخفيف)، ومن أولى النَّاس بأن ينهض بذلك ويقوم به هم عصبتُه، هم العصبةُ الذين نعرفهم ودرسناهم في كتاب المواريث. * قولُهُ: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): "عَمْدُ الصبِيِّ فِي مَالِهِ"). لأنَّ الصبيَّ يرى أنَّه قد اعتدى، وأنَّه ينبغي أن يُزجَرَ وأن يُردع، وهذا هو نوعٌ من الزَّجر؛ لأنَّ هذا الصبيَّ وإنْ لم يكن كامل العقل؛ لكنَّه أيضًا يُدرِكُ أنَّه أمرٌ لا ينبغي، ولذلك يرى أنها تُوضع في ماله حتى يكون ذلك زجرًا وردعًا له. * قوله: (وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَرَدُّدُ فِعْلِ الصَّبِيِّ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالْمُخْطِئِ؛ فَمَنْ غَلَّبَ عَلَيْهِ شِبْهَ الْعَمْدِ أَوْجَبَ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ). يعني من شبَّهَهُ بالعامد؛ أوجب الدِّيَةَ في ماله، ومَنْ شبَّهَهُ بالمُخطئِ؛ أوجبها على العاقلة، إذنْ هو متردِّدٌ بينهم، هو متعمِّدٌ فِعلَهُ، ولكنك إذا نظرت إلى قصوره وتفكيره، وأنه مرفوعٌ عنه القلم، فأنت في هذه الناحية تُلحقه بالمخطئ، وإذا نظرت إلى أنَّه تعمَّد يعني أقدَمَ على الفعل وقصد القتلَ؛ فإنَّه من هذه الناحية يُشبِهُ المتعمِّدَ، فصار متردِّدًا بين الأمرين، فبأيِّهما يُلحق؟ لا شك بأنَّ مذهب الجمهور أولى؛ لأنَّ هذا غيرُ كامل الإدراك وغيرُ

стр. 9353

مُستَوفٍ له، ولذلك رفعت الشريعةُ العقوبةَ فقال ﵊: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ" (١). * قوله: (وَمَنْ غَلَّبَ عَلَيْهِ شِبْهَ الْخَطَإِ أَوْجَبَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا إِذَا اشْتَرَكَ فِي الْقَتْلِ عَامِدٌ وَصَبِيٌّ). كذلك عامدٌ ومجنونٌ. هنا عامد يُقصدُ به المكلَّفُ؛ لأنَّ الصبيَّ قد يكون عامدًا، لكن هنا لما ذكر الصبيَّ، فالذي يُقابله هو المكلَّفُ، إذنْ هناك إنسانٌ مكلَّفٌ لو انفرد بالقتل متعمِّدًا؛ فإنَّه يُقتلُ إلَّا أنْ يُعفى عن ذلك إلى بدلٍ، أو غير بدلٍ، فإذا ما اشترك صبيٌّ وكذلك إنسانٌ مكلَّفٌ عامدٌ في القتل .. فما الحكم هنا؟ قد عرفنا أن الصبيَّ لا يُقتصُّ منه، وبأنَّ هناك مَنْ يرى -وهم الجمهور -أنَّ الدِّيةَ فيه على عاقلته، والشافعيُّ يرى أنَّها في ماله، وإنْ اختلف الشافعيةُ- ليس كل الشافعية مع إمامهم في هذه المسألة -لكن هنا نأتي إلى العامد، هل العامد تختلف معه بين أن ينفرد بالقتل وبين أن يكون مع غيره ممن لا يلزمه القتل أو لا؟ سبق أن أشرنا إلى مثل ذلك ومرَّ بنا ما يُشبِهُهُ، وأنَّه لو كان لا يُقامُ القصاصُ على العامد في مثل هذه الحالة، لكانت ذريعةً إلى أن يتلبَّسَ كثيرٌ من الجُناة والمجرمين بمثل ذلك، فيأتوا بغير مكلَّفين فيشركوهم في القتل؛ حتى لا يُقام عليهم القصاص، إذنْ في هذه الحالة جماهير العلماء (٢) يقولون: "يُقتص من العامد".

стр. 9354

* قوله: (وَالَّذِينَ أَوْجَبُوا عَلَى الْعَامِدِ الْقصَاصَ وَعَلَى الصَّبِيِّ الدِّيَةَ). هذا مرَّ؛ لأنَّه قال: (والذين أوجبوا)، وقد عرفنا أنَّه مذهبُ الجمهور. * قوله: (اخْتَلَفُوا عَلَى مَنْ تَكُونُ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١) عَلَى أَصْلِهِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ. وَقَالَ مَالِكٌ (٢): عَلَى الْعَاقِلَةِ). الشافعيّ عرفتُم رأيَه بأنَّه في مال الصبيِّ ردعًا، وزجرًا، وتخويفًا له، والجمهور قالوا: "على العاقلة"؛ فمالكٌ وأحمدُ متَّفقان في كثير من المسائل القادمة.

стр. 9355

* قوله: (وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ (١) فَيرَى أَنْ لَا قِصَاصَ بَيْنَهُمَا. أَمَّا مَتَى تجِبُ؛ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ مُؤَجَّلَةٌ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ) (٢). نحن عرفنا أنها تكون أخماسًا، وأنَّه لا خلاف بين العلماء إلَّا في نوعٍ منها؛ أهي بناتُ مخاضٍ؟ أو بنو لبونٍ؟ مرَّ بنا هذا من قبل. إذنْ الذي نريد أن نعرفه الآن أنها مُؤجَلةٌ، ومدة تأجيلها ثلاثُ سنواتٍ باتفاق، وتُوزَّعُ أثلاثًا، في كلِّ عام يُدفع ثلثُ الدِّيةِ، فقد عرفنا أن الدِّيةَ قد تكون إبلًا، أو بقرًا، أو غنمًا، ورُبَّما كانت ذهبًا (يعني دنانيرَ)، أوْ دراهم، ورأينا الاختلافَ في الدراهم في مقدارها؛ لأنَّها كانت في زمن رسول الله ﷺ لها قدرٌ، وأن عمرَ ﵁ كان له رأيٌ في ذلك، وعلَّل ذلك بارتفاع ثمن الإبل التي تُعتبَرُ عند بعض العلماء كما عرفنا أصلًا في ذلك. * قوله: (وَأَمَّا دِيَةُ الْعَمْدِ فَحَالَّةٌ إِلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى التَّأجِيلِ). ديَةُ العمدِ لا خلاف بين العلماء في أنَّها حالَّةٌ تدفع حالًا، وأيضًا تكون من مال المعتدي القاتل. إذنْ هناك أمران في دِيَةِ العمدِ: أن تكون حالَّةً، وأن تكون -أيضًا- على الشخص القاتل، بخلاف دِيَةِ شِبهِ العمد والخطأ؛ فدِيَةُ شِبهِ العمد فيها تغليظٌ، أمَّا دِيةُ العمد فلا تغليظَ فيها؛ لأنَّ المخطئَ هو مخطئٌ، وقد عرفنا

стр. 9356

الفرق بين الأنواع؛ لأنَّ المتعمِّدَ إنَّما هو تعمَّد الفعل، وتعمَّد القتلَ، فإنسانٌ بينه وبين آخرَ عداوةٌ، فحمل سلاحًا فقتله، فقد تعمَّد هذا الفعلَ، وتعمَّدَ القتلَ .. لكنَّ إنسانًا ذهب ليؤدِّبَ آخرَ، أو يمازحَه، أو نحو ذلك، ثم هو قصدَ الفعلَ أنَّه لم يقصدْ قتله فحصل القتل؛ هذا نقول: شِبهُ عمدٍ. أمَّا الذي لا يقصد فعلًا ولا قتلًا أصلًا؛ وإنَّما حصل ذلك قضاءً وقدرًا، هذا نُسمِّيه مخطئًا، وهذا المخطئُ يحتاج إلى مساواة، وإلى تخفيف، وتسلية. ولذلك نجد أنَّ هذه الشريعةَ الإسلاميةَ الغرَّاء راعت ظرفه ووضعه، فقالت: ينبغي أن تتجمع عصبته، فتتحمَّل ذلك. والعلماء ليسوا متفقين تمامًا على المراد بالعصبة، هل هم عصبةُ الميراث؟ أو هم أهل الدِّيوان؟ وإن كانوا عصبة الميراثِ؛ فهل كل وارث من العصبة يدخل؟ في ذلك خلاف هذا سيأتي إن شاء الله. * قوله: (وَأَمَّا مَنْ هُمُ الْعَاقِلَةُ). العاقلة من العقل وهو المنع؛ لأنَّ هذه العاقلةَ هي منعت عن القاتل، كأنَّها منعتْ عنه القتلَ، بمعنى أنَّها دفعت الدِّيَةَ. وسمُّوا عاقلةً؛ لأنَّهم يعقلون عن المقتول، أي: يمنعون عنه. إذنْ معنى العقلُ هو المنعُ، وكذلك العقلُ نفسُهُ الذي نعرفه يمنع الإنسانَ من الوقوع في الأخطاء منِ ارتكاب المحارم، من ارتكاب المنهيات، ولذلك إذا سَكِرَ الإنسانُ هذى، وإذا هَذَى افترى (فقَدَ عقلَهُ)، فرُبَّما وقع في جناية أو أكثر؛ لأنَّه فَقدَ هذه النِّعمة العظيمة التي منحها اللهُ -تعالى- إيَّاه، وميَّزه بها عن سائر الحيوان، فإذا ضيَّع هذه النِّعمة؛ انحطَّ إلى درجة الحيوان، فكأنَّ ذلك العقلَ الذي يمنعه من ارتكاب ما لا يجوز زال، فأصبح -أيضًا- لا يوجد هناك سِياجٌ مانعٌ يحولُ بينه وبين بعض الأمور، فيستغله الشيطان، فيجُرَّهُ إلى المهالك وإلى الويلات.

стр. 9357

* قولُه: (فَإِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ (١) اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعَاقِلَةَ هِيَ الْقَرَابَةُ مِنْ قِبَلِ الأَبِ وَهُمُ الْعَصَبَةُ). الذين هم العصبة، نحن لمَّا درسنا الفرائضَ قلنا: هناك عصبةٌ، وهناك أهلُ فرضٍ، وعرفنا هناك ذوي الأرحام .. وهل ذوي الأرحام يرثون؟ رأينا هناك أن كثيرًا من العلماء لا يُوَرِّثونَهم، ثم رأينا هناك نوعًا من التعصيب بالولاء، وهو المُعتِقُ، أعتقَ إنسانٌ آخرَ فكانت هذه نعمةٌ له؛ لأنَّه حرَّرهُ من الرِّقِ، ونقلَهُ من حالةٍ، كأنْ لمْ يكنْ موجودًا فيها إلى أن أصبحَ إنسانًا حُرًّا يتمتعُ بكاملِ الحُرِّية كغيره، وذلك استحَقَّ على هذه النِّعمة وعلى هذا الفضل الذي قدَّمهُ له؛ أن يكون له مولى. وكذلك أيضًا يدخل في العصبة، وسيأتي الخلافُ أيضًا في المراد بالعصبة، وكذا العاقلة، وهل هما بمعنًى واحدٍ؟ أو هم أهل الديوان؟ والذي دوَّن الدواوين هو عُمَرُ ﵁، فلم يكن ذلك في زمن رسول الله ﷺ ، ولا في زمن أبي بكرٍ ﵁، ثم أيضًا عندما نعودُ إلى مذهب الجمهور بأنَّ أهلَ العقل أو العاقلة هم العصبةُ، سنجدهم يختلفون أيضا في دخول الآباء والأبناء؛ لأنَّهم إذا كانوا من قِبَلِ الأب يكونون عصبة، وإذا رجعنا إلى ما درسناهُ في كتاب المواريث، نجدُ أَن العصبة هم: الآباءُ وإنْ عَلَوا، والأبناءُ وإنْ نزلوا، ثم أيضًا نقول: همُ الآباءُ، وكذلك أبناؤُهم؛ فأبناءُ الآباءِ هم الإخوة، وأبناؤُهم، أي: أبناء الإخوة، وأبناءُ الجدِّ هم الأعمامُ، وأبناؤُهم هم أبناء العم، وهكذا، فهؤلاء هم العصبة، فهل يدخلُ في ذلك الأبُ وإنْ علا؟ أو الابنُ وإنْ نزلَ؟ فيه خلاف في المذهبين الشافعيِّ والحنبليِّ، سنشيرُ إليهما إن شاء الله.

стр. 9358

* قولُهُ: (دُونَ أَهْلِ الدِّيوَانِ). أهل الديوان هم الذين يُكتبُون -يُدَوَّنون- في الدِّيوان؛ لأنَه أُثِرَ عن عمر ﵁ أنه جعلَ الدِّيَةَ في ذلك (١)، ورسول الله ﷺ جعل الدِّيَةِ في العاقلة في أحاديثَ كثيرةٍ، وممَّا مرَّ بنا منها قصةُ المرأتين من هذيل اللتينِ اقتتلتا، فرمتْ إحداهمُا الأُخرى بحجرٍ فقتلتها وما في بطنها، فجعل رسولُ الله ﷺ الدِّيَةَ على العاقلة (٢)، وجاء في حديث: "العَاقلَةُ هُمُ عصبَةُ الرَّجُلِ" (٣). * قَوْلهُ: (وَتَحْمِلُ الْمَوَالِي الْعَقْلَ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ (٤) إِذَا عَجَزَتْ عَنْهُ الْعَصَبَةُ إِلَّا دَاوُدَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرَ الْمَوَالِيَ عَصَبَةً، وَلَيْسَ فِيمَا يَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدٌّ عِنْدَ مَالِكٍ) (٥). إذا عجزتِ العصبةُ أو لم تُوجد؛ حينئذٍ يُنتَقلُ إلى العصبةِ بالولاء التي

стр. 9359

أشرنا إليها، والتي سبق أن درسناها في كتاب الولاء وفي كتاب العتق. إذا قلنا: العاقلةُ هم العصبة -قبل أن ندخل في تفصيل ذلك- هل هناك قدرٌ محدَّدٌ يلزمُ كُلَّ واحدٍ من العصبة؟ مثلًا: الإخوة يلزم كل واحد كذا، الأعمامُ يلزم كلَّ واحدٍ كذا، أعمامُ الإخوة، أبناء الأعمام … إلى آخرِهِ. هل هناك قدرٌ محدَّدٌ من المال؟ هو دينارٌ على كلِّ واحدٍ أو نصف دينارٍ. ومعلومٌ بأنَّ المرأةَ لا تدخل في العقل، وكذلك أيضًا لا يدخل فيه على الرأي الصحيح الفقير، فهناك أنواع من النَّاس لا يدخلون -يعني لا يحملون شيئًا مع العاقلة. إذنْ العاقلةُ يقوم بها نوعٌ من العصبة. الكلام الآن هل هناك قدرٌ محدَّدٌ؟ الإمامان مالك وأحمدُ (١) قالا: "ليس هناك قدر محدَّد، وإنَّما يرجع ذلك إلى تقدير الحاكم -أي: الذي يتولى ذلك- وهو الذي ينظر في المصلحة، فإنْ رأى أن يحدد قدرًا محدَّدًا حددَّهُ، وإنْ رأى ألَّا يحدِّدَه وأن يترك ذلك إلى ما عند هؤلاء من الرغبة؛ لأنَّه يوجد من الناس من يدفع أكثر، وهناك من يدفع أقل، فالنُّفوسُ تختلف في تعلُّقها بالمال وحبها لها، فبعض الناس جبَلَهُ اللَّهُ على البذل وعلى العطاء وعلى السخاء، حتى في الأمور غير المتعينة، فما بالك في الأمور المتعينة! ولذلك فرَّقَ اللهُ بين الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله وبين الذين يمسكونها، وأثنى على الذين ينفقونها في سبيل الله وبيَّن بأنَّها: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] .. وعدَّ

стр. 9360

رسولُ الله ﷺ من السبعة الذين يُظلُّهم الله في ظله يومَ لا ظلَّ إلا ظِلُّهُ: "رجلًا تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلمَ شمالُهُ ما تُنفِقُ يمينُهُ"، ويقول الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. فبعض النفوس عندها تطلُّعٌ إلى الدرجات العُلى، تبحث عمَّا يكون فيه خير وسعادة لها في الآخرة، ولا يشغلها ما يتعلَّقُ بأمور الدنيا، ولذلك جاء في الحديث: "ذَهَبَ أَهْلُ الدثُورِ بِالْأُجُورِ" (١). ولا نريد أن نخرجَ كثيرًا عن الموضوع، فهذا سبق الكلام عنه في مناسبات كثيرةٍ، لكنَّ الإمامَينِ مالكًا وأحمدَ؛ قالا: "يُترك ذلك إلى أحوال العصبة، فكلٌّ يدفع ما تجود به نفسُهُ، كذلك الإمامُ الحاكمُ هو الذي يُقدِّرُ ذلك .. يرى المصلحة، فإنْ وجد أنَّ العصبة يتسابقون ويدفعون وأدَّوا ما عليهم؛ وإلَّا حينئذٍ يحتاج إلى أنْ يعودَ ويقرِّرَ شيئًا". هذا هو رأي الإمامين. والإمامُ أحمدُ له روايةٌ أُخرى (٢) يرى فيها التقدير. وأمَّا الإمامُ الشافعي (٣) فرأيه متَّحدٌ في ذلك، وقبله أبو حنيفة (٤) يرى

стр. 9361

أنَّها مقدَّرةٌ لكنَّه يُقدِّرُها عُلوًّا لا نزولًا، فيقول: "أعلى ما يدفعه كلُّ واحدٍ هو أربعةُ دراهمَ، هذه هي الزيادة ولا حدَّ لأقلِّها". أمَّا الإمامُ الشافعيُّ فحدَّ الأعلى والأدنى. قلنا: وأحمد. * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَلَى الْغَنِيِّ دِينَارٌ، وَعَلَى الْفَقِيرِ نِصْفُ دِينَارٍ) (١). هذا هو قول الإمام الشافعيِّ، وأحمدُ له روايةٌ يُحدِّدُ فيها (٢)، وأبو حنيفة حدَّد الأكثرَ وترك أيضًا الأقل، وقال: "لا حدَّ فيه". أمَّا الروايةُ المشهورةُ عن الإمام أحمدَ وهي المذهبُ، وهي أيضًا قولُ الإمام مالكٍ، هذه لا حدَّ فيها؛ لأنَّه لم يرِدْ في ذلك نصٌّ، وهذه أمورٌ توقيفيَّة، ولمْ يرِدْ عن رسول الله ﷺ أنَّهُ حدَّ في ذلك حدًّا، فتحديد ذلك كأنَّه جعله مشروعًا، ولكن يُترك ذلك إلى الحاكم، فهو ينظر ما فيه المصلحة. * قوله: (وَهِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مُرَتبةٌ عَلَى الْقَرَابَةِ بِحَسَبِ قُرْبِهِمْ) (٣). ومعه الإمام أحمد (٤)، لكنَّ الإمامَ أحمدَ يختلف معه في التفصيل،

стр. 9362

وهي مُرتَّبةٌ على القرابة، معنى هذا أنَّ الإخوة يسبقون أبناء الإخوة، وشحبقون الأعمام، وهكذا تجد درجات كما أخذتَ في المواريث، لكن هنا المُؤلِّفَ ما أشار إلى قضيةٍ مهمةٍ، ولكنها تُفهم من كلامه، وقد قال بها الشافعي، فهو يرى ﵀ ومعه أحمد في روايةٍ عنه (١): "أن الآباء والأبناء لا يدخلون في العاقلة"، والعاقلةُ هم: أبناء الأب (يعني الإخوة)، وأبناء الجدِّ (يعني الأعمام)، وأبناء هؤلاء أبناء هؤلاء وإن نزلوا، إذنْ هم الإخوة، وأبناؤهم، والعمومة وأبناؤهم وإن نزلوا، وهي روايةٌ للإمام أحمدَ. والرواية الأُخرى عنه (٢): "يدخل في العصبة الآباء وإنْ علَوا، والأبناء وإنْ علَوْا، والإخوة وأبناؤهم، والأعمام … إلى آخره"، يعني العصبة الذين عرفناهم في كتب المواريث، وهو قول الإمامين أبي حنيفة ومالك. * قوله: (فَالْأَقْرَبُ مِنْ بَنِي أَبِيهِ). (فالأقرب من بني أبيه) وهم إخوانه. وأيضًا ننتبه إلى أنّه لا يدخل في ذلك الأم، ولذلك قال هنا: (من بني أبيه)، فالأخوة لأم، والزوج، لا يدخلون في ذلك؛ لأنهم ليسوا من العصبة، وقد عرفنا ذلك في كتاب في المواريث بأن الإخوة لأم يرثون فرضًا لا تعصيبًا، وتعلمون تلك المسألة المُشَرَّكة التي حصل فيها الكلام في زمن عمر ﵁ التي أفتى فيها فتوى ثم رجع، والتي تُعرف بـ (المسألة

стр. 9363

المُشَرَّكة) (١) التي ورَّثَ فيها الإخوةَ لأم، ومنع الأخوةَ لأبٍ، وقصتهم معروفة مشهورة. إذن هنا لمَّا قال: (من بني الأب) يعني إخوته. إذنْ الإمامُ الشافعيُّ لا يرى الآباءَ والأبناءَ من العصبة، وهو -كما قلنا- رواية للإمام أحمد، لكن الرِّواية المشهورة الأُخرى التي هو فيها مع الحنفيَّة والمالكيَّة. أما عند أحمدَ، فهي كالشافعيِّ مُرتَّبةٌ على حسب القُرب، فعلى الرِّواية التي يتفق فيها مع الشافعي، كما عند الشافعي، وعلى الرِّواية الأُخرى يبدأ بالآباء فالأبناء، وهكذا. * قوله: (ثُمَّ مِنْ بَنِي جَدِّهِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي بَنِي أَبِيهِ). (بني أبيه) هم إخوته، و (بني جدِّه) هم الأعمام، ثم بنوهم وبنو بنيهم … إلى آخره. * قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: الْعَاقِلَةُ هُمْ أَهْلُ دِيوَانِهِ) (٢). يعني هو يرى أهلَ دِيوانهِ، لكنَّه يرى أيضًا بأنَّ العصبة في ترتيبهم، مع الإمام مالك، والروايةُ الأُخرى للإمامين، لكن عندما جاء الحنفيَّة فقال العاقلة: أهل ديوانه .. أنتم تعلمون عمر ﵁ له أعمالٌ جليلةٌ، لما جاء فرأى أن يضع ديوانه، وأن يكتب فيها الجُندَ، وأنْ تُخصَّصَ لهم أرزاق، فقام بأعمالٍ عظيمةٍ جدًّا متنوعةٍ، لكن ذاك الدِّيوان لم يكن معروفًا، وتعلمون بأنَّ الفتوحات تتَّسعُ في كل زمن، فبدأت الفتوحات في زمن رسول الله ﷺ ، لكن ذاك الزَّمن هو زمنُ تأسيس رسولِ اللهِ ﷺ ، فقد مكث

стр. 9364

بمكةَ ثلاثَةَ عشرَ عامًا يغرِسُ العقيدة يُثبِّتُ أصولها؛ (يعني يغرسها) في قلوب الناس حتى تشرَّبها أولئك المؤمنون الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ ، والذين لحِقَ بهم من آمن، ثم كانت الأُخوة الإسلامية، فقيام الدَّولة، ثم بدأت الفتوحات الإسلامية والغزوات تمتد شيئًا فشيئًا، وكذلك في زمن أبي بكر ﵁، وإنْ كانت فترته قصيرة، ثم جاء عمر ﵁؛ فبدأت الفتوحات تتسع وكَثُرَ الجُندُ، وكثُرَ الداخلون في الإسلام، فوضع ﵁ أعمالًا منها الدِّيوانَ الذي يُعرف بديوان الجند .. فهؤلاء هم الجمهور يقولون: العصبة هم الذين مرَّ ذكرهم؛ لأنَّ هؤلاء العصبة هم الذين ذكرهم رسول الله ﷺ ، وهم الذين كانوا في زمنه، وفي زمن أبي بكر، وهذا الذي وضعه عمر؛ إنَّما كان في زمنه ﵁، وإذا ما جاء أمر عن الرَّسول ﷺ وعن صحابي؛ فقول الرَّسول -لا شك- يُقدَّمُ في هذا، ثم إن الجمهور تأولوا قولَ عمرَ، وقالوا: إنَّ عمرَ ﵁ نعم فعل ذلك، لكن ما المانع أن يكون أولئك الذين في الدِّيوان، والذين ألزمهم هم عشيرةُ ذلك الذي كانت عليه الدِّية، فحينئذٍ يلتقي ما جاء عن عمر، وما جاء عن رسول الله ﷺ ، وحاشى عمر وغيره من الصحابة بل كل مؤمن أن يخالف أمرًا جاء عن الله أوْ رسوله ﷺ . * قوله: (إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ دِيوَانٍ. وَعُمْدَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ أَنَّهُ تَعَاقَلَ النَّاسُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). وهذا هو مذهب الإمام مالك، والإمام أحمد (١). وقد ذكر أهل الحجاز؛ لأنه يتكلَّم عن مالكٍ، ومالكٌ في المدينة، إذنْ قال ذلك لأنَّه يقابل الحجازَ العراقُ، فالإمام أبو حنيفة في الكوفة، والإمام أحمد في بغداد دار السلام، وكذلك أيضًا الإمام الشافعيُّ كان في العرالتى، ثم انتقل إلى مصر. إذنْ المذهب الذي أشار إليه مذهب أهل الحجاز هو مذهب مالك.

стр. 9365

* قوله: (وَفِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دِيوَانٌ، وَإِنَّمَا كَانَ الدِّيوَانُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) (١). لأنَّ رسول الله ﷺ بيَّن بأنَّ الدِّيةَ على العاقلة، هذا في أحاديثَ عِدَّةٍ، وطبَّقَ ذلك في قصة المرأتين من هذيل اللَّتين اقتتلتا. جاء أهل المرأة المقتولة إلي النبي ﷺ ؛ لكي يرفعوا أمرَهم إليه؛ فأمرهم ﵊ بالدِّية على العاقلة (٢) -وهم العصبة-. وجاء في حديث: "العاقلة العصبة" (٣). * قوله: (وَاعْتَمَدَ الْكُوفِيُّونَ حَدِيثَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِى ﷺ ) الكوفيون هم أبو حنيفة وأصحابه (٤)، وإبراهيم النخعي (٥)، وشيخه حماد بن أبي سليمان (٦)، فهؤلاء يرون أنها في الديوان. وحديث جبير بن مطعم أخرجه مسلم (٧) وغيره (٨)، ولكن العلماء أجابوا عن ذلك وقالوا بأن هذا يمكن أن يجمع بينه وبين ما جاء في الأحاديث الأخرى.

стр. 9366

على أن حديث جبير بن مطعم ليس نصًّا في المسألة، ولكنه حلف النصرة التي كانت في الجاهلية بين المتحالفين. * قوله: (أَنَّهُ قَالَ: "لَا حِلْفَ (١) فِي الإِسْلَامِ") (٢). كان في الجاهلية حلف سمي بحلف النصرة، وهو أن يأتي إنسان إلى آخر فيتحالفان على أن يكون بينهم تناصر وتوارث. * قوله: (وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَا يَزِيدُهُ الإِسْلَامُ إِلَّا قُوَّةً"). وإن الحلف الذي يزيده الإسلام قوة هو الذي لا يتعارض مع تعاليم الإسلام، أما الذي يتعارض مع أحكام الإسلام ويخرج عليها فهو باطل. والعقود قبل الإسلام والعقائد والأخلاق كانت كثيرة، ومنها ما هو صالح، ومنها ما هو طالح، وحين جاء الإسلام لم يقرها كلها ولم يلغها، وإنما نظر بعين العدل إليها إما مقرًّا لها باعتبارها مضت مع تقرير ما يجب أن يكون عليه كعقد النكاح، وفي هذا قال الله تعالى: (﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]). أو باعتبارها خلقًا حميدًا كالشجاعة والإقدام والمضاربة التي فعلها النبي ﷺ مع خديجة، التي صارت بعد ذلك زوجه وأم المؤمنين، وفي هذا يقول الرسول: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ"، وإما ملغيًا لها كالعقائد الباطلة والأخلاق الفاسدة، فتلك أمور تتنافى مع الدّين الحنيف. والإسلام دين عدل ولا يرضى بالظلم والاستعباد والاستغلال، ولهذا نهى عن الربا

стр. 9367

وحرمه، فقال الله متحدثًا عن الربا: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، فرأس مالك لك، ولكن الزيادة أصبحت باطلة وملغاة بحكم الإسلام، وإن أول ربا بدأ به النبي ﷺ ربا عمه العباس. * قوله: (وَبِالْجُمْلَةِ فَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ تَمَسُّكِهِمْ فِي وُجُوبِ الْوَلَاءِ لِلْحُلَفَاءِ). الجمع أولى، فيقال: إن العقل كان في زمن الرسول، وأن عمر جعل ذلك في الديوان. أما عند الترجيح فَفِعْلُ الرسول ﷺ هو المعتمد. يعني: قاسوا ذلك على الحلف الذي كان يعرف بالنُّصرة. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي جِنَايَةِ مَنْ لَا عَصَبَةَ لَهُ، وَلَا مَوَالِيَ (وَهُمُ السَّائِبَةُ) إِذَا جَنَوْا خَطَأً). (لا عصبة له) يعني لا يوجد له إخوة ولا أعمام ولا أبناء إخوة ولا أعمام. وقد اختلف العلماء (١) حول من كانت هذه حالته من حيث الرجوع إلى بيت المال وعدمه.

стр. 9368

وإن قيل بالرجوع، فهل له حق ثابت في المال باعتبار أن للصغار والمجانين والفقراء والمساكين حقًّا أيضًا في هذا المال، فما وجه تخصيص من لا عصبة له ولا موالي؟ وإننا في هذا ننظر إلى منهج رسول الله وسنته والخلفاء من بعده؛ ففي زمن النبي قتل أنصاري بخيبر ولم يعرف قاتله، فوداه (١) ﷺ من بيت مال المسلمين (٢). ثم يأتي في زمن عمر حادث مثيل حيث وقع رجل في زحام فهلك، ولم يعرف قاتله فوداه عمر من بيت المال مستشيرًا علي بن أبي طالب (٣). ففِعْلُهُ ﷺ وَفِعْلُ عمر يقوّي الرأي القائل بأنه يودى من بيت المال، وهو رأي أكثر العلماء. وبعض العلماء يرى بأنه لا يؤخذ من بيت المال؛

стр. 9369

لأن الحق فيه مشترك غير خاص به، وإذا عجز فيسقط عنه لا أن يُدفع من المال العام. * قوله: (هَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ عَقْلٌ؟ أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَانَ فَعَلَى مَنْ يَكُونُ؟ فَقَالَ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ مَوَالِيَ: لَيْسَ عَلَى السَّائِبَةِ عَقْلٌ. وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ العَقْلَ عَلَى الْمَوَالِي، وَهُوَ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ). * قوله: (وَقَالَ مَنْ جَعَلَ وَلَاءَهُ لِمَنْ أَعْتَقَهُ: عَلَيْهِ عَقْلُهُ، وَقَالَ مَنْ جَعَلَ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ: عَقْلُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ). والذي ليس له عصبة لا يخلو أن يكون له مولى أو لا، فإن كان له مولى فعليه الدية لأنه عصبته؛ حيث يرثه فما دام يرثه فينبغي أيضًا أن يتحمل من العقل والأمر الآخر. * قوله: (وَمَنْ قَالَ: إِنَّ لِلسَّائِبَةِ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ -جَعَلَ عَقْلَهُ لمَنْ وَلَّاهُ، وَكُلُّ هَذِهِ الأَقَاوِيلِ قَدْ حُكِيَتْ عَنِ السَّلَفِ (١)، وَالدِّيَاتُ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمُودَى فِيهِ). المؤلف لم يعرض للمسألة ولعله ما وقف على النصوص التي وردت في قصة القتيل في خيبر ولم يعرف -الغالب- أنه قتل من قبل اليهود. * قوله: (وَالْمُؤَثِّرُ فِي نُقْصَانِ الدِّيَةِ هِيَ الأُنُوثَةُ وَالْكُفْرُ وَالْعُبُودِيَّةُ). لأن الأنوثة والعبودية نقص، وهو من أسباب التخفيف في الشريعة الإسلامية؛ فالمرأة بالنسبة للرجل ناقصة في أمور كثيرة، كما أن العبد بالنسبة لسيده ناقص؛ حيث لا يملك حرية التصرف في نفسه، فهو كالسلعة. فالناس يتفاوتون في الدية إسلامًا وكفرًا وذكورية وأنثوية وحرية وعبودية.

стр. 9370

* قوله: (﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [الحشر: ٢٠]). عند الجمهور "لا يُقتل مسلم بكافر" كما جاء في الحديث (١). ودية المرأة على النصف من دية الرجل، كما جاء في كتاب عمرو بن حزم (٢). ووقع خلاف بين العلماء (٣) في اختلاف الدية بين الكفار بمعنى هل الذمي مثل المجوسي أم أن هناك فرقًا بينهما؟ * قوله: (أَمَّا دِيَةُ الْمَرْأَةِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا (٤) عَلَى أَنَّهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ فِي النَّفْسِ فَقَطْ). لوجود النص. وأما الأثر أنها كدية الرجل، فأجاب عنه العلماء وجمعوا بينه بأنه مخصص بهذه الرواية بالنسبة لدية النفس، لكن بالنسبة للجروح هي تعادل الرجل إلى الثلث، ثم بعد ذلك يختلف الأمر. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنَ الشِّجَاجِ وَالأَعْضَاءِ عَلَى مَا سَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي دِيَاتِ الْجُرُوحِ وَالْأَعْضَاءِ).

стр. 9371

* قوله: (أَمَّا دِيَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا قُتِلُوا خَطَأً فَإِنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ). المؤلف هنا لم يتعرض للقتل العمد، وإنما حديثه عما إذا قتلوا خطأً. ورأي الجمهور -وهو الصحيح- أن المسلم لا يقتل بالذمي، وخالفهم أبو حنيفة في هذا. ولكن كثيرًا من الفقهاء يقولون في هذه الحالة بتغليظ ديته؛ لأن عثمان بن عفان فعل ذلك. فإذا قلنا: إن دية الحر ألف دينار، كانت دية الذمي خمسمائة دينار؛ لأن ديته على النصف من دية الحر، فإذا غلظت أصبحت مضاعفة، فتصير كدية الحر. وهذه مسألة لم يتعرض لها المؤلف. ولا شك أن قتل الذمي عمدًا تعدٍّ، والتعدي ممنوع ومحرم بنص القرآن وسنة نبيه الكريم، فمن قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة. * قوله: (أَحَدُهَا: دِيَتُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ). وهو مذهب الإمامين مالك (١)، وأحمد (٢). * قوله: (ذُكْرَانُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذُكْرَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النَّصْفِ مِنْ نِسَائِهِمْ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ). الضمير (هم) في (نسائهم) راجع إلى المسلمين. * قوله: (وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (٣)، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ دِيَةُ جِرَاحِهِمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ).

стр. 9372

وأحمد كما قلنا. * قوله: (وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ دِيَتَهُمْ ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَقَالَ بِهِ جَمَاعَة مِنَ التَّابِعِينَ) (٢). وهذا القول للإمام الشافعي، ويعني أن الدية ليست النصف كما قال الرأي الأول، وإنما الثلث. وعمر وعثمان وعفان أسماء ممنوعة من الصرف، ولذا جرت بالفتحة نيابة عن الكسرة. * قوله: (وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ دِيَتَهُمْ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَالثَّوْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ) (٤). ودليل الفريق الأول الذي سيذكره المؤلف دليل حسن، ويليه الفريق الثاني وهو متأول بأنه مردود إلى ما كان في زمن رسول الله، والدليل

стр. 9373

الثالث أخرجه البيهقي (١) وهو ضعيفٌ، وبهذا يكون القول الأول هو أرجح الأقوال الثلاثة. * قوله: (فَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "دِيَةُ الْكَافِرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ") (٢). وجاء في لفظ آخر أو في حديث آخر: "دِيَةُ الْمُعَاهَدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ" (٣) وفي لفظ ثالث: "دِيَةُ المعاهَد على النصف من دية الحر". وهذه الأخيرة رواها الإمام أحمد (٤)، والنسائي (٥)، وغيرهما (٦)، والترمذي (٧)، وهو حديث حسن. * قوله: (وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾) [النساء: ٩٢]. ولكن الآية مطلقة، وجاء هذا الحديث فحددها، والكافر لا يساوي المسلم أبدًا، فمكانة المسلم ومنزلته أعلى.

стр. 9374

* قوله: (وَمِنَ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَكُلِّ ذِمِّيٍّ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمٍ. قَالَ: وَكَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَان، وَعَلِيٍّ حَتَّى كَانَ مُعَاوِيَةُ، فَجَعَلَ فِي بَيْتِ الْمَالِ نِصْفَهَا، وَأَعْطَى أَهْلَ الْمَقْتُولِ نِصْفَهَا). في هذه الرواية الدية كاملة من عهد الرسول ﷺ مرورًا بأبي بكر وعمر وعثمان إلى عليٍّ حتى جاء معاوية فجعل النصف في بيت مال المسلمين والنصف الآخر للمقتول. * قوله: (ثُمَّ قَضَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِنِصْفِ الدِّيَةِ، وَأَلْغَى الَّذِي جَعَلَهُ مُعَاوِيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ) (١). وحين آلت مقاليد الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز قضى بالنصف للمقتول، وألغى النصف الذي جعله معاوية في بيت المال. إلا أن هذا الحديث ضعيفٌ، ولا يمكن أن نأخذ بحديث ضعيفٌ مع وجود حديث صحيح. وعمر بن عبد العزيز كان من أتقى الناس وقام بأمور كبيرة في خدمة الدولة الإسلامية بإرساء قواعد العدل والمساواة وسيرته نيرة معروفة. * قوله: (قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَلَمْ يُقْضَ لِي أَنْ أُذَكِّرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ). يعني لم يتمكن من أن يذكر لعمر بن عبد العزيز أن الدية كاملة كالمسلم؛ ذلك أن الزهري من التابعين الذين يرون أن ديته كاملة كالمسلم. والزهري من أخص الناس علاقة بعمر بن عبد العزيز، وقد أوعز إليه تدوين السنة، فكان من أوائل من بدؤوا بتدوين السنة (٢). وتدوين السنة كان منهيًّا

стр. 9375

عنه في أول الأمر حتى لا يلتبس بالقرآن (١)، ثم أبيح بعد زوال العلة بتدوين القرآن في المصاحف وانتشارها بل وتوزيعها، فدونت السنة لزوال العله؛ ولأن الحاجة ماسة إلى ذلك بغية الحفاظ على الشطر الثاني من الشريعة. يقول الله تعالى: (﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾) [النحل: ٤٤]. والرسول ﷺ قال: "أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ" (٢) وهو السنة، وهذه السنة الصحيحة المطهرة وحي، ولكنها تختلف عن القرآن من حيث إننا متعبدون بتلاوة القرآن بخلاف السنة التي نحن ملزمون بأن نعمل بصحيحها؛ يقول الله تعالى: (﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]). والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرجوع إليه في وقت حياته، فلما توفي الرسول كان الرد إلى سنته (٣). وهذه السنة هيَّأ الله لها نخبة من العلماء الأعلام والجهابذة الكبار، فذبُّوا عنها وبينوا صحيحها من سقيمها، وردوا ما فعل أولئك الزنادقة والواضعون وغيرهم حتى حصروها، فوُضع علم المصطلح وعلم الجرح

стр. 9376

والتعديل إلى غير ذلك، ثم صارت بحمد الله مكتبة نتناولها من أيسر الطرق وأسهلها، وتجدها مبثوثة في كتب الفقه والعقيدة والتفسير، فلا تكاد تقرع بابًا من أبواب الفقه، بل فصلًا من فصوله إلا ووجدت السنة المطهرة مطلعة. * قوله: (فَأُخْبِرَهُ أَنَّ الدِّيَةَ كانَتْ تَامَّةً لِأَهْلِ الذِّمَّةِ. وَأَمَّا إِذَا قُتِلَ الْعَبْدُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا عَلَى مَنْ لَا يَرَى الْقِصَاصَ فِيهِ). لأنه إذا رأى القصاص فيه، فلا حديث عن الدية إلا بعد العدول عنه. (على من لا يرى القصاص)، أي: عند الذين يرون أنه لا يقتل حر بعبد، وهو مذهب جمهور العلماء مالك (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣). * قوله: (فَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ). وهذا هو أشهر الأقوال، بل ورأي الجمهور، ويعني أن على من قتل عبدًا خطأ أو عمدًا دفع قيمته بالغة ما بلغت بغض النظر عن مساواة القيمة مع دية الحر أو زيادتها عليها أو نقصانها عنها؛ لأن العبد بمثابة سلعة من السلع، والسلعة إذا أتلفت تؤخذ قيمتها، وقد أتلف العبد بإزهاق روحه، فتؤخذ قيمته، حيث إن العبرة في البيع والشراء إنما هي القيمة. * قوله: (وَإِنْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ (٤)،

стр. 9377

وَالشَّافِعِيُّ (١)، وَأَبُو يُوسُفَ) (٢). وأحمد. * قوله: (وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ). يقال (المُسَيِّبُ) أيضًا. * قوله: (وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (٣). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ (٤): لَا يَتَجَاوَزُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ الدِّيَةَ). وقال أبو حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن بعدم تجاوز قيمته دية الحر؛ لكونه ناقصًا عنه، فكيف تكون قيمته أعلى من الحر أو مساوية له؟ * قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ: فِيهِ الدِّيَةُ (٥)، وَلَكِنْ لَا يَبْلُغُ بِهِ دِيَةَ الْحُرِّ، يَنْقُصُ مِنْهَا شَيْئًا).

стр. 9378

وهذا هو القول الثالث، ويرى أن للعبد المقتول ديةً، إلا أنها تكون أقل من دية الحر؛ لكونه ناقصًا، ولا ينبغي أن يعادل بالحر. * قوله: (وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الرِّقَّ حَالُ نَقْصٍ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَزِيدَ قِيمَتُهُ عَلَى دِيَةِ الْحُرّ. وَعُمْدَةُ مَنْ أَوْجَبَ فِيهِ الدِّيَةَ وَلَكِنْ نَاقِصَةً عَنْ دِيَةِ الْحُرّ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ نَاقِصٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ نَاقِصًا عَنِ الْحُرِّ لَكِنَّ وَاحِدًا بِالنَّوْعِ). (لكن واحدًا بالنوع) يعني أن كلًّا من الحر والعبد يجمعهما إنسانيتهما وآدميتهما. ولكن الفرق بينهما يكمن في أن هذا الحر عبوديته لله وحده بخلاف العبد فهو مملوك قام عليه الرق. وفرق بين الرق والعبودية لله ، فذاك عبودية طاعة واستسلام لإنسان مثلك، وهذه عبودية ذل وانقياد وطاعة وخضوع وعبادة لله. * قوله: (أَصْلُهُ الْحَدُّ فِي الزِّنَا وَالْقَذْفِ وَالْخَمْرِ وَالطَّلَاقِ). أي: يجمعهما اسم إنسان. * قوله: (وَلَوْ قِيلَ فِيهِ: إِنَّهَا تَكُونُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ -لَكَانَ قَوْلًا لَهُ وَجْهٌ، أَعْنِي: فِي دِيَةِ الْخَطَأِ). وهذا لا أصل له، فلا يقال به؛ لأن الدِّين ليس بالرأي. وكان عليٌّ يقول: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه". فالدين توقيفي، وأحكامه منها ما هو معلل، ومنها ما لا يعلل، فثفوض أمره إلى الله متعبدين. والواقع أن العبد سلعة تباع وتشترى، فتختلف قيمته ارتفاعًا وانخفاضًا بالنظر إلى ما يتصف به العبد من صفات، قوةً وضعفًا، وشبابًا وشيبًا، وصحةً ومرضًا، وعلمًا وجهلًا. والمعتبر في كل هذا إنما هو القيمة.

стр. 9379

* قوله: (لَكِنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ). يعني لم يقل بهذا الرأي أحد. * قوله: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ أَنَّهُ مَالٌ قَدْ أُتْلِفَ، فَوَجَبَ فِيهِ الْقِيمَةُ). يعني مستند مالك فيما ذهب إليه من حيث دفع القيمة أن العبد بضاعة وسلعة أتلفت فتجب فيها القيمة. * قوله: (أَصْلُهُ سَائِرُ الأَمْوَالِ). الأصل الذي ألحق به العبد هو المال والأموال إذا أتلفت أو أتلف منها شيء دفعت القيمة، فكذلك العبد إذا أتلفت بإزهاق روحه دفعت قيمته. * قوله: (وَاخْتُلِفَ فِي الْوَاجِبِ فِي الْعَبْدِ عَلَى مَنْ يجِبُ؟). أي: اختلفوا فيما يجب على قاتل العبد من حيث كون الدفع على العاقلة أو على القاتل نفسه. وليس فيما يجب على العبد المقتول، كما يتوهم بعض الناس. * قوله: (فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): هُوَ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ، وَهُوَ الأَشْهَرُ عَنِ الشَّافِعِيِّ (٢)، وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ عَلَى الْقَاتِلِ نَفْسِهِ) (٣).

стр. 9380

وقال مالك وأحمد (١). وفي الرواية الأُخرى عن الإمام الشافعي (٢): "أنه على القاتل نفسه قياسًا على القاتل عمدًا؛ زجرًا له حتى لا يستخف بأنفس وروح العبيد؛ لأنهم آدميون ولهم الحرمة التي لغيرهم". * قوله: (وَعُمْدَةُ مَالِكٍ تَشْبِيهُ الْعَبْدِ بِالْعُرُوضِ). يعني تشبيهه بعروض التجارة. * قوله: (وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ قِيَاسُهُ عَلَى الْحُرِّ). لأن دية الحر في غير العمد إنما نكون على العاقلة، وهم عصبة الإنسان، أي: الذين يعصبون، وهم الذي يرثون تعصيبًا. * قوله: (وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَطَأِ دِيَةُ الْجَنِينِ). الجنين هو الحمل الذي في بطن أمه، فإذا ما اعتدي على الأم بضرب، فسقط ذلك الجنين، فالمؤلف يدرجه في أنواع الخطأ. على أن للجنين صورًا وأحوالًا، ولكل حالة حكمها، حيث إنه من الممكن أن يسقط حيًّا ثم يموت، وفي هذه الحالة إن كان حرًّا ففيه دية، وإن كان عبدًا ففيه قيمته، أو أن يسقط ميتًا وأمه حيّة أو تموت أمه، فيسقط بعد موت أمه، والمشهور أن فيه غرة (٣) عبد أو أمة.

стр. 9381

* قوله: (وَذَلِكَ؛ لأنَّ سُقُوطَ الْجَنِينِ عَنِ الضَّرْبِ لَيْسَ هُوَ عَمْدًا مَحْضًا، وَإِنَّمَا هُوَ عَمْدٌ فِي أُمِّهِ، خَطَأٌ فِيهِ). وقد يكون ضرب الأم عمدًا أو غير عمد، كما جاء في قصة مرأتي هذيل عندما اقتتلتا، فأخذت إحداهما حجرًا فضربت به الأُخرى فقتلتها وما في بطنها، فحكم الرسول بدية المرأة على عاقلة المرأة القاتلة، وأمر بغرة عبد أو أمة للجنين (١). * قوله: (وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ أَيْضًا فِي الْوَاجِبِ). أولًا: لا يجوز التعدي حتى على الجنين، ولذلك تكلم العلماء في أمر الإجهاض وفي صوره الجائزة وغير الجائزة، ولكننا هنا نتحدث عن تعد وقع على امرأة فسقط جنينها فما الحكم الشرعي في ذلك؟ * قوله: (فِي ضُرُوبِ الأجِنَّةِ، وَفِي صِفَةِ الْجَنِينِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْوَاجِبُ). ضروب الأجنة، أي: أصناف الأجنة؛ لأن هذا الجنين الذي سقط قد يكون في أول حياته وقد يكون مضغة وقد يكون تخلق، وربما كان الساقط غير كامل كخروج يد أو رجل أو رأس، والمذهب أن خروج عضو من الأعضاء خروج كامل فيه غرة عبد أو أمة، ولو سقطت بسبب الضربة عدد من الأجنة، يكون كل واحد غرة عبد أو أمة. * قوله: (وَعَلَى مَنْ تَجِبُ، وَيمَنْ يجِبُ، وَفِي شُرُوطِ الْوُجُوبِ، فَأَمَّا الأَجِنَّةُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا (٢) عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ وَجَنِينِ الأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا هُوَ غُرَّةٌ).

стр. 9382

والغرة فسرها الرسول وبيَّنها بإضافتها إلى العبد أو الأمة، ولهذا فالأفضل أن يقال: غرة عبد أو أمة. وجاء في بعض الروايات: "غرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل"، إلا أن ذكر الفرلس والبغل جاء في رواية ضعيفة بخلاف إضافة العبد أو الأمة، فقد جاءت في الحديث المتفق عليه. * قوله: (لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ "أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ") (١). "رمت إحداهما الأُخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها"، كما جاء في الروايات المشهورة، فقضى الرسول الكريم بغرة عبد أو أمة، وهذه هي الرواية المشهورة. وسميت بالغرة؛ لأنها كانت أنفس الأموال في ذلك الوقت. وقد اختلف العلماء في تحديد السن وفي الأوصاف الواجب توفرها. * قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ قِيمَةَ الْغُرَّةِ الْوَاجِبَةَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ رَأَى أَنَّ الْغُرَّةَ فِي ذَلِكَ مَحْدُودَةٌ بِالْقِيمَةِ -وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ- هِيَ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ أُمِّهِ (٢) إِلَّا أَنَّ مَنْ رَأَى أَنَّ الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ عَلَى أَهْلِ الدَّرَاهِمِ هِيَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ -قَالَ: دِيَةُ الْجَنِينِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ (٣)،

стр. 9383

وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَالَ: سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ). وقيمة الغرة عند من رأوها محدودة بالقيمة هي خمس من الإبل، مثل دية الأسنان التي هي خمس من الإبل. وعند تطبيق هذه على قول العلماء (نصف عشر الدية) تجد أنها منطبقة للمبلغ المذكور. ولكن ذكر المؤلف كلمة (أمه) في قوله (هي نصف عشر دية أمه) أوجد خللًا بل وتغايرًا لواقع الحال؛ ذلك أن الدية مائة من الإبل أو ألف دينار أو عشرة آلاف درهم أو اثنا عشر ألفًا، ودية المرأة على النصف من دية الرجل، فلو أننا أخذنا العشرة آلاف درهم (الدية الكاملة) فقسمناها على نصفين، وأخذنا نصفًا وهو خمسة آلاف وهي (دية المرأة) فإن عشر الخمسة آلاف خمسمائة درهم، ونصف ذلك العشر مائتان وخمسون درهمًا لا خمسمائة درهم، كما أورد المؤلف، ولهذا نرى أن ذكر (أمه) كان وهمًا من الناسخ أو المؤلف. وفي حالة حذف (أمه) يستقيم الكلام، فيكون عشر العشرة آلاف ألف درهم ونصف هذا العشر خمسمائة كما ذكر المؤلف. وما قلناه في العشرة آلاف يماثل لو قلنا بالاثني عشر، وكذلك لو رددناه إلى الإبل بطريقة الحساب نفسها؛ لأن عشر مائة عشرة ونصف عشرة خمسة، وهي قيمة الجنين. * قوله: (وَالَّذِينَ لَمْ يَحُدُّوا فِي ذَلِكَ حَدًّا، أَوْ لَمْ يَحُدُّوهَا مِنْ جِهَةِ الْقِيمَةِ، وَأَجَازُوا إِخْرَاجَ قِيمَتِهَا عَنْهَا -قَالُوا: الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ قِيمَةُ الْغُرَّةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ). فالقائل بجواز إخراج القيمة ينظر إلى قيمة الغرة فقط بالغة ما بلغت. * قوله: (وَقَالَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ (١): كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ غُرَّةٍ أَجْزَأَ، وَلَا يُجْزِئُ عِنْدَهُ الْقِيمَةُ فِي ذَلِكَ فِيمَا أَحْسَبُ).

стр. 9384

ومن العلماء من قيدها بأن تكون خالية من العيوب (١). وللشافعية (٢) قيود خالفهم الجمهور فيها، فقد اشترطوا ألا تقل الغرة عن سبع سنوات، ولا تصل إلى خمسة عشر عامًا؛ لأن الغلام أو الجارية في هذه السن يحتاج إلى حضانة ورعاية. واشترطوا على الذكر ألا يصل إلى خمسة عشر لدخوله على نساء، وعلى الأنثى ألا تصل عشرين لتغيرها في هذه السن. ومما لا شك فيه أن سن الغلام أو الجارية إذا كان خمسة عشر يكون أولى لبلوغه سن الشباب والإدراك، وكونه يحسن التصرف، ويستطيع القيام بالخدمة. والجمهور يرى أن مسألة احتياجهما إلى الحضانة غير مؤثر، كما أنه إذا كان المقصود من دخول الغلام على أجنبيات فله وجه، أما دخوله على سيدته فغير مسلَّم. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ فِي جَنِينِ الأَمَةِ وَفِي جَنِينِ الْكِتَابِيَّةِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤) إِلَى أَنَّ في جَنِينَ الْأَمَةِ عُشْر قِيمَةِ أُمِّهِ).

стр. 9385

وكذلك أحمد (١)، فيكون هذا هو رأي الجمهور .. * قوله: (ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى يَوْمَ يُجْنَى عَلَيْهِ). وقت الجناية لا بعد ذلك. * قوله: (وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُنْثَى، فَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ كَانَ أُنْثَى فِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ، وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَعُشْرُ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ) (٢). وهذا لا دليل عليه؛ لأن هذا التفريق بين الذكر والأنثى يحتاج إلى دليل، ولا دليل، والرسول خير بينهما. * قوله: (وَلَا خِلَافَ عِنْدِهِمْ (٣) أَنَّ جَنِينَ الأَمَةِ إِذَا سَقَطَ حَيًّا أَنَّ فِيهِ قِيمَتَهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ (٤): فِي جَنِينِ الأَمَةِ إِذَا سَقَطَ مَيِّتًا مِنْهَا مَا
следующие страницы →