← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 9486–9525 · переход к 9491.

стр. 9486

قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ أُصِيبَ مِنْ أَطْرَافِهِ أَكثَرُ مِنْ دِيَتِهِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، مِثْلَ أَنْ تُصَابَ عَيْنَاهُ وَأَنْفُهُ فَلَهُ دِيَتَانِ (١)). أي: لو أن إنسانًا تعدى على إنسان فخلع عينيه ففهما الدية، وكذلك يديه أو ورجليه ففهما الدية، فهذا لا يقيد بأن يقال: لا يزيد عن الدية، ولكن لو أُزهِقَتْ نفس الإنسان خطأ فليس فيها إلا الدية. قوله: (وَأَمَّا الأُنْثَيَانِ فَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ فِيهِمَا الدِّيَةَ وَقَالَ جَمِيعُهُمْ: "إِنَّ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الدِّيَةِ" (٢)). يقصد بـ "الأنثيان": الخصيتان، وجاء تسميتهما أيضًا في كتاب عمرو بن حزم "بالبيضتين"؛ لأنهما يشتملان على ذلك، وقد نص

стр. 9487

رسول الله ﷺ عليهما بقوله: "وفي البيضتين الدية" (١)، ففي كل واحدة منهما نصف الدية ولم يفرق الرسول ﷺ بينهما فلم يقل مثلًا: في هذه الثلثان، وفي الأُخرى الثلث، أو في هذه أكثر أو أقل، ونحن نقف على ما ورد عن رسول الله ﷺ ، وقد مرَّ ذكر الأنثيين في الوضوء في قوله: "يغسل ذكره وأنثييه" (٢)، وفي بعضها: "من المني"، وفي بعضها: "يغسل ذكره ويتوضأ" (٣). فالأنثيان: جمع أنثى، ولا شك أن فيهما نفعًا، وهما - كما هو معلوم - وسيلة التناسل، وهذا مما أمر الدين الحنيف بحفظه والمحافظة عليه. إذن في كلِّ واحدة منهما نصف الدية؛ لأنهما اثنتان في بدن الرجل، ولا فرق في هذه الأعضاء بين أن يكون كبيرًا أو صغيرًا، ولا بين أن يكون عاقلًا أو مجنونًا فإذا تُعدِّي عليه فلا فرق فيه فيما يتعلق بهذا الحكم، لكن يختلف العلماء فيما لو كان صغيرًا لا يتكلم ثم قُطِع لسانه فهل فيه دية كاملة؟ الجواب: قال أكثر العلماء (٤): بأن فيه الدية كاملة، وخالف الحنفية

стр. 9488

في ذلك (١)؛ إذًا هناك مسائل كثيرة وفروع لم يعرض لها المؤلف. وأجمعوا على ذلك؛ لأنه مستند إلى نص، وهو ما جاء في كتاب عمرو بن حزم "في الأنثيين أو في البيضتين الدية"، فالإجماع مستند إلى دليل؛ إذًا في هذه المسألة "حديث وإجماع" (٢). قوله: (إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: "فِي الْبَيْضَةِ الْيُسْرَى ثُلُثَا الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ مِنْهَا، وَفِي الْيُمْنَى ثُلُثُ الدِّيَةِ" (٣)).

стр. 9489

هذا اجتهاد منه ﵀ بذكره لهذه العلَّة، وهذه أمور يعرفها الأطباء (١) وإن سلَّمنا بذلك فهذا لا دليل عليه؛ لأن الأصابع مثلًا غير متساوية في نفعها؛ فمنها ما يحتاج إليه الإنسان كثيرًا، ومنها ما يحتاج إليه قليلًا، ومنها ما لو زال أثَّر كثيرًا، وبعضها يكون أثرُه أقلَّ، ولذلك روي عن عمر ﵁ أنه اجتهد في وضع ديتها، فلما بلغه كتاب عمرو بن حزم رجع إليه، كما سيأتي ويشير المؤلف إلى ذلك ونعلِّق عليه (٢). أما تفريق سعيد بن المسيب بينهما بأن جعل في اليسرى الثلثين، وفي الأُخرى الثلث، وعلَّل ذلك؛ بأن هذه مكان النسل أو التناسل، لكننا نقول: بأن الحديث لم يفرِّق بينهما حيث قال: "وفي البيضتين الدية"، والأمر الآخر: أن هذه التفرقة مردودة بأشياء كثيرة (٣)؛ فهل فائدة الأجفان التي على العينين متساوية؟ وهل فائدة الشفتين متساوية؟ الجواب: لا. وكذلك أيضًا الأصابع تختلف منافعها، وما جاء عن رسول الله ﷺ ينبغي أن يوقف عنده. وهذا القول مردود بأشياء أُخرى اختلفت منافعها زيادة ونقصًا، ومع ذلك أجمع العلماء على أنها متساوية بالنسبة للدية. قوله: (فَهَذِهِ مَسَائِلُ الأَعْضَاءِ الْمُزْدَوِجَةِ). لم يستقصر المؤلف ﵀ مسائل الباب؛ فلم يذكر الأليتين، وقد تكلم عنهما العلماء وقالوا: "فيهما الدية" (٤)، وكذلك بالنسبة للّحيين الذين

стр. 9490

هما مكان منبت الأسنان السفلى (١)، وفتحتي الأنف، إلى غير ذلك من أشياء أُخرى كثيرة.

стр. 9491

أما الثديان، فيختلفان بين الرجل والمرأة؛ فلو قُطع ثدي المرأة ففيهما الدية، وفي إحداهما نصف الدية بلا خلاف بين العلماء (١)؛ أما ما يتعلق بالرجل ففي ذلك خلاف هل فيهما دية؟ أم حكومة؟ الجواب: يرى أكثر العلماء أن فيهما حكومة. ويرى الحنابلة أن فيهما الدية (٢). وسبب الخلاف: أن نفعهما ليس كنفع ثدي المرأة؛ إذ فيهما الرضاع، إلى غير ذلك مما يتعلق بجمال المرأة وغيره. قوله: (وَأَمَّا الْمُفْرَدَةُ فَإِنَّ جُمْهُورَهُمْ عَلَى أَنَّ فِي اللِّسَان خَطَأً الدِّيَةَ (٣)).

стр. 9492

اللسان نعمة عظيمة من نعم الله تعالى ؛ ولذلك قالوا: جمال الرجل باللسان (١)، والمرء بأصغريه قلبه ولسانه (٢). ولسانك حصانك إن صنته صانك، وإن أهنته أهانك. وهذا اللسان به تتم العبادة، فكلنا بحاجة إلى أن نقرأ في الصلاة وأن نسبح الله تعالى، وأن نكبره وأن نحمده، وبه نقرأ القرآن في الصلاة وفي غيرها، وبه يصل الإنسان إلى مراده ويبلغ حقه، ويدافع عن نفسه ويرد به الظلم، وبه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويعلِّم الناسَ وغير ذلك، ففوائده عظيمة جدًّا يصعب حصرها؛ ولذلك يقول الله على لسان نبيه موسى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤)﴾ [القصص: ٣٤]. فاللسان إذن وسيلة للتبليغ؛ ولذلك كان رسول الله ﷺ أفصح الناس

стр. 9493

لسانًا، وأبلغهم بيانًا، وأوتي ﷺ جوامع الكلم (١)، وكلما وُفِّق الإنسان إلى فصاحة اللسان وقدرة التأثير، كان تأثيره في الناس أعظم وأكبر. ونفع هذا اللسان لا يقتصر فقط على الكلام، بل هو جمال للفم أيضًا، وبه نعمة التذوق ويُحتاج إليه فيما يتعلق بالطعام وتنظيف الفم إلى غير ذلك مما لا حصر له. وعلى ذلك؛ فلو أن إنسانًا قطع لسان إنسانٍ آخر؛ ففيه الدية، ولو قطع جزءًا منه ففيه حكومة إلا أن يذهب الكلام؛ فإن ذهب كلام الإنسان بأن تسبب في ذلك شخص ففيه دية؛ لأن الكلام فيه دية، ولو قطع لسانه ففيه دية أيضًا، ومن العلماء من قال: " الديتان تجتمعان " (٢). * قوله: (وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَذَلِكَ إِذَا قُطِعَ كُلُّهُ أَوْ قُطِعَ مِنْهُ مَا يَمْنَعُ الْكَلَامَ). قيَّد المؤلف القطع بالخطإِ، وسيشير بعد قليل إلى ما يتعلق بالعمد، وذلك لو أن إنسانًا تعدَّى على آخر فقطع لسانه فهل يقطع لسانه؟ سيأتي الكلام عنه ولكنه قال: " ورد ذلك في كتاب عمرو بن حزم وفيه قول الرسول ﷺ : " وفي اللسان الدية " (٣)، وقيمة الإنسان بلسانه؛ فإذا توقف

стр. 9494

لسان الإنسان أصبح كالبهيمة لا يتكلم؛ لذا فهو نعمة عظيمة يجب على كل مسلم أن يشكر الله عليها، وفي بدن الإنسان أسرار كثيرة مما تفضل الله به علينا لا يعلمها إلا هو. فإذا قُطِع جميع اللسان؛ ففيه الدية، ولو قطع بعضه فمنع الكلام، ففيه الدية لكن لو قُطع بعضه وبقي الكلام، ففيه حكومة، وقد تكلم العلماء عن مسائل لم يعرض لها المؤلف، وهي: إذا قطع شيء من اللسان فأدَّى ذلك إلى أن يتتعتع في كلامه بعد أن كان فصيحًا؛ فهذا لا يصل إلى حدِّ الدية، وإنما فيه حكومة (١). * قوله: (فَإِنْ لَمْ يُقْطَعْ مِنْهُ مَا مَنَعَ الْكَلَامَ فَفِيهِ حُكُومَةٌ (٢).

стр. 9495

وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِصَاصِ فِيهِ عَمْدًا، فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَ فِيهِ قِصَاصًا، وَأَوْجَبَ الدِّيَةَ، وَهُمْ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَالْكُوفِيُّ (٣)). يعبر بـ " الكوفي " عن أبي حنيفة في هذا المقام؛ لأنه ينقل نصًّا في الغالب عن كتاب " الاستذكار ". * قوله: (لَكِنَّ الشَّافِعِيَّ يَرَى الدِّيَةَ فِي مَالِ الْجَانِي (٤)، وَالْكُوفِيُّ (٥)

стр. 9496

وَمَالِكٌ (١) عَلَى الْعَاقِلَةِ). وهذا يعني أنه إذا قطع لسان إنسان عمدًا فليس فيه القصاص، ولكن على من تكون الدية؟ الجواب: ذهب الشافعي إلى أن الدية تكون على الجاني، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها تكون على العاقلة. * قوله: (وَقَالَ اللَّيْثُ وَغَيْرُهُ: " فِي اللِّسَانِ عَمْدًا الْقِصَاصُ " (٢)). وهذا هو مذهب الإمام أحمد أيضًا (٣)؛ لأن هذا قد تعدَّى على عضو من أعضاء الإنسان عمدًا وظلمًا؛ فيقتص منه إلا أن يعفوَ فيطلب الدية فله ذلك. * قوله: (وَأَمَّا الأَنْفُ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا أُوعِبَ جَدْعًا عَلَى أَنَّ فِيهِ الدِّيَةَ عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ (٤)). الأنف فيه المارن، و" المارن " (٥): موضع جمال الإنسان، وقد جاء النصُّ على أن " فيه الدية "، وفي لفظ آخر: " وفي الأنف إذا استوعب - أو - أوعب جدعًا الدية " (٦)، والأنف كاللسان يرتبط به أمران، الأنف نفسه (الآلة)، وحاسة الشم فيه. فحاسة الشَّم إنما تكون عن طريق الأنف

стр. 9497

كما أن الأذن هي آلة حاسة السمع، واللسان آلة حاسة الذوق؛ ولذلك لو اعتدى إنسان على لسان آخر فأذهب ذوقه؛ قال بعض العلماء: " فيه دية ". وهناك كلام في اللسان والذوق فيقول بعضهم: " لو أذهب كلامه وذوقه ففيه الدية ". وبعضهم يقول: " إذهاب الكلام في دية والذوق فيه حكومة ". أما الأنف فالنص الوارد أنه إذا قطع إنسان أنفَ آخر (أي: جدعه) ففيه الدية. واختلف العلماء لو أخذ أحد المنخرين؛ فقال بعضهم (١): " في كل واحد نصف الدية ". وقال بعضهم (٢): " في كل واحد ثلث الدية، والفاصل بينهما فيه ثلث الدية ".

стр. 9498

وقال بعضهم (١): " في كل منخر نصف الدية، والحاجز بينهما فيه حكومة ". فلو أنه اعتدى على أنف إنسان فأذهبه ففيه الدية؛ لأنه جاء في كتاب عمرو بن حزم؛ وفي المشام الدية " (٢). والمراد بها: الشم. أي: لو أن إنسانًا عطَّل آلة الشم عند إنسان فيجب فيها الدية؛ لأن آلة الشم واحدة، وآلة السمع واحدة فلو أخذ إحدى الأذنين، أو إحدى العنين، ففيها نصف الدية؛ لكن لو أذهب البصر، أو السمع، أو أذهب الكلام، أو كذلك الشم ففي كل واحد من ذلك الدية. وهكذا نرى كيف حافظ الإسلام على المسلم! وكيف صان المسلمَ! وكيف منع التعدي عليه! إذ إنه حافظ على كل عضو من أعضائه، وهذا يدلُّ على كمال هذه الشريعة وسموها وشمولها، وأنها رفعت كل ما فيه الضرر عن الإنسان؛ إذ وضعت زواجرَ وحدودًا للمعتدين، فالوسائل والحدود والزواجر والروادع تمنع المعتدين عن التعدي، فإن حصل فإن الجزاء من جنس العمل. * قوله: (وَسَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ ذَهَبَ الشَّمُّ أَوْ لَمْ يَذْهَبْ. وَعِنْدَهُ أَنَّهُ إِذَا ذَهَبَ أَحَدُهُمَا فَفِيهِ الدِّيَةُ). لقد خالف الإمام مالكٌ الجمهورَ فيما يتعلق بالسمع؛ فالإمام مالك لا يجعل كل واحد منهما مستقلًّا، أي: يجمع بينهما في المشهور عنه، وله رواية أُخرى يوافق فيه الأئمة الثلاثة؛ فلو أن إنسانًا قطع أذن إنسان ففيهما الدية، ولو أذهب السمع ففيه الدية، إذ يراهما شيئًا واحدًا في الرواية المشهورة عنه (٣)، ووافق الأئمةَ الثلاثة فيما يتعلق بالأنف.

стр. 9499

* قوله: (وَفِي ذَهَابِ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الآخَرِ الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ). هذا عند الأئمة كلهم، ولم يخالف منهم أحد حتى الإمام مالك قد انضمَّ إلى الأئمة فصار الأئمة الأربعة متَّفقين في ذلك. * قوله: (وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ فِي الذَّكَرِ الصَّحِيحِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الْوَطْءُ الدِّيَةُ كَامِلَةً (١)). قيَّد الذَّكر بأن يكون صحيحًا؛ فيخرج ذكر " العنين " (٢). وبقوله: " الصحيح "، أي: السالم من العيوب؛ فيخرج المجبوب (٣)، أو العنين، أو الخصيّ (٤)، وأشلّ الذكر أيضًا، وهذا - كما هو معلوم - هو الوسيلة إلى الإنجاب، فلو قطع ذكر إنسان ففيه الدية؛ وقد جاء النص على ذلك في كتاب عمرو بن حزم: " وفي الذكر الدية " (٥). لكن حدَّ العلماء الدية

стр. 9500

بالحشفة (١)، فلا فرق بين أن تقطع كاملًا، أو تقطع الحشفة ففي ذلك الدية كاملة (٢)؛ لأن الأمر متعلق بذهاب المنفعة؛ فإذا ذهبت المنفعة وجبت الدية، ويختلف الحكم إذا ذهبت بعض المنفعة. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي ذَكرِ الْعِنِّينِ وَالْخَصِيِّ (٣)). واختلفوا أيضًا في اليد الشلاء، وكذلك في اليد الموجودة صورة لكنها معطلة لا يستفيد منها؛ فهل هذه كاليد الصحيحة؟ وأيضًا الخصي والعنين هل يكون كغيره؟

стр. 9501

الجواب: يرى بعضهم أن ذكر العنين كغيره؛ لأنه ربما تزول عنه علَّتُه؛ لذلك يؤجل الفقهاء العنين وقتًا محدَّدًا كما حصل مع عمر ﵁ إذ " أنه أجَّله حتى مرت به فصول السنة " (١). فليس هذا متفقًا عليه بأن ذكر العنين ليس فيه دية؛ لكن أكثر العلماء يقولون: " ليس كذكر الصحيح ". ومن العلماء من يقول: " فيه حكومة ". ومنهم من يقول: " في هذه الأشياء الناقصة ثلث الدية ". * قوله: (كمَا اخْتَلَفُوا فِي لِسَانِ الأَخْرَسِ وَفِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ). " الأخرس " (٢): وهو الذي لا يتكلم، فهل الدية واجبة فيه كالحال بالنسبة للسليم؟ الجواب: للّسان منفعتان من حيث الجملة؛ الأُولى: هو جمال للإنسان، والأُخرى: هو النفع الذي يتكرر بالكلام، فالأخرس لا يستفيد من لسانه في هذه الناحية لبكمه، وهو موضع جماله أيضًا، ويستفيد منه فيما يتعلق بطعامه وتذوقه؛ فالفائدة موجودة لكنها ليست كفائدة اللسان الصحيح، وسيأتي تفصيل حكمه. * قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ فِيهَا الدِّيَةَ (٣)، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ فِيهَا حُكُومَةً (٤)، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: " فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ ثُلُثُ

стр. 9502

الدِّيَةِ " (١). وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ فِيهِ حُكُومَةً). " ثلث الدية " رواية للإمام أحمد (٢)، وله رواية أُخرى مع الأئمة الثلاثة (أبي حنيفة ومالك والشافعي) أن فيه حكومة. * قوله: (وَأَقَلُّ مَا تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ عِنْدَ مَالِكِ قَطْعُ الْحَشَفَةِ ثُمَّ فِي بَاقِي الذَّكَرِ حُكُومَةٌ). ليس هذا عند (مالك) وحده، بل عند عامة العلماء، أي: أن قطع الحشفة يزيل المنفعة؛ فلو قطعت الحشفة أو قُطع كاملًا كان فيه الدية. * قوله: (وَأَمَّا عَيْنُ الأَعْوَرِ فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ قَوْلَانِ). هذه مسألة أفتى فيها عدد من الصحابة - كما سيأتي - ومن هنا وقع الخلاف؛ إذ قد جاء في حديث عمرو بن حزم " وفي العينين الدية ". وجاء في حديث آخر: " في العين خمسون من الإبل ". فالأول بيَّن أن في العينين الدية، والثاني بيَّن أن في العين خمسين من الإبل أي: نصف الدية؛ أما الإنسان الذي ليس له إلا عين واحدة فهل تكون بمثابة العينين؟ أم تكون

стр. 9503

عينًا واحدة؟ وهذا يظهر لو تعدَّى صاحب العين الواحدة على إنسان صحيح العينين، وهذه قضية لم يعرض لها المؤلف، وهي هل العين التي فقعها من عين الصحيح تقابل عين يمين بيمين، وشمال بشمال، أم تختلف في الحكم؟ الجواب: يختلف الحكم بين أن يكون متعديًا أو غير متعدٍّ (١)، وسيأتي التفصيل.

стр. 9504

* قوله: (أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِيهِ الدِّيَةَ كَامِلَةً، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ (١) وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (٢)). وإليه ذهب أحمد أيضًا (٣). أن فيها الدية. وذهب الإمامان أبو حنيفة والشافعي إلى نصف الدية، وحجتهم: على أن الأصل في العينين: الدية؛ وهذه عين واحدة ففيها النصف، وقد ورد في الحديث الآخر: " وفي العين خمسون من الإبل " (٤). فوقفا عند الأصل.

стр. 9505

وقال الآخرون: " هي عين واحدة فهي بمثابة العينين عند الآخر ". فينتفع بهما، ويعمل ويقرأ ويكتب ويؤدي كلَّ ما يؤديه صاحب العينين؛ فتعتبر نظرًا كاملًا في حقِّه ففيها الدية كاملة. * قوله: (وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ (١)، وَقَضَى بِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (٢)). قضى بذلك حقيقة عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر (٣)، فكل هؤلاء الصحابة قد قضوا بذلك، أي: أن عين الأعور إذا فقعت فيها دية كاملة، وهؤلاء ثلاثة من الخلفاء الراشدين (عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعليّ بن أبي طالب)، وعبد الله بن عمر أيضًا، وهذا مما جعل الإمامين (مالكًا وأحمد) يقولان بوجوب الدية كاملة. * قوله: (وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ (٤)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٥)،

стр. 9506

وَأَبُو حَنِيفَةَ (١)، وَالثَّوْرِيُّ (٢): " فِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ كَمَا فِي عَيْنِ الصَّحِيحِ "، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ (٣)). فيها نصف الدية؛ لأن الرسول ﷺ قال: " في العينين الدية " (٤). وهذا قول عام يعمُّ الأعور والصحيح. ومفهومه: أن في العين الواحدة نصف الدية، وجاء في الحديث الآخر - كما مرَّ - في غير كتاب ابن حزم وهو حديث صحيح: " وفي العين خمسون من الإبل " (٥). أي: الدية الكاملة في العينين مائة من الإبل، وفي العين خمسون؛ إذن هي نصف الدية، وهؤلاء وقفوا عند النص؛ إذ قد فهموا أن هذه عين تعتبر بمثابة عينين عند الآخر فتكون فيها دية كاملة؛ لذهاب بصره. * قوله: (وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الأَوَّلِ أَنَّ الْعَيْنَ الْوَاحِدَةَ لِلأَعْوَرِ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْنَيْنِ جَمِيعًا لِغَيْرِ الأَعْوَرِ، وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَعْنِي: عُمُومَ قَوْلِهِ: " وَفِي الْعَيْنِ نِصْفُ الدِّيَةِ "). المعروف في الحديث: " وفي العينين الدية ". لكن هناك حديث آخر: " وفي العين خمسون من الإبل " أي: نصف الدية.

стр. 9507

* قوله: (وَقِيَاسًا أَيْضًا عَلَى إِجْمَاعِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى مَنْ قَطَعَ يَدَ مَنْ لَهُ يَدٌ وَاحِدَةٌ إِلَّا نِصْفَ الدِّيَةِ (١)). وهنا قاسوا أيضًا، لكن الفريق الآخر بنوا ذلك على قضاء الصحابة الأربعة ﵃، ويعتبر ذلك بمثابة نظر كامل. * قوله: (فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا مُعَارَضَةُ الْعُمُومِ لِلْقِيَاسِ، وَمُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلْقِيَاسِ. وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِيمَنْ ضَرَبَ عَيْنَ رَجُلٍ، فَأَذْهَبَ بَعْضَ بَصَرِهَا - مَا رُوِيَ مِنْ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ (٢)). سيذكر المؤلف واقعة وقعت في زمن عليِّ بن أبي طالب ﵁ رُفعت إليه فقضى فيها، وقد تطور الطبُّ الآن، وأصبح الوصول إلى ذلك ليس

стр. 9508

بالأمر الصعب؛ فهناك الكشف سواء كان عن طريق تلك العلامات التي توضع، أو الكشف الذي يبين ذلك أكثر لكن مع ذلك أيضًا في بعض الأمور كالسمع ربما يحتال الإنسان، ولذلك كان العلماء يتخذون طُرقًا لمعرفة مدى الضرر حتى في الشم لم يعرض له المؤلف، ولقد ذكر العلماء فيما لو ادَّعى إنسان أن آخر اعتدى عليه فأصاب أنفه فأذهب شمه كيف يعالج؛ فقالوا: يؤخذ على غرَّة فيوضع قريب منه، وهو في غفلة رائحة طيبة ورائحة منتنة فإن ارتاحت نفسه للرائحة الطيبة عُرف أنه يشمّ، وأنه غير صادق، وإن اضطرب واقشعر من الرائحة الكريهة والممتنة عُرف أنه متأثر وأنه كاذب، وقالوا: فإن لم يتأثر يُقبل قوله مع يمينه (١). وقد دقق العلماء ﵏ في مسائل كثيرة، واكتفى المؤلف هنا بالمسائل الكبرى فلم يتطرق إلى الجزئيات، وإلا فالعلماء يدققون في مسائل كثيرة. وهذا الأثر المروي عن عليِّ ﵁ ذكره البيهقي في " السنن الكبرى " (٢)، وذكره أيضًا مفصلًا ابن المنذر في كتابه " الأوسط " (٣)، وذكره

стр. 9509

ابن قدامه في كتابه " المغني " (١) نقلًا عن ابن المنذر. * قوله: (أَنَّهُ أَمَرَ بِالَّذِي أُصِيبَ بَصَرُهُ بِأَنْ عُصِبَتْ عَيْنُهُ الصَّحِيحَةُ، وَأَعْطَى رَجُلًا بَيْضَةً، فَانْطَلَقَ بِهَا، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا حَتَّى لَمْ يُبْصِرْهَا). أصابه شخص متعدٍ عليه فأمر بأن تعصب عينه الصحيحة، ثم يرجع قليلًا قليلًا وهو يرى حتى يقول الآن: لا أرى. * قوله: (فَخَطَّ عِنْدَ أَوَّلِ ذَلِكَ خَطًّا فِي الأَرْضِ. ثُمَّ أَمَرَ بِعَيْنِهِ الْمُصَابَةِ فَعُصِبَتْ وَفُتِحَتِ الصَّحِيحَةُ. وَأَعْطَى رَجُلًا الْبَيْضَةَ بِعَيْنِهَا، فَانْطَلَقَ بِهَا وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا حَتَّى خَفِيَتْ عَنْهُ). هنا اختبر العين المصابة بعد عصبها، أي: أعطى إنسانًا بيضة، أو أيَّ شيء كعلامة يمشي بها ويراها إلى أن يقول: لا أرى، ثم يقف عند هذا الموضع ويخط خطًّا، ثم بعد ذلك تفتح عينه الصحيحة الأسلوب نفسه يمشي معه حتى ينتهي ثم ينظر إلى ما بين المسافتين فيعطى النقص. وتختلف أنظار الناس؛ فليس كل الناس سليم العينين متساويًا، وقد بيَّن الطب هذا الآن، فلما تقدَّم الطبُّ وأظهر مقدار نظر الإنسان تبيَّن خلافٌ عند كثير من الناس، فكثير من الناس تختلف العينين عندهما فتجد عينه هذه كاملة النظر قوية، وهذه تكون دونها، وربما تراها صحيحة لكنه لا يبصر بها إلا قليلًا، ولا يستطيع أن يقرأ، وهذه أمور إنما ينظر فيها للغالب، ومرَّ أن هذه لم تصبح مشكلة الآن؛ لأن الوصول إلى هذه الحقيقة أصبح سهلًا، فهناك علامات توضع لمعرفة ذلك، وحتى لو احتال شخص مثلًا، فبالكشف عليه يتبيَّن مقدار نظره، وقد تكون هذه العين من الأصل لا تنظر كثيرًا، وهذه مسائل يُجتهَد فيها، وهذا من باب درء المفاسد.

стр. 9510

* قوله: (فَخَطَّ أَيْضًا عِنْدَ أَوَّلِ مَا خَفِيَتْ عَنْهُ فِي الأَرْضِ خَطًّا، ثُمَّ عَلَّمَ مَا بَيْنَ الْخَطَّيْنِ مِنَ الْمَسَافَةِ، وَعَلَّمَ مِقْدَارَ ذَلِكَ مِنْ مُنْتَهَى رُؤْيَةِ الْعَيْنِ الصَّحِيحَةِ، فَأَعْطَاهُ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الدِّيَةِ). لا شكَّ أن هذا منهج سليم، وعلي ﵁ أُعطِي الحكمة في مثل هذه الأمور وقال الرسول ﷺ فيه: " أقضاكم عليّ" (١). وهذا نوع من القضاء، وكذلك القاضي شريح (٢) كيف نجح في القضاء؟ وكيف كان أسلوبه؟ وكيف كان يتعامل مع الخصوم؟ وكيف كان يستطيع أن يستخرج الحكم عن طريق بعض الوسائل؟ * قوله: (وَيَخْتَبِرُ صِدْقَهُ فِي مَسَافَةِ إِدْرَاكِ الْعَيْنِ الْعَلِيلَةِ وَالصَّحِيحَةِ بِأَنْ يَخْتَبِرَ ذَلِكَ مِنْهُ مِرَارًا شَتَّى فِي مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ فَإِنْ خَرَجَتْ مَسَافَةُ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذَكَرَ وَاحِدَةً عَلِمْنَا أَنَّهُ صَادِقٌ (٣)). أي: يُختبَر في المرة الأُولى ثم يُعرف المسافة، ثم يُختبر مرة أُخرى وُيرى هل هي المسافة نفسها أم هي أقل أم أكثر؟ فربما يكون غير صادق؛ لأنه ربما إلى مسافة محددة يقول: إلى هذا نظري، لكن لو أخذ من جانب آخر إما أن يزيد أو ينقص فحين إذن يُشَك فيه؛ فيرجع إلى الخصم.

стр. 9511

* قوله: (وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ الشَّكْلِ الَّتِي ذَهَبَ بَصَرُهَا). فإنه قد توجد عين لإنسان ولا تبصر، فتراها كأنها سليمة ثم اعتُدي عليها فهل هي كالعين الصحيحة؟ * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٣): " فِيهَا حُكُومَةٌ ". وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: " فِيهَا عُشْرُ الدِّيَةِ مِائَةُ دِينَارٍ " (٤). وَحَمَلَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ مِنْ زيدٍ تَقْوِيمًا لَا تَفْوِيتًا). أي: كان ذلك من زيد تقويمًا لا توقيًا. * قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ (٥) أَنَّهُمَا قَضَيَا فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ الشَّكْلِ، وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثُلُثَ الدِّيَةِ).

стр. 9512

وهذا هو قول الإمام أحمد أيضًا في رواية له (١)، والرواية الأُخرى مع الجمهور، أي: فيها حكومة (٢). * قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ: " تَتِمُّ دِيَةُ السِّنِّ بِاسْوِدَادِهَا ثُمَّ فِي قَلْعِهَا بَعْدَ اسْوِدَادِهَا دِيَةٌ " (٣)). أي: السِّن إذا ضربت أو اعتدي عليها فاسودَّت، وربما يترتب على الاسوداد بأن تتألم من البارد والحار وغير ذلك، وذلك أيضًا فيه حكومة، وهناك من يقول: فيها ثلث الدية كاليد الشلاء وغيرها (٤). * قوله: (وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الأَعْوَرِ يَفْقَأُ عَيْنَ الصَّحِيحِ عَمْدًا؛ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: " إِنْ لَمْ يَعْفُ فَلَهُ الْقَوَدُ، وَإِنْ عَفَا فَلَهُ الدِّيَةُ "؟ قَالَ قَوْمٌ: " كَامِلَةٌ " (٥)).

стр. 9513

أي: إنسان له عين واحدة فقأ عين الآخر الصحيح. وذهب الجمهور إلى القَوَد إن لم يعفُ، فإن عفا فله الدية كاملة، وهو قول الإمام أحمد (١). * قوله: (وَقَالَ قَوْمٌ: " نِصْفُهَا " (٢)). وهذا يرجع إلى الخلاف الأول الذي سبق. * قوله: (وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (٣)، وَابْنُ الْقَاسِمِ (٤)، وَبِكِلَا الْقَوْلَيْنِ قَالَ مَالِكٌ (٥)).

стр. 9514

فمالك له رواية مع الإمام أحمد (الدية كاملة)، ورواية مع الشافعي أُخرى فيها (نصف الدية)؛ لأنه ليس له إلا هذه العين؛ فهل تتساوى العينين بالعين أو لا؟ كما مرّ (١). * قوله: (وَبِالدِّيَةِ كَامِلَةً قَالَ الْمُغِيرَةُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَابْنُ دِينَارٍ (٢)). وقصد بقوله: " المغيرة من أصحابه "، أي: من أصحاب الإمام مالك. * قوله: (وَقَالَ الكُوفِيُّونَ: " لَيْسَ لِلصَّحِيحِ الَّذِي فُقِئَتْ عَيْنُهُ إِلَّا الْقَوَدُ، أَوْ مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ " (٣)). يري أبو حنيفة أن العمد ليس فيه إلا القَوَد، أو شيئًا اصطلحوا عليه، لكن أن تكون فيها دية مقررة أو محددة فلا. * قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى جَمِيعَ الدِّيَةِ عَلَيْهِ إِذَا عَفَا عَنِ الْقَوَدِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ دِيَةُ مَا تَرَكَ لَهُ وَهِيَ الْعَيْنُ الْعَوْرَاءُ، وَهِيَ دِيَةٌ كَامِلَةٌ عِنْدَ كَتِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَمَذْهَبُ عُمَر، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ - أَنَّ عَيْنَ الأَعْوَرِ إِذَا فُقِئَتْ وَجَبَ فِيهَا أَلْفُ دِينَارٍ؛ لِأَنَّهَا فِي حَقِّهِ فِي مَعْنَى الْعَيْنَيْنِ كلْتَيْهِمَا). ألف دينار، أي: دية كاملة.

стр. 9515

* قوله: (إِلَّا الْعَيْنَ الْوَاحِدَةَ، فَإِذَا تَرَكهَا لَهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِيَتُهَا، وَعُمْدَةُ أُولَئِكَ الْبَقَاءُ عَلَى الأصْلِ، أَعْنِي: أَنَّ فِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ نِصْفَ الدِّيَةِ). وهذه لا تختلف من إنسان له عين أو له عينان، ودليلهم: ما ذكرنا من الأحاديث، وهي شبيهة بالمسألة السابقة. * قوله: (وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَمْدَ لَيْسَ فِيهِ دِيَة مَحْدُودَةٌ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ ذُكرَتْ فِي بَابِ الْقَوَدِ فِي الْجِرَاحِ). أي: مرت بنا هذه المسألة، وهو رأي أبي حنيفة. * قوله: (وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةُ الْفَتْوَى مَالِكٌ (١)، وَأَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ (٤): " إِنَّ فِي كلِّ أُصْبُعٍ عَشْرًا مِنَ الإِبِلِ").

стр. 9516

وكذلك الإمام أحمد (١). وهنا انتقل المؤلف إلى " دية الأصابع "؛ إذ اليدان فيها عشرة أصابع، ولا اعتبار بالزائد، وكذلك أيضًا الرِّجْلان فيها عشرة أصابع، وهذه الأصابع متفاوتة من حيث حجمهما ونفعها؛ فهناك ما يحتاج إليه الإنسان كثيرًا فمثلًا؛ السبابة يحتاج إليها الإنسان كثيرًا حتى في صلاته يشير به إلى التشهد، والإبهام له فوائد، والوسطى كذلك، وكذلك الخنصر إلى غير ذلك. فكل إصبع له فائدته، ولكن هل هي على نسق واحد؟ الله خلق الإنسان على أحسن شكلٍ، ورتَّب هذه الأصابع ووضع فيها الجمال وقسَّمها ووضع فيها المفاصل وكلها تشتمل بالنسبة لليد على ثلاثة مفاصل إلا الإبهام فله مفصلان، والرسول ﷺ قد وضع لنا أصلًا بقوله: " وفي الأصابع الدية " (٢). يعني: وفي الإصبع عشرة من الإبل. فهذه مسألة فيها نص، فهل أجمع العلماء عليها أم وجد من خالف فيها؟ * قوله: (وَإِنَّ الْأَصَابعَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ (٣)). فلو تُرك ذلك للناس أيجعلونها متساوية؟ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيها اختلافًا كثيرًا. فالإنسان ينظر إلى منافعها، وقد يصيب ويُخطئ؛ فهذا طويل وهذا قصير، وهذا فيه نص لكن هذا جاء محددًا عن طريق رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، ونحن نعلم ما جاء من دْكر الله للبنان، فقال سبحانه: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾ [القيامة: ٤]. وما وضع الله في هذه الأصابع من الحكمة، ومع كثرة وتعدد

стр. 9517

الناس وقد وصلوا إلى المليارات لا تجد إنسانًا يتفق ختمه مع ختم آخر في إصبعه، فهذه التقسيمات التي في الأصابع تتفاوت فهل يستطيع الإنسان أن يصل إلى شيء من ذلك مهما بلغ من الذكاء والفطنة والمعرفة؟! الجواب: لا؛ لأن الذي وضع ذلك هو علَّام الغيوب الذي خلق هذا الكون، والذي خلق الإنسان من نطفة ومن تراب ومن ماء مهين؛ ثم سواه ونفخ فيه الروح. * قوله: (وإنَّ فِي كلِّ أُنْمُلَةٍ ثُلُثَ الْعَشْرِ إِلَّا مَا لَهُ مِنَ الْأَصَابعِ أُنْمُلَتَانِ كالإِبْهَامِ). قوله: " وفي كل أنملة ثلث العشر "، والعشر: (عشر من الإبل)؛ فالإصبع فيه عشر من الإبل؛ إذ في الإصبع (ثلث هذه الدية)، ويرجع بعد ذلك إلى النقدين لضبطها، لكن بالنسبة للإبهام مفصلان في كل مفصل لو قطع ففيه خمس من الإبل، ولو قطع الإبهام كاملًا ففيه عشر من الإبل ولا فرق. فهذه من حِكم هذه الشريعة؛ إذ لا فرق بين أن تقطع الأصابع وبين أن تقطع اليد من الرسغ؛ فاليد لو قُطعت كاملة من الرسغ ففيها (الدية كاملة)، ولو قُطعت الأصابع ففيها (الدية كاملة) كما في الذكر والحشفة الدية، ولو أخذ كاملًا ففيه أيضًا (الدية) (١). * قوله: (فَفِي أُنْمُلَتِهِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ (٢)، وَعُمْدَتُهُمْ فِي ذَلِكَ مَا

стр. 9518

جَاءَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْر مِنَ الْإِبِلِ" (١)). إذن قد جاء في هذا نصٌّ عن رسول الله ﷺ ، ومع ذلك وُجد خلاف في المسألة نسب إلى عمر ﵁ ومجاهد (٢). * قوله: (وَخَرَّجَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى فِي الأَصَابع بِعُشْرِ الْعَشْرِ" (٣)، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ (٤). وَهِيَ عِنْدَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ بِحَسَبِ مَا يَرَى وَاحِدٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي الدِّيَةِ مِنَ الْوَرِقِ، فَهِيَ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّهَا اثْنَا عَشَرَ

стр. 9519

أَلْفَ دِرْهَمٍ عُشْرُهَا، وَعِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّهَا عشرةُ آلافٍ عُشْرُها. وَرُوِيَ عَنِ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِ اخْتِلَافٌ فِي عَقْلِ الْأَصَابعِ). " عقل الأصابع "، أي: دية الأصابع، وفيها خلاف؛ إذ قد جاء فيها نصٌّ عن الرسول ﷺ في أن لكل إصبع عشرًا من الإبل، وقد وقع فيه خلاف عن بعض السلف كما سيذكر المؤلف عن عمر ﵁. * قوله: (فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَضَى فِي الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا بِعَقْلِ نِصْفِ الدِّيَةِ (١)). فنصف الدية للإبهام والذي يليه؛ لأن اليد الواحدة فيها خمسون؛ إذن في الإبهام (ثلاث عشرة)، وفي التي تليها السبابة (اثنا عشر)، وهذا قضاء عمر في الإبهام (بثلاث عشرة)، وفي التي تليها السبابة (باثني عشر)، وفي الوسطى (بعشر) جاءت على الأصل؛ فهذه خمس وثلاثون وفي التي تليها البنصر (تسع) هذه أربع وأربعون، وفي الخنصر (ستٌّ) هذه خمسون. فهذا هو قضاء عمر ﵁، لكن هل بقي على هذا القضاء أم أنه رجع عنه؟ فقد جاء أيضًا فيما نقل عن عمر ﵁ أنه لما بلغه كتاب عمرو بن حزم قال ذلك (٢)، ولهذا لا يصح القول بأن الإنسان يحيط بكل شيء علمًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. ولا يظن أحدنا بأن العالم مهما علت منزلته، ومهما بلغ من الذكاء والفطنة؛ أنه قد أحاط بالعلم، حتى ولو كان من الصحابة، أليس أفضل الناس في هذه الأمة بعد الرسول ﷺ هو أبو بكر، وقد تحير في ميراث

стр. 9520

الجدة؛ فأخذ يبحث في كتاب الله فلم يجد فسأل الصحابة فأخبروه بأن رسول الله ﷺ أعطاها السدس، ثم طلب من يؤكِّد ذلك فجاء محمد بن مسلمة يؤكد ذلك فقضى به (١). وكذلك الحال بالنسبة لعمر لما جاءه حديث الرسول ﷺ عندما ذهب إلى الشام وكان فيها الطاعون وتوقف الصحابة ﵃ إلى أن جاء الحديث بأنه: " من كان فيها فلا يخرج منهما، ومن كان خارجها فلا يدخلها ". وأخذ عن عمر قوله: " نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله ". لما قيل له: أنفِرُّ من قدر الله؟! (٢).

стр. 9521

فالذي لا يُخطئ في هذه الشريعة هو محمد بن عبد الله ﷺ ؛ لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وأما مَن بعده فمجتهدون، وكلهم يريدون الخير، فمن أصاب منهم فله أجران، أجرٌ لاجتهاده، وأجرٌ لإصابته، ومن أخطأ فله أجرٌ لاجتهاده، ولا يُؤخذ على خطئه؛ إذ كان أهلًا للاجتهاد (١). ولم يكن ﷺ صاحب هوى أو عصبية، وقد مرَّ أن الصحابة اجتهدوا، بل اجتهد الرسول ﷺ في مسائل لذلك قال العلماء: " بأنه لا يُقرُّ على الخطإ؛ فإن اجتهد في أمرٍ وتبيَّن خلافه نزل الوحي ليبيِّن له " (٢). فالرسول ﷺ استشار الصحابة في أسرى بدر، فهناك من رأى قتلهم وهو عمر، وهناك من رأى أخذ الفداء منهم، وهو أبو بكر، ونزل القرآن مؤيِّدًا لأمر عمر بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] (٣).

стр. 9522

فعمر ﵁ اجتهد في هذه المسألة فقال في الإبهام: ثلاث عشرة، وفي الذي يليه: اثنا عشر، فهذه خمس وعشرون؛ لأن اليد ديتها خمسون، واليدان مائة، ثم جاء إلى الوسطى فبقيت في الوسط عشر كما جاء في الحديث، والتي تليها فيها تسع، وفي الأخيرة (الخنصر) فيها ست فمجموعها: خمسون، لكن الشاهد عندما بلغ عمر ﵁ قول رسول الله ﷺ في ذلك الكتاب لم يبقَ على رأيه، بل رجع عنه وإن لم يذكر المؤلف ذلك فقد نبهنا عليه. * قوله: (وَفِي الْوُسْطَى بِعَشْرِ فَرَائِضَ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا بِتِسْعٍ، وَفِي الْخِنْصَرِ بِسِتٍّ). هذا ما مرَّ ذكره، ومجموعها خمسون، وبهذا نرى أن الرجل الذي كان ينزل القرآن مؤيِّدًا له ﵁ قد اجتهد، ومع ذلك خالف بعضُ اجتهاده ما جاء عن الرسول ﷺ ، ولمَّا بلغه ذلك رجع إلى ما صدر عن رسول الله ﷺ وكتبه في ذلك الكتاب العظيم الذي اشتمل على جملة من الفرائض والسنن والديات. وجاء من طريق آخر عن عمر ﵁ أنه بعد أن بلغه كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه إلى أهل اليمن بأن: " في الإصبع عشر من الإبل " (١). رجع إليه وهكذا كان الصحابة ﵃ والتابعون والعلماء جميعًا إذا بلغهم النص الصحيح عن رسول الله ﷺ ، وهذا هو شأن كل مؤمن يعرف الحق. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ

стр. 9523

أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. وهذا عمرُ لمَّا تُوفي ابنه وترك ابنًا وكان يرى أن الجدَّ هو الذي يرث، وكان قد فهم أن ميراثه كله له ﵁ استشار في ذلك زيدَ بن ثابت؛ لأنه أفرض الصحابة فلم يعطِه الجوابَ؛ فكرَّر عليه فأجابه فرجع إلى قول زيد بتوريث الإخوة (١). وهذه مسألة فيها خلاف هل الجد يحجب الإخوة أم لا؟ (٢). * قوله: (وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الإِبْهَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا عَشْرٌ، وَفِي الْوُسْطَى عَشْرٌ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا ثَمَانٍ، وَفِي الْخِنْصَرِ سَبْعٌ (٣). وَأَمَّا التَّرْقُوَةُ (٤)، وَالضِّلعُ (٥)).

стр. 9524

" الترقوة ": وهما العظمان اللذان يحيطان بالعنق حتى الصدر. فمن العلماء من قال بأن هذه العظام فيها توقيت: ففي الزّند (١): (بعير)، وفي الزندين: (بعيرين)، والأربعة بالنسبة لليدين فيها: (أربعة)، وبالنسبة لعظم الفخذ فيهما: (بعيران)، وبالنسبة للساق كذلك، وبالنسبة للترقوة كل عظم فيه: بعير؛ فيكون مجموع ذلك: بعيران، ومنهم من قال: (أربعة)، ومنهم من قال في ذلك (حكومة)؛ لأن هذه العظام ليس فيها توقيت (٢). * قوله: (فَفِيهَا عِنْدَ جُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ حُكُومَةٌ (٣)). الأئمة الثلاثة وأحمد في رواية عنه قالوا: بأن فيها حكومة. ولأحمد رواية أُخرى: في الضلع: (بعير)، وفي الترقوة: (بعيران)، وفي الزندين: (بعيران)، وإذا اجتمعت في اليدين: (أربعة)، وفي عظمي الفخذ أيضًا:

стр. 9525

(بعيران)، وكذلك الحال بالنسبة للساق (١). وهذه لم يرد فيها نص؛ ولذلك اختلف فيها العلماء وما ورد فيه نص وقف عنده، وقد يردُ في بعضها نص لكن يجتهد بعض العلماء لما يرى من التفاوت بينها. * قوله: (وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِيهَا تَوْقِيتٌ (٢)). معنى التوقيت: أُثِر عن بعض الصحابة كعمر ﵁ قوله: " في الضلع: بعير، وفي الترقوة: بعيران ". وهكذا .. هذا ما قصده بالتوقيت؛ أما ما ورد عن الرسول ﷺ فلا أعلم شيئًا في ذلك. * قوله: (وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي الضِّرْسِ بِجَمَلٍ، وَالضِّلْعِ بِجَمَلٍ، وَفِي التَّرْقُوَةِ بِجَمَلٍ (٣). وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " فِي التَّرْقُوَةِ بَعِيرَانِ ". وَقَالَ قَتَادَةُ: " أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ " (٤)).
следующие страницы →