← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 9451–9490 · переход к 9456.

стр. 9451

"عُشْر الدية"، أي: عَشر من الإبل، ودائمًا يقيسون في مثل هذا المقام على الرجل الحرِّ، أي: دية الرجل الحرِّ مائة من الإبل، فبعدما تُقسَّم على عشرة يكون لكل واحد عَشر منها. إذن في الهاشمة: عشر من الإبل، وفي الموضحة: خمس، وستأتي المنقلة بعده وفيها: عشر، ثم المأمومة والجائفة، وفي كل واحدة منهما: ثلث الدية، وما فوق الهاشمة ففيه نص عن رسول الله ﷺ (١). قوله: (وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ (٢)، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ). ودليل تقدير عَشر من الإبل بالنسبة للهاشمة؛ أن زيد بن ثابت قضى بذلك وهو الصحابي الجليل الذي قال فيه رسول الله ﷺ : "أفرضكم زيد" (٣)، ولا يعرف له مخالف في هذا، ومن هنا أخذ العلماء بقوله وفتواه فكانت حجة، وإذا نظرت أيضًا إليها من حيث الواقع تجد أنها منضبطة؛ لأن الموضحة تأتي قبلها وفيها خمس، وهذه قد كسرت فيها العظم لكنه لم يتغير عن محله، بل هشمته، وستأتي المنقلة التي كسرت العظم وخلخلته وغيرت موضعه فكانت أخطر من هذه. قوله: (وَقَالَ بَعْضرُ الْعُلَمَاءِ: الْهَاشِمَةُ هِيَ الْمُنَقِّلَةُ وَشَذَّ (٤)).

стр. 9452

كما قال المؤلف: "وقال بعضهم: الهاشمة هي المنقِّلة"، يعني: التي جاءت في كتاب عمرو، قال: "وشذ"، يعني: وشذ أصحاب هذا القول أو وشذ من قال ذلك، وحذف المؤلف الفاعل؛ للعلم به. قوله: (وَأَمَّا الْمُنَقِّلَةُ فَلَا خِلَافَ أَنَّ فِيهَا عُشْرَ الدِّيَةِ، وَنِصْفَ الْعُشْرِ إِذَا كَانَتْ خَطَأً (١)). "عشر الدية": عَشر من الإبل، و "نِصف العشر": خمس، و "المنقلة": هي التي كسرت العظم وغيَّرت موضعه فاختلَّ فارتفع بعضه ونزل بعضه فوجد الخلل في ذلك (٢). وهذه هي التي يحتاج أن يُجبر فيها الكسر، ولذا فيها خمس عشر من الإبل، وقد جاءت في كتاب عمرو بن حزم. قوله: (فأمَّا إِذَا كَانَتْ عَمْدًا فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنْ لَيْسَ فِيهَا قَوَدٌ لِمَكَانِ الْخَوْفِ).

стр. 9453

قال العلماء ومنهم الأئمة الأربعة (١): ليس فيها إلا الدية ولا قود فيها؛ لأنها في موضع خطر قد يؤدِّي إلى هلاك الإنسان، وهذا الذي أصيب بها لم يهلك، فربما لو اقتُصَّ من الجاني لهلك. ولكن أُثِر عن عبد الله بن الزبير أنه اقتصَّ منها. قوله: (وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ أَقَادَ مِنْهَا وَمِنَ الْمَأْمُومَةِ (٢)). وهو عبد الله بن الزبير (٣) كابن عباس، وهو عبد الله بن عباس (٤)، وعبد الله بن عمر (٥)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (٦) وهكذا. وإذا قيل: أنس وأطلق فهو أنس بن مالك (٧)، وإذا قيل: سمرة فهو سمرة بن جندب (٨)، وإذا قيل: جابر وأطلق فهو جابر بن عبد الله (٩).

стр. 9454

قوله: (وَأَمَّا الْهَاشِمَةُ فِي الْعَمْدِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا قَوَدٌ (١)). ليس عند مالك فقط بل عند الجمهور (٢). قوله: (وَمَنْ أَجَازَ الْقَوَدَ مِنَ الْمُنَقِّلَةِ كَانَ أَحْرَى أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ مِنَ الْهَاشِمَةِ). ينقل المؤلف قول من قال: إن الهاشمة ليس فيها قود، ويشير إلى أن مَن قال بالقود في المنقلة أحرى له أن يحكم به في الهاشمة؛ لأنها أخف. قوله: (وَأَمَّا الْمَأْمُومَةُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُقَادُ مِنْهَا).

стр. 9455

وقع في بعض النسخ: (وأما الجائفة) كررها، أي: بعض النسخ فيها خطأ. فالمأمومة وبعضهم يقول: الآمة (١): وهي التي وصلت إلى أمِّ الدماغ ولم يبقَ إلا جلد رقيق يفصلها عن الدماغ؛ فهذه تسمَّى المأمومة أو الآمة (أي: فيها خلاف بين العلماء في تسميتها) (٢)، وهذه قد جاء فيها النص بأن فيها (ثلث الدية) في كتاب عمرو بن حزم. قوله: (وَأَنَّ فِيهَا ثُلُثَ الدِّيَةِ (٣) إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ (٤)). هناك جنايتان من الشِّجاج فيهما ثلث الدية: الأولى: (المأمومة)، والثا نية: (الجائفة) وستأتي، وهي التي

стр. 9456

تصل إلى الجوف فهاتان قد جاء فيهما نص عن رسول ﷺ بأن فيهما ثلث الدية. قوله: (وَأَمَّا الْجَائِفَةُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا مِنْ جِرَاحِ الْجَسَدِ لَا مِنْ جِرَاحِ الرَأْسِ (١)). "الجائفة" نسبة إلى الجوفِ؛ لأنها تخرق البطن فتصل إلى الجوف، وهذه فيها نفس القَدر المحدد بالمأمومة وهو (ثلث الدية)؛ لخطورتها، ولكن لا يقتصُّ فيها، فلو قُدِّر أن إنسانًا اعتدى على آخر فضربه حتى وصلت إلى جوفه ثم خرجت من الجانب الآخر، فهل تكون جائفة واحدة أم أكثر؟ ذهب الأئمة الثلاثة إلى أنهما جائفتان (٢). وذهب الشافعية إلى أنها واحدة؛ لأنها قد تجاوزت فخرجت من الموضع الآخر كما لو أوصلها إلى بطنه، ثم جاء آخر أو الجاني نفسه فطعنه من مكان آخر وأصابه بجائفة أُخرى فتكون اثنتان (٣).

стр. 9457

وتسميتها واضحة؛ لأن قولهم جائفة؛ نسبة إلى الجوف، والجوف معلوم ومعروف. قوله: (وَأَنَّهَا لَا يُقَادُ مِنْهَا، وَأَنَّ فِيهَا ثُلُثَ الدِّيَةِ (١)). لا يقاد منها لخطورتها، وذلك لخوف التعدِّي فيها كالحال بالنسبة للمأمومة والمنقلة. قوله: (وَأَنَّهَا جَائِفَةٌ مَتَى وَقَعَتْ فِي الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ. وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَقَعَتْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَعْضَاءِ، فَنَفَذَتْ إِلَى تَجْوِيفِهِ - فَحَكَى مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ فِي كُلِّ جِرَاحَةٍ نَافِذَةٍ إِلَى تَجْوِيفِ عُضْوٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ - أَيِّ: عُضْوٍ كَانَ - ثُلُثَ دِيَةِ ذَلِكَ الْعُضْوِ (٢)).

стр. 9458

خصَّ بعض العلماء (١) الجائفة بالجوف فقط، وما عدا ذلك فلا تكون من نوع الجائفة. وقال بعضهم (٢): هي جائفة إذا وصلت إلى موضع محدَّد إلى تجويف ذلك العضو. * قوله: (وَحَكَى ابْنُ شِهَابٍ). ابن شهاب هو الإمام المعروف محمد بن شهاب الزهري التابعي (٣).

стр. 9459

قوله: (أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى ذَلِكَ (١)، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ (٢)؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَهُ فِي هَذَا لَا يَسُوغُ. وَإِنَّمَا سَنَدُهُ فِي ذَلِكَ الاجْتِهَادُ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ، وَأَمَّا سَعِيدٌ فَإِنَّهُ قَاسَ ذَلِكَ عَلَى الْجَائِفَةِ عَلَى نَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي مُوضِحَةِ الْجَسَدِ (٣)). قاس عمرُ الجائفة على موضحة الرأس والوجه. قوله: (وَأَمَّا الْجِرَاحَاتُ الَّتِي تَقَعُ فِي سَائِرِ الْجَسَدِ فَلَيْسَ فِي الْخَطَإِ مِنْهَا إِلَّا الْحُكُومَةُ (٤)). عرض المؤلف الشجاج أو الجراحات التي يكون فيها الدية كما في

стр. 9460

حديث عمرو، أو الهاشمة التي لم يردْ فيها نصٌّ، ولكنه قد أُثِر عن زيد بن ثابت، وأخَذ العلماء به. * * * قال المصنف ﵀: (الْقَوْلُ فِي دِيَاتِ الْأَعْضَاءِ (١)) ديات الأعضاء يتعدى عليها بالقتل، والاعتداء عليها قد يكون بالقطع وربما يكون إذهاب لمنفعة ذلك العضو، كما لو لطم إنسانٌ آخر على عينه فأذهب بصره والعين موجودة، أو ضربه على أذنه فذهب سمعه، فهذه فيها الدية، وربما لا يذهب السمع ولكن تذهب الأذن أو الأذنان فهذه من الأشياء التي تكلم عنها العلماء (٢). قوله: (وَالأَصْلُ فِيمَا فِيهِ مِنَ الأَعْضَاءِ إِذَا قُطِعَ خَطَأً مَالٌ مَحْدُودٌ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى دِيَةً (٣)).

стр. 9461

والمال المحدَّد يعبَّر عنه بالدية، وجمعه: ديات. قوله: (وَكَذَلِكَ مِنَ الْجِرَاحَاتِ وَالنُّفُوسِ - حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ "أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ). حديث عمرو بن حزم عن أبيه فيه سقطٌ، وقد انتبهوا لهذا، والصحيح هو: حديث عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، إذن محمد عن أبيه عمرو بن حزم؛ لأن صاحب الكتاب هو عمرو بن حزم، فكيف عن أبيه؟ فتبين أن هناك سقط، وهذه هي رواية مالك في "الموطإ"، وهي الأصل في ذلك، وقد نقلها أيضًا الشافعي في مسنده وغيره (١). فقد تُبيِّن إذن أن هناك سقطًا ولا يستقيم الكلام على ما ذكره المؤلف وعلى ذلك فهي رواية عبد الله بن أبي بكر بن محمد عن عمرو بن حزم عن أبيه، أي: روى محمد عن أبيه عمرو بن حزم. وهذا الحديث هو كتاب عظيم جليل القدر؛ لأنه اشتمل على

стр. 9462

جملة من أقوال رسول الله ﷺ لا توجد في غيره، ولذلك تكلَّم عنه بعض العلماء تصحيحًا وتضعيفًا؛ فرواه النسائي مرسلًا (١)، ورواه ابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، وغير هؤلاء موصولًا (٢)، وقد تكلَّم عنه العلماء وأجاب بعض أئمة الحديث كابن عبد البر (٣)، ثم ابن حجر (٤)، وغيرهما فقالوا: هذا كتاب قد اشتهر وتلقاه العلماء بالقبول وعملوا به جيلًا بعد جيل، وعليه فهو كتاب ثابت اشتمل على كثير من الأدلة التي يُستدَلُّ بها في كتاب القصاص والديات. ومن أراد الاستزاده فليرجع إلى أصل الحديث في "موطأ الإمام مالك"؛ إذ قد رواه بهذا السند، وما ذكره المؤلف غير مستقيم؛ للسقط

стр. 9463

الذي فيه، أو هو من الناسخ، والغالب أنه من الناسخ، وما رأيت أحدًا انتبه إليه من الذين حققوا الكتب؛ إذ قد تمر أشياء كثيرة جوهرية لا ينتبه إليها المحقق، وهذا مهم كي ينتبه إليه القارئ. قوله: (لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي الْعُقُولِ). والكتاب الذي كتبه الرسول ﷺ لعمرو في الفرائض والسنن، والديات؛ إذ اشتمل على جملة كثيرة من الأحكام وهو حديث طويل، وهو من أهم الأدلة في كتاب الديات، وكان الرسول ﷺ يكتب الكتب (١)، فهناك من الكتب ما كان يكتبها إلى بعض الحكام يدعوهم فيها إلى الإسلام؛ ككتابه إلى قيصر (٢)، وإلى كسرى (٣)، وغيرهم (٤)، وأحيانًا كان يكتب كتابًا إلى أهل بلد يبيِّن لهم ما يجب عليهم مما يجب فعله ومما يجب تركه وفي ذلك عدة كتب (٥).

стр. 9464

قوله: (أَنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ (١)). ذكر ما يتعلق بدية النفس وهي مائة من الإبل، ونصَّ على الإبل؛ لأنها الأصل عند بعض العلماء (كالشافعية وهي قول الحنابلة)؛ إذ هي الأصل بالنسبة للتقويم الذي يُرجَع إليه، ولذلك نجد عمرَ ﵁ لما ارتفعت أثمان الإبل ردَّ الدراهم إليها (٢)، أي: أنه رفع دية الدراهم من عشرة إلى اثني عشر.

стр. 9465

قوله: (وَفِي الأَنْفِ إِذَا اسْتُوعِبَ جَدْعًا مِائَةً مِنَ الإِبِلِ (١)). أي: إذا قُطِع الأنف ففيه دية، ولو ذهب الشَّم منها ففيه دية أيضًا؛ قد جاء في كتاب ابن حزم نفسه: "فلو ذهب شمُّ الإنسان ففيه دية" (٢)،

стр. 9466

ولو قُطِع الأنف ففيه دية، ولو قطع الأذنين، (أي: أخذهما من الأصل أو اجتثهما) ففيهما دية، ولو ذهب السمع مع بقاء الأذنين ففيهما الدية، وهكذا الحال بالنسبة للعينين (١)، وسينبِّه المؤلف بأن كلَّ شيء في الإنسان شيء واحد فيه دية كاملة كالأنف، وما فيه شيئان ففيه نصف الدية في الواحد منه، وفي الاثنين الدية، وما فيه أربعة كما نرى في الأجفان ففيه ربع الدية، وإذا ذهبت كلها ففيها دية كاملة، وهو محل اتفاق بين العلماء كما سيأتي (٢).

стр. 9467

وسيعرض المؤلف لهذه الأشياء واحدة واحدة، وكذلك الشعر والهدب الذي يكون على حرف الجفن أو حرف العين (والذي يسمونه بالأجفار)، وهذا بلا شك يعطي جمالًا على العينين، ويحفظها من دخول الأتربة وغيره، وذلك إذا ذهب ذلك الشيء. لكن العلماء لا يحددون في الشعر شيئًا؛ إلا إذا تُؤُكِّد من عدم عودته، وكذلك لو أذهب إنسانٌ شعر رأس إنسانٍ، (أي: جعله أصلعًا) ففيه دية؛ لكن ينتظر فربما يعود، وكذلك شعر لحيته (١)، وهكذا الحال إن

стр. 9468

أذهب شيئًا هن الإنسان يؤثِّر على جماله، قال العلماء: لا يؤثر على الجمال ما كان غالبه يغني كأن تكون له أصبع زائدة فقطعها، أو يد زائدة فقطعها، ولم تؤثر عليه؛ فأكثر العلماء يقولون: لا دية عليه؛ لأن هذه زادته جمالًا ولم تنقصه كأن يوجد فيه مثلًا خُرّاج فقطعه أو شيء بارز فاجتثه فلا يأخذ كامل الدية عليه (١). هذا وقد جاء في الحديث نفسه ولم يذكر المؤلف الحديث كاملًا؛ بل ذكر بعض ما فيه وهو حديث طويل كما مرَّ. قوله: (وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ (٢)). مرَّت بنا المأمومة قبل قليل أن فيها (ثلث الدية)، فهي إذن محددة.

стр. 9469

قوله: (وَفِي الْجَائِفَةِ مِثْلُهَا (١)). وكذلك الجائفة مثلها، (أي: فيها ثلث الدية). قوله: (وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ، وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ، وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ). وفي العين خمسون؛ لأنهما اثنتان في البدن فإذا ذهبت واحدة ففيها نصف الدية، أما لو أذهبت الاثنتان، (أي: قُلِعتا) ففيهما دية كاملة، ولو

стр. 9470

ذهب بصره مع بقاء الصورة ففيه دية أيضًا (١). وفي اليد خمسون أيضًا؛ لأنهما يدان (٢). وكذلك الرِّجْل؛ خمسون (٣). أما الأصابع فلا تجمع بين اليدين

стр. 9471

والرجلبن ما دام كل يد فيها خمسون، فيكون في الإصبع خُمس دية هذه اليد. قوله: (وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَاكَ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ (١)).

стр. 9472

لأن اليدان فيهما عشرة أصابع، فإذا ضربت في عشرة أصبحت مائة إذن في أصابع اليدين مائة من الإبل، وفي أصابع الرجلين مثلها فهذا حكم عادل. قوله: (وَفِي السِّنِّ (١) وَالْمُوضِحَةِ خَمْسٌ).

стр. 9473

وفي السِّن والموضحة - التي مرت بنا - (خمس من الإبل)، ولكن خرج السِّن على القاعدة؛ لأنها لو أُخِذتْ واحدًا واحدًا كأصابع اليد؛ فإنها ستزيد بكثير عن الدية المحددة بمائة من الإبل. قوله: (وَكُلُّ هَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ). وكل هذا مجمعٌ عليه؛ لأنه جاء عن رسول الله ﷺ ، وما جاء عنه ﷺ يجب الأخذ به، ولا يجوز الخروج عنه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. قوله: (إِلَّا السِّنَّ وَالإِبْهَامَ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ). عدا السِّن؛ لأنه إذا تعدَّد لزاد عن الدية كما مر، فمن هنا وقع الخلاف، ولكن لا ينبغي أن يُختلف فيه؛ لأن الذي حكم بذلك هو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، فينبغي أن يُؤخذ حكمه مسلمًا حتى وإن زاد؛ كالأمر بالنسبة للأذنين مثلًا؛ إذ لو جاء إنسانٌ فقطع أذني إنسانٍ فإن فيهما الدية مع أن السمع موجود، ولو أذهب السمع دون الآلة نفسها ففيهما الدية مع بقاء صورة الأذنين؛ لأن "ذهاب المنفعة كذهاب العضو" فلو قطع لسان آخر ففيه دية أيضًا؛ لأنه لا يوجد منه إلا واحد، وكذلك الحال بالنسبة للذكر. فكل ما في الإنسان من شيء واحد تجب فيه الدية كاملة، ولو عطَّله عن أداء منفعته كانت فيه الدية أيضًا.

стр. 9474

قوله: (وَمِنْهَا مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ هَاهُنَا قِيَاسًا عَلَى مَا ذُكِرَ، فَنَقُولُ: إِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ فِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةَ كَامِلَةً (١)). من المعلوم أن للشفتين أثراً بالغاً؛ ففيهما حفظٌ لجمال الإنسان، فبهما يحاط الفم؛ فإذا تكلم الإنسان تحركت شفتاه، وللشفة السفلى منافع وللعليا كذلك، فلكل واحدة منهما منافع، وما خلق الله أيَّ شيء في هذا البدن إلا وله منافع واضحة، وهذا أمر لا يحتاج إلى بيان؛ فإذا تعطل لسان الإنسان تعطَّل كلامه، وإذا تعطَّل سمعه أصبح لا يدري ما يقال وفاتته أشياء كثيرة، وإذا ذهب بصره أصبح لا يدري أين يذهب واحتاج إلى قائد يقوده، وكذلك إذا تعطَّلت رجلاه فلن يستطيع المشي، وإذا ذهبت يداه أو شُلَّتا فلن يستطيع أن يبطش بها، ولا أن يعمل أو يحمل بها. وهذه الأعضاء التي خلقها الله في الإنسان تستحق من كل عبد من عباده أن يشكره عليها؛ فهو الذي خلق هذه الأعضاء

стр. 9475

وركبها على أحسن حال وأجمل صورة، فينبغي أن تُشكَر هذه النعم التي وهبنا الله إيَّاها إلى جانب أنه خلقنا من العدم، وأوجدنا ورعانا في بطون أمهاتنا، وسخَّر لنا أبوين يشفقان علينا إلى غير ذلك من الرعاية المستمرة حتى يشب الإنسان عن الطوق، ويحصف عقله ويصبح رجلًا سويًّا. والإنسان يدرك قيمة هذه الأشياء في حالتين: الأولى: حين يفقد شيئًا منها. الثانية: حين يرى إنسانًا قد حُرِم من هذه الصفات التي يتمتع بها. ففي تلك الحالتين يدرك الإنسان نعمة الله ومن هنا لا ينبغي أن تُستخدَم هذه الأعضاء التي خلقها الله وركبها في الإنسان إلا في طاعته فمثلًا لا يُنظَر إلى الحرام امتثالًا لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]. وقد قال الرسول ﷺ : "لا تتبعوا النظرة النظرة" (١)، وكذلك لا ينبغي للإنسان أن يستخدم يده إلا في طاعة الله، وكذلك لا ينبغي له أن يستخدم لسانه - الذي وهبه الله له - إلا في ذكر الله (٢)، وأن يكون دائمًا رطبًا بذكره، وألا يشتغل بالقيل والقال وبأذى المؤمنين، وفي التكلم في أعراضهم، وفي تتبع هفواتهم؛ فإن الذين يشغلون أنفسهم بأذى المؤمنين قد توعَّدهم الله بالعذاب الأليم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ [الأحزاب: ٥٨].

стр. 9476

ومن أراد التوسع في هذا الباب فليقرأ ما كتبه الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه العظيم "مدارج السالكين" (١) عندما تكلم عن هذه الحواس وفوائدها، ووقف عندها وحددها، وهو من العلماء الذين إذا كتبوا أجادوا، وإذا تكلموا أثروا، فلقد تحدَّث عن خصائص البدن وما فيه من الفضائل الكثير، وهذا أمر يشاهده كل إنسان ويراه رأي العين؛ فإذا مرض الإنسان منه عضو تداعى له سائل الجسد بالحمى والسهر (٢). قوله: (وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الدِّيَةِ (٣)، وَرُوِيَ عَنْ قَوْمٍ مِنَ التَّابِعِينَ أَنَّ فِي السُّفْلَى ثُلُثَيِ الدِّيَةِ (٤)؛ لِأَنَّهَا تَحْبِسُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ). كأنهم رأوا أن نفعها (أي: السفلي) أكبر، لكن في الحقيقة أن لكل واحدة منهما نصف الدية. قوله: (وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ حَرَكَتَهَا وَالْمَنْفَعَةَ بِهَا أَعْظَمُ مِنْ حَرَكَةِ الشَّفَةِ الْعُلْيَا، وَهُوَ مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ (٥)). "الزوج" هو كل شيء في بدن الإنسان فيه اثنان؛ ففيهما جميعًا دية، وفي كل واحد منهما نصف الدية، وهو أكثر ما في بدن الإنسان؛ إذ هناك

стр. 9477

العينان والأذنان واليدان والرجلان إلى غير ذلك، وهناك أشياء لا يوجد في البدن منها إلا شيء واحد فهذه فيها دية كاملة إذ ذهبت. قوله: (وَبِالْجُمْلَةِ فَجَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةُ الْفَتْوَى مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ فِي كُلِّ زَوْجٍ مِنَ الإِنْسَان الدِّيَةَ مَا خَلَا الْحَاجِبَيْنِ (١)، وَثَدْيَي الرَّجُلِ (٢)). وهذه تصح أن تكون قاعدة فقهية، وهي "أن كل شيء في بدن الإنسان فيه اثنان ففيه دية، وفي الواحد منها نصف دية، وكل ما في الإنسان منه شيء واحد ففيه دية كاملة كثدي الرجل لكن تختلف المرأة ففيها دية كاملة. قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الأُذُنَيْنِ مَتَى تَكُونُ فِيهِمَا الدِّيَةُ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٤)، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ (٥): "إِذَا اصْطُلِمَتَا كَانَ فِيهِمَا الدِّيَةُ").

стр. 9478

وتبعهم الإمام أحمد (١)، ومعنى "اصطلمت" (٢)، أي: استؤصلتا، أي: قُطعتا، واستأصلهما، أي: قطعهما فكان فيهما الدِّية. قوله: (وَلَمْ يَشْتَرِطُوا إِذْهَابَ السَّمْعِ). وهنا أمران بالنسبة للأذنين: فلو أن إنسانًا قطع أذني إنسان من أصلهما ففيهما دية حتى وإن بقي السمع، وسيأتي ما أُثِر عن عثمان في ذلك. أما لو أذهب السمع مع بقاء الأذنين ففيه الدية كذلك، وفي الحالة الأُخرى إذ أذهب السمع وهو شيء واحد في البدن ففيه دية أيضًا؛ لأنه عطل المنفعة فلما عطل المنفعة وجب عليه دية تلك المنفعة، وهو شيء واحد في البدن، وإن كان له مصدران لكنه زال فوجب فيه الدية. قوله: (بَلْ جَعَلُوا فِي ذَهَابِ السَّمْعِ الدِّيَةَ مُفْرَدَةً). ذهب الأئمة الثلاثة (٣) إلى أنه لو استُؤصل الأذنان قطعًا ففيهما الدية،

стр. 9479

ولو أذهب سمعهما ففيهما أيضًا الدية، وهي رواية للإمام مالك (١)، وله رواية أُخرى (٢) يشترط فيها مع ذلك ذهاب السَّمع. قوله: (وَأَمَّا مَالِكٌ (٣) فَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا تجِبُ فِي الأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ إِلَّا إِذَا ذَهَبَ سَمْعُهُمَا). إذ أنه راعى فيهما مكان السمع، والسمع موجود، فكيف تجب فيهما الدية؟ والراجح وجوبها. قوله: (فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ فَفِيهِ حُكُومَةٌ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ (٤) أَنَّهُ قَضَى فِي الأُذُنَيْنِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ). ذكر ذلك ابن المنذر، وقال: "هذا ضعيف ولم يثبت ذلك عن أبي بكر". وقد يسأل سائل فيقول ما حجة الذين قالوا بأنَّ قطع الأذنين يوجب الدية؟ الجواب: أن الخليفتين الراشدين (عمر وعليًّا) ﵄، قد قضيا بذلك،

стр. 9480

وقد صحَّ ذلك عنهما (١). فكيف نوازن بين قول الصاحبي، وفتوى الصحابي؟ الجواب: قد صح هذا ولم يصح الآخر، وما قد صح أخذ به الجمهور، وهو الأقوى في هذه المسألة. قوله: (وَقَالَ: "إِنَّهُمَا لَا يَضُرَّان السَّمْعَ، وَيَسْتُرُهُمَا الشَّعْرُ أَوِ الْعِمَامَةُ"). هذا تعليل لدية قطع الأذنين؛ وتغطَّى الأذن إذا قُلِعت، وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يغطيها في كل حال؛ فليغطِّها إذن بعمامة كبيرة فترة وجيزة فقط ثم يخلع ذلك الشيء. قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ (٢)، وَعَلِيٍّ (٣)، وَزَيْدٍ (٤) أَنَّهُمْ قَضَوْا فِي الأُذُنِ إِذَا اصْطُلِمَتْ نِصْفَ الدِّيَةِ). ففي الأذن نصف الدية وفي الأذنين الدية كاملة، وهذا عن ثلاثة من الصحابة، وهؤلاء الصحابة الثلاثة كلهم ممن اشتهر بالفقه (فعمر فقيه، وعلي قال فيه الرسول: "أقضاكم عليّ"، وزيد بن ثابت، اشتهر بالفقه وبجانب خاص منه وهو الفرائض (٥).

стр. 9481

قوله: (وَأَمَّا الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَلَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ أَنَّ فِي ذَهَابِ السَّمْعِ الدِّيَةَ (١)). فذهاب السمع فيه دية. قوله: (وَأَمَّا الْحَاجِبَانِ فَفِيهِمَا عِنْدَ مَالِكٍ (٢)، وَالشَّافِعِيِّ (٣) حُكُومَةٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٤): "فِيهِمَا الدِّيَةُ"). ذهب مالك والشافعي إلى أن فيها حكومة، وليس دية؛ إذ رأوا بأن ذلك أخفُّ. وقال أبو حنيفة وأحمد (٥): "فيهما الدية"؛ لأن القاعدة تقول: "كل شيء في الإنسان منه اثنان إذا ذهبا ففيهما دية". والأقرب إلى الأصل الذي قعده الفقهاء هو (الرأي الثاني) الذي أخذ به أبو حنيفة وأحمد؛ لما ذهبوا إليه من القاعدة السابقة.

стр. 9482

قوله: (وَكَذَلِكَ فِي أَشْفَارِ الْعَيْنِ (١)). - "أشفار العين" (٢): هو الشعر الذي ينبت في حرف العين أو في طرف الجفن، ويسمى: أشفارًا. وعند بعض العلماء: في كل واحد منهما ربع الدية، وإذا اجتمعت كلها فالدية كاملة. قوله: (وَلَيْسَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ إِلَّا حُكُومَةٌ (٣)). أما أكثر العلماء فقالوا: فيها دية وفي الواحد منها ربع الدية (٤). قوله: (وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: "فِي كُلِّ اثْنَيْنِ مِنَ الإِنْسَانِ الدِّيَةُ" (٥)).

стр. 9483

لأنها إذا ذهبت ذهب معها الشعر، والشعر - كرأي بعض العلماء - فيه الدية أيضًا (١). فهذا هو الأصل الذي بنا عليه العلماء قولهم: "بأن كل شيء فيه اثنان ففيه الدية؛ فإذا كانت أربعًا كانت فيه الدية. قوله: (وَتَشْبِيهُهُمَا بِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الأَعْضَاءِ الْمُتَنَّاةِ. وَعُمْدَةُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا مَجَالَ فِيهِ لِلْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا طَرِيقُهُ التَّوْقِيفُ. فَمَا لَمْ يَثْبُتْ مِنْ قِبَلِ السَّمَاعِ فِيهِ دِيَةٌ؛ فَالأَصْلُ أَنَّ فِيهِ حُكُومَةً، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَوَاجِبَ لَيْسَتْ أَعْضَاءً لَهَا مَنْفَعَةٌ). كل ما مرَّ لم يرد فيه دليل، فالهاشمة فيها قول لصحابي، وهو زيد بن ثابت، ومع ذلك أخذ به العلماء، وكذلك قول عبد الله بن مسعود الذي مرَّ قد أخذ به بعض الفقهاء. قوله: (وَلَا فِعْلٌ بَيِّنٌ، أَعْنِي: ضَرُورِيًّا فِي الْخِلْقَةِ). من المعلوم أنها لو ذهبت لظهرت فائدتها فما خلق الله شيئًا في البدن إلا وله منفعة. قوله: (وَأَمَّا الْأَجْفَانُ فَقِيلَ: فِي كُلِّ جَفْنٍ مِنْهَا رُبُعُ الدِّيَةِ). "الأجفان" (٢): هي التي تحيط بالعينين جفن بالأعلى وجفن بالأسفل،

стр. 9484

وفي كل عين جفنان فمجموعها أربعة، فإذا تعدَّى أحدٌ على إنسان وقطع أجفانه ففيها: دية كاملة، وإن قطع اثنان منها ففيهما: نصف الدية، وكذلك الحال بالنسبة للأهداب التي ينبت عليها الشعر، وهناك أيضًا من العلماء من يرى: أن في إزالة شعر الرأس (دية كاملة) إذا لم ينبت بعد ذلك، أي: صار الإنسان أصلعَ بعد التعدي عليه، وكذلك شعر اللحية (١)، وشعر الحاجبين (٢)، وإن كان في بعض ذلك خلاف، ولم يعرض له المؤلف.

стр. 9485

قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْكُوفِيُّ). وتبعهما أحمد أيضًا. قوله: (لِأَنَّهُ لَا بَقَاءَ لِلْعَيْنِ دُونَ الأَجْفَانِ. وَفِي الْجَفْنَيْنِ الأَسْفَلَيْنِ عِنْدَ غَيْرِهِمَا الثُّلُثُ، وَفِي الأَعْلَيَيْنِ الثُّلُثَانِ (١)). اجتهد العلماء في هذه القضية بأن يكون بعض الأعضاء أكثر من بعض، وقد مرَّ كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن، وهو كتاب صحيح تلقاه العلماء بالقبول، وعملوا به جيلًا بعد جيل، وقد حفظ لنا كثيرًا من المسائل المتعلقة بالدِّيات. وهناك أحاديث أُخرى يتعلق بعضها بالديات، فينبغي أن يُوقف فيما ورد فيه النص، ومع ذلك فقد اجتهد بعض العلماء في الأسنان، فإذا جمعت الأسنان مع الأضراس بلغت اثنين وثلاثين، وإذا ضربتها بخمسة صارت "مائة وستين" فتزيد بذلك على الدية، ولذلك اجتهد بعض العلماء فيها (٢)، ولكن الرسول ﷺ نصَّ على أنَّ في كل سنٍّ خمسًا من الإبل، وكذلك الأصابع سواء أصابع اليدين أو الرجلين غير متساوية، وتختلف في منافعها ومع ذلك بيَّن الرسول ﷺ بأن في كل إصبع خمس من الإبل، أي: إذا ضُربت بعشرة صار في كل إصبع عشر من الإبل فصارت مائة، ولكن العلماء يقسمون أصابع اليدين إلى ثلاثة مفاصل فيقولون: في كل مفصل ثلث الدية عدا الإبهام ففيه مفصلان فقط ففي كل مفصل منه نصف الدية. فقد دقق العلماء في ذلك وفصلوا، ولكن المؤلف أخذ المسائل المجملة الكبرى فقط.

стр. 9486

قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ أُصِيبَ مِنْ أَطْرَافِهِ أَكثَرُ مِنْ دِيَتِهِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، مِثْلَ أَنْ تُصَابَ عَيْنَاهُ وَأَنْفُهُ فَلَهُ دِيَتَانِ (١)). أي: لو أن إنسانًا تعدى على إنسان فخلع عينيه ففهما الدية، وكذلك يديه أو ورجليه ففهما الدية، فهذا لا يقيد بأن يقال: لا يزيد عن الدية، ولكن لو أُزهِقَتْ نفس الإنسان خطأ فليس فيها إلا الدية. قوله: (وَأَمَّا الأُنْثَيَانِ فَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ فِيهِمَا الدِّيَةَ وَقَالَ جَمِيعُهُمْ: "إِنَّ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الدِّيَةِ" (٢)). يقصد بـ "الأنثيان": الخصيتان، وجاء تسميتهما أيضًا في كتاب عمرو بن حزم "بالبيضتين"؛ لأنهما يشتملان على ذلك، وقد نص

стр. 9487

رسول الله ﷺ عليهما بقوله: "وفي البيضتين الدية" (١)، ففي كل واحدة منهما نصف الدية ولم يفرق الرسول ﷺ بينهما فلم يقل مثلًا: في هذه الثلثان، وفي الأُخرى الثلث، أو في هذه أكثر أو أقل، ونحن نقف على ما ورد عن رسول الله ﷺ ، وقد مرَّ ذكر الأنثيين في الوضوء في قوله: "يغسل ذكره وأنثييه" (٢)، وفي بعضها: "من المني"، وفي بعضها: "يغسل ذكره ويتوضأ" (٣). فالأنثيان: جمع أنثى، ولا شك أن فيهما نفعًا، وهما - كما هو معلوم - وسيلة التناسل، وهذا مما أمر الدين الحنيف بحفظه والمحافظة عليه. إذن في كلِّ واحدة منهما نصف الدية؛ لأنهما اثنتان في بدن الرجل، ولا فرق في هذه الأعضاء بين أن يكون كبيرًا أو صغيرًا، ولا بين أن يكون عاقلًا أو مجنونًا فإذا تُعدِّي عليه فلا فرق فيه فيما يتعلق بهذا الحكم، لكن يختلف العلماء فيما لو كان صغيرًا لا يتكلم ثم قُطِع لسانه فهل فيه دية كاملة؟ الجواب: قال أكثر العلماء (٤): بأن فيه الدية كاملة، وخالف الحنفية

стр. 9488

في ذلك (١)؛ إذًا هناك مسائل كثيرة وفروع لم يعرض لها المؤلف. وأجمعوا على ذلك؛ لأنه مستند إلى نص، وهو ما جاء في كتاب عمرو بن حزم "في الأنثيين أو في البيضتين الدية"، فالإجماع مستند إلى دليل؛ إذًا في هذه المسألة "حديث وإجماع" (٢). قوله: (إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: "فِي الْبَيْضَةِ الْيُسْرَى ثُلُثَا الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ مِنْهَا، وَفِي الْيُمْنَى ثُلُثُ الدِّيَةِ" (٣)).

стр. 9489

هذا اجتهاد منه ﵀ بذكره لهذه العلَّة، وهذه أمور يعرفها الأطباء (١) وإن سلَّمنا بذلك فهذا لا دليل عليه؛ لأن الأصابع مثلًا غير متساوية في نفعها؛ فمنها ما يحتاج إليه الإنسان كثيرًا، ومنها ما يحتاج إليه قليلًا، ومنها ما لو زال أثَّر كثيرًا، وبعضها يكون أثرُه أقلَّ، ولذلك روي عن عمر ﵁ أنه اجتهد في وضع ديتها، فلما بلغه كتاب عمرو بن حزم رجع إليه، كما سيأتي ويشير المؤلف إلى ذلك ونعلِّق عليه (٢). أما تفريق سعيد بن المسيب بينهما بأن جعل في اليسرى الثلثين، وفي الأُخرى الثلث، وعلَّل ذلك؛ بأن هذه مكان النسل أو التناسل، لكننا نقول: بأن الحديث لم يفرِّق بينهما حيث قال: "وفي البيضتين الدية"، والأمر الآخر: أن هذه التفرقة مردودة بأشياء كثيرة (٣)؛ فهل فائدة الأجفان التي على العينين متساوية؟ وهل فائدة الشفتين متساوية؟ الجواب: لا. وكذلك أيضًا الأصابع تختلف منافعها، وما جاء عن رسول الله ﷺ ينبغي أن يوقف عنده. وهذا القول مردود بأشياء أُخرى اختلفت منافعها زيادة ونقصًا، ومع ذلك أجمع العلماء على أنها متساوية بالنسبة للدية. قوله: (فَهَذِهِ مَسَائِلُ الأَعْضَاءِ الْمُزْدَوِجَةِ). لم يستقصر المؤلف ﵀ مسائل الباب؛ فلم يذكر الأليتين، وقد تكلم عنهما العلماء وقالوا: "فيهما الدية" (٤)، وكذلك بالنسبة للّحيين الذين

стр. 9490

هما مكان منبت الأسنان السفلى (١)، وفتحتي الأنف، إلى غير ذلك من أشياء أُخرى كثيرة.
следующие страницы →