ألم يقل الله :
• قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوتْ ٦٧]، ويقول: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾) [الحج: ٢٥].
والقائل بعدم التغليظ يستدل بعموم النصوص، والقائل بالتغليظ يستدل بما أثر عن الصحابة رضوان الله عليهم. ولكل وجهة هو موليها.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
стр. 9418
[كِتَابُ الدِّيَاتِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ]
مرَّ ذكر ما يتعلَّق بالدَّيات المتعلقة بإزهاق النفس من جنايات وقصاص، لكن قد يكون التَّعدَي على ما دون النفس، وينقسم هذا التعدِّي إلى قسمين:
الأول: تعدِّي على طرف من الأطراف كقطع يدٍ، أو رجلٍ، أو قلع عين، أو قطع أنف، أو لسان، أو شفاه، أو أذن أو غير ذلك.
الثاني: إتلاف شيء لا يوجد في الإنسان غيره، وهذا فيه دية كاملة. وما يوجد فيه اثنان ففي أحدهما نصف دية وفيهما معًا دية كاملة، فقطع اليد فيها نصف الدية؛ لكن قطع الأنف فيه دية كاملة (١)؛ لأنه واحد، وهكذا للعين نصف الدية … وهذا في حالة الخطإ. أما الذي سيبدأ به المؤلف وهو (ما يتعلق بالتعدِّي فيما لا يصل إلى إذهاب طرف) وهو ما يعرف بالشِّجاج (٢): وهي التي يصاب بها الإنسان من الجروح. وهذه فيها أشياء محددة عن الرسول ﷺ ؛ ففيها دية كما في
стр. 9419
الموضحة (١): وهي الشَّج التي توضِّح العظم ولا تكون إلا في الرأس أو الوجه، وهذه فيها خمسة من الإبل كما جاء في كتاب رسول الله ﷺ إلى عمرو بن حزم، وما دون ذلك فليس فيه دية، ولكن فيه أرش، أي: (حكومة) كما سنبين ذلك (٢).
وما فوق الموضحة ففيه الدية وقد ورد النص ببعضها عن رسول الله ﷺ وبعضها أجمع العلماء على وجوب الدية فيه (٣). فهذه الجراح قد تبدأ صغيرة ثم تكبر شيئًا فشيئًا فيبدءون بـ "الخارصة"، وبعضهم يبدأ بالدامية كما ذكر المؤلف فيقولون: "الخارصة" (٤): هي التي تشق شيئًا من الجلد دون أن يخرج الدم.
стр. 9420
ثم تأتي بعدها "الدامية" (١): وهي التي تزيد قليلًا فيخرج الدم.
ثم بعد ذلك "الباضعة" (٢): وهي التي تأخذ في اللحم.
ثم تأتي "الملتحمة" (٣): وهي التي أخذت في اللحم.
ثم تأتي "السمحاق" (٤): وهي التي تصل إلى الجلد الرقيق الذي يفصل بين العظم واللحم.
ثم تأتي "الموضحة": وهي التي أوضحت العظم.
ثم تأتي "الهاشمة" (٥): وهي التي هشمت العظم.
ثم تأتي "المنقلة" (٦): وهي التي كسرت العظم ونقلته حيث تغير عن مكانه.
ثم تأتي بعد ذلك "المأمومة" (٧): وهي التي وصلت إلى جلدة الدماغ.
وهناك "الجائفة" (٨): وهي التي تصل إلى الجوف.
стр. 9421
فما دون الموضحة ليس فيها - على الرأي الصحيح - دية (١).
стр. 9422
والموضحة وما فوقها فيها دية وهي (الخمس) في الموضحة (١)، ثم يأتي بعدها الهاشمة (عشر) (٢)، .....................................
стр. 9423
ثم المنقلة (خمس عشر) (١)، ثم المأمومة (٢)، وكذلك الجائفة (ثلث
стр. 9424
الدية) (١)، وما دون الموضحة ففيه حكومة.
هذه هي الأشياء التي سيعرضها المؤلف، وبعضها ليست محل خلاف؛ لأنه جاء فيها نص عن رسول الله ﷺ ، وبعضها قد اجتهد فيها العلماء.
• قوله: (وَالَأشْيَاءُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الدِّيَةُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ هِيَ شِجَافي وَأَعْضَاءٌ، فَلْنَبْدَأْ بِالْقَوْلِ فِي الشِّجَاجِ).
"الشِّجاج": لا تكون إلا في الرأس أو الوجه. لكن ليس كل ما وقع في الوجه يسمَّى شجاجًا؛ فعند أكثر العلماء لا فرق بين تغير الأمكنة في
стр. 9425
الوجه، وقال بعض العلماء (١): إن الشجة بعد شفائها تترك شيئًا، أي: عيبًا في الوجه فلذلك يؤخذ مقابل لذلك.
وقبل أن نفصِّل لا بد أن نعرف معنى "الحكومة" (٢)، وتقديرها: أن يُعتبر الإنسان المصاب بمثابة العبد، والعبد يباع ويشترى، وله قيمة في حال صحته وقيمة في حال عجزه أو وجود عيب فيه، فإذا قُدِّر المصاب الحرُّ عبدًا سليمًا كانت قيمته مثلًا عشرة آلاف، وبعد إصابته وشفائه من هذا الجرح الذي ترك أثرًا كانت قيمته مثلًا: تسعة آلاف؛ فيؤخذ الفرق وشملم له وهكذا. هذه معنى الحكومة، وليس هناك شيء محدد تكون فيه الحكومة.
أما ما يتعلق بالدِّية: فهي التي جاء النصُّ عليها، والموضحة: هي التي أوضحت العظم وفيها: "خمس من الإبل" كما في كتاب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن الذي كتبه إلى عمرو بن حزم قال: "وفي الموضحة خمس من الإبل" (٣).
стр. 9426
• قوله: (وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي مَحَلِّ الْوُجُوبِ، وَشَرْطِهِ، وَفِي قَدْرِهِ الْوَاجِبِ، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ؟ وَمَتَى تَجِبُ؟ وَيمَنْ تَجِبُ فَأَمَّا مَحَلُّ الْوُجُوبِ فَهِيَ الشِّجَاجُ أَوْ قَطْعُ الَأعْضَاءِ).
وعلى ذلك فالاعتداء على الإنسان فيما دون نفسه، (أي: دون إزهاق النفس)، يكون في واحد من أمرين:
الأول: إما في قطع عضو.
الثاني: إما في شجة تصيبه في موضع ببدنه (١).
• قوله: (وَالشِّجَاجُ عَشَرَةٌ فِي اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ (٢)).
بدأ بالشجاج قبل أن يبدأ بالأطراف وإن كانت الأطراف أخطر لكنَّه قدَّم هذه. وقال: "في اللغة"، وكذلك في الفقه، أي: أن المصطلح الفقهي والمصطلح اللغوي لم يختلفا في تسميتها؛ فاسم هذه العشر في اللغة لا يختلف عن اسمها في مصطلح الفقهاء، لكن يوجد لبعضها أكثر من تسمية فمثلًا: "الدامية" يسميها بعضهم الباذلة، أو الدامعة (٣)، وقد سميت
стр. 9427
دامية؛ لخروج الدم منها، ودامعة؛ لأن الدم قليل لا يسيل كثيرًا. وباذلة كذلك؛ لأنها أخرجت شيئًا (١)، لكن الأكثر أنها تسمى الدامية.
وقد قدم المؤلف هنا الدامية على الخارصة، وبعض الفقهاء يقدم الخارصة على الدامية، وقد سار المؤلف على مذهب المالكية؛ لأن المالكية يعتبرون أولًا شق الجلد ثم خروج الدم ثم تأتي الخارصة: التي خرصت الجلد، أي: شقَّته أكثر (٢)، ويقول الآخرون: إن الخارصة تسبق الدامية، ولذلك قالوا: لا دية فيها (٣)، وحجة الآخرون أقوى على الفرض بأن هناك دية؛ لأن هناك قولًا مرجوحًا بأن فيها دية؛ فيقولون في الدامية: فيها دية ثم التي بعدها الباضعة فيها بعير، وقالوا: الخارصة والدامية فيها بعير ثم تأتي بعد ذلك التي بعدها بعيران، ثم ثلاثة، ثم أربعة، ثم تأتي
стр. 9428
الموضحة فتكون خمسة هذا رأي أُثِر عن بعض السلف (١)، وهي رواية للإمام أحمد (٢)؛ أما الأئمة (أبو حنيفة (٣)، ومالك (٤)، والشافعي (٥)) ووفيما اشتهر عن أحمد فقالوا: ما دون الموضحة لا توقيت فيها.
• قوله: (أَوَّلُهَا الدَّامِيَةُ، وَهِيَ الَّتِي تُدْمِي الْحِلْدَ (٦)).
يقول كثير من العلماء: إن أولها الخارصة؛ وهي التي تقشر الجلد، أي: تشقه قليلًا، ولا يلزم من الشق اليسير أن يخرج الدم كإنسانٍ مثلًا يكون معه آلة حادة فتقطع شيئًا من جلده ولا يخرج الدم، بل يحسُّ بالألم
стр. 9429
فقط. والحاصل: أنها فتحته قليلًا ولم تتجاوز الحد الذي يُخْرِج الدم، أما إذا خرج الدم فيعتبرونها الدامية، وهي: التي ذكرها المؤلف فيجعلون الدامية هي التالية وليست الأُولى.
• قوله: (ثُمَّ الْخَارِصَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ الْحِلْدَ (١). ثُمَّ الْبَاضِعَةُ، وَهِيَ الَّتِي تبضِّعُ اللَّحْمَ، أَيْ: تَشُقُّهُ (٢)).
"الباضعة": هي التي أخذت جزءًا من اللحم، وبضعت فيه، أي: نفذت قليلًا لكنها لم تنفذ كثيرًا إلى اللحم بمعنى: أنها شقت الجلد وخرج الدَّم ونفذت إلى اللحم قليلًا.
• قوله: (ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ وَهِيَ الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ (٣)).
"المتلاحمة": وهي التي أخذت في اللَّحم أكثر من الباضعة.
• قوله: (ثُمَّ السِّمْحَاقُ، وَهِيَ الَّتِي تَبْلُغُ السِّمْحَاقَ، وَهُوَ الْغِشَاءُ الرَّقِيقُ بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ (٤)).
يسمونها سمحاقًا؛ لأنها قاربت الموضحة، وهي التي أخذت كلَّ اللحم فوصلت إلى غشاء رقيق. وليس كالدامغة" فالدامغة: هي التي تكون في الدِّماغ وتصل إلى جلدة الدماغ (٥). فهنا وصلت إلى جلدة رقيقة، وهذه
стр. 9430
حكمة الله في خلقه، إذ إن هذه القشرة الرقيقة تفصل بين العظم واللحم؛ لكن قد يسأل سائل فيقول: لماذا ما دون الموضحة لا دية فيها والموضحة وما فوقها فيها دية؟
الجواب: أن ما دون الموضحة يصعب تحديدها، ثم هي جروح يسيرة؛ فالخارصة: قشر شيء من الجلد وهذا يلتحم سريعًا وأمره يسير، واللاحمة: أخذ قليل من اللحم فلذلك قالوا: إن ضبط هذه الأمور من الصعوبة بمكان، أي: إذا نفذت إلى اللحم وأخذت جزءًا منه صعُبَ تقدير ذلك، وربما يُتجَاوز الحد عند القصاص؛ ولذلك قالوا: ليس فيها قصاص، وذلك بخلاف الكلام عن الموضحة فإنها محددة، فلو طولب بالقصاص إذا كان تعديًا فإنه يأخذ ممن فعل ذلك، إذ المماثلة ممكنة في القصاص، وأما التي تأتي بعدها فلا قصاص فيها، إذ المماثلة في القصاص غير ممكنة (١).
• قوله: (وَيُقَالُ لَهَا: الْمَلْطَاءُ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ (٢)).
يقال له: الملطاء بألف بعدها همزة، وملطى بألف مقصورة، أي: ألف على شكل الياء وهي الألف المقصورة.
• قوله: (ثُمَّ الْمُوضِحَةُ، وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ أَيْ: يكْشِفُهُ (٣)).
أوضحت العظم، أي: تجاوزت اللحم كله وقطعت الجلدة الفاصلة
стр. 9431
وتوقفت عند العظم؛ فإذا ما جاءت التي بعدها هشمت العظم بمعنى: أنها ضربت العظم وكسرته، لكنه باقٍ في محله، وتأتي بعدها "المنقلة": وهي التي خلخلت العظم وغيَّرت مكانه.
• قوله: (ثُمَّ الْهَاشِمَةُ، وَهِيَ الَّتِي تُهَشِّمُ الْعَظْمَ (١). ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ، وَهِيَ الَّتِي يَطِيرُ الْعَظْمُ مِنْهَا (٢)).
"الهاشمة": هي التي هشَّمت العظم بالكامل، ولم تغير مكانه، أما "المنقلة": فهي التي يطير العظم منها، أي: ينتقل من مكانه ويختل موضع الكسر؛ فالإنسان في حالة التجبير تُجذَب يدُه -مثلًا- بشدة، ثم يعاد كلُّ شيء إلى مكانه ويوضع بعض الخشبات الدقيقة ليربط بها اليد، وإن كان عند طبيب فإنه يحاول أيضًا أن يرتّبها ويصب عليها الجبس.
• قوله: (ثُمَّ الْمَأْمُومَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ أُمَّ الدِّمَاغِ. ثُمَّ الْجَائِفَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إِلَى الْجَوْفِ).
ولا شكَّ أن المأمومة فيها خطورة؛ لأن التي تصل أمَّ الدماغ قد قاربت المخ فلم يبقَ إلا جلد رقيق يفصلها عنه.
ثم "الجائفة": وهي التي وصلت إلى الجوف، ولذلك هاتان الاثنتان لا قصاص فيهما لخطورتهما.
والتي مرت إنما تكون في الرأس أو في الوجه، والجائفة هنا: هي التي تكون في الجوف، أي: تشق البطن فتصل إلى جوف الإنسان.
• قوله: (وَأَسْمَاءُ هَذِهِ الشِّجَاجِ مُخْتَصَّةٌ بِمَا وَقَعَ بِالْوَجْهِ مِنْهَا
стр. 9432
وَالرَّأْسِ دُونَ سَائِرِ الْبَدَنِ، وَاسْمُ الْجُرْحِ يَخْتَصُّ بِمَا وَقَعَ فِي الْبَدَنِ. فَهَذهِ أَسْمَاءُ هَذِهِ الشِّجَاجِ).
أورد المؤلف الأسماء وسنشير إلى أحكامها، فهذه أسماء الجراحات التي اصطلح عليها الفقهاء عمومًا عدا الاختلاف في الأُولى والثانية، والذين قالوا بالتحديد قد حذفوا الخارصة فلا شيء فيها عندهم، وبدءوا بالدامية وجعلوا فيها بعيرًا، وفي التي بعدها بعيرين، ثم ثلاثة، ثم في السمحاق أربعة، ثم الموضحة التي جاء النص عليها خمسًا.
• قوله: (فَأَمَّا أَحْكَامُهَا، أَعْنِي: الْوَاجِبَ فِيهَا - فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ وَاقِعٌ فِي عَمْدِ الْمُوضِحَةِ وَمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ خَطَأة وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ خَطَأُ عَقْلٍ، وَإِنَّمَا فِيهَا حُكُومَةٌ (١)).
قوله: "ليمس هناك عقل"، أي: دية، والتي فيها الحكومة أو ما يعرف بالأرش فيعتبر المصاب كالعبد؛ لأن العبد يباع ويشترى فيقال: هذا العبد إذا كان سليمًا قيمته كذا، وبعد أن أصيب أصبحت قيمته كذا. فتنزل القيمة فيُؤخذ الفرق ويسلم للمعتدى عليه.
• قوله: (قَالَ بَعْضُهُمْ: أُجْرَةُ الطَّبِيبِ (٢)، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ أَنَّهُمَا قَضَيَا فِي السِّمْحَاقِ بِنِصْفِ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ (٣)).
هناك قول بمن قضى بهذه التي قبل الموضحة بشيء فجعل في الدامية بعيرًا، وفي الباضعة بعيرين، وهكذا إلى أن يصل إلى السمحاق وفيها
стр. 9433
أربعة، وهي أيضًا رواية للإمام أحمد (١).
ودية الموضحة: خمس من الإبل؛ فيكون نصفها في السمحاق، ولعلَّ سائلًا أن يسأل فيقول: الإبل لا تقسم فكيف ذلك؟
الجواب: أن هذا يرجع إلى القيمة فكل أمر يتعذر أن تصل فيه إلى المطلوب؛ ترجع فيه إلى القيمة، وكما هو معلوم أن الديات قد تكون من (الإبل) وقد تكون من (البقر) وربما تكون من (الغنم). ولكن اشتهرت الديات في الإبل بل عدَّها بعض العلماء نصًّا (٢)، وتكون أيضًا في النقدين (الدراهم والدنانير) ويقصد بالدنانير: الذهب، وهي (ألف دينار)، ومن الفضة (اثنا عشر ألفًا)، وكانت قبل ذلك أقل ثم قُرِّر ذلك في زمن عمر ﵁ (٣).
стр. 9434
• قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَضَى فِيهَا بِأَرْبَعٍ مِنَ الإِبِلِ (١)).
أي: قضى في السمحاق بأربع من الإبل.
• قوله: (وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الدَّامِيَةِ بَعِيرٌ، وَفِي الْبَاضِعَةِ بَعِيرَانِ، وَفِي الْمُتَلَاحِمَةِ ثَلَاثَةُ أَبْعِرَةٍ، وَفِي السِّمْحَاقِ أَرْبَعَةٌ (٢)(٣)).
ولم يذكر الخارصةَ (٤).
стр. 9435
وقد ذهب جماهير العلماء ومنهم الأئمة: (أبو حنيفة، ومالك، والشافعي وأحمد وهو المشهور عنه) بأن الخمس التي تسبق الموضحة فيها حكومة (١).
وهناك من يقول بأن في الخارصة بعيرًا، وفي الدامية بعيران، وفي الباضعة ثلاثة (٢)، وفي السمحاق أربعة (٣) إلى أن يصل إلى الخامسة ألا وهي الموضحة ففيها خمس.
والُأولى ليس فيها شيء إنما بدأ بالدامية إلى أن وصل إلى السمحاق التي فيها أربع، ثم الباقي بعد ذلك لا شيء فيه. هذا عند من يقول بهذا الرأي وهم قلة وهي رواية للإمام أحمد (٤).
أما أكثر العلماء فيقولون: فيها حكومة وهي ما بيَّناها سابقًا من الفرق بين قيمة العبد سليمًا وقيمته بعد الإصابة، وهذا هو المشهور.
وهناك من يقول: في الدامية بعير إلى أن يصل إلى الموضحة ففيها خمس وهي التي جاء فيها نص عن رسول الله ﷺ ؟ ولذلك اتفق العلماء حوله.
و"المتلاحمةُ" هي التي تأتي في الرقم الرابع، وكل هذا قد ذكره المؤلف وعرفناه، وزيادة بيان: أن الخارصة هي التي تخرص الجلد، أي: تشقه قليلًا. والدامية: هي التي أظهرت شيئًا من الدم. وهكذا إلى أن تأتي السمحاق التي تنتهي إلى مكان الموضحة، وهي التي قاربت الجلد الرقيق بين العظم واللحم.
стр. 9436
• قوله: (وَالْجُمْهُورُ مِنْ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَذَلِكَ أَنَّ الأَصْلَ فِي الْجِرَاحِ الْحُكُومَةُ إِلَّا مَا وَقَّتَتْ فِيهِ السُّنَّةُ حَدًّا (١)).
"ما ذكرنا"، أي: بأن فيها حكومة.
والأصل أن فيها حكومة لكن ما جاء فيه نص فإنه يؤخذ بالنص، والحديث الذي جاء يبين ذلك فهو حديثُ عمرو بن حزم في كتاب كتبه رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن معه (٢).
• قوله: (وَمَالِكٌ يَعْتَبِرُ فِي إِلْزَامِ الْحُكُومَةِ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ أَنْ تَبْرَأَ عَلَى شَيْنٍ (٣)، وَالْغَيْرُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ يُلْزِمُ فِيهَا الْحُكُومَةَ بَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ أَوْ لَمْ تَبْرَأْ (٤)).
стр. 9437
يعني: إما أن يعود الإنسان طبيعيًّا بلا أثر للإصابة، وإما أن يبقى عيب وأثر لتلك الإصابة؛ فيرى الإمام مالك: إلزامَ الحكومة فيما دون الموضحة بشرط أن يوجود لها أثر يشين الجسم.
ويرى غيره من فقهاء الأمصار: إلزامَ الحكومة مطلقًا سواء برئت على عيب أو لا.
وبعض الفقهاء يفرق بين أن يكون هذا الشين في الوجه أو في غيره؛ فإذا كانت في الوجه كانت علامة ظاهرة، أما إن كانت في الرأس فقد تغطى بالشعر، أو بالعمامة، أو الغترة، أو غير ذلك؛ فلا يُرَى ذلك العيب؛ لذلك غلَّظ بعضهم في الوجه كما سيأتي عند سعيد بن المسيب.
• قوله: (فَهَذهِ هِيَ أَحْكَامُ مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ، فَأَمَّا الْمُوضِحَةُ فَجَمِيعُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ فِيهَا إِذَا كانتْ خَطَأً خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ (١)).
قال: "إذا كانت خطأً"؛ احترازًا؛ لأن العمد فيه القصاص إلَّا أن يُعفى إلى دية. فالمُوضحة إن كانت الجناية على الإنسانِ عمدًا ففيها (القَوَد)، أي: القصاص، وإن كانت خطأً ففيها (الدية)، وديتها: خمس من الإبل، ودليل ذلك: كتاب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن في حديث عمرو بن حزم، وهذا الحديث أخرجه النسائي وغيره (٢)، وأخرجه بعض
стр. 9438
العلماء مرسلًا، ورواه بعضهم موصولًا، وهو من الأحاديث التي تلقَّاها العلماء بالقبول، وعملوا بها، واشتهرت بينهم كما ذكر ذلك كثير من الحفاظ كابن عبد البَرِّ (١).
• قوله: (وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي كِتَابِهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ (٢)، وَمِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "فِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ" (٣) يَعْنِي: مِنَ الإِبِلِ).
أي: ثبت في حديثين في كتابه إلى أهل اليمن الذي حمله عمرو بن حزم، وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، لكن كتاب ابن حزم "في خمس"، وفي الآخر، (أي: حديث ابن شعيب المطوّل): "خمس من الإبل" فنصَّ على الإبل.
وفي بعض الروايات: "الواضحات" (٤) جمع واضحة أو موضحة "خمس من الإبل".
• قوله: (وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَوْضِعِ الْمُوضِحَةِ مِنَ الْجَسَدِ (٥)).
وقد مرَّ معنى الواضحة، وهي التي شقَّت اللحم وانتهت إلى العظم، وكذلك شقَّت الجلد الرقيق الذي بين العظم واللحم، وسميت موضحة؛
стр. 9439
لأنها أوضحت العظم وبيَّنت بياضه، فقد وصلت إلى حدٍّ؛ لذلك فيها القصاص إن كان عمدًا، وفيها الدية إن لم يكن عمدًا.
تنبيهات مهمة: لا فرق هنا بين الصغير والكبير، بين أن يكون الإنسان بالغًا أو غير بالغ، ولا فرق بين كون الموضحة كبيرة أو صغيرة حتى لو كانت على قدر مزمار ولو إبرة ونفذت إلى العظم فتعتبر موضحة، فلا ينظر إليه وإنما ينظر إلى عمقها؛ فإذا وصلت إلى العظم فهي موضحة.
وكذلك لا فرق بين الذكر والأنثى فيما يتعلق بالدية فديتها كدية الرجل إلى الثلث فإذا وصلت إلى الثلث انتقلت بعد ذلك إلى النصف وهو الأصل؛ لأن ديتها على النصف من الرجل، أي: في الجراحات (في الشجاج)، ولم يخالف في ذلك من الأئمة بالنسبة للموضحة إلا الإمام الشافعي؛ فللشافعية رواية أن موضحة المرأة على النصف من الرجل (١)، أما بقية الأئمة فيقولون: لا فرق بين الرجل والمرأة في هذه المسألة (٢)؛ لأن المرأة تشرك الرجل في هذا القدر ما لم يتجاوز الثلث.
стр. 9440
• قوله: (بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى مَا قُلْنَا).
أي: اتفق جمهور العلماء (١) من حيث الجملة على أنها تكون في الرأس والوجه، ولا تكون في غير ذلك.
وخالف مالك الجمهور في جزئيات في الوجه: فيرى أن الأنف لا تكون فيها موضحة، ولا في اللَّحيِ الأسفل؛ لبعدهما عن الدماغ (٢).
وتظهر فائدة الخلاف: أنه على قول مالك خرج بعض الصور من الموضحة وصار فيها (حكومة)، أما الجمهور فيقولون: فيها موضحة وهي (خمسة من الإبل) وهذه هي الحكمة من الفرق بين مذهب مالك والجمهور.
• قوله: (أَعْنِي عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْعَمْدِ، وَوُجُوبِ الدِّيَةِ فِي الْخَطَإِ مِنْهَا).
لا يختلف العلماء في الموضحة أن فيها قصاصًا إذا كان التعدِّي عمدًا؛ لأنها محددة بالعظم فلا خطورة في هذا المقام، ولا يتجاوز بخلاف الذي يأتي بعدها فسيأتي الخلاف فيها وأن ابن الزبير أقام القصاص في بعضها، وخالف العلماء في ذلك كما سيشير إليه المؤلِّف.
• قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَكُونُ الْمُوضِحَةُ إِلَّا فِي جِهَةِ الرَّأْسِ وَالْجَبْهَةِ وَالْخَدَّيْنِ وَاللَّحْيِ الأَعْلَى (٣)).
стр. 9441
كل ما قرب من الدماغ عند الإمام مالك فهو موضحة؛ لأنه كلما قربت الشجة من الدماغ كانت أخطر، وكلما ابتعدت كانت أخفَّ.
أما الأئمة (أبو حنيفة والشافعي وأحمد (١)) فقالوا: كل ما حصل من شجة في الرأس، أو في الوجه فهي موضحة، ولا فرق بين موضع وموضع؛ فيدخل في ذلك ما استثناه الإمام مالك.
فننتهي بذلك إلى أن الإمام مالكًا عندما أخرج بعض الصور جعل فيها (حكومة)، ويرى الجمهور أن ما أخرجه الإمام مالك واستبعده هو موضحة وتجب فيه (خمس من الإبل).
• قوله: (وَلَا تَكُونُ فِي اللَّحْيِ الأَسْفَلِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْعُنُقِ وَلَا فِي الأَنْفِ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣)؛ فَالْمُوضِحَةُ عِنْدَهُمْ فِي جَمِيعِ الوَجْهِ وَالرَّأْسِ).
стр. 9442
إذن ذهب الأئمة الثلاثة (١) إلى أن الموضحة تكون في الرأس والوجه، وجماهير العلماء لا يسمون ما في البدن موضحة (٢)؛ لأنها تكون في غير البدن، وقد أُثِر عن عمر ﵁ أنه حكم بموضحة في البدن (٣). وهذا الأثر حجة لمَن قال بأنها تقع في البدن.
قوله: (وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ فِي الْجَسَدِ (٤)).
стр. 9443
مرَّ بنا مسائل متداخلة في الفقه الإسلامي كما في الكفارات، فلو أن إنسانًا جامع في نهار رمضان ثم جامع مرة أُخرى قبل أن يكفر فعليه كفارة واحدة (١)، وكذلك أيضًا لو فعل غير ذلك من الكفارات، - والأمثلة كثيرة
стр. 9444
جدًّا - فإنها تتداخل، لكن لو أُصِيب إنسانٌ في وجهه فأوضحت العظم ثم أصابه مرة أُخرى فأوضحه فهل تكون موضحة واحدة أم اثنين؟
الجواب: لا، إلا أن العلماء شرطوا أن تكونا متصلتين، فإن وُجِد فاصل بينهما فهما اثنتان، وهكذا غيرها من الشِّجاج إذا لم تداخل فإنها تكون أكثر من واحدة حسب الواقعة (١).
стр. 9445
قوله: (وَقَالَ اللَّيْثُ وَطَائِفَةٌ: "تَكُونُ فِي الْجَنْبِ" (١)، وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: "إِذَا كَانَتْ فِي الْجَسَدِ كَانَتْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَتِهَا فِي الْوَجْهِ وَالرَأْسِ" (٢).
الجَنب فيه الأضلاع، وفي كل واحد من الأضلاع بعير (٣).
وقول الأوزاعي: "إذا كانت في الجسد كانت على النِّصف"؛ لأنها أخفُّ.
قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: "فِي مُوضِحَةِ الْجَسَدِ نِصْفُ
стр. 9446
عُشْرِ دِيَةِ ذَلِكَ الْعُضْوِ" (١).
وهذه الرواية هي مستند الذين قالوا بأن الموضحة تكون في غير الوجه والرأسِ.
قوله: (وَغَلَّظَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ في مُوضِحَةِ الْوَجْهِ نَبْرَأُ عَلَى شَيْنٍ (٢)).
من المعلوم أن الوجه هو موضع المحاسن في الإنسان؛ ففيه الإبصار، وكذلك السمع مرتبط به، وفيه اللسان والأنف، وهو أعظم وأشرف عضو في الإنسان، ولذلك قالوا: سُمِّي وجهًا للمواجهة، ولا يمكن إخفاء العيب إذا وُجِد فيه بخلاف ما لو كان هذا العيب في الرأس أو الكتف، أو الظهر، أو البطن، أو الفخذ، أو الركبة مثلًا، أو في أعلى السادتى فهذا تخفيه الملابس، لكن إذا وجد عيب في الوجه فلا بد من ظهوره واتضاحه.
قوله: (فَرَأَى فِيهَا مِثْلَ نِصْفِ عَقْلِهَا زَائِدًا عَلَى عَقْلِهَا).
стр. 9447
"نصف عقلها زائد على عقلها"، أي: مرة ونصف، وأُثِر ذلك عن سعيد بن المسيب (١)، ولم يُنقل عن المؤلف أنه ضعفها، ولقد فرَّق بين الموضحة في الرأس ففيها خمس من الإبل، أما إن كانت في الوجه وانتهت إلى شين، (أي: إلى شيء يشين الوجه) ففيها عشر من الإبل.
قوله: (وَرَوَى ذَلِكَ مَالِكٌ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ (٢)).
وابن يسار من فقهاء المدينة السبعة، وهو من التابعين (٣).
قوله: (وَاضْطَرَبَ قَوْلُ مَالِكٍ في ذَلِكَ؛ فَمَرَّةً قَالَ بِقَوْلِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ (٤)، وَمَرَّةً قَالَ: لَا يُزَادُ فِيهَا عَلَى عَقْلِهَا شَيْءٌ. وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ (٥)).
стр. 9448
لم يرد المؤلف عندما قال: "اضطرب قول مالك" أن مالكًا مضطرب في قوله بالمعنى الذي نعرفه من قولنا: إنسان مضطرب، بمعنى: أنه ما عرف هذا من هذا؛ بل ما قصده المؤلف أنه اضطرب قوله بأن نُقل عنه قولان في المسألة فبلغه هذا وبلغه ذاك.
وليس معنى الاضطراب: أن الإمام مالكًا ما استطاع أن يدرك ذلك الأمر، بل قال مرة بقول سليمان بن يسار، وقال مرة: لا يزاد فيها على عقلها شيء، وبه قال الجمهور.
والأولى هو الذي أخذ به الأئمة الثلاثة عدا مالك؛ لأن رسول الله ﷺ قال في ذلك الكتاب الذي تلقته الأمة بالقبول وعملوا به جيلًا بعد جيل، وقد اشتمل بلا شكٍّ على كثير من أهمِّ الأحكام ومنها ما يتعلق بالديات والقصاص وفي بعضها قال رسول الله ﷺ : "وفي الموضحة خمس من الإبل" (١)، وقد أدرك رسول الله ﷺ أن الموضحات تتنوع فمنها ما يبقى لها أثر، ومنها ما لا يبقى لها أثر، ولنتذكر أن رسول الله ﷺ
стр. 9449
مطالب بالبيان؛ لأن الله قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
ولذلك وضع الأصوليون القاعدة المعروفة: "لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة" (١)؛ ولا شك أن الناسَ بحاجة إلى البيان، فكون الرسول ﷺ أطلق فهذا دليل على اتحادها في الحكم، وليس شرطًا أن تتساوى الأمور، فقد تكون خطيئة أكبر من خطيئة، ومع ذلك يتحد حكمهما، فقد قال الرسول ﷺ في هذا الكتاب نفسه أيضًا: "وفي السن خمس من الإبل" (٢)، فلو ضُربتِ الخمسةُ بأعداد الأسنان والأضراس؛ لوجدت أنها تزيد عن الدية ومع ذلك قال به رسول الله ﷺ ، فقد تكون الأمور توقيفية وفيها نص ظاهرٌ، ومع ذلك يختلف العلماء في المفهوم، فعند الخلاف لا بد من العودة إلى قول رسول الله ﷺ ، ولا لوم على من يأخذ بحكم من الأحكام ثم يقول: هذا هو الذي قاله رسول الله ﷺ حتى وإن كان الذي خالف ذلك صحابي من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فقول رسول الله هو المقدم بعد قول الله تعالى.
قوله: (وَقَدْ قِيلَ عَنْ مَالِكٍ إِنَّهُ قَالَ: "إِذَا شَانَتِ الْوَجْهَ كَانَ فِيهَا حُكُومَةٌ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ" (٣)، وَمَعْنَى الْحُكُومَةِ عِنْدَ مَالِكٍ: مَا نَقَصَ مِنْ
стр. 9450
قِيمَتِهِ أَنْ لَوْ كَانَ عَبْدًا (١)).
ليس هذا القول عند مالك، بل عند الفقهاء كلهم، وتعريف الحكومة عند الفقهاء عمومًا هو ما أوجزه المؤلف وسبق أن بيناه.
قوله: (وَأَمَّا الْهَاشِمَةُ).
بدأ المؤلف بالتدرُّج عُلوًّا؛ فقد بدأ بالخارصة أولًا، ثم الدامية، وهكذا إلى أن وصل إلى الموضحة التي أوضحت العظم، وزاد الآن عليها الهاشمة: وهي التي هشَّمت العظم، (أي: كسرته)، وليس فيها نص عن الرسول ﷺ ، ولكنَّ هذا حُكْم السلف فيها فمن ثَمَّ اتَّفق العلماء أن فيها عشر من الإبل.
قوله: (فَفِيهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ عُشْرُ الدِّيَةِ (٢)).
стр. 9451
"عُشْر الدية"، أي: عَشر من الإبل، ودائمًا يقيسون في مثل هذا المقام على الرجل الحرِّ، أي: دية الرجل الحرِّ مائة من الإبل، فبعدما تُقسَّم على عشرة يكون لكل واحد عَشر منها.
إذن في الهاشمة: عشر من الإبل، وفي الموضحة: خمس، وستأتي المنقلة بعده وفيها: عشر، ثم المأمومة والجائفة، وفي كل واحدة منهما: ثلث الدية، وما فوق الهاشمة ففيه نص عن رسول الله ﷺ (١).
قوله: (وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ (٢)، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ).
ودليل تقدير عَشر من الإبل بالنسبة للهاشمة؛ أن زيد بن ثابت قضى بذلك وهو الصحابي الجليل الذي قال فيه رسول الله ﷺ : "أفرضكم زيد" (٣)، ولا يعرف له مخالف في هذا، ومن هنا أخذ العلماء بقوله وفتواه فكانت حجة، وإذا نظرت أيضًا إليها من حيث الواقع تجد أنها منضبطة؛ لأن الموضحة تأتي قبلها وفيها خمس، وهذه قد كسرت فيها العظم لكنه لم يتغير عن محله، بل هشمته، وستأتي المنقلة التي كسرت العظم وخلخلته وغيرت موضعه فكانت أخطر من هذه.
قوله: (وَقَالَ بَعْضرُ الْعُلَمَاءِ: الْهَاشِمَةُ هِيَ الْمُنَقِّلَةُ وَشَذَّ (٤)).
стр. 9452
كما قال المؤلف: "وقال بعضهم: الهاشمة هي المنقِّلة"، يعني: التي جاءت في كتاب عمرو، قال: "وشذ"، يعني: وشذ أصحاب هذا القول أو وشذ من قال ذلك، وحذف المؤلف الفاعل؛ للعلم به.
قوله: (وَأَمَّا الْمُنَقِّلَةُ فَلَا خِلَافَ أَنَّ فِيهَا عُشْرَ الدِّيَةِ، وَنِصْفَ الْعُشْرِ إِذَا كَانَتْ خَطَأً (١)).
"عشر الدية": عَشر من الإبل، و "نِصف العشر": خمس، و "المنقلة": هي التي كسرت العظم وغيَّرت موضعه فاختلَّ فارتفع بعضه ونزل بعضه فوجد الخلل في ذلك (٢). وهذه هي التي يحتاج أن يُجبر فيها الكسر، ولذا فيها خمس عشر من الإبل، وقد جاءت في كتاب عمرو بن حزم.
قوله: (فأمَّا إِذَا كَانَتْ عَمْدًا فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنْ لَيْسَ فِيهَا قَوَدٌ لِمَكَانِ الْخَوْفِ).
стр. 9453
قال العلماء ومنهم الأئمة الأربعة (١): ليس فيها إلا الدية ولا قود فيها؛ لأنها في موضع خطر قد يؤدِّي إلى هلاك الإنسان، وهذا الذي أصيب بها لم يهلك، فربما لو اقتُصَّ من الجاني لهلك. ولكن أُثِر عن عبد الله بن الزبير أنه اقتصَّ منها.
قوله: (وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ أَقَادَ مِنْهَا وَمِنَ الْمَأْمُومَةِ (٢)).
وهو عبد الله بن الزبير (٣) كابن عباس، وهو عبد الله بن عباس (٤)، وعبد الله بن عمر (٥)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (٦) وهكذا. وإذا قيل: أنس وأطلق فهو أنس بن مالك (٧)، وإذا قيل: سمرة فهو سمرة بن جندب (٨)، وإذا قيل: جابر وأطلق فهو جابر بن عبد الله (٩).
стр. 9454
قوله: (وَأَمَّا الْهَاشِمَةُ فِي الْعَمْدِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا قَوَدٌ (١)).
ليس عند مالك فقط بل عند الجمهور (٢).
قوله: (وَمَنْ أَجَازَ الْقَوَدَ مِنَ الْمُنَقِّلَةِ كَانَ أَحْرَى أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ مِنَ الْهَاشِمَةِ).
ينقل المؤلف قول من قال: إن الهاشمة ليس فيها قود، ويشير إلى أن مَن قال بالقود في المنقلة أحرى له أن يحكم به في الهاشمة؛ لأنها أخف.
قوله: (وَأَمَّا الْمَأْمُومَةُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُقَادُ مِنْهَا).
стр. 9455
وقع في بعض النسخ: (وأما الجائفة) كررها، أي: بعض النسخ فيها خطأ.
فالمأمومة وبعضهم يقول: الآمة (١): وهي التي وصلت إلى أمِّ الدماغ ولم يبقَ إلا جلد رقيق يفصلها عن الدماغ؛ فهذه تسمَّى المأمومة أو الآمة (أي: فيها خلاف بين العلماء في تسميتها) (٢)، وهذه قد جاء فيها النص بأن فيها (ثلث الدية) في كتاب عمرو بن حزم.
قوله: (وَأَنَّ فِيهَا ثُلُثَ الدِّيَةِ (٣) إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ (٤)).
هناك جنايتان من الشِّجاج فيهما ثلث الدية:
الأولى: (المأمومة)، والثا نية: (الجائفة) وستأتي، وهي التي