فالذي لا يُخطئ في هذه الشريعة هو محمد بن عبد الله ﷺ ؛ لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وأما مَن بعده فمجتهدون، وكلهم يريدون الخير، فمن أصاب منهم فله أجران، أجرٌ لاجتهاده، وأجرٌ لإصابته، ومن أخطأ فله أجرٌ لاجتهاده، ولا يُؤخذ على خطئه؛ إذ كان أهلًا للاجتهاد (١).
ولم يكن ﷺ صاحب هوى أو عصبية، وقد مرَّ أن الصحابة اجتهدوا، بل اجتهد الرسول ﷺ في مسائل لذلك قال العلماء: " بأنه لا يُقرُّ على الخطإ؛ فإن اجتهد في أمرٍ وتبيَّن خلافه نزل الوحي ليبيِّن له " (٢). فالرسول ﷺ استشار الصحابة في أسرى بدر، فهناك من رأى قتلهم وهو عمر، وهناك من رأى أخذ الفداء منهم، وهو أبو بكر، ونزل القرآن مؤيِّدًا لأمر عمر بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] (٣).
стр. 9522
فعمر ﵁ اجتهد في هذه المسألة فقال في الإبهام: ثلاث عشرة، وفي الذي يليه: اثنا عشر، فهذه خمس وعشرون؛ لأن اليد ديتها خمسون، واليدان مائة، ثم جاء إلى الوسطى فبقيت في الوسط عشر كما جاء في الحديث، والتي تليها فيها تسع، وفي الأخيرة (الخنصر) فيها ست فمجموعها: خمسون، لكن الشاهد عندما بلغ عمر ﵁ قول رسول الله ﷺ في ذلك الكتاب لم يبقَ على رأيه، بل رجع عنه وإن لم يذكر المؤلف ذلك فقد نبهنا عليه.
* قوله: (وَفِي الْوُسْطَى بِعَشْرِ فَرَائِضَ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا بِتِسْعٍ، وَفِي الْخِنْصَرِ بِسِتٍّ).
هذا ما مرَّ ذكره، ومجموعها خمسون، وبهذا نرى أن الرجل الذي كان ينزل القرآن مؤيِّدًا له ﵁ قد اجتهد، ومع ذلك خالف بعضُ اجتهاده ما جاء عن الرسول ﷺ ، ولمَّا بلغه ذلك رجع إلى ما صدر عن رسول الله ﷺ وكتبه في ذلك الكتاب العظيم الذي اشتمل على جملة من الفرائض والسنن والديات.
وجاء من طريق آخر عن عمر ﵁ أنه بعد أن بلغه كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه إلى أهل اليمن بأن: " في الإصبع عشر من الإبل " (١). رجع إليه وهكذا كان الصحابة ﵃ والتابعون والعلماء جميعًا إذا بلغهم النص الصحيح عن رسول الله ﷺ ، وهذا هو شأن كل مؤمن يعرف الحق.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ
стр. 9523
أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
وهذا عمرُ لمَّا تُوفي ابنه وترك ابنًا وكان يرى أن الجدَّ هو الذي يرث، وكان قد فهم أن ميراثه كله له ﵁ استشار في ذلك زيدَ بن ثابت؛ لأنه أفرض الصحابة فلم يعطِه الجوابَ؛ فكرَّر عليه فأجابه فرجع إلى قول زيد بتوريث الإخوة (١). وهذه مسألة فيها خلاف هل الجد يحجب الإخوة أم لا؟ (٢).
* قوله: (وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الإِبْهَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا عَشْرٌ، وَفِي الْوُسْطَى عَشْرٌ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا ثَمَانٍ، وَفِي الْخِنْصَرِ سَبْعٌ (٣). وَأَمَّا التَّرْقُوَةُ (٤)، وَالضِّلعُ (٥)).
стр. 9524
" الترقوة ": وهما العظمان اللذان يحيطان بالعنق حتى الصدر.
فمن العلماء من قال بأن هذه العظام فيها توقيت: ففي الزّند (١): (بعير)، وفي الزندين: (بعيرين)، والأربعة بالنسبة لليدين فيها: (أربعة)، وبالنسبة لعظم الفخذ فيهما: (بعيران)، وبالنسبة للساق كذلك، وبالنسبة للترقوة كل عظم فيه: بعير؛ فيكون مجموع ذلك: بعيران، ومنهم من قال: (أربعة)، ومنهم من قال في ذلك (حكومة)؛ لأن هذه العظام ليس فيها توقيت (٢).
* قوله: (فَفِيهَا عِنْدَ جُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ حُكُومَةٌ (٣)).
الأئمة الثلاثة وأحمد في رواية عنه قالوا: بأن فيها حكومة. ولأحمد رواية أُخرى: في الضلع: (بعير)، وفي الترقوة: (بعيران)، وفي الزندين: (بعيران)، وإذا اجتمعت في اليدين: (أربعة)، وفي عظمي الفخذ أيضًا:
стр. 9525
(بعيران)، وكذلك الحال بالنسبة للساق (١). وهذه لم يرد فيها نص؛ ولذلك اختلف فيها العلماء وما ورد فيه نص وقف عنده، وقد يردُ في بعضها نص لكن يجتهد بعض العلماء لما يرى من التفاوت بينها.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِيهَا تَوْقِيتٌ (٢)).
معنى التوقيت: أُثِر عن بعض الصحابة كعمر ﵁ قوله: " في الضلع: بعير، وفي الترقوة: بعيران ". وهكذا .. هذا ما قصده بالتوقيت؛ أما ما ورد عن الرسول ﷺ فلا أعلم شيئًا في ذلك.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي الضِّرْسِ بِجَمَلٍ، وَالضِّلْعِ بِجَمَلٍ، وَفِي التَّرْقُوَةِ بِجَمَلٍ (٣). وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " فِي التَّرْقُوَةِ بَعِيرَانِ ". وَقَالَ قَتَادَةُ: " أَرْبَعَةُ أَبْعِرَةٍ " (٤)).
стр. 9526
قال بعض الحنابلة: " في كل واحد منها بعيران " (١). اختلفوا العلماء في هذه العظام؛ إذ ذهب أكثرهم إلى أنه ليس فيها شيء محدد، وإنما فيها حكومة، وبعضهم قال: بل فيها شيء محدد؛ لأنه أُثِر عن الصحابة كعمر أنه قضى في الأضلاع والترقوة أيضًا.
* قوله: (وَعُمْدَةُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ أَنَّ مَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَوْقِيتٌ؛ فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا حُكُومَةٌ).
أي: ما لم يرد فيه نص مؤقَّت محدد ففيه حكومة، أما ما ورد فيه نص وتحديد فيوقف عنده، كاللسان والأنف والأذنين والذكر واليدين والرجلين والأصابع، ومع ذلك قد ورد الخلاف في بعضها، وإن كان أكثرها محلّ اتِّفاق بين العلماء (٢).
* قوله: (وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ فِي كُلِّ سِنٍّ مِنْ أَسْنَانِ الْفَمِ خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ (٣)).
стр. 9527
هذه ورد فيها نصٌّ، وهو قوله ﷺ : " وفي السن خمس من الإبل " (١). ومع ذلك خالف بعض العلماء؛ لأن كلَّ إنسان فيه اثنان وثلاثون من الأسنان والأضراس فإذا ضربتها بخمسة صارت: (مائة وستين)، والدية (مائة) فستكون أكثر من الدية.
وإذا جُزِّئت هذه الأعضاء نفسها كانت أكثر من الدية؛ فلو قُطعت يد إنسان فيها دية، ورجلاه فيهما دية، والأنف كذلك، وهكذا ودية الإنسان مجتمعة واحدة (مائة من الإبل).
* قوله: (وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (٢)).
وهو قول الأئمة الأربعة أيضًا بأن في كل سن خمسٌ من الإبل.
* قوله: (وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَضَى فِي الضّرْسِ بِجَمَلٍ (٣)، وَذَلِكَ فِيمَا لَمْ يَكُنْ مِنْهَا فِي مُقَدَّمِ الْفَمِ).
معنى قوله: " ما لم يكن في مقدمة الفم "، أي: في الأضراس؛ لأن بعض الفقهاء يرى: أن الأضراس أقلُّ فائدة من الأسنان، وقد يكون فائدتها أكثر؛ لأنها تطحن الطعام، لكن يلاحظ العلماء أن الأسنان موضع الجمال؛ لأنها في المواجهة، أما الأضراس ففي خفية، والبعيد منها لا يُرى.
وبعض العلماء يرى أن الأسنان أهمُّ وأكثر، كما سيأتي في قول سعيد بن المسيَّب.
стр. 9528
* قوله: (وَأَمَّا الَّتِي فِي مُقَدَّمِ الْفَمِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ فِيهَا خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ (١). وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي الْأَضْرُسِ بَعِيرَانِ (٢)).
ذكر المؤلف قول سعيد بن المسيب: " لو كان الأمر لي لجعلت في كلِّ ضرس بعيرين ".
وعدد الأضراس: (عشرون)، ومجموع الأضراس والأسنان: (اثنان وثلاثون)، فإن فصلناها تكون الأضراس: (عشرين)، ويبقى الباقي: (اثنا عشر) فعندما نعطي لكلِّ ضرس بعيرين، ثم نضرب عشرين في اثنين فتصير: (أربعين بعيرًا)، واثنا عشر سنًّا نضربها في خمس فتصبح: (ستين)؛ فإذا جمعنا الستين والأربعين كان الناتج: (مائة) وهذا هو رأي سعيد بن المسيب.
فالمراد: أن الأسنان في كل واحد من التي تقع في مقدمة الفم الثمانية (اثنا عشر)، ثم يبقى بعد ذلك الأضراس وعددها عشرون.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ اعْتَرَضَ فِي ذَلِكَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: " أَتَجْعَلُ مُقَدَّمَ الأَسْنَانِ مِثْلَ الأَضْرَاسِ؟ " فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " لَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ إِلَّا بِالأَصَابعِ عَقْلُهَا سَوَاءٌ " (٣)).
стр. 9529
ردَّ ابن عباس عليه كما سبق أنْ ردَّ على معاذ ومرَّ ذلك في الحج لمَّا كان يقبل الأركان فاعترض عبد الله بن مسعود عليه وقال: " ليس من البيت شيء مهجور ". فردَّ عليه وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] ولم نره يقبل إلا الركنين، (أي: اليمانيين) ". فقال: " صدقت " (١).
فهنا ردَّ عبد الله بن عباس ﵁ عليه حيث قال: " نحن نرى الأصابع تتفاوت فهي تختلف في أحجامها ومنافعها ومع ذلك نرى أن رسول الله ﷺ جعل في كلِّ واحد منها عشرًا من الإبل سواء كانت أصابع اليدين أم الرجلين. فهذا أمر محدد قد جاء عن رسول الله ﷺ ينبغي الوقوف عنده، وربما تختلف المنافع، وربما تتفاوت ومع ذلك تكون الدية محددة، وهذه الأمور التي فيها أدلة تدخل في الأمور التوقيفية.
* قوله: (عُمْدَةُ الْجُمْهُورِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ قَالَ: " فِي السِّنِّ خَمْسٌ "، وَذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (٢)).
وورد في حديث آخر: " في السنّ خمس من الإبل "، والمراد بالخمس هنا: خمس من الإبل.
إذن عبد الله بن عباس ﵁ ردَّ على المعارض بدليل آخر، وهو كيف يكون في الأسنان خمس، وهي متفاوتة شكلًا ومنفعة.
стр. 9530
* قوله: (وَاسْمُ السِّنِّ يَنْطَلِقُ عَلَى الَّتِي فِي مُقَدَّمِ الْفَمِ وَمُؤَخَّرِهِ).
لأنه عند إطلاق السنِّ ينصرف إلى الكلِّ، ولو أراد رسول الله ﷺ التفريق لبيَّنه؛ لأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة، ومهمة رسول الله ﷺ بيان ما اختلفوا فيه، وبلاع ما جهلوه، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. فكذا كان رسول الله ﷺ يبيِّن الأحكام ويفصلها ويوضحها للناس.
* قوله: (وَتَشْبِيهُهَا أَيْضًا بِالأَصَابعِ الَّتِي اسْتَوَتْ دِيَتُهَا وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَنَافِعُهَا).
ليس المقياس في ذلك حقيقة تفاوت المنافع أو الحجج، لكن المقياس أو الحجة في ذلك ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ حتى وإن كانت دية الأسنان إذا جمعت منفردة زائدة على مائة من الإبل، فإن ذلك لا يغير شيئًا بدليل أن الإنسان لو قُطِعت يداه ففيهما (دية)، ولو قُطِعت رجلاه ففيهما (دية)، ولو قُلِعت عيناه ففيهما (دية)، ولو أُذِهب سمعه ففيه (دية)، وكذلك لو قُطِعت أذناه ففيهما (دية)، وكذلك الحال بالنسبة للسان وللكلام، وهكذا (١).
* قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ خَالَفَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشَّرْعَ يُوجَدُ فِيهِ تَفَاضُلُ الدِّيَاتِ؛ لِتَفَاضُلِ الأَعْضَاءِ).
يوجد هذا ولكن وُجِد بنصٍّ، وليس لدينا نصٌّ يفرِّق بينها؛ إذ النصُّ الذي عندنا في الأسنان لا يفرِّق بينها، والذي في الأصابع لم يفرق كذلك، ولم يرد عن الرسول ﷺ نصٌّ لنقف عنده كما ستأتي في باب (القسامة)، وقد مرَّ بنا أحكامٌ كثيرة تستثنى من بعض الأحكام، وقد نهى رسول الله ﷺ عن عدة أمور، مثل: المزابنة ثم رخَّص في بيع العرايا، والعرايا إنما هي نفسها المزابنة، ولكن الرسول ﷺ رخَّص في بيع الرُّطب
стр. 9531
بالتمر، أو بيع التمر بالرُّطب على رؤوس النخل لحاجة الناس إلى ذلك، وقد جاء تحديد ذلك قدرًا وحاجة (١).
فقد تأتي موانع ومع ذلك نجد أن هناك مَن استثني منها، ولا يقال بأن هذا يخالف الأصول إلا إذا لم يرد في ذلك دليل؛ لكن أن يأتي دليل عمن جاء بتلك الأصول فلا يعتبر ذلك خلافًا للأصول.
* قوله: (مَعَ أَنَهُ يُثْبِتُهُ أَنْ يَكُونَ مَنْ صَارَ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الصَّدْرِ الأَوَّلِ إِنَّمَا صَارَ إِلَيْهِ عَنْ تَوْقِيفٍ).
" التوقيف " إذا كان عندنا دليل صريحٌ ونصٌّ في المسألة صحيح، ولا نبني ذلك على أمر متوقع بدليل أن عمر ﵁ رجع لما بلغه كتاب عمرو بن حزم.
* قوله: (وَجَمِيعُ هَذِهِ الأَعْضَاءِ الَّتِي تَثْبُتُ الدِّيَةُ فِيهَا خَطَأً فِيهَا الْقَوَدُ (٢) فِي قَطْعِ مَا قُطِعَ، وَقَلْعِ مَا قُلِعَ).
القود يكون للعمد كما في قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥].
فقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ عام لكن استثنيت بعض الجنايات ألا يقتصَّ منها؛ لأنه يخشى على المقتص منه الهلاك، وأن يترتب عليها ضرر كما في المأمومة والجائفة، وبعضها يقتص منها كما في الموضحة وذاك مرَّ بنا.
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي كَسْرِ مَا كُسِرَ مِنْهَا مِثْلُ السَّاقِ وَالذِّرَاعِ).
تختلف الكسور فغالبًا تجبر وتعود، وربما يعود بعضه وفيه ميل،
стр. 9532
ولكن هذه كما قال العلماء: (فيها حكومة)، وربما ترجع سليمة، ولذلك أيُّ جرح من الجروح أو كسر من الكسور؛ لا يقرر فيه الحكم الشرعي حتى يبرأ أو حتى يعود إلى الأصل فيُنظر ماذا حصل فيه.
* قوله: (هَلْ فِيهِ قَوَدٌ؟ أَمْ لَا؟).
أي: إذا كسر إنسانٌ ذراع آخر أو فخذه أو قدمه أو عضده هل في هذا قود أم ليس فيه قود، وفيه دية؟
* قوله: (فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ الْقَوَدَ فِي كسْرِ جَمِيعِ الْعِظَامِ إِلَّا الْفَخِذَ وَالصُّلْبَ (١)).
يرى الإمام مالك: أن أيَّ عظم يُكسَر في البدن فيه (القود)، أي: يُقاد ممن اعتدَى فيُكسَر عظمُه، إلا أنه استثنى الفخذ والصلب الذي في الظهر؛ لأن هذه يخشى فيها التجاوز فهذه أماكن مخوفة خطرة فلا يقادُ فيها.
* قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَاللَّيْثُ (٣): " لَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ مِنَ
стр. 9533
الْعِظَامِ بِكَسْرٍ "، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَى السِّنَّ (١)، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي عَظْمٍ وَكذَلِكَ عَنْ عُمَرَ " (٢)).
وقال الشافعيُّ، والليثُ، وأحمدُ (٣): " لا قصاص في عظم من العظام يكسر، وبه قال أبو حنيفة إلا أنه استثني السِّن ".
وهذا أُثِر عن كثير من الصحابة؛ كعبد الله بن عباس، وعمر بن الخطاب، وغيرهما، بأنه لا قصاص بالنسبة لكسر العظم.
* قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ثَبَتَ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَادَ فِي السِّنِّ الْمَكْسُورَةِ " مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ).
هذا الحديث في قصة الربيع بنت مُعوِّذ، وهو حديث أخرجه البخاري وهو: " أن الربيع بنت معوِّذ كسَرت سنَّ جارية فطلبوا من أهلها - أولياء أمرها - العفو فأبوا وعرضوا عليهم الأرش، أي: الدية ثم إنهم - أولياء الجارية - رفعوا ذلك إلى رسول الله ﷺ وطلبوا القصاص فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص فقام أنس بن مالك فقال: أتكسر ثني الربيع يا رسول الله، لا والذي بعثك بالحق لا تُكسر فردَّ عليه رسول الله ﷺ بقوله: " يا أنس كتاب الله القصاص ".
فكتاب الله فيه القصاص ثم إنهم عرضوا على أوليائها فرضوا بالدية،
стр. 9534
فقال رسول الله ﷺ : " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره " (١). فهذا أنس أقسم ولم تجب عليه كفارة؛ لأنه تنازل أولياؤه إلى أخذ الدية، ولا يرجع ذلك إلى مكانات الناس في الدنيا ومنازلهم؛ وإنما يرجع إلى صلاح المرء وتقواه واستقامته على دين الله " فرب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره " (٢) حديث صحيح.
فمقياس الناس في هذه الحياة عند الله إنما هو التقوى، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] فلا ترفَع الإنسانَ مكانتُه ولا منصبُه ولا علمُه إذا لم يكن على الطريق السويِّ، أما إذا كان صالحًا تقيًّا نقيًّا كانت له المنزلة الرفيعة عند الله ، ويدخل ضمن من أثنى رسول الله ﷺ عليهم وبيَّن مكانتهم عند الله تعالى.
* قوله: (قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ " أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ لَمْ يُقِدْ مِنَ الْعَظْمِ الْمَقْطُوعِ فِي غَيْرِ الْمَفْصِلِ " (٣) إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ (٤)).
стр. 9535
هذا الحديث أخرجه ابن ماجه والبيهقي (١)، وإسناده ضعيف، وهذا معنى قوله: " ليس بالقوي ". أما الأول فهو حديث صحيح.
* قوله: (وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَقَادَ مِنْ كَسْرِ الْفَخِذِ (٢). وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ فِي النَّفْسِ (٣)).
اتَّفقوا على ذلك؛ لأن هذا ثبت في كتاب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن الذي حمله عمرو بن حزم " ودية المرأة على النصف من دية الرجل " (٤). أما ما جاء بأنها مائة من الإبل؛ فتلك رواية فسَّرتها هذه الرواية على التسليم بصحَّتها. ولذلك اتَّفقوا العلماء عليه ولم يقل المؤلف: أجمعوا؛ لوجود بعض الخلاف لكن لو كان هناك خلاف، لنقل الإجماعَ، لكنه قال: " اتفقوا "؛ فمعنى هذا أن الخلاف ضعيف، ولا يُلتفت إليه (٥).
* قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي دِيَاتِ الشِّجَاجِ وَأَعْضَائِهَا).
بعد أن اتَّفقوا على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل قالوا: ما ديتها بالنسبة للشجاج؟ (أي: الجراحات) هل هي كالرجل أم ترد إلى ديتها؟ أم هناك قدر فاصل بينهما إذا وصلت إليه تعود إلى أصلها على النصف من دية الرجل وتشارك الرجل إلى قدر معين الذي هو الثلث؟
الجواب: من العلماء من يقول: جراحات المرأة كجراحات الرجل
стр. 9536
إلى الثلث تساويه، ثم إذا تجاوزت ذلك عادت إلى أصلها. كما سيأتي بعد ذلك في الديات.
* قوله: (فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ (١): " تُسَاوِي الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ فِي عَقْلِهَا مِنَ الشِّجَاجِ وَالأعْضَاءِ إِلَى أَنْ تَبْلُغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ ").
من هؤلاء الفقهاء الإمام مالك ومعهم من فقهاء العراق الإمام أحمد (٢).
* قوله: (فَإِذَا بَلَغَتْ ثُلُثَ الدِّيَةِ عَادَتْ دِيَتُهَا إِلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَجُلِ).
يري أكثر العلماء: أن جراحات المرأة إلى الثلث كالرجل، ومن الأئمة الذين قالوا بذلك الإمامان: مالك وأحمد، أما الإمامان: أبو حنيفة والشافعي (٣)، فكلٌّ منهما له رأي يختلف عن ذلك.
* قوله: (أَعْنِي: دِيَةَ أَعْضَائِهَا مِنْ أَعْضَائِهِ مِثَالُ ذَلِكَ أَنَّ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِهَا عَشْرًا مِنَ الإِبِلِ، وَفِي اثْنَيْنِ مِنْهَا عِشْرُونَ).
في كلِّ إصبع عشر من الإبل؛ لأن ذلك دون الثلث فتكون كالرجل، وفي إصبعين عشرون، وفي ثلاثة أصابع ثلاثون، فإذا ارتفعت إلى أربع أصابع ترجع إلى العشرين.
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، إِلَّا أَنَّ الأَشْهَرَ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا (١). وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٢)، وَالشَّافِعِيُّ (٣)، وَالثَّوْرِيُّ (٤). وَعُمْدَةُ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الأَصْلَ هُوَ أَنَّ دِيَةَ المَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ، فَوَاجِبٌ التَّمَسُّكُ بِهَذَا الأصْلِ حَتَّى يَأْتِيَ دَلِيلٌ مِنَ السَّمَاعِ الثَّابِتِ).
واستدل الآخرون بحديث عن الرسول ﷺ قال فيه: " دية الرجل كدية المرأة حتى يبلغ ثلثها فتكون على النِّصف من الرَّجل " (٥). لكن اختُلف في هذا الحديث؛ فهناك من يصححه ويأخذ به، وهناك من يضعِّفه ولا يأخذ به.
стр. 9539
* قوله: (إِذِ الْقِيَاسُ فِي الدِّيَاتِ لَا يَجُوزُ).
فعلى هذا دليل مالك وأحمد هو: " عقل المرأة كعقل الرجل إلى ثلث الدِّية حتى يبلغ ثلث الدِّية ". هذا هو الأثر الَّذي ورد في ذلك.
* قوله: (وَبِخَاصَّةٍ لِكَوْن الْقَوْلِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ. وَلِذَلِكَ قَالَ رَبِيعَةُ لِسَعِيدٍ مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ عَنْهُ).
المراد بربيعة هو: ربيعة بن أبي عبد الرحمن (١) الذي يُعرَف بربيعة الرَّأي، وهو من التابعين، وهو شيخ الإمام مالك، وأما سعيد فهو: سعيد بن المسيَّب (٢) كما سيأتي.
* قوله: (وَلَا اعْتِمَادَ لِلطَّائِفَةِ الأُولَى إِلَّا مَرَاسِيلَ، وَمَا رُوِيَ " عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ حِينَ سَأَلَهُ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَمْ فِي أَرْبَعٍ مِنْ أَصَابِعِهَا؟ قَالَ: عِشْرُونَ (٣)).
قطع المؤلِّف هنا الأثر وجاء بمحلِّ الشاهد منه. وهو: " كم في إصبع من أصابعها؟ " قال: " عشر من الإبل ". قال: " كم في إصبعين؟ " قال: " عشرون ". قال: " كم في ثلاث؟ " قال: " ثلاثون ". قال: " كم في أربع؟ " قال: " عشرون ". إذًا فقد جاء بمحلِّ الشاهد من الأثر.
стр. 9540
* قوله: (قُلْتُ: حِينَ عَظُمَ جُرْحُهَا وَاشْتَدَّتْ بَلِيَّتهَا نَقَصَ عَقْلُهَا!؟ قَالَ: " أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ ").
وصفه بقوله: " أعراقي أنت؟ "؛ لأنهم كانوا يعنون بالرأي ولتكلمون به كثيرًا ويأخذون به، لذلك قال: " أعراقي أنت؟ "، وهنا يرده إلى أنَّ هذا أمر قد ثبت فلا ينبغي أن يُعترض عليه. وهذا استغراب منه وهو إما طالب علم جاءه ليتعلم منه، وإما عالم يريد أن يتثبَّت فسأل ذلك السؤال استغرابًا: " كيف يكون في ثلاثة أصابع ثلاثون، وفي أربعة عشرون؟ " وجاء: " هذا هو دين الله ".
* قوله: (قلتُ: بَلْ عَالِمٌ مُتَثَبِّتٌ، أَوْ جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ. قَالَ: "هِيَ السُّنَّةُ").
هذا فيه أدب السؤال، فإذا سأل الإنسان عن أمر يريد أن يستفيد منه فهو إما أن يسأل ليزداد علمًا، أو ليعرف حكمًا من الأحكام، أو أن يكون متردِّدًا في أمر من الأمور فيريد أن يتثبَّت فيما قد أُشكِل عليه. وذلك أمر قد أُشكِل عليه أن يكون في ثلاثة أصابع: ثلاثون، وفي أربعة أصابع: عشرون؛ فاستغرب لذلك فأورده، ولذلك يستدلُّ الجمهور بحديث: " عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث ".
* قوله: (وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﵊ مِنْ مُرْسَلِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ (١)، وَعِكْرِمَةَ (٢)).
وروي موصولًا أيضًا، ولكن المؤلِّف جاء به مرسلًا، وقد أخرجه
стр. 9541
النسائي والدارقطني (١)، وقد اختُلِف في الموصول أيضًا.
* قوله: (وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إِذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ الْقَوْلَ بِهِ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ (٢)).
هكذا يقول بعض العلماء: أنه إذا جاء قولٌ للصحابة أو لصحابي، وعارض القياس؛ فينبغي أن يُؤخذ بقول الصحابي، وبخاصَّة إذا لم يخالف الصحابي؛ لأن الصحابي أو الصحابة قد يقولون قولًا يُشتهَر بين الصحابة، ولا يدرون من يعترض عليه، فبعضهم يعدُّ ذلك إجماعًا، وربما يوجد من يخالفه فالمسألة مختلف فيها: " إذا قال الصحابيُّ قولًا لم يُعرَف له معارض؛ فإنه يُقدَّم في هذا المقام " (٣). وهذه من المسائل التي يختلف فيها علماء الأصول، هل قول الصحابي حجَّة أم ليس بحجة؟ مسألة فيها تفصيل معروف (٤).
стр. 9542
* قوله: "لَكِنَّ فِي هَذَا ضَعْفٌ؛ إِذْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَتْرُكَ الْقَوْلَ بِهِ إِمَّا لِأنَّهُ لَا يَرَى الْقِيَاسَ).
ليس كلُّ الصحابة يردُّون القياس؛ فممن اشتهر منهم القياس: عمر بن الخطاب، وعبد اللّه بن مسعود، ولذلك يقولون: "مدرسة الرأي"، وهي تنتسب إلى هؤلاء، ولعمر ﵁ آراء كثيرة، ولكن ما المعتبر في القياس؟
الجواب: هو الذي لا يخالف نصًّا، والقياس ليس كما قال أهل الظاهر في قول اللّه تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢].
و"الاعتبار": إنما هو أخذ المقايسة (١)، والرسول ﷺ قاس وعمل بالقياس فعندما جاءه رجلٌ فقال: إن امرأته ولدت غلامًا يخالف لون أبيه وأمِّه" فسأله رسول اللّه ﷺ : "أعندك إبل؟ " قال: نعم. قال: "ما ألوانها؟ " قال: كذا وكذا. قال: "هل فيها من أورق؟ " قال: نعم. قال: "وأين أتى؟ " قال: لعله نزعة عِرق. قال: "لعلَّ ابنك نزعة عرق أيضًا" (٢).
فالقياس إذا لم يخالف نصًّا من كتاب اللّه أو من سنَّة رسول اللّه ﷺ فإنه يؤخذ به (٣)، وكثير من الأمور لم تكن موجودة في زمن رسول اللّه ﷺ فعندما نأتي إلى الربويَّات التي ورد تحريمها فهل الأزر كان معروفًا؟
الجواب: لا، ولكن نقول بتحريمه قياسًا على الحِنطة والقمح بجامع
стр. 9543
الطّعم في كلٍّ أو الوزن أو الكيل أو غير ذلك، فالعلَّة الموجودة هنا موجودة هناك.
و"القياس": هو إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة تجمع بينهما (١)، والمختلف فيه هو "قياس الشبه" لضعفه (٢)، أما "قياس العلة" (٣) فهو قويّ، وقد عمل به العلماء قديمًا وحديثًا.
* قوله: (وَإِمَّا لِأَنَّهُ عَارَضَهُ فِي ذَلِكَ قِيَاسٌ ثَانٍ، أَوْ قَلَّدَ فِي ذَلِكَ غَيْرَهُ).
هذه كلها ظنونٌ واحتمالات لا يبنى عليها الحكم، فما دام الأمر قد ورد عن بعض الصحابة، وفي ذلك أثر يقبله بعض العلماء ويصحِّحه فينبغي
стр. 9544
أن يعمل به، قال رسول الله فيما رواه النسائي وغيره (١): "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ ثلث ديتها فتكون على النصف من الرجل ". لكن الحديث مختلف فيه، فهناك من يصححه، وهناك من يضعِّفه بسبب ضعف بعض رواته.
* قوله: (فَهَذِهِ حَالُ دِيَاتِ جِرَاحِ الأَحْرَارِ وَالْحِنَايَاتِ عَلَى أَعْضَائِهَا الذُّكُورِ مِنْهَا وَالإِنَاثِ).
لقد تكلَّم المؤلف عن الجنايات وجراح الأحرار ذكورًا وإناثًا، ولا فرق بين الصغير والكبير في الجناية عليه ولا بين العاقل وغيره، فإن هذه الجناية لا تختلف باختلاف المكلَّف وغيره في الاعتداء عليه، لكن هناك رأي مرجوح يفرِّق بين الكبير والصغير في الاعتداء على الإنسان الصغير الذي لا يتكلَّم ولكن المعروف في الغالب أنه إذا كبر الصغير تكلم، والنادر جدًّا ألا يتكلم، فأكثر العلماء يعاملون الصغير مطلقًا كالكبير، وهناك من يفرِّق في بعض المسائل.
* قوله: (وَأَمَّا جِرَاحُ الْعَبِيدِ وَقَطْعُ أَعْضَائِهِمْ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ).
لا شكَّ أن العبد المسلم كالحرِّ؛ فله حرمته ومكانته ولا ينقصه فقط إِلَّا أنه مملوك، ولذلك راعته هذه الشريعة الكريمة الغرَّة في تخفيف بعض الأحكام كما أنها أيضًا راعت المرأة في تخفيف بعض الأحكام عنها؛ لوجود النقص بها؛ فالعلة هنا وهناك هي النقص، ولذلك يخفف عنه في بعض الأحكام كما مر بنا بالنسبة للعدَّة والطلاق وغير ذلك من الأحكام، وكذلك المرأة خُفِّفت عنها أحكام كثيرة؛ بأنها تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة (٢)،
стр. 9545
وبأن هناك أحكام كثيرة مرتبطة بها بالنسبة لصلاة الجماعة؛ إذ لا تجب عليها، وبالنسبة للجهاد عليهن جهاد لا قتال فيه (١) وهو الحج والعمرة.
* قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ فِي جِرَاحِهِمْ وَقَطْعِ أَعْضَائِهِمْ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ (٢)).
أي: يقوَّم ثم ينظر إلى النقص فيحدد ذلك فيكون هذا هو القدر المطلوب.
* قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذَلِكَ مِنْ قِيمَتِهِ قَدْرُ مَا فِي ذَلِكَ الْجُرْحِ مِنْ دِيَتِهِ، فَيَكُونُ فِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ، وَفِي عَيْنِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (٣)، وَالشَّافِعِيُّ (٤)،
стр. 9546
وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ (١)).
وأحمد في رواية (٢).
* قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ (٣): "يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهِ إِلَّا مُوضِحَتَهُ وَمُنَقِّلَتَهُ وَمَأْمُومَتَهُ فَفِيهَا مِنْ ثَمَنِهِ قَدْرُ مَا فِيهَا فِي الْحُرِّ مِنْ دِيَتِهِ").
كلُّ ذلك مرَّ ذكره فالموضحة التي ورد تحديدها فيها: خمس من الإبل، ووردت أيضًا المنقلة وهي التي تنقل العظم وفيها: خمسة عشر من الإبل، والهاشمة التي فيها: عشر من الإبل، ثم تأتي المأمومة والجائفة وفيها: ثلث الدية، وكل ذلك مرَّ ذكره.
* قوله: (وَعُمْدَةُ الفَرِيقِ الأَوَّلِ تَشْبِيهُهُ بِالْعُرُوضِ، وَعُمْدَةُ الفَرِيقِ الثَّانِي تَشْبِيهُهُ بِالْحُرِّ؛ إِذْ هُوَ مُسْلِمٌ وَمُكَلَّفٌ).
стр. 9547
وجه شبهه بالعروض - عروض التجارة - أنه يباع ويشترى إذًا هو كسلعة من السلع، بل هو سلعة في الحقيقة فمن هنا شُبِّه بعروض التجارة، فكما أن البضائع تُبَاع وتُشترى كذلك هو أيضًا، ومن ناحية أُخرى حرمته أنه آدمي وأنه مطالب ومكلف؛ فيلحق بالحُرِّ.
* قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ مِنْ هَذِهِ إِذَا جَاوَزَتِ الثُّلُثَ عَلَى الْعَاقِلَةِ (١)).
هذا لا خلاف فيه بين العلماء، ولكنَّ الخلاف بينهم فيما دونها، أي: دية الخطإ إذا تجاوزت الثلث فهي على العاقلة كما جاء في قصة المرأتين من هُذيل عندما اقتتلتا فرمَت إحداهما الأُخرى بحجر، فجعل رسول اللّه ﷺ الدية على العاقلة (٢).
стр. 9548
* قوله: (وَاخْتُلِفَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ وَفُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةُ وَجَمَاعَةٌ (١)).
وأحمدُ أيضًا (٢).
* قوله: (إِنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا الثُّلُثَ فَمَا زَادَ).
أي: تحمل ما دون الثلث؛ فإذا تجاوز الثلث فلا، وهذا هو قول الإمامين مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: "تحمل من ذلك العشر فما فوقه"، وحجة مالك وأحمد: أن ذلك أُثِر عن عمر ﵁ (٣)، وقالوا: لا مخالف له.
* قوله: (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: "تَحْمِلُ مِنْ ذَلِكَ الْعُشْرَ فَمَا فَوْقَهُ مِنَ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ" (٤)).
стр. 9549
وحجة أبي حنيفة: أنه جاء في حديث المرأتين اللتين اقتتلتا فرمت إحداهما الأُخرى بحجر فأمر رسول اللّه ﷺ بديتها ودية جنينها على العاقلة (١). فجعل الدية على العاقلة، وهي عشر، فكذلك هنا.
لكن الجمهور أجابوا وهم المالكية والحنابلة: أن ما ورد إنما هو في حالة واحدة، وهي: إذا ضُرب بطن الأم فمات الجنين مع أمِّه فيكون ذلك هو تقديره، أما لو مات منفردًا أو بقيت أمُّه حية فلا يدخل في ذلك.
* قوله: (قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ (٢): "الْمُوضِحَةُ فَمَا زَادَ عَلَى الْعَاقِلَةِ"، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ (٣): "تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ مِنْ دِيَةِ الْخَطَإِ").
وجهة الإمام الشافعي ﵀: أن مَن يحمل الكثير يحمل القليل؛ فإذا كانت العاقلة التي لا ذنب لها ولا يدَ لها ولا دخل لها في هذه الجناية قد حملت الكثير؛ فأولى أن تحمل القليل، فلذلك القاعدة المعروفة تقول: "من يحمل الكثير يحمل القليل". وإيجاب الدية في قتل الخطإ على العاقلة، وكذلك في القتل شبه العمد والقصد من ذلك هو التخفيف عن القاتل ومواساته وتطمين نفسه؛ لأن هذا لم يقتل قصدًا ولا عمدًا، وما أراد القتل أصلًا ولا أراد الاعتداء، فهو بحاجة إلى أن يخفف عنه، وأن ييسر عليه، وأن يؤانس، وأن تطمئن نفسه، وأولى الناس بذلك هم عصبته، وقد اختلف العلماء في تعريف العاقلة؟
فرأى الأكثر أنهم العصبة (٤).
стр. 9550
ورأى أبو حنيفة أنهم أهل الديوان (١).
وهل يرتَّب العصبة كترتيب الميراث؟
الجواب: من العلماء من قال بذلك (٢). وهل يدخل فيهم الفقير والمرأة؛ الجواب: لا، ولكن يدخل في ذلك الغائب.
* قوله: (وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ هِيَ أَنَّ الأَصْلَ هُوَ أَنَّ الْعَاقِلَةَ هِيَ الَّتِي تَحْمِلُ دِيَةَ الْخَطَإِ، فَمَنْ خَصَّصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ).
دليل الذين خصَّصوا: أن ذلك ثبت عن عمر ولم يخالف، وعمر ﵁ عندما قضى بذلك قد اشتهر في الصحابة، فينبغي أن يكون رأيه وحكمه في ذلك حجة؛ إذ لم يجد ما يخالفه.
واستنبط أبو حنيفة ما يتعلق بدية الجنين فألحق ذلك به.
стр. 9551
وقال الشافعي: "إذا كانت تحمل هذه العاقلة الكثير فكيف لا تحمل القليل؟! ".
* قوله: (وَلَا عُمْدَةَ لِلْفَرِيقِ الْمُتَقَدِّمِ إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ مَعْمُولٌ بِهِ وَمَشْهُورٌ).
قوله: "لا عمدة" لعلَّه يقصد المالكية والحنابلة، وعمدتهم ما أُثِر عن عمر ﵁ (١).
* قوله: (وَهُنَا انْقَضَى هَذَا الْكِتَابُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَقَّ حَمْدِهِ).
لا يقصد بانقضاء الكتاب الذي هو (بداية المجتهد)، وإن كنا بحمد اللّه قاربنا على الانتهاء منه، لكنه يقصد انقضاء الكتاب الذي هو فيه، وهو (كتاب الجنايات)، وهو من أهمِّ الكتب؛ لأنه يتعلق بحياة الناس ومماتهم، وما يترتب على ذلك من القتل ومن الجناية على الإنسان نفسًا أو عضدًا أو جرحًا، فالشريعة الإسلامية صانت حرمة المسلم وحافظت على دمائه، ولذلك لم يغفل رسول اللّه ﷺ ذلك الجانب في آخر خطبة خطبها الناس في مكان عظيم في يوم عرفة، فقال: "إن دماءَكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم" (٢). فبيَّن الرسول ﷺ حرمةَ دم المؤمن، وأنه لا يجوز أن يُتعدَّى عليه، وقال: "كلُّ المسلم على المسلَم حرامٌ دمُه ومالُه وعرضه" (٣). وإن توسع المؤلِّف بعض التوسع في هذا الكتاب إِلَّا أنه أجمل
стр. 9552
بالنسبة لغيره، لكنه طاف ومرَّ على أكثر المسائل وأهمها وقد عرضنا أيضًا وأضفنا إضافات إلى ما ذكر المؤلف مما رأينا أن الحاجة تستدعي بيانًا.
فقد انتهى إذًا من هذا الكتاب، وهو من الكتب المهمة، بل كتب الفقه كلها مهمة، لكنها قد تتفاوت من درجة إلى أُخرى، فترون بأنها تأتي في الأهمية "العبادات"؛ لأن العبادات تأتي في مقدمتها الصلاة وهي الركن الثاني بعد الشهادتين، ثم الزكاة وهي الركن الثالث، ثم الصِّيام وهو الركن الرابع، ثم الحج وهو الركن الخامس، ونحن بحمد الله قد قطعنا شوطًا كبيرًا وإن كنا قد أمضينا وقتًا كثيرًا في هذا الكتاب إِلَّا أنه بحمد الله قارب وأوشك على الانتهاء.
* * *
стр. 9553
[كِتَابُ الْقَسَامَةِ] (١)
هنا سؤال: هل هناك مناسبة بين كتاب الجنايات (٢) وكتاب القسامة؟
الجواب: نعم؛ لأن كليهما متعلق بالقتل، وأصله التعدي على النفس، لكن قد تكون الأمور معلومة؛ كأن يقتل إنسان إنسانًا عمدًا فيُعرف القاتل، أو يجرحه فيعرف الجارح، أو يجني عليه فيعرف الجاني، وذلك أمر ظاهر.
стр. 9554
وقد تكون الأمور غير ظاهرة، كأن يُقتل إنسان ولا يعلم قاتله، ومعلوم أن من يريد التعدي على النفوس فإنه دائمًا يتحين الفرص، بأن يبحث عن الخلوات، يعني إذا أراد أن يغدر بإنسان فإنه لا يقتله أمام الناس وإنما يقتله بعيدًا عن أعين الناس؛ حتى لا تقام عليه الدعوى، ولا يكون هناك شهود، إِلَّا أن تحصل مضاربة أو نعد، أو غير ذلك كما مر (١).
فهذا اختصار لما بين الجنايات والقسامة من المناسبة، وما بينهما من الافتراق.
كتاب القسامة من أقسم يقسم قسمًا وقسامة، فهو يرجع إلى القسم، ومعناه من حلف الحلف؛ فمعناه الحلف، فالمراد بالقسامة تكرار الأيمان، يعني أن يحلف عدة أيمان، خمسين يمينًا كما جاء في الحديث (٢).
فقد يُعتدى على شخص كما سيأتي في قصة عبد اللّه بن سهل، عندما كان هو ومُحَيِّصة في طريق من طرق خيبر وقد تمَّ الصلح بين رسول اللّه ﷺ وبين اليهود، فتفرقا في الطريق، فعاد محيصة فوجد زميله يتشحط يعني يضطرب في دمه قتيلًا (٣).
إذن وجده قتيلًا ولم ير من قتل ولم يعرفه، فهل اليهود هم الذين قتلوه؟ سيأتي بيان ذلك في هذا الكتاب.
стр. 9555
وقد عرض المؤلف في هذا الكتاب عدة مسائل، وسوف نتناولها إن شاء اللّه واحدة واحدة.
قال المصنف رحمه اللّه تعالى: (اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقَسَامَةِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ تَجْرِي مَجْرَى الأُصُولِ لِفُرُوعِ هَذَا الْبَابِ).
اختلف العلماء في القسامة في أربع مسائل تجري مجرى الأصول، هذا هو منهجه في كتابه منذ أن بدأ هذا الكتاب حتى قاربنا على إنهائه، فإن المؤلف ﵀ لم يعنَ كثيرًا بالفروع، وهو قد بين ذلك حيث سيأتي في كتاب القذف أنه قال: "إن أنسأ اللّه في عمري فسأكتب كتابًا في فروع مذهب مالك".
إذن هو لم يقصد الكلام في الفروع، وإنما قصد الكلام في أمهات المسائل، وهي كبرياتها التي تقرب مما نعرفه بالقواعد الفقهية، والواحدة منها حكم عام يندرج تحته أحكام جزئية كبيرة.
فالمؤلف يدرس الباب، ثم يستخلص منه كبريات المسائل، ثم يضعها ويترك القارئ والدارس لهذا الكتاب؛ ليجتهد في إلحاق ما لم يذكره بما ذكره، ولذلك سماه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" فهو بداية للمجتهد، ومن يريد أن يقتصد في الفقه فإن هذا الكتاب يكفيه.
وأما من يشمر عن ساعد الجد، ويريد أن يتزود ويبحث وينقب ويتوسع، فإن هذا الكتاب بلا شك لا يكفيه؛ لأنه بحاجة إلى أن يطوف في كتب الفقه، ولو قال: لو قرأت المغني - وهو من أجلِّ الكتب وأكثرها وأكبرها - يكفيني، فإنه يقال له: هناك مسائل أيضًا فاتت صاحب المغني مع قلتها، فأنت تحتاج إلى أن تعرفها وتفقهها، فما نقل عن العلماء كله قد جُمِع، لكن الإلمام به أمر صعب.
* قوله: (الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ يَجِبُ الْحُكْمُ بِالْقَسَامَةِ أَمْ لَا؟).
أقربها لكم بعبارة أُخرى: هل القسامة حكم شرعي؟ أم أنها ليست حكمًا شرعيًّا؟
стр. 9556
هذا هو الذي يريده المؤلف؛ لأن قوله: هل يجب الحكم بها. معناه: هل لها أصل؟ أم ليس لها أصل؟
فإن قلنا: لها أصل في هذا الشريعة، أصبحت مشروعة، وإذا كانت مشروعة فينبغي أن يحكم بها وهناك خلاف في حكم رسول اللّه ﷺ فيها، مع أن القضية التي ذكرت قبل قد حصلت، لكن بعض أهل العلم (١) يقول: "إن رسول اللّه ﷺ دعا لأن يحلف أولياء المقتول، ولم يطلبوا يمين أولئك الأقوام؛ لأنهم وصفوهم بأنهم كفار، فلا يوثق بهم في الأيمان، ولذلك وَدَاهُ رسول اللّه ﷺ ؛ أي: دفع ديته".
* قوله: (الثَّانِيَةُ: إِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهَا هَلْ يجِبُ بِهَا الدَّمُ؟ أَوِ الدِّيَةُ؟ أَوْ دَفْعُ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى؟).
معنى قول المؤلف أنه لو قلنا بمشروعيتها فهل يجب بها القَوَدُ؟ أم الدِّيَةُ؟ أم ماذا؟
* قوله: (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَلْ يَبْدَأُ بِالأَيْمَان فِيهَا الْمُدَّعُونَ؟ أَوِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ؟).
يعني هناك مدَّعٍ ومدعًى عليه، والرسول ﷺ في ذلكم الحديث الصحيح وضع لنا قاعدة: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء أقوام وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر" (٢).
فالبينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، فإذا ادعيت شيئًا فعليك أن تأتي بالبينة، وإذا عجزت عن البينة تنقل الدعوى إلى المدعى عليه، فحينئذ يحلف اليمين، على ما هو معروف في ذلك وما سيأتي إن شاء اللّه في كتاب الدعاوى والبينات.
стр. 9557
فهل القسامة جاءت على هذا النسق؟ أم أنها خرجت عن ذلك؟
يقول بعض أهل العلم (١): "بأنها خالفت كلام الرسول؛ ففي القسامة تشهد على أمر لم تره، كأن يوجد قتيل وليس ثمة علامة تدل على أن الذي قتله فلان، ولذلك اشترط بعض العلماء في قبولها شروطًا لم يذكرها المؤلف؛ لأنه لا يفصل".
ذكر بعض أهل العلم (٢) سبعة شروط للقسامة؛ منها أن يوجد شساهد، والمعروف شرعًا فيما عدا الزنا شاهدان، فلو وجد شاهد واحد اعتبر قرينة، فهذا يعتبر مرجحًا، وقال بعض أهل العلم (٣): "إن وجد عدد من الشهود غير العدول فإنه ينظر إلى شهادتهم بعين الاعتبار، لكن لا يصدر الحكم بها، وهكذا ذكروا عدة أسباب".
* قوله: (وَكلمْ عَدَدُ الْحَالِفِينَ مِنَ الأَوْليَاءِ؟).
هل يحلف خمسون كما ورد، كما جاء في الحديث "فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا" (٤) كما قال الرسول ﷺ ، وقد كتب إلى اليهود فأنكروا ذلك لما وجد عبد اللّه بن سهل ميتًا يتشحط في دمه، يعني يضطرب في دمه، فإن زميله دفنه، ثم جاء فأخبر بذلك أخاه عبد الرحمن بن سهل، ثم ذهب ابنا عمه محيصة وحويصة ابنا مسعود إلى رسول اللّه ﷺ ، وتصدر للكلام - كما سيأتي - عبد الرحمن بن سهل؛ لأنه أخوه فأوقفه رسول اللّه ﷺ وقال له: "كبِّر كبر".
وهذا يعطينا المنهج السوي الذي ينبغي أن يسلكه المؤمن تجاه الكبير "ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا" (٥) فالكبير دائمًا
стр. 9558
يوقر، فقال له: "كبِّر كبِّر" (١)، أي: دع الأكبر، وفي رواية أُخرى: "الكُبْرَ الكُبْرَ" (٢)، أي: يبدأ بالأكبر فالأكبر، فتكلم الاثنان، ثم بعد ذلك تكلم هو.
وهذا نوع من التربية الإسلامية، وهو خلق كريم بيّن فيه رسول اللّه ﷺ ما ينبغي للمسلم إذا كان مع إخوة له، وأرادوا أن يتكلموا في أمر من الأمور، فينبغي أن يبدأ الأكبر فالأكبر، إِلَّا أن يكون الكبير جاهلًا لا يحسن الكلام فالمرء بأصغريه (٣)؛ قلبه ولسانه، ولذلك نرى أن الإسلام نظر إلى الكبير في مواضع، فقد مر في كتاب الإمامة قول رسول اللّه ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللّه، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنًّا" (٤).
إذًا عندما يتساوى اثنان في أمر من الأمور، فيقدم الكبير تقديرًا وإجلالًا لهذا الكبير، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "كبِّر كبِّر".
* قوله: (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِيمَا يُعَدُّ لَوْثًا يَجِبُ بِهِ أَنْ يَبْدَأَ الْمُدَّعُونَ بِالأَيْمَانِ).
سيأتي الكلام عن معنى اللوث وهو وجود عداوة.
* قوله: (أَمَّا وُجُوبُ الْحُكْمِ بِهَا عَلَى الْجُمْلَةِ فَقَالَ بِهِ
стр. 9559
جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ؛ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَة (٣)، وَأَحْمَدُ (٤)، وَسُفْيَانُ (٥)، وَدَاوُدُ وَأَصْحَابُهُمْ (٦)، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ فُقَهَاءِ الْأمْصَارِ).
يريد بسفيان سفيان الثوري، وقال بذلك أيضًا الليث بن سعد (٧)،
стр. 9560
والأوزاعي (١)، وإسحاق بن راهويه (٢) وعامة العلماء قالوا بذلك.
إذًا جماهير العلماء؛ من الصحابة والتابعين، ومن الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة، ومن المحدثين، قالوا بمشروعية القسامة، لكن هناك من خالف فيها كما سنرى.
* قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَأَبُو قِلَابَةَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنُ عُلَيَّةَ: لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا) (٣).
سالم بن عبد الله بن عمر، وأبو قلابة، وعمر بن عبد العزيز (٤) الخليفة المعروف. أما ابن علية والأصم فقد مر ذكرهما في مواضع، وهما ممن عرفا بشذوذهما في مخالفة الإجماع، لكن في غير هذه المسألة، فأحيانًا ينفرد أحدهما برأي ويعد مخالفًا للإجماع، لكن الخلاف في هذه المسألة قائم، وليست مما أجمع عليه.
* قوله: (وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ مَا ثَبَتَ عَنْهُ ﵊ مِنْ حَدِيثِ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ، وَهُوَ حَدِيث مُتَّفَق عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ).