* قوله: (وَذَلِكَ؛ لأنَّ سُقُوطَ الْجَنِينِ عَنِ الضَّرْبِ لَيْسَ هُوَ عَمْدًا مَحْضًا، وَإِنَّمَا هُوَ عَمْدٌ فِي أُمِّهِ، خَطَأٌ فِيهِ).
وقد يكون ضرب الأم عمدًا أو غير عمد، كما جاء في قصة مرأتي هذيل عندما اقتتلتا، فأخذت إحداهما حجرًا فضربت به الأُخرى فقتلتها وما في بطنها، فحكم الرسول بدية المرأة على عاقلة المرأة القاتلة، وأمر بغرة عبد أو أمة للجنين (١).
* قوله: (وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ أَيْضًا فِي الْوَاجِبِ).
أولًا: لا يجوز التعدي حتى على الجنين، ولذلك تكلم العلماء في أمر الإجهاض وفي صوره الجائزة وغير الجائزة، ولكننا هنا نتحدث عن تعد وقع على امرأة فسقط جنينها فما الحكم الشرعي في ذلك؟
* قوله: (فِي ضُرُوبِ الأجِنَّةِ، وَفِي صِفَةِ الْجَنِينِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْوَاجِبُ).
ضروب الأجنة، أي: أصناف الأجنة؛ لأن هذا الجنين الذي سقط قد يكون في أول حياته وقد يكون مضغة وقد يكون تخلق، وربما كان الساقط غير كامل كخروج يد أو رجل أو رأس، والمذهب أن خروج عضو من الأعضاء خروج كامل فيه غرة عبد أو أمة، ولو سقطت بسبب الضربة عدد من الأجنة، يكون كل واحد غرة عبد أو أمة.
* قوله: (وَعَلَى مَنْ تَجِبُ، وَيمَنْ يجِبُ، وَفِي شُرُوطِ الْوُجُوبِ، فَأَمَّا الأَجِنَّةُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا (٢) عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ وَجَنِينِ الأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا هُوَ غُرَّةٌ).
стр. 9382
والغرة فسرها الرسول وبيَّنها بإضافتها إلى العبد أو الأمة، ولهذا فالأفضل أن يقال: غرة عبد أو أمة.
وجاء في بعض الروايات: "غرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل"، إلا أن ذكر الفرلس والبغل جاء في رواية ضعيفة بخلاف إضافة العبد أو الأمة، فقد جاءت في الحديث المتفق عليه.
* قوله: (لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ "أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ") (١).
"رمت إحداهما الأُخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها"، كما جاء في الروايات المشهورة، فقضى الرسول الكريم بغرة عبد أو أمة، وهذه هي الرواية المشهورة.
وسميت بالغرة؛ لأنها كانت أنفس الأموال في ذلك الوقت.
وقد اختلف العلماء في تحديد السن وفي الأوصاف الواجب توفرها.
* قوله: (وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ قِيمَةَ الْغُرَّةِ الْوَاجِبَةَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ رَأَى أَنَّ الْغُرَّةَ فِي ذَلِكَ مَحْدُودَةٌ بِالْقِيمَةِ -وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ- هِيَ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ أُمِّهِ (٢) إِلَّا أَنَّ مَنْ رَأَى أَنَّ الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ عَلَى أَهْلِ الدَّرَاهِمِ هِيَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ -قَالَ: دِيَةُ الْجَنِينِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ (٣)،
стр. 9383
وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَالَ: سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ).
وقيمة الغرة عند من رأوها محدودة بالقيمة هي خمس من الإبل، مثل دية الأسنان التي هي خمس من الإبل.
وعند تطبيق هذه على قول العلماء (نصف عشر الدية) تجد أنها منطبقة للمبلغ المذكور. ولكن ذكر المؤلف كلمة (أمه) في قوله (هي نصف عشر دية أمه) أوجد خللًا بل وتغايرًا لواقع الحال؛ ذلك أن الدية مائة من الإبل أو ألف دينار أو عشرة آلاف درهم أو اثنا عشر ألفًا، ودية المرأة على النصف من دية الرجل، فلو أننا أخذنا العشرة آلاف درهم (الدية الكاملة) فقسمناها على نصفين، وأخذنا نصفًا وهو خمسة آلاف وهي (دية المرأة) فإن عشر الخمسة آلاف خمسمائة درهم، ونصف ذلك العشر مائتان وخمسون درهمًا لا خمسمائة درهم، كما أورد المؤلف، ولهذا نرى أن ذكر (أمه) كان وهمًا من الناسخ أو المؤلف.
وفي حالة حذف (أمه) يستقيم الكلام، فيكون عشر العشرة آلاف ألف درهم ونصف هذا العشر خمسمائة كما ذكر المؤلف. وما قلناه في العشرة آلاف يماثل لو قلنا بالاثني عشر، وكذلك لو رددناه إلى الإبل بطريقة الحساب نفسها؛ لأن عشر مائة عشرة ونصف عشرة خمسة، وهي قيمة الجنين.
* قوله: (وَالَّذِينَ لَمْ يَحُدُّوا فِي ذَلِكَ حَدًّا، أَوْ لَمْ يَحُدُّوهَا مِنْ جِهَةِ الْقِيمَةِ، وَأَجَازُوا إِخْرَاجَ قِيمَتِهَا عَنْهَا -قَالُوا: الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ قِيمَةُ الْغُرَّةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ).
فالقائل بجواز إخراج القيمة ينظر إلى قيمة الغرة فقط بالغة ما بلغت.
* قوله: (وَقَالَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ (١): كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ غُرَّةٍ أَجْزَأَ، وَلَا يُجْزِئُ عِنْدَهُ الْقِيمَةُ فِي ذَلِكَ فِيمَا أَحْسَبُ).
стр. 9384
ومن العلماء من قيدها بأن تكون خالية من العيوب (١). وللشافعية (٢) قيود خالفهم الجمهور فيها، فقد اشترطوا ألا تقل الغرة عن سبع سنوات، ولا تصل إلى خمسة عشر عامًا؛ لأن الغلام أو الجارية في هذه السن يحتاج إلى حضانة ورعاية.
واشترطوا على الذكر ألا يصل إلى خمسة عشر لدخوله على نساء، وعلى الأنثى ألا تصل عشرين لتغيرها في هذه السن.
ومما لا شك فيه أن سن الغلام أو الجارية إذا كان خمسة عشر يكون أولى لبلوغه سن الشباب والإدراك، وكونه يحسن التصرف، ويستطيع القيام بالخدمة.
والجمهور يرى أن مسألة احتياجهما إلى الحضانة غير مؤثر، كما أنه إذا كان المقصود من دخول الغلام على أجنبيات فله وجه، أما دخوله على سيدته فغير مسلَّم.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ فِي جَنِينِ الأَمَةِ وَفِي جَنِينِ الْكِتَابِيَّةِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤) إِلَى أَنَّ في جَنِينَ الْأَمَةِ عُشْر قِيمَةِ أُمِّهِ).
стр. 9385
وكذلك أحمد (١)، فيكون هذا هو رأي الجمهور ..
* قوله: (ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى يَوْمَ يُجْنَى عَلَيْهِ).
وقت الجناية لا بعد ذلك.
* قوله: (وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُنْثَى، فَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ كَانَ أُنْثَى فِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ، وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَعُشْرُ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ) (٢).
وهذا لا دليل عليه؛ لأن هذا التفريق بين الذكر والأنثى يحتاج إلى دليل، ولا دليل، والرسول خير بينهما.
* قوله: (وَلَا خِلَافَ عِنْدِهِمْ (٣) أَنَّ جَنِينَ الأَمَةِ إِذَا سَقَطَ حَيًّا أَنَّ فِيهِ قِيمَتَهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ (٤): فِي جَنِينِ الأَمَةِ إِذَا سَقَطَ مَيِّتًا مِنْهَا مَا
стр. 9386
نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ أُمِّهِ، أَمَّا جَنِينُ الذِّمِّيَّةِ فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣): فِيهِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ).
وأحمد (٤) أيضًا.
فيكون هذا رأي الأئمة الأربعة كلهم: عشر الدية، وعشر القيمة للأمة.
* قوله: الَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ دِيَةُ الْمُسْلِمِ).
أبو حنيفة يرى أن دية الذمية هي دية المسلم أو المسلمة.
* قوله: (وَالشَّافِعِيُّ (٥) عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ).
والشافعي يرى أن ديته ثلث دية المسلم.
* قوله: (وَمَالِكٌ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ).
وكذلك أحمد (٦). فيريان أن ديته نصف دية المسلم.
стр. 9387
* قوله: (وَأَمَّا صِفَةُ الْجَنِينِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِهِ أَنْ يَخْرُجَ الْجَنِينُ مَيِّتًا وَلَا تَمُوتَ أُمُّهُ مِنَ الضَّرْبِ. وَاخْتَلَفُوا إِذَا مَاتَتْ أُمُّهُ مِنَ الضَّرْبِ، ثُمَّ سَقَطَ الْجَنِينُ مَيِّتًا).
لأنه لو خرج حيًّا يكون فيه دية، وهناك علامات للحياة، وبعضها متفق عليها بين العلماء، وآخر مختلف فيها. وقد جاء في حديث عن الرسول أنه قال: "إذا استهل المولود ورث وورث" (١). و (استهل) يعني صاح وصرخ، ومعنى هذا أنه حي، فيرث ويورث. وفي حديث آخر: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُ صَارِخًا إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا" (٢). وهذا الحديث بيَّن أنه يمسه الشيطان فيستهل صارخًا، ولذلك كان من آداب إتيان الزوجة أن تدعو الله أن يجنبكما الشيطان ويجنب الشيطان ما يرزقكما، فيعجز الشيطان من إضراره.
* قوله: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَمَالِكٌ (٤): لَا شَيْءَ فِيهِ).
هذا مذهب مالك وأبي حنيفة (٥)، وربما كان قولًا آخر للشافعي (٦) أو بعض أصحابه. لكن رواية الشافعي المشهورة غير هذا، وسيأتي ذكرها.
стр. 9388
* قوله: (وَقَالَ أَشْهَبُ (١): فِيهِ الْغُرَّةُ. وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ، وَرَبِيعَةُ، وَالزُهْرِيُّ) (٢).
وبهذا أيضًا قال الإمام أحمد (٣)، والشافعي (٤).
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فُرُوعٍ، وَهِيَ الْعَلَامَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى سُقُوطِهِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا).
أي: اختلفوا في العلامة الدالة على سقوطه حيًّا أو ميتًا، فاعتمذ بعض على الاستهلال واعتمد آخرون على الحركة من عطس ورضع وغيرهما مما يكون من عادات الأحياء.
* قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ (٥) إِلَى أَنَّ عَلَامَةَ الْحَيَاةِ الِاسْتِهْلَالُ بِالصِّيَاحِ أَوِ الْبُكَاءِ).
مالك وأصحابه يرون الاستهلال (٦) علامة للحياة؛ حيث إنه ملحق
стр. 9389
بالقمر؛ لأن عادة الناس أنهم إذا رأوا الهلال صرخوا بأصواتهم متنادين ومنبهين، وكذلك هذا الصبي حين خرج من الظلام إلى النور استهل صارخًا.
وحديثا الرسول السابق ذكرهما نص في هذا، والحديث الأخير يذكرنا بالشيطان وإغواءاته؛ حيث يجلس للإنسان في كل مرصد حتى وهو في بطن أمه، وإذا خرج خرج معه ليتخذه جنديًّا من جنوده.
ومن رحمة الله لعباده أن يسر لهم سبل التحصن من الشيطان بدءًا من كونه نطفة؛ حيث أرشد والديه أن يستعيذا بالله من الشيطان الرجيم في لقائهما، ثم إذا ولد أُذِّنَ وَأُقِيمَ في أذنيه، وإذا عقل يعوذ بالله من شرور الشيطان، فهو لا يترك الإنسان إلا إذا مشى في طريقه حتى يضمن اتباعه له. وقد بيَّن الله أن قوة الشيطان وسلطانه على الذين يتولونه، أما عباد الله فليس له سلكان عليهم وكيده ضعيف.
وأكثر ما يزعج الشيطان هو التوبة؛ لأنه يظل زمنًا طويلًا يغوي الإنسان ويزين له الشهوات حسنًا، ثم إذا أناب العبد إلى الله وتاب توبة نصوحًا غفر الله له، وربما بدل سيئاته حسنات.
وباب التوبة مفتوح، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، فما أجمل أن يبادر المسلم إذا وقعت منه هفوة إلى التوبة والاستغفار، فيفلح. وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالثَّوْرِيُّ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ) (٣).
стр. 9390
وأحمد. إلا أنه يخالفهم في الحركة فقط (١).
على أن الاستهلال من جملة أدلة هؤلاء أيضًا، والفرق بينهم وبين المالكية أن المالكية اعتبروا الاستهلال نصًّا ودليله الدامغ، أما هؤلاء فيزيدون على الاستهلال أدلة أُخرى.
* قوله: (كُلُّ مَا عُلِمَتْ بِهِ الْحَيَاةُ فِي الْعَادَةِ مِنْ حَرَكَةٍ أَوْ عُطَاسٍ أَوْ تَنَفُّسٍ).
والحنابلة يرون أن الحركة ليست دليلًا قطعيًّا؛ لجواز أن تكون نتيجة ضغط الخروج من الضيق أو انقلاب، أو غير ذلك من عوامل التحريك.
* قوله: (فَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ الْحَيِّ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ).
وفي هذا دلالة على كمال هذه الشريعة وسموها وعزتها وشمولها، فقد اهتمت بالإنسان بدءًا من الاختيار الصحيح بين الأبوين والالتزام بمبادئ الإسلام في علاقتهما، حتى إذا رزقهما شيئًا (جنينًا) تراعيه الشريعة وترعاه في كل مراحله في بطن أمه: نطفة، وعلقة، ومضغة، إلى أن يكتمل نموه فتضعه أمه.
وبعد الوضع فإن الوالدين مكلفان بتربية ابنهما تربية سليمة قائمة على منهج الإسلام وتوجيهه للخير، كأمره بالصلاة، والحضور إلى المسجد، والالتزام في مجالسى العلم. والعلماء الأعلام الصالحون كانوا يعنون بأبنائهم عناية فائقة، فهذا الإمام أحمد إمام دار السلام صاحب المواقف العظيمة الذي نافح ووقف وأوذي في سبيل الدفاع عن كتاب الله؛ كان إذا جاءه أحد الصالحين أرسل أبناءه إليه يلازمونه للاستفادة من سيرته الطيبة، وكان يفعل مثل هذا إذا زاره الإمام الشافعي.
ولا شك أن في اصطحاب الأب ابنه إلى مجالس العلم والذكر خيرًا
стр. 9391
عظيمًا من حيث تغذية النفس، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، والحياة المقصودة هنا هي حياة النفوس والقلوب لا الأبدان، والأجسام التي مادة إحيائها الطعام والشراب، والقلوب غذاؤها اتباع الهدى واجتناب الهوى، وقد أمر الرسول الوالدين بتعليم ابنهما الصلاة وهو ابن سبع، وضربه عليها وهو ابن عشر (١)، ولعله يكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: "شَابٌ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ" (٢).
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الْخِلْقَةِ الَّتِي تُوجِبُ الْغُرَّةَ).
(الخلقة) يعني الصورة التي يتبين فيها علامات الإنسان، مثل: الأصابع، والرأس، والأنف، والأرجل.
* قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٣): كُلُّ مَا طَرَحَتْهُ مِنْ مُضْغَةٍ أَوْ عَلَقَةٍ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ وَلَدٌ، فَفِيهِ الْغُرَّةُ).
وأهل الخبرة والاختصاص يُسْتَعَانُ بهم في معرفة ما إذا كان ما طرح يحمل صورة آدمي بظهور بعض التقاسيم. أما إذا أريد مجرد المضغة أو العلقة، فقد أجيب أنه غير كافٍ لإثبات الآدمية.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٤): لَا شَيْءَ فِيهِ حَتَّى تَسْتَبِينَ الْخِلْقَةُ).
وأحمد (١).
فالأئمة الثلاثة قالوا بهذا؛ استنادًا إلى الحديث الذي وردت فيه قصة امرأتي هذيل التي رمت إحداهما الأُخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها؛ حيث قضى الرسول بأن الغرة على العاقلة.
• قوله: (وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّهَا جِنَايَةُ خَطَأٍ، فَوَجَبَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ).
وجناية القتل الخطأ تكون فيه الدية على العاقلة، فكذلك هذه. ذلك أن في القتل العمد قصاصًا إلا إذا عفا أولياء القتيل ورضوا بالدية، وفي هذه الحالة ونظرًا لفظاعة ما أقدم عليه القاتل، فإن الشارع أوجب على القاتل أن يدفع الدية خلافًا للقتل الخطأ؛ حيث لم يقصد مرتكبه إزهاق الروح، فإنه في هذه الحالة يحتاج إلى معاونة للدفع، ولذا أوجب الشارع على عاقلته وهم عصبيته بدفع الدية عنه تعاونًا وتكاتفًا.
• قوله: (وَمَا رُوِيَ أَيْضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ فِي الْجَنِينِ غُرَّةً عَلَى عَاقِلَةِ الضَّارِبِ، وَبَدَأَ بِزَوْجِهَا وَوَلَدِهَا") (٢).
وليست هذه الرواية في الصحيحين.
• قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ، فَشَبَّهَهَا بِدِيَةِ الْعَمْدِ إِذَا كَانَ الضَّرْبُ عَمْدًا،
стр. 9394
وَأَمَّا لِمَنْ تجِبُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ) (٢).
اتفق على أن في قتل الجنين دية، وأنها على العاقلة على الأرجح، فلمن تكون هذه الدية؟ اختلف العلماء فى الإجابة عن هذا السؤال، فذهب فريق منهم إلى القوله بأنها للورثة، كما في نظام الميراث من أهل فروض وتعصيب، وذهب آخرون إلى أنها تكون للأم فقط.
• قوله: (وَأَبُو حَنِيفَةَ) (٣).
وأحمد (٤).
فالأئمة الأربعة كلهم متفقون على أنها للورثة، مستدلين بأنه لو كان عاش - مثلًا - فقتل لورثوه.
• قوله: (هِيَ لِوَرَثَةِ الْجَنِينِ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الدّيَةِ فِي أَنَّهَا مَوْرُوثَةٌ. وَقَالَ رَبِيعَةُ وَاللَّيْثُ (٥): هِيَ لِلأُمِّ خَاصَّةً).
(ربيعة) هو شيخ الإمام مالك. ربيعة بن عبد الرحمن.
و (الليث) إمام مصر قبل الإمام الشافعي، وكان معاصرًا للإمام مالك، فهو بمنزلة شيخ للشافعي من حيث الترتيب.
стр. 9395
• قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُمْ شَبَّهُوا جَنِينَهَا بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا).
فربيعة والليث يريان أنها تكون للأم فقط، مشبهين الجنين بأنه جزء من الأم، فينبغي أن تكون لها.
• قوله: (وَمِنَ الْوَاجِبِ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فِي الْجَنِينِ مَعَ وُجُوبِ الْغُرَّةِ: وُجُوبُ الكَفَّارَةِ).
اتفق العلماء على وجوب الغرة في الجنين، ولكنهم اختلفوا في وجوب الكفارة معها.
والله حذر المؤمنين من ارتكاب جريمة قتل النفس التي حرمها الله إلا بالحق.
• قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]).
فلا يجوز لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن عمدًا، بل ولا حتى غير المؤمن، إذا كان معاهدًا ومسالمًا غير محارب ومعتد.
• قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾) [النساء: ٩٢].
إذن من قتل مؤمنًا خطأً، فعليه كفارة تحرير رقبة.
فهل هذه الكفارة عامة فيدخل فيها الجنين أيضًا، فيكون على من اعتدى على الجنين فمات كفارة أو لا؟
• قوله: (فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ (١) إِلَى أَنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ وَاجِبَةٌ).
• قوله: (وَمِنْ أَنْوَاعِ الْخَطَأِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَضْمِينِ الرَّاكلبِ وَالسَّائِقِ وَالْقَائِدِ).
(الراكب) هو الذي يركب الدابة، و (السائق) هو الذي يدفعها بصوت أو بسوط أو بغيره، و (القائد) هو الذي يمسك بزمامها.
وقد اختلف العلماء فيما إذا أقدمت الدابة التي بين أيديهم على إهلاك إنسان أو إتلاف جزء منه أو إتلاف ماله.
• قوله: (فَقَالَ الْجُمْهُورُ (١): هُمْ ضَامِنُونَ لِمَا أَصَابَتِ الدَّابَّةُ).
يقصد بالجمهور هنا الأئمة الأربعة وغيرهم من العلماء (٢).
• قوله: (وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِقَضَاءِ عُمَرَ عَلَى الَّذِي أَجْرَى فَرَسَهُ، فَوَطِئَ آخَرَ بِالْعَقْلِ) (٣).
стр. 9398
قضاء عمر هذا حجة لجمهور العلماء من حيث الجملة على أن الثلاثة ضامنون. وعند التفصيل فيه اختلاف بينهم، فلنتنبه.
• قوله: (وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ (١): لَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ فِي جُرْحِ الْعَجْمَاءِ. وَاعْتَمَدُوا الَأثَرَ الثَّابِتَ فِيهِ عَنْهُ ﷺ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ ﵊: "جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ") (٢).
وهذا الحديث أخرجه الشيخان البخاري ومسلم وهو أيضًا في السنن (٣)، وفي مسند أحمد (٤).
وللحديث مدلولات، وأخذ منه العلماء كثيرًا من الأحكام.
و (العجماء) هي البهيمة، وسميت عجماء؛ لأنها لا تتكلم. ويقال هذا لكل من لا يتكلم أو لا يبين. و (جبار)، أي: هدر.
وهذا الحديث ليس على إطلاقه، وإنما هو خاص بالعجماء التي انفلتت دون تقصير من صاحبها، فهذه العجماء إذا أصابت إنسانًا أو مالًا وأتلفته، فإنه جبار لا ضمان فيه.
و (المعدن) مثل حفر الإنسان حفرة ليستخرج منها معدنًا من المعادن، شريطة أن تكون الأرض أرضه، أو يكون هو من يحييها، فإذا سقط فيها
стр. 9399
إنسان فمات، فهو جبار لا ضمان فيه، ذلك أن الحافر في أرضه، والساقط هو الذي دخل في أرض غيره.
وفي هذا المقام، فلو أن إنسانًا استعمل عمالًا لاستخراج معادن من المناجم فخَرَّ عليهم السقف فماتوا، فلا ضمان.
و (البئر جبار) فيما لو أن ربها فطرها في أرضه أو في أرض غيره بإذن منه، فوقع فيها إنسان فهلك. أما لو أنه حفرها في أرض غيره بغير إذن منه أو حفرها في الطريق العام، فإنه في هذه الحالة يضمن.
ومن العلماء (١) من يفرق بين الطريق الواسع والضيق، فإذا كان الطريق واسعًا فحفرت لانتفاع المسلمين فلا ضمان، أما إذا كان الطريق ضيقًا فحفرت في الوسط، فإنه يضمن. وليس هذا خاصًّا بما ورد في الحديث فقط، بل لو وضع إنسان حديدة أو حجرًا أو صنع جسرًا في الطريق العام، فسقط إنسان، وانكسر، فإنه في هذه الحالة يضمن.
وشريعتنا الإسلامية تضع أصولًا وتلحق بها الفروع.
و (الركلاز الخمس) الركاز هنا فُسِّرَتْ بأنها المعدن، وفُسِّرَتْ بغير ذلك.
стр. 9400
• قوله: (فَحَمَلَ الْجُمْهُورُ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِالدَّابَّةِ رَاكِبٌ وَلَا سَائِقٌ وَلَا قَائِدٌ؛ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّهُ إِذَا أَصَابَتِ الدَّابَّةُ أَحَدًا وَعَلَيْهَا رَاكِبٌ، أَوْ لَهَا قَائِدٌ أَوْ سَائِقٌ - فَإِنَّ الرَّاكِبَ لَهَا أَوِ السَّائِقَ أَوِ الْقَائِدَ هُوَ الْمُصِيبُ وَلَكِنْ خَطَأً).
لأن يده على هذه البهيمة وهو المسؤول عنها، وما يحصل منها يكون يسأل عنه، ولكن من العلماء (١) من فرق بين أن تصيب البهيمة برجلها، وبين أن تصيب بيدها، فقالوا: "ما أصابت بيدها يسأل عنه، وما أصابت برجلها لا يسأل عنه؛ لأنه لا يملك ذلك".
وبعضهم قالوا: "إنه هو من يتحكم فيها، فيسأل عما أصابته، سواء برجلها أو بيدها".
• قوله: (وَاخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ فِيمَا أَصَابَتِ الدَّابَّةُ بِرِجْلِهَا، فَقَالَ مَالِكٌ (٢): لَا شَيْءَ فِيهِ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ صَاحِبُ الدَّابَّةِ بِالدَّابَّةِ شَيْئًا يَبْعَتُهَا بِهِ عَلَى أَنْ تَرْمَحَ بِرِجْلِهَا).
يعني يغمزها مثلًا ونحو ذلك، فترفع رجلها فتصيب آخر، فيكون متسببًا، والمتسبب مسؤول.
• قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣): يُضَمَّنُ الرَّاكِبُ مَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ بِرِجْلِهَا).
стр. 9401
أما الإمام أحمد فله رواية مع الإمام مالك، ورواية مع الإمام الشافعي (١).
• قوله: (وَبِهِ قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى (٢)، وَسَوَّيَا بَيْنَ الضَّمَان بِرِجْلِهَا أَوْ بغَيْرِ رِجْلِهَا. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، إِلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَى الرَّمْحَةَ بِالرِّجْلِ أَوْ بِالذَّنَبِ (٣). وَرُبَّمَا احْتَجَّ مَنْ لَمْ يُضَمِّنْ رِجْلَ الدَّابَّةِ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ : "الرِّجْلُ جُبَارٌ") (٤).
ولكن هذا الحديث المستدل به ضعيف، وله عدة طرق، وكلها لا تخلو من مقال ولذلك لم يقل به البعض، في حين اعتمده آخرون كالشافعي وأحمد في رواية.
• قوله: (وَلَمْ يَصِحَّ هَذَا الْحَدِيث عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٥) وَرَدَّهُ، وَأَقَاوِيلُ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ حَفَرَ بِئْرًا، فَوَقَعَ فِيهِ إِنْسَانٌ - مُتَقَارِبَةٌ).
стр. 9402
• قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ حَفَرَ فِي مَوْضِعٍ جَرَتِ الْعَادَةُ الْحَفْرُ فِي مِثْلِهِ لَمْ يُضَمَّنْ، وَإِنْ تَعَدَّى فِي الْحَفْرِ ضُمِّنَ. وَقَالَ اللَّيث (١): إِنْ حَفَرَ فِي أَرْضٍ يَمْلِكُهَا لَمْ يُضَمَّنْ، وَإِنْ حَفَرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ضُمِّنَ، فَمَنْ ضَمِنَ عِنْدَهُ فَهُوَ مِنْ نَوْعِ الْخَطَأِ).
والبئر ومسائلها تناولناها بشكل مفصل.
• قوله: (وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الدَّابَّةِ الْمَوْقُوفَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ أَوْقَفَهَا بِحَيْثُ يجِبُ لَهُ أَنْ يُوقِفَهَا لَمْ يَضْمَنْ) (٢).
إيقاف الدابة إما أن يكون في مكانها اللائق بها بأن يكون في مكان خصص لها أو في زاوية من طريق واسع، وهذا جبار. وإما أن يكون في مكان غير لائق بأن أوقفها في طريق ضيق أو في مكان يعرف بالتأذية فهذا يضمن. وهو رأي جمهور العلماء.
• قوله: (وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ) (٣).
وأحمد (٤) أيضًا.
стр. 9403
• قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١): يَضْمَنُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَيْسَ يُبَرِّئُهُ أَنْ يَرْبطَهَا بِمَوْضِعٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْبطَهَا فِيهِ، كَمَا لَا يُبَرِّئُهُ رُكُوبُهَا مِنْ ضَمَانِ مَا أَصَابَتْهُ وَإِنْ كَانَ الرُّكُوبُ مُبَاحًا).
سبب اختلاف العلماء في الدابة الموقوفة هو وجود تعدٍّ على الناس وحقوقهم في الإيقاف، فمن رأى أن هناك تعديًا قال بالضمان، ومن رأى عدم وجود تعدٍّ قال بالجبار. ونحن في هذا قد فصَّلنا ووضحنا بما يبين الحقيقة.
• قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الْفَارِسَيْنِ يَصْطَدِمَان، فَيَمُوتُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا).
اختلف العلماء في هذه المسألة من حيث وجود دية كل واحد منهما على الآخر وعدمه.
• قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَجَمَاعَةٌ (٤): عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ، وَذَلِكَ عَلَى الْعَاقِلَةِ).
стр. 9404
والإمام أحمد (١) أيضًا.
قالوا: يتحمل كل واحد منهما دية الآخر، وتكون الدية على العاقلة بمعنى يتحملها.
• قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ (٣): عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ دِيَةِ صَاحِبِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاتَ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ وَفِعْلِ صَاحِبِهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الطَّبِيبَ إِذَا أَخْطَأَ لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ).
الإمام الشافعي يرى أن على كل واحد منهما على الآخر نصف دية - لا دية كاملة كما يرى الجمهور - باعتبار أن كل واحد منهما قتل من فعل نفسه وفعل صاحبه.
وشريعة الإسلام وفقهاؤنا ﵏ كانوا على دقة متناهية وهم يتناولون مسائل العلم بالدراسة والبحث والتحقيق، فعنوا بأمور قد نراها نحن يسيرة، لكنها كبيرة حيث تحدثوا عن الدابة الموقوفة والدابة المتحركة وكذلك الآبار ووضع الحجارة أو الحديد أو بناء جسر أو رمي قشر بطيخ أو موز في طريق عام يؤذي الناس، فلو مات بسببه إنسان ضمن الرامي.
فالشريعة لم تغادر صغيرة ولا كبيرة في الحياة إلا أحصتها، وهي تتسع لكل المستجدات والنوازل.
وكما قلنا فإن الشريعة تضع أصولًا، ثم تلحق بها الفروع والمتشابهات، فحديث العلماء عن الدابة يجعلنا نستطيع أن نلحق بها
стр. 9405
السيارات والقطارات والدراجات والطائرات التي لم تكن معروفة في عصور الإسلام الأولى، مع الأخذ في الاعتبار أن للدابة شيئًا من الإدراك خلافًا لهذه الجمادات التي يتحكم فيها قائدها، وإن كان من الوارد أن يحصل فيها خلل فنى يفقد صاحبها السيطرة، فيكون بذلك إن أصابت إنسانًا وأتلفته من قبيل الخطأ.
• قوله: (مِثْلَ أَنْ يَقْطَعَ الْحَشَفَةَ (١) فِي الْخِتَانِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) (٢).
هناك طبيب وهناك متطبب، فالطبيب هو العالم بالطب، والمتطبب هو الذي يحاول أن يعالج الناس، وليس على علم ومعرفة بذلك، وربما يكون علمه ضعيفًا. وفي كل مجال من المجالات هناك متطفلون ومُدَّعُونَ.
فإذا كان هناك طبيب ومتطبب، فإن هناك ميكانيكيًّا ماهرًا وآخر غير متمكن، ولا شك أن غير المتمكن سيلحق ضررًا بالسيارة أو الدراجة أو القطار، وفي هذه الحالة فإنه يضمن. ولكن الحديث هنا عن الطبيب فأمره خطير؛ لتعلقه بحياة الناس، فلو ادعى إنسان بمعرفة الختان ثم قطع الحشفة، فإنه يضمن، وقد جاء في ذلك حديث عن رسول الله.
• قوله: (لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجَانِي خَطَأً. وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ: أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ) (٣).
стр. 9406
وجمهور العلماء (١) ذهبوا (الأئمة) إلى أن من تطبب فأتلف غيره، فإنه يضمن إلا إذا تنازل الأولياء.
• قوله: (وَذَلِكَ عِنْدَهُ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الطِّبِّ، وَلَا خِلَافَ (٢) أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الطِّبِّ أَنَّهُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ).
يعني أن مالكًا فرَّق بين الطبيب ومدعي الطب، فرأى أن الطبيب لا يضمن، والمدعي يضمن - وهذا محل إجماع؛ لأنه يعتبر متعديًا.
стр. 9407
• قوله: (وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَعَ الْإِجْمَاعِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَطَبَّبَ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ الطِّبُّ، فَهُوَ ضَامِنٌ") (١).
وهذا حديث حسن، رواه بعض أصحاب السنن كأبي داود (٢)، وإن تكلم فيه العلماء (٣)، إلا أنه حسن يصلح للاحتجاج به.
• قوله: (وَالدِّيَةُ فِيمَا أَخْطَأَهُ الطَّبِيبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (٤) عَلَى الْعَاقِلَةِ).
لأنه يعتبر من الخطأ.
• قوله: (وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ جَعَلَهُ فِي مَالِ الطَّبِيب (٥). وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الطِّبِّ أَنَّهَا فِي مَالِهِ (٦) عَلَى ظَاهِرِ
стр. 9408
حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْب، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْكَفَّارَةَ الَّتِي نَصَّ اللهُ عَلَيْهَا فِي قَتْلِ الْحُرِّ خَطأً - وَاجِبَةٌ) (١).
إذا أخطأ الطبيب الماهر، فالجمهور يجعل الدية على الحاقلة، وبعض أهل العلم يجعلها على الطبيب الجاني. أما مدعي الطب، فإن الدية من ماله لا على العاقلة، مع وجوب الكفارة المنصوص عليها في القتل الخطأ في قوله :
• قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢].
العلماء متفقون على وجوب الدية في الخطأ لورود النص القرآني في ذلك، ولكنهم مختلفون في وجوب الكفارة في القتل العمد وفي قتل العبد.
• قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي قَتْلِ الْعَمْدِ هَلْ فِيهِ كَفَّارَة؟ وَفِي قَتْلِ الْعَبْدِ خَطَأً، فَأَوْجَبَهَا مَالِكٌ فِي قَتْلِ الْحُرِّ فَقَطْ فِي الْخَطَأِ دُونَ الْعَمْدِ (٢)، وَأَوْجَبَهَا الشَّافِعِيُّ (٣) فِي الْعَمْدِ مِنْ طَرِيقِ الأَوْلَى وَالأَحْرَى).
стр. 9409
وأوجبها الشافعي وأبو حنيفة (١)، وأحمد (٢) في العمد.
وسبب الاختلاف في هذا أن الله تعالى عندما ذكر آية العمد لم يذكر كفارة قال : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣].
القائلون بأن لا كفارة في العمد، قالوا بأن الآية لم تذكر الكفارة، وعلى هذا فلا كفارة.
في حين استدل القائلون بوجود الكفارة في العمد بقصة الرجل الذي جيء به إلى رسول الله وقد قُتِلَ، فقال: "أعتقوا عنه رقبة؛ لأن الله يعتق عنه بكل عضو منها عضوًا من النار" (٣).
ثم إن الذين قالوا بالكفارة في العمد قاسوه على الخطأ الذي فيه كفارة، فذنب مرتكب العمد من غير شك أكبر وخطيئته أعظم، والله تعالى توعده بأن يعذبه بنار جهنم.
وإن كان عبد الله بن عباس يرى أن من يقتل عمدًا لا كفارة له؛ لأنه لا تقبل توبته، وأنه يخلد في النار باعتبار أن الآية من أواخر ما نزل من القرآن، وأنها ليست منسوخة، إلا أن الجمهور يرون أن من يَقْتُل عمدًا
стр. 9410
أهلًا للتوبة؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]).
واستدلوا أيضًا بقصة الرجل قاتل المائة (١) الذي سأل عن عالم، فقال له: ومن يحول بينك وبين والتوبة، ولكن اخرج من هذه القرية الظالمة إلى تلك القرية الصالحة، وبينما هو في الطريق أدركه الموت، فتنازعته الملائكة: ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، فأرسل الله ﷺ ملكًا إليهم، فقال: قيسوا ما بين المسافتين، فما كان إليها أقرب فألحقوه به. فكان أقرب إلى القرية الصالحة.
فالله قد فتح أبواب التوبة، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده.
ولكن لا شك بأن القتل العمد عمل شنيع لا ينبغي أن يقدم عليه مؤمن يخشى الله ، بل إن المولى حذر من قتل الذمي، وتوعد قاتله بعدم شم رائحة الجنة، فما بالك بالمؤمن؟
• قوله: (وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ الْعَمْدَ فِي هَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْخَطَأِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَغْلِيظِ الدِّيَةِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَفِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ) (٢).
القتل في الشهر الحرام وفي البلد الحرام وقتل المحرم وذي رحم من جملة الأمور التي اختلف فيها العلماء حول تغليظ الدية.
والله هو الذي خلق هذا الكون، وهو الذي خلق الإنسان لعبادته.
• قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧].
وقد استعمر الله الإنسان في هذه الأرض التي قال عنها
стр. 9411
رسول الله: "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (١) في حديثه: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، فأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، فإنه مسجد" (٢). ومع ذلك نجد أن البقاع تختلف، وهناك فرق بين المسجد وبين غيره، ولذلك نجد أن الله أثنى على الذين يحافظون على الصلوات في المساجد، وأثنى بل وزكى الذين يترددون عليها، وبيَّن مكانتهم وما أعد الله تعالى لهم يوم القيامة.
• قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ١٨].
وقال أيضًا:
• قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾ [النور: ٣٦]).
وهو يوم القيامة ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من آتى الله بقلب سليم.
• قوله: (﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾) [النور: ٣٨].
من يقرأ تاريخ الإسلام يدرك بأن أول أعمال المسلمين عندما يفتحون
стр. 9412
بلدًا من البلاد هو بناء مسجد؛ لأنه هو موضع عبادتهم ومكان اجتماعهم ورمز هذه الشريعة، ففيه يجتمعون ويصلون، ويناجون ربهم فيه، ويتلون القرآن العظيم، ويهللون ويسبحون ويعظمون.
وعلى الرغم من كثرة المساجد وانتشارها في ربوع الأرض إلا أنها ليست على نسق واحد ولا على درجة واحدة من حيث الأجر والثواب، فقد قال ﷺ مبينًا فضل الصلاة في مسجده هذا: "صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِأَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ" (١). الذي تقدر الصلاة فيه بمائة ألف صلاة فيما سواه. كما بين أن صلاة في الأقصى تقدر بخمسمائة صلاة فيما سواه.
وإذا كانت درجات المساجد متفاوتة كما بينها الرسول ﷺ ، فيأتي في مقدمتها بيت الله الحرام، فهو القبلة وفيه الكعبة المشرفة التي يتجه إليها المسلمون في كل يوم خمس صلوات مفروضة إلى غير ذلك من الصلوات، وهذا البيت يطوف به المسلمون، والطواف ركن من أركان ذلك الحج إلى ذلك البيت العتيق، حيث مقام إبراهيم.
وقد ميَّز بين البقاع وبين فضل الحرم فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وقال حكاية عن إبراهيم: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وقال تعالى:
• قوله: (﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾) [آل عمران: ٩٦، ٩٧].
стр. 9413
إن الله حرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض (١)، وذكر ذلك رسول الله وقال: "وإني حرمت المدينة" (٢)؛ فمكة ليست كغيرها، ومن هنا قال بعض العلماء (٣): إن من قتل في الحرم أو في الشهر الحرام أو قتل ذا محرم أو قتل محرمًا متلبسًا بتلك العبادة مقبلًا على الله تعالى معرضًا عما سواه طائعًا لله منيبًا إليه بالزيادة أو التشديد فيها.
• قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (٤)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٥)، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى) (٦).
الشهر الحرام، أي: داخل الأشهر الحرم المعروفة.
ومن العلماء من قال: "إن للمكان والزمان حرمتيهما، وأن من تعدى فقتل في البلد الحرام أو في الشهر الحرام، فإنه يعاقب بتغليظ الدية".
وإن كان من العلماء من يرى مكة هي التي لها الحرمة، فإن الإمام الشافعي يرى المدينة المنورة أيضًا كذلك (٧).
стр. 9414
• قوله: (لَا تُغَلَّظُ الدِّيَةُ فِيهِمَا).
فالإمام مالك وأبو حنيفة وابن أبي ليلى يرون أن لا تغليظ؛ لأن الله عندما ذكر عقوبة القاتل لم يذكر التغليظ.
• قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [ألنساء: ٩٢].
وكذلك رسول الله.
وإنما جاء التغليظ بالنسبة للقتل العمد إذا عدل عن القصاص إلى الدية، فتكون على القاتل لا على العاقلة، وتدفع في الحال ولا تؤجل، خلافًا لدية الخطأ التي تكون على العاقلة، وتؤجل بالتخميس والتربيع.
• قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (١): تُغَلَّظُ فِيهِمَا فِي النَّفْسِ وَفِي الْحِرَاحِ. وَرُوِيَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَابْنِ شِهَابٍ (٢) وَغَيْرِهِمْ (٣) - أَنَّهُ يُزَادُ فِيهَا مِثْلُ ثُلُتِهَا. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ) (٤).
стр. 9415
الشافعي وأحمد (١) وأصحابهما قالوا بالتغليظ وبينوا كيفيتها، فقال بعض: "تغلظ دية ذات الثلث"؛ ويستدلون بقصة المرأة التي وطأت في الطواف (٢)، فكانت ديتها ثمانية آلاف بمعنى ستة آلاف - وهو نصف دية الرجل عند من يقول: "إن الدية الكاملة اثنا عشر ألفًا - زائد ألفان تغليظًا".
وجاء عن عبد الله بن عمر (٣) أنه قال: "من قتل في البلد الحرام أو في الشهر الحرام أو ذا رحم أو محرمًا، فعليه دية وثلث "، أي: اثنا عشر ألفًا (الدية الكاملة للحر) زائد أربعة آلاف (ثلث الدية الكاملة) تغليظًا.
والقائلون بهذا الرأي يقولون: إنه أثر عن الصحابة ﵃ بلا خلاف ولا إنكار، وإذا جاء قول عن الصحابة ولا يعارضه دليل من كتاب ولا سنة، فينبغي أن يؤخذ به.
وإذا كان المسلم واجبًا عليه أن يخشى الله في كل مكان وزمان، فيأتي بأوامره وينتهي عن نواهيه، فإن ارتكاب المعاصي في الأماكن المقدسة والأشهر الحرم يكون أفظع، وكلما كان الأجر أعظم كان العقاب أشد، فمن يتعدى ويتجاوز حدود الله تعالى في مكة أو في المدينة ليس كمن يتجاوزها في غيرهما من بقاع الأرض.
• قوله: (وَكَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَتَلَ ذَا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ (٤) وَعُمْدَةُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ).
ألم يقل الله :
• قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوتْ ٦٧]، ويقول: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾) [الحج: ٢٥].
والقائل بعدم التغليظ يستدل بعموم النصوص، والقائل بالتغليظ يستدل بما أثر عن الصحابة رضوان الله عليهم. ولكل وجهة هو موليها.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 9418
[كِتَابُ الدِّيَاتِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ]
مرَّ ذكر ما يتعلَّق بالدَّيات المتعلقة بإزهاق النفس من جنايات وقصاص، لكن قد يكون التَّعدَي على ما دون النفس، وينقسم هذا التعدِّي إلى قسمين:
الأول: تعدِّي على طرف من الأطراف كقطع يدٍ، أو رجلٍ، أو قلع عين، أو قطع أنف، أو لسان، أو شفاه، أو أذن أو غير ذلك.
الثاني: إتلاف شيء لا يوجد في الإنسان غيره، وهذا فيه دية كاملة. وما يوجد فيه اثنان ففي أحدهما نصف دية وفيهما معًا دية كاملة، فقطع اليد فيها نصف الدية؛ لكن قطع الأنف فيه دية كاملة (١)؛ لأنه واحد، وهكذا للعين نصف الدية … وهذا في حالة الخطإ. أما الذي سيبدأ به المؤلف وهو (ما يتعلق بالتعدِّي فيما لا يصل إلى إذهاب طرف) وهو ما يعرف بالشِّجاج (٢): وهي التي يصاب بها الإنسان من الجروح. وهذه فيها أشياء محددة عن الرسول ﷺ ؛ ففيها دية كما في
стр. 9419
الموضحة (١): وهي الشَّج التي توضِّح العظم ولا تكون إلا في الرأس أو الوجه، وهذه فيها خمسة من الإبل كما جاء في كتاب رسول الله ﷺ إلى عمرو بن حزم، وما دون ذلك فليس فيه دية، ولكن فيه أرش، أي: (حكومة) كما سنبين ذلك (٢).
وما فوق الموضحة ففيه الدية وقد ورد النص ببعضها عن رسول الله ﷺ وبعضها أجمع العلماء على وجوب الدية فيه (٣). فهذه الجراح قد تبدأ صغيرة ثم تكبر شيئًا فشيئًا فيبدءون بـ "الخارصة"، وبعضهم يبدأ بالدامية كما ذكر المؤلف فيقولون: "الخارصة" (٤): هي التي تشق شيئًا من الجلد دون أن يخرج الدم.
стр. 9420
ثم تأتي بعدها "الدامية" (١): وهي التي تزيد قليلًا فيخرج الدم.
ثم بعد ذلك "الباضعة" (٢): وهي التي تأخذ في اللحم.
ثم تأتي "الملتحمة" (٣): وهي التي أخذت في اللحم.
ثم تأتي "السمحاق" (٤): وهي التي تصل إلى الجلد الرقيق الذي يفصل بين العظم واللحم.
ثم تأتي "الموضحة": وهي التي أوضحت العظم.
ثم تأتي "الهاشمة" (٥): وهي التي هشمت العظم.
ثم تأتي "المنقلة" (٦): وهي التي كسرت العظم ونقلته حيث تغير عن مكانه.
ثم تأتي بعد ذلك "المأمومة" (٧): وهي التي وصلت إلى جلدة الدماغ.
وهناك "الجائفة" (٨): وهي التي تصل إلى الجوف.