← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 9556–9595 · переход к 9561.

стр. 9556

هذا هو الذي يريده المؤلف؛ لأن قوله: هل يجب الحكم بها. معناه: هل لها أصل؟ أم ليس لها أصل؟ فإن قلنا: لها أصل في هذا الشريعة، أصبحت مشروعة، وإذا كانت مشروعة فينبغي أن يحكم بها وهناك خلاف في حكم رسول اللّه ﷺ فيها، مع أن القضية التي ذكرت قبل قد حصلت، لكن بعض أهل العلم (١) يقول: "إن رسول اللّه ﷺ دعا لأن يحلف أولياء المقتول، ولم يطلبوا يمين أولئك الأقوام؛ لأنهم وصفوهم بأنهم كفار، فلا يوثق بهم في الأيمان، ولذلك وَدَاهُ رسول اللّه ﷺ ؛ أي: دفع ديته". * قوله: (الثَّانِيَةُ: إِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهَا هَلْ يجِبُ بِهَا الدَّمُ؟ أَوِ الدِّيَةُ؟ أَوْ دَفْعُ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى؟). معنى قول المؤلف أنه لو قلنا بمشروعيتها فهل يجب بها القَوَدُ؟ أم الدِّيَةُ؟ أم ماذا؟ * قوله: (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَلْ يَبْدَأُ بِالأَيْمَان فِيهَا الْمُدَّعُونَ؟ أَوِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ؟). يعني هناك مدَّعٍ ومدعًى عليه، والرسول ﷺ في ذلكم الحديث الصحيح وضع لنا قاعدة: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء أقوام وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر" (٢). فالبينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، فإذا ادعيت شيئًا فعليك أن تأتي بالبينة، وإذا عجزت عن البينة تنقل الدعوى إلى المدعى عليه، فحينئذ يحلف اليمين، على ما هو معروف في ذلك وما سيأتي إن شاء اللّه في كتاب الدعاوى والبينات.

стр. 9557

فهل القسامة جاءت على هذا النسق؟ أم أنها خرجت عن ذلك؟ يقول بعض أهل العلم (١): "بأنها خالفت كلام الرسول؛ ففي القسامة تشهد على أمر لم تره، كأن يوجد قتيل وليس ثمة علامة تدل على أن الذي قتله فلان، ولذلك اشترط بعض العلماء في قبولها شروطًا لم يذكرها المؤلف؛ لأنه لا يفصل". ذكر بعض أهل العلم (٢) سبعة شروط للقسامة؛ منها أن يوجد شساهد، والمعروف شرعًا فيما عدا الزنا شاهدان، فلو وجد شاهد واحد اعتبر قرينة، فهذا يعتبر مرجحًا، وقال بعض أهل العلم (٣): "إن وجد عدد من الشهود غير العدول فإنه ينظر إلى شهادتهم بعين الاعتبار، لكن لا يصدر الحكم بها، وهكذا ذكروا عدة أسباب". * قوله: (وَكلمْ عَدَدُ الْحَالِفِينَ مِنَ الأَوْليَاءِ؟). هل يحلف خمسون كما ورد، كما جاء في الحديث "فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا" (٤) كما قال الرسول ﷺ ، وقد كتب إلى اليهود فأنكروا ذلك لما وجد عبد اللّه بن سهل ميتًا يتشحط في دمه، يعني يضطرب في دمه، فإن زميله دفنه، ثم جاء فأخبر بذلك أخاه عبد الرحمن بن سهل، ثم ذهب ابنا عمه محيصة وحويصة ابنا مسعود إلى رسول اللّه ﷺ ، وتصدر للكلام - كما سيأتي - عبد الرحمن بن سهل؛ لأنه أخوه فأوقفه رسول اللّه ﷺ وقال له: "كبِّر كبر". وهذا يعطينا المنهج السوي الذي ينبغي أن يسلكه المؤمن تجاه الكبير "ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا" (٥) فالكبير دائمًا

стр. 9558

يوقر، فقال له: "كبِّر كبِّر" (١)، أي: دع الأكبر، وفي رواية أُخرى: "الكُبْرَ الكُبْرَ" (٢)، أي: يبدأ بالأكبر فالأكبر، فتكلم الاثنان، ثم بعد ذلك تكلم هو. وهذا نوع من التربية الإسلامية، وهو خلق كريم بيّن فيه رسول اللّه ﷺ ما ينبغي للمسلم إذا كان مع إخوة له، وأرادوا أن يتكلموا في أمر من الأمور، فينبغي أن يبدأ الأكبر فالأكبر، إِلَّا أن يكون الكبير جاهلًا لا يحسن الكلام فالمرء بأصغريه (٣)؛ قلبه ولسانه، ولذلك نرى أن الإسلام نظر إلى الكبير في مواضع، فقد مر في كتاب الإمامة قول رسول اللّه ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللّه، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنًّا" (٤). إذًا عندما يتساوى اثنان في أمر من الأمور، فيقدم الكبير تقديرًا وإجلالًا لهذا الكبير، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "كبِّر كبِّر". * قوله: (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِيمَا يُعَدُّ لَوْثًا يَجِبُ بِهِ أَنْ يَبْدَأَ الْمُدَّعُونَ بِالأَيْمَانِ). سيأتي الكلام عن معنى اللوث وهو وجود عداوة. * قوله: (أَمَّا وُجُوبُ الْحُكْمِ بِهَا عَلَى الْجُمْلَةِ فَقَالَ بِهِ

стр. 9559

جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ؛ مَالِكٌ (١)، وَالشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَبُو حَنِيفَة (٣)، وَأَحْمَدُ (٤)، وَسُفْيَانُ (٥)، وَدَاوُدُ وَأَصْحَابُهُمْ (٦)، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ فُقَهَاءِ الْأمْصَارِ). يريد بسفيان سفيان الثوري، وقال بذلك أيضًا الليث بن سعد (٧)،

стр. 9560

والأوزاعي (١)، وإسحاق بن راهويه (٢) وعامة العلماء قالوا بذلك. إذًا جماهير العلماء؛ من الصحابة والتابعين، ومن الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة، ومن المحدثين، قالوا بمشروعية القسامة، لكن هناك من خالف فيها كما سنرى. * قوله: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَأَبُو قِلَابَةَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنُ عُلَيَّةَ: لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا) (٣). سالم بن عبد الله بن عمر، وأبو قلابة، وعمر بن عبد العزيز (٤) الخليفة المعروف. أما ابن علية والأصم فقد مر ذكرهما في مواضع، وهما ممن عرفا بشذوذهما في مخالفة الإجماع، لكن في غير هذه المسألة، فأحيانًا ينفرد أحدهما برأي ويعد مخالفًا للإجماع، لكن الخلاف في هذه المسألة قائم، وليست مما أجمع عليه. * قوله: (وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ مَا ثَبَتَ عَنْهُ ﵊ مِنْ حَدِيثِ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ، وَهُوَ حَدِيث مُتَّفَق عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ).

стр. 9561

بل هو حديث رواه الجماعة: رواه البخاري (١) في صحيحه وكذلك مسلم (٢)، وأصحاب السنن: أبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥)، وا بن ماجه (٦)، وكذلك أحمد (٧) والبيهقي (٨) وغيرهم (٩). فهذا حديث اشتُهِر وخرّج في غالب كتب السنة، ولا تكاد تجد كتابًا من كتب السنة إِلَّا وقد جاء هذا الحديث فيه، وقد جاء الحديث بروايات متعددة، والمؤلف هنا أشار إليه، ولكنه ربما يذكره بعد ذلك كما أشار. وقصة هذا الحديث أنه انطلق عبد اللّه بن سهل وكذلك محيّصة إلى خيبر، وهي يومئذ صلح؛ جاء في الحديث: "وهناك صلح بين المسلمين وبين اليهود فتفرقا في خيبر" (١٠) يعني هذا ذهب في جهة وهذا في جهة، فعاد عبد اللّه إلى نقطة الالتقاء، فوجده محيصة زميله وقريبه يتشحط في دمه، أي: يضطرب ويتقلب في الدم، فنظر فلم يجد حوله أحدًا، فدفنه، ثم قفل راجعًا إلى المدينة، فانطلق أخوه عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة بن مسعود، ذهبوا إلى رسول اللّه ﷺ فأخبروه الأمر. جاء في بعض الروايات أن رسول اللّه ﷺ كتب إلى اليهود، فأنكروا، فطلب رسول اللّه ﷺ من أولياء دمه أن يحلفوا، فقالوا: يا رسول اللّه، نحلف على أمر لم نشهده ولم نره، نحن ما شهدنا (١١).

стр. 9562

فاللّه تعالى يقول: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ وكذلك يقول الرسول ﷺ وهذا توضيح مني - لرجل: "ترى الشمس"؟ يقول الرجل: نعم. قال: "على مثلها فاشهد أو دع" (١). وهكذا نرى في مثل هذا المقام، وقد عرف اليهود بالقتل، بل تجاوزوا إلى أن قتلوا الأنبياء فليس ذلك بغريب عليهم، لكن انظر إلى حيطة المسلم وتوقفه؛ فإنهم قالوا: هذا أمر لم نشهده فكيف نشهد؟ ولم نره حتى نقول، فقال رسول اللّه ﷺ : "تبرئكم إذن يهود بخمسين يمينًا" يعني اليهود يحلفون خمسين يمينًا، فقالوا: يا رسول اللّه، هم كفار، فكيف تقبل شهادتهم وهم كفار؟! ما أسهل اليمين عندهم! الذين خططوا لرسول للّه ﷺ ، والذين بنوا مسجد الضرار (٢)، والذين أرادوا أن يقتلوا رسول اللّه ﷺ (٣) لا يوثق

стр. 9563

بهم أن يحلفوا؛ فإنهم إن كانوا كفروا باللّه ، واعترضوا على أنبيائه، وحرّفوا الكلم عن مواضعه، فما أسهل أن يحلفوا! فقام رسول اللّه ﷺ فوداه (١)، يعني دفع الدية عنه. هذا الحديث مناط الخلاف حوله، فجمهور العلماء يقولون: "هذا نص في الحكم في القسامة". ومن خالفهم من أهل العلم يقولون: "لا، فرسول اللّه لم يحكم بها، ولو كانت القسامة مشروعة لقال: لا، بل يحلف اليهود خمسين يمينًا ثم بعد ذلك يبرؤون، وإنما قال لأولياء القتيل: تحلفون خمسين يمينًا، ولذلك سيأتي كلام المؤلف أن هذا من أمر الجاهلية ولم يقل به الإسلام". وهذا كلام غير صحيح، نعم نحن نقول بأن القسامة كانت في الجاهلية (٢)

стр. 9564

ولكنها أقرها الإسلام (١)، وما يؤخذ على هذا الكتاب من مآخذ هو أن المؤلف يقتصر على ما يرد في كتاب الاستذكار فقط، فهناك حديث في صحيح مسلم بيّن أن القسامة كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام (٢)، أي: أثبت حكمها، إذن هذا الحديث نص في المسألة، ولكن رسول اللّه ﷺ لم يحكم به؛ لأن أولياء الدم امتنعوا، قالوا: لا نقبل قسم أولئك، ولو طلبوا أن يحلف أولئك لحلفوا وانتهى الأمر. * قوله: (إِلَّا أَنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي أَلْفَاظِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ). نعم جاء بألفاظ عدة فيها ذكر خمسين يمينًا، وفيها ذُكِرَ أيضًا "يُدفع إليكم برمته" (٣)، لكن ذلك كله شاهد في القسامة. * قوله: (وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ النَّافِي لِوُجُوبِ الْحُكْمِ بِهَا أَنَّ الْقَسَامَةَ مُخَالِفَةٌ لِأُصُولِ الشَّرْعِ الْمُجْمَعِ عَلَى صِحَّتِهَا). إذن قالوا بأن القسامة لم تأتِ على أصول الشريعة المعروفة، كما سيأتي في الحديث "لو يعطى الناس بدعواهم" (٤) فإنها هنا وجهت اليمين إلى المدعين، والعادة أن توجَّه إلى المدعى عليه، فإن المدعي يقدم البينة، والمدعى عليه إذا أنكر فإنه يطلب منه اليمين إذا لم توجد البينة.

стр. 9565

كما أن القسامة جاءت على خلاف الأصول؛ لأنه يقسم على أمر لم ير ولم يشاهد، والمعروف أن الإنسان إنما يقسم على أمر قد رآه وعلمه، ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ قال: هل رأيت الشمس؟ قال: نعم. قال: على مثلها فاشهد أو دع (١). فالفريق الثاني من أهل العلم، وهم غير الجمهور يقولون: مخالف، ولكن متى ننظر للمخالفة؟ في حالة عدم وجود نص، وهذا قد ذكرته آنفًا، وقد مر من قبل أن هناك من يقول بأن السَّلَمَ جاء على خلاف القياس، وأن الجعالة جاءت على خلاف القياس، بل هناك من يقول: الإجارة جاءت على خلاف القياس، والمضاربة جاءت على خلاف القياس، وهذه قضية مختلف فيها، ومن العلماء من يقول بأن القياس يعتمد على الرأي الصحيح، فلا يوجد قياس صحيح يعارض نصًّا صحيحًا، فإذا كان القياس سليمًا فإنه لا يتعارض مع النص (٢). فإذا عاد القارئ إلى الخلاف فيما يتعلق بحكم أو بمشروعية القسامة، فإنه سيرى أن جماهير العلماء؛ من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة المشهورين، كلهم قالوا بمشروعية القسامة، وأن ذلك ثبت من سنة رسول اللّه ﷺ ، وبعض العلماء - وهم قليلون بالنسبة إلى الذين قالوا بالمشروعية - قالوا بأنها غير مشروعة ومنهم سالم بن عبد اللّه، وأبو قلابة، وعمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، وغير هؤلاء (٣).

стр. 9566

والحديث متفق عليه، بل هو أكثر من ذلك، رواه الجماعة، فهو في صحيحي البخاري ومسلم، وكذلك في السنن، وفي غيرها من المسانيد. وهذا الحديث أشرنا إليه سابقًا، وهو أن عبد اللّه بن سهل ومحيصة انطلقا إلى خيبر - وهناك روايات كثيرة لهذا الحديث، بعضها في الصحيحين وبعضها خارج الصحيحين، وبعضها في الموطأ، وقد اشتمل بعضها على بعض الزيادات، لكنها كلها تلتقي حول موضع القسامة - وقد أصابهم الجهد، أي: الفقر والشدة، ومعلوم أن خيبر كانت تشتهر - ولا تزال - بنخيلها، فتفرقا في النخيل، فأُخبر، وفي رواية فأتى محيصة فوجد عبد اللّه" بن سهل يتشحط في دمه، أي: يضطرب ويتقلب في دمه، وجاء في بعض الروايات أنه قتل، وألقي في فقير بئر. وفي بعض الروايات أنه ألقي في عين (١)، أي: في حفرة واسعة تقع بين النخيل، فما كان منه إِلَّا أن قام بدفنه، ثم انطلق صوب المدينة فأخبر بخبره، فانطلق أخوه عبد الرحمن بن سهل شقيقه، وابنا عمه محيصة وحويصة إلى رسول اللّه ﷺ ، فأخبروه الخبر، فبدأ الكلام عبد الرحمن بن سهل؛ لأنه أخوه، فقال له رسول اللّه ﷺ : "كبّر كبّر" وفي رواية: "الكبر الكبر" (٢)، أي: دع الحديث لمن هو أكبر منك، وكان أكبرهم حويصة ثم محيصة ثم عبد الرحمن بن سهل أخو القتيل، فما كان من رسول اللّه ﷺ إِلَّا أن طلب منهم أن يحلفوا خمسين يمينًا، فيدفع إليهم القاتل برمته، على رجل من اليهود، فقالوا: يا رسول اللّه، نحلف على أمر لم نشهد ولم نر؟

стр. 9567

فقال: "تبرئكم يهود بخمسين يمينًا". قالوا: قوم كفار كيف تقبل شهادتهم؟ فوداه رسول اللّه ﷺ . هذا هو الحديث الذي أشار إليه المؤلف، وربما يأتي إليه أيضًا، وستأتي أحاديث أُخرى لها علاقة بالمسألة، فهذا هو حجة جماهير العلماء الذين قالوا بالقسامة، وسيأتي فيما نقل عن عمر بن عبد العزيز ما لم يذكره المؤلف في قصته، أو في لقائه مع الإمام الزُّهري الذي سنشير إليه. * قوله: (فَمِنْهَا أَنَّ الأَصْلَ فِي الشَّرْعِ أَلَّا يَحْلِفَ إِلَّا عَلَى مَا عَلِمَ قَطْعًا أَوْ شَاهَدَ حِسًّا. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يُقْسِمُ أَوْليَاءُ الدَّمِ، وَهُمْ لَمْ يُشَاهِدُوا الْقَتْلَ؟ بَلْ قَدْ يَكُونُونَ فِي بَلَدٍ وَالْقَتْلُ فِي بَلَدٍ آخَرَ). وهذا ما سيأتي في كلام عمر بن عبد العزيز عندما تردد، يعني قد يكون القتيل في بلد والذين يقسمون في بلد آخر، فكيف يحلفون على أمر لم يكن بحضرةٍ منهم ولم يروه؟. * قوله: (وَلذَلِكَ رَوَى الْبُخَارِيُّ (١) عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبْرَزَ (٢) سَرِيرَهُ يَوْمًا للنَّاسِ ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي الْقَسَامَةِ؟). أبرز سريره، أي: أظهره، وليس المراد أنه أظهره إلى السوق أو إلى

стр. 9568

الشارع، وإنما أبرزه إلى محيط البيت، أي: إلى فنائه، وأذن للناس بالدخول إليه، والسرير هو ما يجلس عليه الخليفة والأمير، وقد يكون نوعًا من الكراسي أو من غيرها، لكن له مجلس خاص يجلس عليه. * قوله: (فَأَضَبَّ الْقَوْمُ). فأضب القوم (١)، أي: فسكتوا، والسكوت له معانٍ كما هو معلوم، فربما تسكت لتستمع وأنت موافق للقائل، وربما تسكت مستمعًا وأنت معارض، وهذا ما حصل من القوم - كما سيأتي - في هذا الأثر. * قوله: (وَقَالُوا: نَقُولُ: إِنَّ الْقَسَامَةَ الْقَوَدُ بِهَا حَقٌّ، قَدْ أَقَادَ بِهَا الْخُلَفَاءُ). وقضى بها رسول اللّه ﷺ أيضًا كما سيأتي. * قوله: (فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا قِلَابَةَ؟ وَنَصَّبَنِي لِلنَّاسِ) (٢). إذن هو وجّه السؤال بدايةً إلى الناس فقالوا: نقول بأنها مشروعة؛ لأن الخلفاء حكموا بها، بل وقبل الخلفاء قضى بها رسول اللّه ﷺ . * قوله: (فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عِنْدَكَ أَشْرَافُ الْعَرَبِ وَرُؤَسَاءُ الأَجْنَادِ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ رَجُلًا شَهِدُوا عِنْدَكَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ زَنَى بِدِمَشْقَ، وَلَمْ يَرَوْهُ - أَكُنْتَ تَرْجُمُهُ؟ قَالَ: لا). لا يرجمه؛ لأنهم يشهدون على أمر لم يروه، ومعلوم ما يتعلق بأمر الزنا، فالشهادة فيه تختلف عن الشهادة في غيره، فلا بد فيها من تأكيدات، ولذلك في قصة الذين شهدوا على المغيرة، لما تردد زياد

стр. 9569

جلدهم عمر ﵁ (١). * قوله: (قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ خَمْسِينَ رَجُلًا شَهِدُوا عِنْدَكَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ بِحِمْصَ، وَلَمْ يَرَوْهُ - أَكُنْتَ تَقْطَعُهُ؟ قَالَ: لا). والخليفة في عاصمة الدولة الإسلامية التي هي في دمشق، فقال: لو حصل ذلك في بلد آخر، في مدينة أُخرى غير هذه، أكنت تفعل؟ قال: لا، يعني هو يعطيه هذا من باب ضرب الأمثلة؛ لأن الأمثلة مفيدة دائمًا، واللّه قد أكثر منها في الكتاب العزيز بقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]، ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣]. فهذه الأمثال التي نراها في كتاب اللّه ، وما يحكيه اللّه ، لنا من قصص السابقين، إنما فيه مواعظ وعبر ودروس، وزواجر أحيانًا، فينبغي أن يستفيد المسلم دائمًا من ضرب الأمثلة، وكذلك ينبغي أن يستفيد من القصص؛ فإن كانت تلك القصة فيها خير فإنه يسارع إلى فعله وإن كان في ذلك شر فإنه يتجنبه ويبتعد عنه، ثم إن في ضرب الأمثلة تقريبًا للأذهان. * قوله: (وفي بعض الروايات (٢): قلت: فما بالهم إذا شهدوا أنه

стр. 9570

قتله بأرض كذا وهم عندك، أقدت بشهادتهم؟ قال: فكتب عمر بن العزيز في القسامة أنهم إِنْ أقاموا شاهدي عدل أن فلانًا قتله فأقده، ولا يقتل بشهادة الخمسين الذين أقسموا). إذًا عمر بهذا عدل عن القسامة لقول أبي قلابة، وأنه رد ذلك إلى الحكم الشرعي المعروف فإذا وُجد اثنان شاهدان عدلان كاملان، يعني اجتمعت فيهما شروط الشهادة، فإنه ينفذ القتل. لكن هناك أيضًا مثل آخر لم يذكره المؤلف، فإنه كما جاء في مصنف عبد الرزاق عن الإمام الزُّهري التابعي وهو من أخصّ الناس بعمر بن عبد العزيز، وهو أيضًا الذي طلب منه عمر بن عبد العزيز أن يبدأ بكتابة الحديث النبوي (١)، قال: دعاني عمر بن عبد العزيز، فسألني، فقال: إني أريد أن أترك القسامة؛ يأتيني رجل من أرض كذا، وآخر من أرض كذا، فيحلفان، فقال له الإمام الزُّهري: ليس لك ذلك، قضى بها رسول اللّه ﷺ والخلفاء من بعده، وإنك إن تركت ذلك أوشك أن يقتل رجل عند بابك فيطل دمه، أي: فيذهب دمه، وإن في القسامة للناس حياة (٢)، ولعله يشير إلى قول اللّه تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]. فجاء كلام الزُّهري مخالفًا لكلام أبي قلابة، موافقًا لما ذهب إليه الجمهور، نعم هنا شبهة، والعلماء عندما قالوا بالقسامة ربطوا ذلك

стр. 9571

بأمور، بأن تكون هناك شهادة، والشهادة ليست كاملة، أو أن تكون هناك شبهة، أو غير ذلك من الأمور التي ستأتي في قصة عمر، في قصة الرجل الذي قتل بين حيين، وقد جاء عن الإمام الزُّهري ما خالف ذلك. * قوله: (قَالُوا: وَمِنْهَا أَنَّ مِنَ الأُصُولِ أَنَّ الأَيْمَانَ لَيْسَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي إِشَاطَةِ (١) الدِّمَاءِ). يعني في إضاعة الدماء وإهدارها. * قوله: (وَمِنْهَا أَنَّ مِنَ الأُصُولِ "أَنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَنِ ادَّعَى وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ") (٢). هذا في حديث "لا يعطى الناس بدعواهم" (٣)، لكن هنا نقف ونقول: هذه الأصول التي أوردها المؤلف معتمدًا فيها على ابن عبد البر في كتابه الاستذكار، وأوردها كذلك غيره جاءت عن رسول اللّه ﷺ ، وهذه القسامة ثبتت في أحاديث صحيحة عن رسول الله ﷺ . أما دعوى أن الرسول ﷺ لم يحكم بها، فهذا مردود كما سيأتي؛ فإنه قد ثبت في صحيح مسلم - ومغلوم أن صحيح مسلم لا يحتاج إلى أن يصحح الحديث فيه - أن القسامة كانت معروفة في الجاهلية (٤)، وكانوا يقسمون خمسين يمينًا، فأقرها رسول اللّه ﷺ ، وقضى بها بين أناس من الأنصار في قتيل لهم قتل بخيبر، يعني اتهم به يهود خيبر، إذن هذا الحديث فيه نص على أنها كانت في الجاهلية وأقرها الرسول ﷺ ، ومعلوم

стр. 9572

أيضًا أن المضاربة (١) أو ما يعرف بالقراض كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام (٢)، فهناك أحكام، وهناك أخلاق، وهناك أمور كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام؛ لأنها تلتقي معه ولا تتعارض، وهناك أمور أدخل عليها الإسلام ما يصلحها وهناك أمور ردّها الإسلام وأبطلها غاية الإبطال، وذلك ما يتعلق بتوحيد اللّه ، فإن أولئك كانوا يشركون مع اللّه غيره. فهذه الأصول المشار إليها آنفًا جاءت عن رسول اللّه ﷺ ، وهل القسامة هي أول ما جاء مستثنى مما تحكم به الأصول؟! ألم ينْهَ رسول اللّه ﷺ عن المزابنة (٣)؟ الجواب: نعم في حديث صحيح، ثم رخص في بيع العرايا، والعرايا (٤) إنما هي صورة من صور المزابنة، إذن هناك أمور تستثنى، فنقول: إن القسامة خصصت من تلك الأصول التي ذكرها هؤلاء العلماء، ولذلك جاء في رواية: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر إِلَّا القسامة" (٥).

стр. 9573

فهذه الرواية تدل أيضًا على أن القسامة لها حكم استثنائي، والحاجة تدعو إليه إذا وجد إنسان كالذي وجد في خيبر قتيلًا في بلد يوجد فيها اليهود، وهم أعداء للأنصار كما هو معلوم، وادَّعى أولياء الدم أنهم قتلوه ثم بعد ذلك حصلت الأيمان، فإنه حينئذٍ إما يقام القود على رأي بعض العلماء كما سيأتي، وإما الدية، وهذا أمر قضى به رسول اللّه، لكن رسول اللّه ﷺ لم ينفذ الحكم؛ لأن أهل الدعوة أبوا أن يحلفوا، ولم يقبلوا شهادة اليهود، قالوا: قوم كفار فكيف تقبل شهادتهم؟ ولذلك واده (١) رسول اللّه ﷺ ، أي: دفع ديته من عنده. ولا ننسى أيضًا أنه مر بنا في مباحث عدة منذ أن بدأنا في كتاب البيع، أن المالكية أحيانًا يقلبون "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" يقلبون ذلك أحيانًا، فيجعلون البينة على المدعى عليه؛ لوجود شبهة، فهل هناك شبهة أقوى مما يتعلق بالقسامة؟. * قوله: (وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا فِي تِلْكَ الأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَكَمَ بِالْقَسَامَةِ، وَإِنَّمَا كانَتْ حُكْمًا جَاهِلِيًّا). يردُّ ذلك ما جاء في صحيح مسلم أن القسامة كانت في الجاهلية، فأقرَّها رسول اللّه، أي جعلها حكمًا مستقِرًّا ثابتًا من أحكام هذه الشريعة، ولا يضر أنها كانت في الجاهلية، فقد كان القراض أو المضاربة في الجاهلية، ورسول اللّه ﷺ ضارب بمالٍ لخديجة بنت خويلد ﵂ (٢)، ومروح ذلك بقيت المضاربة، أي: أقرّتها هذه الشريعة، إذن الحكم الجاهلي الذي أقره الإسلام لا نقول عنه إنه حكم جاهلي ولكن نقول إنه حكم إسلامي، ثم جاء ما يثبت ذلك ويقويه، وقضى بها رسول اللّه ﷺ في قتيل الأنصار الذي قتل بخيبر، وهو عبد اللّه بن سهل.

стр. 9574

* قوله: (فَتَلَطَّفَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُرِيَهُمْ كيْفَ لَا يَلْزَمُ الْحُكْمُ بِهَا عَلَى أُصُولِ الإِسْلَامِ؟) (١). هذا قول مردود كما ذكرت، وغير مُسَلَّمِ، وإن كان المؤلف نقله عن غيره، فهو قول غير صحيح والمؤلف لم يقفَ على رواية مسلم. * قوله: (وَلذَلِكَ قَالَ لَهُمْ: "أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا؟ - أَعْنِي: لِوُلاةِ الدَّمِ، وَهُمُ الأَنْصَارُ - قَالُوا: كَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نُشَاهِدْ؟ قَالَ: "فَيَحْلِفُ لَكُمُ الْيَهُودُ؟ "، قَالُوا: كيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كفَّارٍ؟). أولًا لو لم يرد حديث مسلم لوجدنا في هذا الحديث دليلًا للجمهور؛ لأنها لو لم تكن سُنة، ولو لم تكن ثابتة لَمَا طلب رسول اللّه ﷺ من عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة أن يحلفوا خمسين يمينًا، ثم إنهم أبوا ذلك، فعرض عليهم أن يقسم لهم اليهود، فقالوا: قوم كفار لا يصدَّقون في ذلك، إذن الرسول ﷺ أراد القضاء، ولكنهم أبوا ذلك، فودى رسول اللّه ﷺ من عنده، ثم إن صاحب البيت أدرى بما فيه، فصاحب القصة الذي هو سهل بن أبي حثمة راوي هذا الحديث هو وغيره؛ ذكر ذلك؛ لأنه قد رأى، فقد حكى وروى ونقل لنا ما شاهده من القصة، فكان معايشًا للقضية مشاهدًا لها ولذلك روى الحديث.

стр. 9575

وسنعود مرة أُخرى إلى الرد على من اعترض من أهل العلم على مذهب الجمهور بهذا الحديث. * قوله: (قَالُوا: فَلَوْ كَانَتِ السُّنَّةُ أَنْ يَحْلِفُوا وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا، لَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : هِيَ السُّنَّةُ). ومما يثبت أنها السُّنة من الحديث نفسه، أنه طلب منهم ذلك، فلما توقفوا أراد أن يطلب من الطرف الآخر، فأبوا فقالوا: قوم كفار، فكيف يطلب الرسول- ﷺ منهم حكمًا جاهليًّا؟ وإذا وقفنا عند الحديث ففيه دلالة واضحة على مذهب الجمهور، فكيف وقد جاءت رواية مسلم بأن القسامة كانت في الجاهلية، فأقرها رسول اللّه ﷺ وقضى بها؟ (١). * قوله: (وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الآثَارُ غَيْرَ نَصٍّ فِي الْقَضَاءِ بِالْقَسَامَةِ، وَالتَّأوِيلُ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا، فَصَرْفُهَا بِالتَّأوِيلِ إِلَى الأُصُولِ أَوْلَى). نحن نراها نصًّا، ومما أكد هذا النص رواية مسلم، فلا تحتاج إلى تأويل، ولا تغيير ولا تبديل. * قوله: (وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِهَا وَبِخَاصَّةٍ مَالِكٌ). وأما القائلون بها وهم جماهير العلماء، قال: (وبخاصة مالك) وقد نبهت مرات إلى أننا نقول: كذا وكذا خاصة كذا، وأما العلماء السابقون فإنهم يتسمون بالدقة في التعبير اللغوي، فإنك لا تقول: خاصة وإنما نقول: بخاصة، قال: (وبخاصة مالك)؛ لأنه يعرف مذهبه أكثر من غيره، وإلا فهذا هو رأي جماهير العلماء. * قوله: (فَرَأَى أَنَّ سُنَّةَ الْقَسَامَةِ سُنَّةٌ مُنْفَرِدَةٌ بِنَفْسِهَا، مُخَصِّصَةٌ لِلأصُولِ كَسَائِرِ السُّنَنِ الْمُخَصِّصَةِ). يعني سنة مستقلة بنفسها، لا ينبغي أن نقف عندها ونقول بأنها

стр. 9576

معارضة بالأصول، بل هي نوع من السُّنة، أقرَّها رسول اللّه ﷺ وقضى بها، فهي لا تتعارض مع أصول هذه الشريعة، ومعلوم أن قضية المعارضة ذكرها بعض العلماء في مسائل كثيرة؛ في أبواب السلم إذ تدفع مالًا لآخر ولا تأخذ منه مقابلًا إِلَّا بعد فترة، وفي الإجارة إذ تدفع الإيجار والمنفعة بَعْدُ لم تنتهِ، وفي الجعالة، وفي المساقاة، وكل ذلك من الأحكام، ومع ذلك قالوا بأنها جاءت على خلاف الأصل، يعني على خلاف القياس، لكنها جاءت بنصوص، إذن هذا على فرض أنها على خلاف القياس، ولكن الصحيح أنه لا يوجد قياس صحيح يعارض نصًّا صحيحًا. * قوله: (وَزَعَمَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ حَوْطَةُ الدِّمَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَتْلَ لَمَّا كَانَ يَكْثُرُ، وَكَانَ يَقِلُّ قِيَامُ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ). أولًا كلمة زعم لا نفهم منها زعم بمعنى الإنكار، وإنما زعم هنا بمعنى ذهب أو رأى، هذا هو مراده وليس المراد هنا أن قوله غير صحيح. حوطة الدماء معناها الاحتياط لها؛ لأنه كما ذكر الإمام الزُّهري لما قال له عمر بن عبد العزيز: أريد أن أترك القسامة، فذكر له ما ذكرت من الكلام ثم قال له في آخره: إنك إن تركتها أوشك أن يقتل القتيل عند بابك فيطل (١) دمه (٢)، فيذهب دمه هدرًا؛ لأن الناس يسلكون هذه المسألك، ويتخذونها وسيلة وبخاصة أصحاب النفوس المريضة الذين ذهبت خشية الله تعالى من قلوبهم، ولذلك قال له: وإن للناس في القسامة

стр. 9577

حياة، يعني فيها حفظ لحياتهم، ومحافظة على أرواحهم، فلا ينبغي لك أن تتركها، وهي قضاء رسول اللّه والخلفاء، وسيأتي أن عمر ﵁ قضى بهذه المسألة. * قوله: (لِكَوْن الْقَاتِلِ إِنَّمَا يَتَحَرَّى بِالْقَتْلِ مَوَاضِعَ الْخَلَوَاتِ جُعِلَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ حِفْظًا لِلدِّمَاءِ). يعني يبحث عن المكان الذي فيه خلو؛ غياب عن عيون الناس، نعم عين الله تبصره، فاللّه تعالى لا تخفى عليه خافية؛ لأنه ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر: ١٩]، ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣] المراد في أحكام الدنيا، فإنه قد يخفى على الناس ولكن الدماء غالبًا لا تذهب، فإن اللّه يكشف أحوال المعتدين. * قوله: (لَكِنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ تَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالسُّرَّاقِ). الواقع أن قطاع الطرق يختلف حالهم، فالسارق له حال، يسرق من الحرز، ولكون هناك مبلغ محدد وأيضًا هناك طريق إلى أن يُقْبَض عليه، فيعترف، إلى غير ذلك. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّ السَّارِقَ تَعْسُرُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ). هل قاطع الطريق وكذلك السارق يسقط عنهما الحكم؟ متى ما ثبت الحكم عليهما يقام عليهما الحد. * قوله: (فَلِهَذَا أَجَازَ مَالِكٌ شَهَادَةَ الْمَسْلُوبِينَ عَلَى السَّالِبِينَ) (١).

стр. 9578

يعني الذين يقفون لهم في الطرق ويسلبونهم أموالهم. (مَعَ مُخَالَفَةِ ذَلِكَ لِلأُصُولِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَسْلُوبِينَ مُدَّعُونَ عَلَى سَلْبِهِمْ (١)، وَاللّهُ أَعْلَمُ، وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ الْقَائِلُونَ بِالْقَسَامَةِ فِيمَا يَجِبُ بِهَا، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: يُسْتَحَقُّ بِهَا الدَّمُ فِي الْعَمْدِ، وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ). يستحق بها الدم وكذلك الدية، والعلماء مختلفون في هذا الحكم: هل القسامة توجب عمدًا يعني قودًا أو دية فقط إذا ثبتت؟ هذا هو المراد، فالإمامان مالك وأحمد يقولان: يثبت بها العمد كالقصاص كالقتل العمد، فإن عفي إلى الدية فذلك، ومن العلماء من يقول: لا يثبت بها إِلَّا الدية، كما سيأتي عن الشافعية والحنفية، فلهم رأيان في المسألة. * قوله: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَجَمَاعَة: تُسْتَحَقُّ بِهَا الدِّيَةُ فَقَطْ. وَقَالَ بَعْضُر الْكُوفِيِّينَ: لَا يُسْتَحَقُّ بِهَا إِلَّا دَفْعُ الدَّعْوَى عَلَى الأَصْلِ فِي أَنَّ الْيَمِينَ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ). يعني أن المدعين يدعون فيدفع المدعى عليهم تلك الدعوى باليمين، ولا يترتب على ذلك شيء سوى دفع الدعوى، فهذا رأي، لكن عند الحنفية رأي آخر وهو أنها تجب بها الدية. * قوله: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَبَغْرَمُ الدِّيَةَ، فَعَلَى هَذَا إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ مِنْهَا دَفْعُ الْقَوَدِ فَقَطْ، فَيَكُونُ فِيمَا يَسْتَحِقُّ الْمُقْسِمُونَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ).

стр. 9579

فالأقوال أو المذاهب إذن أربعة: الأول: هو مذهب الإمامين مالك (١)، وأحمد (٢)، وهو: إن كانت عمدًا وجب القود، وإن كانت خطأ فالدية. الثاني: هو مذهب الشافعي (٣) ومن وافقه من أهل العلم، وهو: أنه لا يجب بها إِلَّا الدية. الثالث: مذهب بعض الحنفية (٤)، وهو: أنه لا يستحق بها إِلَّا دفع الدعوى. الرابع: مذهب بعض آخر من الحنفية (٥)، وهو: أن يحلف المدعى عليه، ويغرم الدية.

стр. 9580

* قوله: (فَعُمْدَةُ مَالِكٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ يسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ). هو ليس ابن أبي ليلى، وإنما هو أبو ليلى، وهو أحد شيوخ الإمام مالك، وسنرى أن المؤلف طعن فيه، والغريب أنه من رجال الصحيحين، فالمؤلف له كلام غريب نقله عن ابن عبد البر، وفيه خلط ومزج فينبغي أن نصححه في مواقع كثيرة، فهو إذن ليس ابن أبي ليلى، وإنما هو حديث أبي ليلى، وهو شيخ من شيوخ الإمام مالك. * قوله: (وَفِيهِ: "فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ "). هذا الحديث متفق عليه، وسيأتي كلام المؤلف حوله. في بعض الروايات: "تستحقون دم صاحبكم" (١)، وفي بعضها "يدفع برمته" (٢) يعني إليكم، لتقتلوه. * قوله: (وَكذَلِكَ مَا رَوَاهُ مِنْ مُرْسَلِ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، وَفِيهِ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ؟ "). هذه مسألة أخرى، وكذلك ما رواه من مرسل بُشير، يعني ما رواه الإمام مالك في موطئه (٣)، نعم رواه مالك مرسلًا، لكنه جاء في الصحيحين أيضًا، يعني وصل في الصحيحين: البخاري ومسلم، بل خرجه الجماعة، البخاري ومسلم وأصحاب السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وكذلك خرجه أحمد، بل خرجه غيرهم، وقد أشار المؤلف هنا إلى أنه مرسل فقط، وسيشير بعد قليل إلى أن هناك من وصله ولكنه سيشير أيضًا إلى أن راويه ضعيف، وهو ابن أبي ليلى.

стр. 9581

* قوله: (وَأَمَّا عُمْدَةُ مَنْ أَوْجَبَ بِهَا الدِّيَةَ فَقَطْ، فَهُوَ أَنَّ الأَيْمَانَ يُوجَدُ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي اسْتِحْقَاقِ الأَمْوَالِ، أَعْنِي: فِي الشَّرْعِ). يعني الشافعي ومن معه، فهو إذن ذكر دليل الجمهور؛ المالكية والحنابلة ومن معهم، وهو حديث ابن أبي ليلى، والآن سيذكر المؤلف دليل الشافعي ومن معه. * قوله: (مِثْلَ مَا ثَبَتَ مِنَ الْحُكْمِ فِي الأَمْوَالِ بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ). الرسول ﷺ قضى باليمين والشاهد (١)، إذن هذا مما أقرَّه رسول اللّه ﷺ . * قوله: (وَمِثْلَ مَا يَجِبُ الْمَالُ بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ). نكول المدعى عليه يعني توقفه وامتناعه. * قوله: (أَوْ بِالنُّكُولِ وَقَلْبِهَا عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِقَلْبِ الْيَمِينِ مَعَ النُّكُولِ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ضَعِيفٌ). كلامه مردود في الحكم على الحديث؛ لأن حديث ابن أبي ليلى خرجه البخاري في صحيحه متصلًا ليس معلقًا، وأخرجه الإمام مسلم، فهل يقال عن رجل يخرج له في الصحيحين بأنه ضعيف؟ نقول: هذا كلام غير صحيح لأمور ثلاثة: الأول: أن حديثه خرّج في الصحيحين. الثاني: أن الشيخين البخاري ومسلمًا احتجا به. الثالث: أن ابن حبان ذكره في الثقات (٢)، فلا أعتقد بأنه يقال عنه

стр. 9582

إنه ضعيف، بل هو ثقة، لكن المؤلف لعله التبس عليه الأمر لما رأى ابن عبد البر يذكر الاختلاف في اسمه؛ هل هو عبد الله بن سهل أو هو عبد الرحمن إلى آخره، فهناك اختلاف في اسمه لكنه معروف، فهو أبو ليلى دون خلاف في ذلك وهو أحد شيوخ مالك، وهل يقال عن الإمام مالك: إنه يروي عن الجهال؟! لا يروي الإمام مالك إِلَّا عن المعروفين، إذا كان هناك أمر فإنه يقول: بلغني، أو يرسل الحديث، ويكفي أن الحديث خرج في الصحيحين واحتج به عند البخاري ومسلم، ومعلوم أنه لا شروط أشد من شروط الإمام البخاري، ويليه الإمام مسلم، فلا يوجد في الصحيحين حديث ضعيف أو راوٍ ضعيف. * قوله: (لِأَنَّهُ رَجُلٌ مَجْهُولٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ مَالِكٍ. وَقِيلَ فِيهِ أَيْضًا: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَهْلٍ). بل هو ثقة، خرج له البخاري ومسلم، يعني خرجا له في الصحيحين واحتجا بحديثه، وعده ابن حبان في الثقات. * قوله: (وَحَدِيثُ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ قَدِ اخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِهِ، فَأَرْسَلَهُ مَالِكٌ). عاد مرة أُخرى إلى ما ذكرته قبل قليل، أعنى قوله: (أرسله مالك)، ولنفرض أن مالكًا أرسله، فإن البخاري ومسلمًا قد وصلاه. * قوله: (وَأَسْنَدَهُ غَيْرُهُ). وممن أسنده البخاري ومسلم، وخرجاه في صحيحيهما. * قوله: (قَالَ الْقَاضِي). القاضي هو المؤلف، فهو دائمًا يصف نفسه بالقاضي، وهذا مصطلح عند العلماء السابقين، وليس المراد به القاضي في مصطلح الأصوليين

стр. 9583

والفقهاء، وإنما هو يقصد نفسه ابن رشد الحفيد بدل أن يقول: قلت، يقول قال القاضي، وهو قاضٍ. * قوله: (يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْعِلَّةُ هِيَ السَّبَبَ فِي أَنْ لَمْ يُخْرِجِ الْبُخَارِيُّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ). وهذا أيضًا خطأ آخر، بل خرج حديثه البخاري ومسلم، وقد قلت قبل: إن من أكثر ما يؤخذ على هذا الكتاب أنه تفوته أحاديث كثيرة، وهناك البعض، لكن لو وازنا بين محاسنه والمآخذ عليه فمحاسنه كثيرة جدًّا، تكلمنا عنها عدة مرات. * قوله: (وَاعْتَضَدَ عِنْدَهُمُ الْقِيَاسُ فِي ذَلِكَ). معنى اعتضد، أي: تقوى. * قوله: (بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: "لَا قَوَدَ بِالْقَسَامَةِ"). لا قود بالقسامة يعني الدية، لكن سيأتي أثر سيكرره، لكن لا مانع أن أقدمه، وهو قتلى رجل وُجد قتيلًا بين حيين عن أحياء العرب، فحلّف عمر ﵁ أهل هذا الحي خمسين يمينًا، ثم قضى بالدية على أقربهما، يعني أقرب الحيين، فقال الذين قضى عليهم: لا أموالنا وَقَت عن أيماننا، ولا أيماننا وَقَت عن - يعني حفظتّ لنا - أموالنا. فقال لهم عمر ﵁: فإنما حفظتم بأموالكم دماءكم (١)، يعني صنتم بأموالكم دماءكم، ومعنى هذا أنه أصلًا يحكم بالقود، ولكن لما حلف هؤلاء وحلف هؤلاء أنهم لم يقتلوه شرع الدية؛ لأنه لما احتج أولئك وقالوا: ما وَقَت أموالنا أيماننا،

стр. 9584

ولا أيماننا أموالنا، قال عمر له: أمنتم بأموالكم دماءكم، يعني حفظتم، فهذا يدل على أنه قد يحكم به. قال: (واعتضد عندهم القياس في ذلك) إذن هذا دليل أيضًا للجمهور، القائل بأن القسامة ثابتة فهذا عمر ﵁ لما رفعت إليه هذه القضية، وهي أن رجلًا قتل بين حيين، أحضرهم وطلب منهم أن يحلفوا خمسين يمينًا، فحلفوا، فاجتهد في الأمر فرأى أن الأولى أن يدفع الدية مَن هو أقرب لما لم يتبين له مرجح، وإنما المرجح هو القرب، ثم إنهم اعترضوا فقالوا: لا أيماننا وَقَت أموالنا - يعني حفظتها - ولا أموالنا وَقَت أيماننا، فقال لهم: حقنتم بأموالكم دماءكم؛ إذ حفظتموها، إذن أنتم استفدتم، يعني إذا لم يكن ذلك لو ثبت الأمر، لكان حينئذٍ القود. * قوله: (وَلَكِنْ يُسْتَحَقُّ بِهَا الدِّيَةُ) (١). أجاب العلماء القائلون بالقود (٢) - وهم المالكية والشافعية - بقولهم: لعل عمر ﵁ إنما قال ذلك لما حكم بالقضية؛ لأنه تعذر وجود دليل على العمد؛ إذ لا يمكن أن يقام إِلَّا بدليل، فانتقل إلى الدية. * قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِهَا دَفْعُ الدَّعْوَى فَقَطْ فَعُمْدَتُهُمْ أَنَّ الأَصْلَ هُوَ أَنَّ الأَيْمَانَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالأحَادِيثُ الَّتِي نَذْكُرُهَا فِيمَا بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللهُ، الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْقَسَامَةِ). يعني: بعد أن اختلفوا: هل يجب بها القود ثم الدية أو الدية فقط أو التردد في ذلك، جاءت مسألة أُخرى.

стр. 9585

* قوله: (أَعْنِي الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهَا يُسْتَوْجَبُ بِهَا مَالٌ أَوْ دَمٌ فِيمَنْ يَبْدَأُ بِالأَيْمَالر الْخَمْسِينَ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الآثَارِ). العادة - كما هو معلوم - أن الذي يحلف المدعى عليه؛ لأن المدعي عادة يقدم البينة، كما في قصة هلال بن أمية لما رمى امرأته، فقال الرسول: "البينة أو حد في ظهرك" (١) فإن المدعي لا بد أن يأتي بالبينة حتى نزل ما جاء في كتاب اللّه بالنسبة لذلك الموضوع، وقد مر هذا في كتاب اللعان، فالأصل أن المدعي يقدم بينة، ولذلك قال العلماء: "لا يثبت بالقسامة مجرد الدعوى، يعني أن يقول إنسان مثلًا: قتل فلان فلانًا، دون أن يكون هناك أصول أو شبهة أو لوث يرجع إليه؛ ليبني عليه الحكم، بل لا بد أن يكون هناك أساس يرجع إليه فيما يتعلق بالموضوع". * قوله: (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢)، وَأَحْمَدُ (٣)، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ (٤) وَغَيْرُهُمْ (٥):

стр. 9586

يَبْدَأُ الْمُدَّعُونَ، وَقَالَ فُقَهَاءُ الْكُوفَةِ (١) وَالبَصْرَةِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: بَلْ يَبْدَأُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالأَيْمَانِ) (٢). يبدأ المدعى عليهم؛ لأن هذا هو الأصل "لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى رجال" (٣)، وفي رواية "أناس" (٤) وفي رواية: "أقوام" (٥) دماء أقوام

стр. 9587

وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" (١)، وفي رواية "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" (٢) إذن البينة يأتي بها المدعي، وتطلب اليمين من المدعى عليه، فهنا عكست القضية على هذا الرأي. * قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ بَدَأَ بِالْمُدَّعِينَ حَدِيثُ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى). يقصد: عن أبي ليلى. * قوله: (عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ وَمُرْسَلُهُ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ). هذا الحديث متفق عليه (٣)، ومرسله حديث بُشَيْرٍ الذي قلنا: إنه موصول في الصحيحين. * قوله: (وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى التَّبْدِئَةَ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ مَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّائِيِّ عَنْ بُشَيرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ. وَفِيهِ: "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَأْتُونَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ؟ قَالُوا: مَا لَنَا بَيِّنَةٌ! قَالَ: فَيَحْلِفُونَ لَكُمْ؟ قَالُوا: مَا نَرْضَى بِأَيْمَانِ يَهُودَ! وَكرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبطِل دَمَهُ، فَوَدَاهُ بِمِائَةِ بَعِيرٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ") (٤).

стр. 9588

ألخص الموضوع حتى أقربه قبل الكلام الطويل، من قال من أهل العلم بأن الذين يبدؤون بالأيمان هم المدعون، لهم عدة أدلة، منها: أولًا: أن سهل بن أبي حثمة قد شاهد القصة وعايشها، وهو راوي الحديث، وهو عندما روى أن الرسول ﷺ طلب من الثلاثة محيصة وحويصة وعبد الرحمن بن سهل أن يقسموا، طلب منهم الأيمان، وهو قد شاهد الموضوع وعاشه وعاصره، إذن هو أعلم به. الثاني: أن حديثه في الصحيحين، وما في الصحيحين مقدم على غيره. الثالث: أنه مثبت لذلك، وغيره نافٍ، والمثبت يقدم على النافي. هذا هو ملخص ما قاله العلماء في هذه المسألة، يعني هذا حجة للذين قالوا من أهل العلم: يبدأ المدعون بالأيمان. *قوله: (قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَا يُسْتَوْجَبُ بِالأَيْمَانِ الْخَمْسِينَ إِلَّا دَفْعُ الدَّعْوَى فَقَط). هذا رأي له، لكن الحقيقة أن ليس فيه دفع الدعوى، ولكن الرسول ﷺ لما عرض عليهم ذلك ثم ذلك فلم يحلفوا ولم يقبلوا حَلِفَ أولئك القوم قرر الدية. * قوله: (وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١) أَيْضًا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ الأَنْصَارِ).

стр. 9589

هذا الحديث أخرجه أبو داود (١)، وعبد الرزاق (٢)، والبيهقي (٣)، وغيرهم (٤). * قوله: ("أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِيَهُودَ وَبَدَأَ بِهِمْ: أَيَحْلِفُ مِنْكُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا؟ فَأبوا، فَقَالَ لِلأَنْصَارِ: احْلِفُوا! فَقَالُوا: أَنَحْلِفُ عَلَى الْغَيْبِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ديَةً عَلَى يَهُودَ). هو كتب إليهم، في بعض الروايات أنه قال: "إما أن تحلفوا، وإما أن تودوه، وإما الحرب" (٥) يعني جاءت روايات عدة. * قوله: (لِأَنَّهُ وُجِدَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ"). في بعض الروايات -كما ذكرت قبل- أنه "وجد يتشحط في دمه" (٦) وفي بعض الروايات "أنهم كسروا رقبته، وأنه ألقي في فقير بئر" (٧)، وهي حفرة واسعة تقع بين النخيل، وفي بعضها "فقير عين" (٨).

стр. 9590

* قوله: (وَبِهَذَا تَمَسَّكَ مَنْ جَعَلَ الْيَمِينَ فِي حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَلْزَمَهُمُ الْغُرْمَ مَعَ ذَلِكَ). ولكنني ذكرت حجة الفريق الأول أولًا؛ لأن سهلًا يقدم على غيره؛ لأنه عاصر القضية وشاهدها وحديثه في الصحيحين، وهو مثبِتٌ غير نافٍ. * قوله: (وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ؛ لِأَنَّهُ رَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. وَرَوَى الْكُوفِيُّونَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، أَعْنِي أَنَّهُ قَضَى عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالْيَمِينِ وَالدِّيَةِ. وَخُرِّجَ مِثْلُهُ أَيْضًا). الضمير يعود إلى أبي داود (١)، يعني خرج أبو داود مثله، ورواه غيره أيضًا كالبيهقي (٢). * قوله: (مِنْ تَبْدِئَةِ الْيَهُودِ بِالأَيْمَانِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ). التبدئة بالأيمان هي طلب البدء بها، فهو الآن يذكر كلام الفريق الثاني، أن الذي يبدأ هو المدعى عليه، وهو ما يوافق الأصول. *قوله: (وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى مَالِكٍ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَعِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالً لِلْجُهَنِيِّ الَّذِي ادَّعَى دَمَ وَليِّهِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَعْدٍ، وَكَانَ أَجْرَى فَرَسَهُ فَوَطِئَ عَلَى أُصْبُعِ الْجُهَنِيِّ فَتَرَدَّى فِيهَا، فَمَاتَ). يعني مكث فترة، ثم توفي بعد ذلك.

стр. 9591

* قوله: (فَقَالَ عُمَرُ لِلَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِمْ: أَتَحْلِفُونَ بِاللهِ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا مَاتَ مِنْهَا؟ فَأَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا وَتَحَرَّجُوا. فَقَالَ لِلْمُدَّعِينَ: احْلِفُوا! فَأَبَوا). وذكرت قصته، وكذلك القصة الأُخرى، قصة الرجل الذي وجد قتيلًا بين حيين. * قوله: (فَقَضَى عَلَيْهِمْ بِشَطْرِ الدِّيَةِ) (١). يعني نصف الدية، وفي قصة الرجل الذي وجد بين حيين حكم بالدية كاملة (٢). * قوله: (قَالُوا: وَأَحَادِيثُنَا هَذِهِ أَوْلَى مِنَ الَّتِي رُوِيَ فِيهَا تَبْدِئَةُ الْمُدَّعِينَ بِالأَيْمَانِ). ونحن نقول بأن تلك أولي؛ لأن راوي هذا ممن شاهد وعاصر وعايش القضية، فهو يحكيها مشاهدة، الأمر الآخر أن حديثه في الصحيحين، والأمر الثالث أنه أثبت هذه القضية ولم ينفِ، والأمر الرابع -كما ذكرت- أن "البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا القسامة" (٣)، هذا في رواية، فهذه أيضًا تبين أن القسامة تختلف عن غيرها، وقد مر بنا أيضًا حديث مسلم الذي أشرنا إليه، أنها كانت في

стр. 9592

الجاهلية وأن رسول الله ﷺ أقرها وقضى بها (١) بين الأنصار في قصة قتيلهم عبد الله بن سهل. * قوله: (لِأَنَّ الأَصْلَ شَاهِدٌ لِأَحَادِيثِنَا مِنْ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ). الأصل أن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. *قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ). هو أبو عمر ابن عبد البر. *قوله: (وَالأَحَادِيتُ الْمُتَعَارِضَةُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ) (٢). لكن أبو عمر لم يقل رأيه كرأي المؤلف، هو عرض هذه الأشياء في كتابه "الاستذكار" وفصلها أكثر في "التمهيد"، فهو عرض الأقوال في ذلك، ولكنه يؤيد رأي مالك. * قوله: (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ). إذن رأينا هذا الخلاف فيما يتعلق بمن يبدأ فمن العلماء من قال: إن القسامة أصلًا جاءت مخالفة لغيرها، وأنه لا ينبغي أن يربط بينها وبين الأحكام، ومن المخالفات التي جاءت فيها أن المدعين يبدؤون وقد رأينا في بعض الروايات أنه يبدأ المدعى عليه، وهذا يوافق الأصل. * قوله: (وَهِيَ مُوجَبُ الْقَسَامَةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا). ما موجب القسامة عند القائلين بها؟ والقائلون بها هم الجمهور، وقد عرفنا أن القائلين بها هم جماهير العلماء من الصحابة والتابعين والمحدثين

стр. 9593

وغيرهم، وأن من خالفهم في ذلك قلة من أهل العلم وقد عرفنا وجهتهم في ذلك. * قوله: (أَجْمَعَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ الْقَائِلُونَ بِهَا أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا بِشُبْهَةٍ) (١).

стр. 9594

أنها لا تجب إلا بشبهة، وليست بمجرد الدعوى، أن يدعي شخص أو أشخاص على أناس أو على جماعة أنهم قتلوا فلانًا؛ فهذه وحدها غير كافية. إذن لا بد من وجود شبهة، والشبهة أنواع: هل هي العداوة؟ أم اللوث (١) الذي يكثر الفقهاء من ذكره في كتاب القسامة؟ هل هو العداوة أو هو أمر خاص منها وهو وجود أحقاد وبقايا من خلافات سابقة؟ وهذا بلا شك يدخل في أمر العداوة. وهل الشبهة أيضًا وجود شاهد عدل دون الآخر؟ وهل وجود شاهد غير عدل يعتبر شبهة؟ وهل شهادة النساء تعتبر أيضًا من الشبهة؟ وكذلك الحال بالنسبة للصبيان، أمور كثيرة ذكرها العلماء، اختلفوا فيها، وهل قول المقتول: قتلني فلان يعتبر لوثًا وحجة يحكم بها؟ ذلك مما انفرد به الإمام مالك والليث كما سنرى، وخالفه جماهير العلماء، ونأخذها إن شاء الله جزئية جزئية، وفيها فوائد أدرجها المؤلف في هذه المسألة. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الشُّبْهَةِ مَا هِيَ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): إِذَا

стр. 9595

كَانَتِ الشُّبْهَةُ فِي مَعْنَى الشُّبْهَةِ الَّتِي قَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْقَسَامَةِ). يعني إذا كانت الشبهة مثيلة لتلك الشبهة التي قضى بها رسول الله ﷺ ، وذلك لما انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر، فتفرقا في النخل، فعاد محيصة إلى ابن عمه عبد الله فوجده يتشحط في دمه قتيلًا، يضطرب ولتقلب في الدم، وأنه ألقي في حفرة، ولم يكن بخيبر إلا اليهود، فاتهموا بذلك، فهل هذا هو المقياس الذي يوقف عنده؟ هذه لا شك أنها صورة من الصور، لكن هل نقف عندها ولا نتجاوزها أو أنه يلحق بها صور أُخرى؟. * قوله: (وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ لَا يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ). لكن لا يدخل في ذلك أن يوجد قتيل في مدينة أو في قرية مثلًا، ليس مجرد أن يوجد في قرية كبيرة أو في قرية أو في محلة لا يوجد بها عداوة، فيتهم أناس، فهذه نفاها كثير من العلماء. * قوله: (وَبَيْنَ أُولَئِكَ الْقَوْمِ، وَبَيْنَ قَوْمِ الْمَقْتُولِ عَدَاوَةٌ). في هذه المسألة إلى هذا الحد التقى الإمامان مالك (١)،
следующие страницы →