← Фикх малики

Фикх малики · id 1149

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Полный текст (10 175 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.

стр. 9591

* قوله: (فَقَالَ عُمَرُ لِلَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِمْ: أَتَحْلِفُونَ بِاللهِ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا مَاتَ مِنْهَا؟ فَأَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا وَتَحَرَّجُوا. فَقَالَ لِلْمُدَّعِينَ: احْلِفُوا! فَأَبَوا). وذكرت قصته، وكذلك القصة الأُخرى، قصة الرجل الذي وجد قتيلًا بين حيين. * قوله: (فَقَضَى عَلَيْهِمْ بِشَطْرِ الدِّيَةِ) (١). يعني نصف الدية، وفي قصة الرجل الذي وجد بين حيين حكم بالدية كاملة (٢). * قوله: (قَالُوا: وَأَحَادِيثُنَا هَذِهِ أَوْلَى مِنَ الَّتِي رُوِيَ فِيهَا تَبْدِئَةُ الْمُدَّعِينَ بِالأَيْمَانِ). ونحن نقول بأن تلك أولي؛ لأن راوي هذا ممن شاهد وعاصر وعايش القضية، فهو يحكيها مشاهدة، الأمر الآخر أن حديثه في الصحيحين، والأمر الثالث أنه أثبت هذه القضية ولم ينفِ، والأمر الرابع -كما ذكرت- أن "البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا القسامة" (٣)، هذا في رواية، فهذه أيضًا تبين أن القسامة تختلف عن غيرها، وقد مر بنا أيضًا حديث مسلم الذي أشرنا إليه، أنها كانت في

стр. 9592

الجاهلية وأن رسول الله ﷺ أقرها وقضى بها (١) بين الأنصار في قصة قتيلهم عبد الله بن سهل. * قوله: (لِأَنَّ الأَصْلَ شَاهِدٌ لِأَحَادِيثِنَا مِنْ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ). الأصل أن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. *قوله: (قَالَ أَبُو عُمَرَ). هو أبو عمر ابن عبد البر. *قوله: (وَالأَحَادِيتُ الْمُتَعَارِضَةُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ) (٢). لكن أبو عمر لم يقل رأيه كرأي المؤلف، هو عرض هذه الأشياء في كتابه "الاستذكار" وفصلها أكثر في "التمهيد"، فهو عرض الأقوال في ذلك، ولكنه يؤيد رأي مالك. * قوله: (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ). إذن رأينا هذا الخلاف فيما يتعلق بمن يبدأ فمن العلماء من قال: إن القسامة أصلًا جاءت مخالفة لغيرها، وأنه لا ينبغي أن يربط بينها وبين الأحكام، ومن المخالفات التي جاءت فيها أن المدعين يبدؤون وقد رأينا في بعض الروايات أنه يبدأ المدعى عليه، وهذا يوافق الأصل. * قوله: (وَهِيَ مُوجَبُ الْقَسَامَةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا). ما موجب القسامة عند القائلين بها؟ والقائلون بها هم الجمهور، وقد عرفنا أن القائلين بها هم جماهير العلماء من الصحابة والتابعين والمحدثين

стр. 9593

وغيرهم، وأن من خالفهم في ذلك قلة من أهل العلم وقد عرفنا وجهتهم في ذلك. * قوله: (أَجْمَعَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ الْقَائِلُونَ بِهَا أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا بِشُبْهَةٍ) (١).

стр. 9594

أنها لا تجب إلا بشبهة، وليست بمجرد الدعوى، أن يدعي شخص أو أشخاص على أناس أو على جماعة أنهم قتلوا فلانًا؛ فهذه وحدها غير كافية. إذن لا بد من وجود شبهة، والشبهة أنواع: هل هي العداوة؟ أم اللوث (١) الذي يكثر الفقهاء من ذكره في كتاب القسامة؟ هل هو العداوة أو هو أمر خاص منها وهو وجود أحقاد وبقايا من خلافات سابقة؟ وهذا بلا شك يدخل في أمر العداوة. وهل الشبهة أيضًا وجود شاهد عدل دون الآخر؟ وهل وجود شاهد غير عدل يعتبر شبهة؟ وهل شهادة النساء تعتبر أيضًا من الشبهة؟ وكذلك الحال بالنسبة للصبيان، أمور كثيرة ذكرها العلماء، اختلفوا فيها، وهل قول المقتول: قتلني فلان يعتبر لوثًا وحجة يحكم بها؟ ذلك مما انفرد به الإمام مالك والليث كما سنرى، وخالفه جماهير العلماء، ونأخذها إن شاء الله جزئية جزئية، وفيها فوائد أدرجها المؤلف في هذه المسألة. * قوله: (وَاخْتَلَفُوا فِي الشُّبْهَةِ مَا هِيَ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ (٢): إِذَا

стр. 9595

كَانَتِ الشُّبْهَةُ فِي مَعْنَى الشُّبْهَةِ الَّتِي قَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْقَسَامَةِ). يعني إذا كانت الشبهة مثيلة لتلك الشبهة التي قضى بها رسول الله ﷺ ، وذلك لما انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر، فتفرقا في النخل، فعاد محيصة إلى ابن عمه عبد الله فوجده يتشحط في دمه قتيلًا، يضطرب ولتقلب في الدم، وأنه ألقي في حفرة، ولم يكن بخيبر إلا اليهود، فاتهموا بذلك، فهل هذا هو المقياس الذي يوقف عنده؟ هذه لا شك أنها صورة من الصور، لكن هل نقف عندها ولا نتجاوزها أو أنه يلحق بها صور أُخرى؟. * قوله: (وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ لَا يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ). لكن لا يدخل في ذلك أن يوجد قتيل في مدينة أو في قرية مثلًا، ليس مجرد أن يوجد في قرية كبيرة أو في قرية أو في محلة لا يوجد بها عداوة، فيتهم أناس، فهذه نفاها كثير من العلماء. * قوله: (وَبَيْنَ أُولَئِكَ الْقَوْمِ، وَبَيْنَ قَوْمِ الْمَقْتُولِ عَدَاوَةٌ). في هذه المسألة إلى هذا الحد التقى الإمامان مالك (١)،

стр. 9596

وأحمد (١) مع الشافعي، ولكن الحنابلة خالفوا الشافعي في قضية ألا يوجد غيرهم، قالوا: ليس ذلك شرطًا، أن يوجد قوم في تلك المحلة بينهم وبين القتيل عداوة، هذا شرط، لكن ليس شرطًا ألا يوجد معهم غيرهم (٢)، قالوا: ومما يدل على ذلك أنه يوجد في خيبر بعض المسلمين ممن كانوا يعملون في النخيل، وإن كانوا قلة بالنسبة لغيرهم، إذن هذه الجزئية ليست محل اتفاق. * قوله: (كمَا كَانَتِ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ الأَنْصَارِ وَالْيَهُودِ). وهي عداوة معروفة كما هو معلوم، بل نفس الأوس والخزرج كان بينهم عداوات؛ لأن علاقاتهم كانت تقوم على الجاهلية، فلا يوجد ضابط يضبطهم، ولا نظام يمسك بهم، وإنما يرجعون إلى أمور القبيلة يقتتلون مع غيرهم، فإذا لم يجدوا تجد أن ابن العم يقاتل ابن عمه، والقتيل يقاتل قريبه، هذه هي أحوال الجاهلية التي جاء الإسلام فأبطلها ونقلهم إلى هذا الدِّين الحنيف الذي جعلهم فيه إخوة متحابين وسماهم الأنصار.

стр. 9597

* قوله: (وَكانَتْ خَيْبَرُ دَارَ الْيَهُودِ مُخْتَصَّةً بِهِمْ، وَوُجِدَ فِيهَا الْقَتِيلُ مِنَ الأَنْصَارِ). لأنهم -كما هو معلوم- أجلوا إلى ذاك المكان، ووجد القتيل في ذاك المكان. * قوله: (قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ وُجِدَ فِي نَاحِيَةٍ قَتِيلٌ، وَإِلَى جَانِبِهِ رَجُلٌ مُخْتَضِبٌ (١) بِالدَّمِ). يعني ملطخًا به، يعني لو جيء ووُجد قتيل يتشحط بدمه، وعنده إنسان واقف معه سكين، أو أنه قد تلطخ وتخضب بالدم، هل هذه شبهة؟ قالوا: نعم، شبهة. لكن ليس ذلك شرطًا، ولكنها جاءت في قصة زمن عمر ﵁، في قصة الذي قتل قتيلًا، فمر إنسان ومعه سكين، فدخل في ذاك المكان الذي قتل فيه القتيل، وكان جزارًا، فذهب ليقضي حاجته وقد اتهم بذلك، وكاد يقتل، حتى جاء القاتل فاعترف وقال: قتلت شخصًا وأكون سببًا في قتل آخر، فاعترف (٢). * قوله: (وَكَذَلِكَ لَوْ دَخَلَ عَلَى نَفَرٍ فِي بَيْتٍ، فَوَجَدَ بَيْنَهُمْ قَتِيلًا). أو وجد مجموعة من الناس مجتمعين في بيت، أو كذلك في مكان في الصحراء أو في غيرها، فوجد بينهم قتيلًا، هذه أيضًا مما ذكر العلماء أنها من الشبه واللوث الذي يلحق بكتاب القسامة.

стр. 9598

* قوله: (وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ). ما أشبهها مما ذكرت، كما لو اجتمعوا في مكان ما، أو في مكان من الصحراء، أو في حارة معينة أو خرجوا إلى أي مكان، ووجد القتيل بينهم. * قوله: (مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْحُكَّامِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ مُحِقٌّ؛ لِقِيَامِ تِلْكَ الشُّبْهَةِ) (١). ومع ذلك فقد نص العلماء على أنه إذا شك في أحدٍ واتُّهِم كما نرى في القسامة، فإن الحاكم، أي: القاضي، يذكّر أولياء القتيل، ويخوفهم بالله ، ويطلب منهم أيضًا عدم التعجلِ، والتريثَ في الموضوع؛ لأنهم قد يندفعون في أمر وهم مخطئون، فيتسببون في قتل إنسان بريء، أو في أخذ الدية منه والله تعالى يقول: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. إذن الظن لا يغني من الحق شيئًا، فينبغي أيضًا عند الحكم أن يذكر مَن يريدون القسم، بأن يخوفوا بالله ، وأن يتريثوا، وألا تأخذهم لوعة القتيل وخوفهم عليه، بل عليهم أيضًا أن يتقوا الله ، وأن يتحرّوا في أمره. * قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا) (٢).

стр. 9599

وكذلك أحمد قال بنحو مما ذكره الشافعية، فالأئمة الثلاثة من حيث الجملة متفقون، ولكنهم قد يختلفون في بعض التفصيلات، هذا الإمام يعد هذا لوثًا، وهذا الإمام لا يعده، وهذا يعده شبهة وهذا لا يراه شبهة. * قوله: (أَعْنِي أَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا بِلَوْثٍ. وَالشَّاهِدُ الْوَاحِدُ عِنْدَهُ إِذَا كَانَ عَدْلًا لَوْث بِاتِّفَاقٍ عِنْدَ أَصْحَابِهِ وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَدْلًا) (١). إذن الشاهد لوث، يعني الشاهد إذا وجد وحده يعتبره لوثًا، فالعدل عنده لوث، لكن لو كان غير عدل ففيه خلاف في المذهب. * قوله: (وَكَذَلِكَ وَافَقَ الشَّافِعِيُّ فِي قَرِينَةِ الْحَالِ الْمُخَيِّلَةِ مِثْلَ أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ مُتَشَحِّطًا بِدَمِهِ، وَبِقُرْبِهِ إِنْسَان بِيَدِهِ حَدِيدَةٌ مُدْمَاةٌ) (٢).

стр. 9600

مدماة يعني فيها دم، كما في قصة الجزار الذي كاد يذهب، ولكن القتيل خاف بعد ذلك، خشي الله تعالى أن يلقاه وقد قتل قتيلًا وتسبب في قتل آخر، فجاء واعترف بذنبه، وقيل بأن عمر ﵁ عفا عنه. *قوله: (إِلَّا أَنَّ مَالِكًا (١) يَرَى أَنَّ وُجُودَ الْقَتِيلِ فِي الْمَحَلَّةِ لَيْسَ لَوْثًا، وَإِنْ كَانَتْ هُنَالِكَ عَدَاوَة بَيْنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ مِنْهُمُ الْقَتِيلُ وَأَهْلِ الْمَحَلَّةِ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ هَاهُنَا شَيْءٌ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا لِاشْتِرَاطِ اللَّوْثِ فِي وُجُوبِهَا). إذن ليس هناك أصل دقيق يلتقي حوله العلماء. * قوله: (وَلذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهَا قَوْمٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ (٢): إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ، وَبِهِ أَثَرٌ - وَجَبَتِ الْقَسَامَةُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ). نقف عند كلمة أثر هذه، انفرد بها أبو حنيفة وصاحباه، أما الأئمة

стр. 9601

الثلاثة؛ مالك وأحمد والشافعي فلم يوافقوه، واحتجوا بحديث سهل بن أبي حثمة، وفيه أن الرسول ﷺ لم يسألهم؛ يعني لم يسأل الأنصار: هل كان فيه أثر جراح أو لا؟ قالوا: فلو كان ذلك شرطًا لسأل عنه رسول الله ﷺ ، إذن الحنفية (١) يقولون: يشترط أن يكون به أثر؛ لاحتمال أن يكون مات حتف أنفه، أو أن يكون سائرًا في الطريق فسقط فمات، أو أغمي عليه، أو حصلت له سكتة، إلى غير ذلك، فمات في الطريق. إذن لا بد أن تكون هناك علامة، أو أثر كأثر ضرب أو طعنة أو غير ذلك، أما جمهور العلماء فقالوا: ليس في الحديث ما يدل على ذلك؛ فإن رسول الله ﷺ لم يقل لمحيصة وحويصة وعبد الرحمن بن سهل: هل وجد فيه علامة؟ هل كان فيه أثر يدل على ذلك؟. هذه أمر، الأمر الآخر أنهم قالوا: إن الإنسان قد يقتل ولا يوجد عليه أثر، يأتي إنسان فيخنقه أو يضع شيئًا على فمه حتى يسكته، إلى غير ذلك أيضًا أو أن يقصر خصيتيه حتى يقتله، فالأمتلة كثيرة في ذلك، إذن الجمهور قالوا: ليس في الحديث ما يدل على هذا الشرط، وأيضًا قد يحصل الموت بغير أثر. * قوله: (وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ أَوْجَبَ الْقَسَامَةَ بِنَفْسِ وُجُودِ الْقَتِيلِ فِي الْمَحَلَّةِ دُونَ سَائِرِ الشَّرَائِطِ الَّتِي اشْتَرَطَ الشَّافِعِيُّ) (٢).

стр. 9602

يعني تلك الشروط التي ذكره المؤلف عن الإمام الشافعي ووافقه في غالبها الإمامان مالك وأحمد هناك من لا يشترطها، وسنرى أنه ينسب ذلك القول إلى بعض الصحابة كعمر. * قوله: (وَدُونَ وُجُودِ الأَثَرِ بِالْقَتِيلِ الَّذِي اشْتَرَطَهُ أَبُو حَنِيفَةَ (١) وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَقَالَ بِهِ الزُّهْرِيُّ وَجَمَاعَة مِنَ التَّابِعِينَ (٢)) (٣). أما ما أُثر عن عمر ﵁ فقد ذكرت قبل أن رجلًا وجد قتيلًا بين حيين، فحلفهم عمر ﵁ خمسين يمينًا، وجعل الدية على أقربهما، أي: على أقرب الحيين، قالوا: لا أيماننا وقت أموالنا، ولا أموالنا وقت أيماننا، يعني حفظتها، فقال لهم عمر ﵁: حقنتم بأموالكم دماءكم (٤)، بل هذه الأموال أفادتكم؛ لأنها حقنت دماءكم، إذن يقول بأن عمر ﵁ وجده بين حيين ولم يرد في أثر عمر وجود أثر في القتيل، وإنما وجد بين حيين، فلما طلب من أولئك أن يحلفوا فحلفوا خمسين يمينًا ومن الحي الآخر، اجتهد ﵁ ورأى أن يلحقه بأقرب الحيين؛ لأن الشبهة أقرب.

стр. 9603

*قوله: (وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ حَزْمٍ). ابن حزم صاحب "المحلى" المعروف، له آراء أحيانًا ينفرد بها، فهو يجتهد ولا شك أنه من العلماء الأعلام، ومن الذين خدموا هذه الشرعة، فقهًا وحديثًا، بل كتابه المحلى كنز فقهي عظيم، وفيه ثروة عظيمة من الأحاديث، لكن أخذ عليه أنه كان حاد الطبع، يقسو أحيانًا ويتجاوز بألفاظه إلى أن يقدح في بعض الأئمة الأعلام. * قوله: (قَالَ: الْقَسَامَةُ تَجِبُ مَتَى وُجِدَ قَتِيلٌ لَا يُعْرَفُ مَنْ قَتَلَهُ أَيْنَمَا وُجِدَ، فَادَّعَى وُلاةُ الدَّمِ عَلَى رَجُلٍ، وَحَلَفَ مِنْهُمْ خَمْسُونَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا، فَإِنْ هُمْ حَلَفُوا عَلَى الْعَمْدِ فَالقَوَدُ، وَإِنْ حَلَفُوا عَلَى الْخَطَأِ فَالدِّيَةُ) (١). أولًا، لنعلم بأن هذه القسامة إنما وضعت؛ لحفظ الدماء، وللحيطة فيها؛ حتى لا تكون أنفس الناس رخيصة كما رأينا في كلام الزهري عندما سأله عمر بن عبد العزيز ﵁، وقال إنه يريد أن يترك القسامة ثم يعلل فيقول: يأتي رجل من بلد كذا، وآخر من بلد كذا، فيحلفان، فقال له الإمام الزهري: ليس لك ذلك؛ لأن ذاك قضاء رسول الله ﷺ ، وقضاء الخلفاء (٢)، ثم بيَّن له أنك لو تركت ذلك لا يبعد أن يأتي إنسان فيقتل قتيلًا بجوار بابك، فيطل دمه، أي: فيذهب هدرًا، وإن للناس في القسامة حياة، وقلنا: يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]. انظر إلى دقة الفقهاء ﵏؛ فهذه القسامة إنما وضعت حفاظًا على أرواح الناس، وصيانة لدمائهم، لكن لا ينبغي أيضًا أن تؤخذ

стр. 9604

ارتجالًا، ولذلك ذكرت أن على الحاكم القاضي أن يوصي الذين يريدون أن يحلفوا، أن يتثبتوا وأن يتبينوا في هذا الأمر. * قوله: (وَلَيْسَ يَحْلِفُ عِنْدَهُ أَقَلُّ مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا (١). وَعِنْدَ مَالِكٍ رَجُلَانِ فَصَاعِدًا مِنْ أُولَئِكَ) (٢). وهذا هو رأي جماهير العلماء (٣)، والرجلان هل يحلف كل واحد منهما خمسين يمينًا أو كل واحد خمسة وعشرين يمينًا؟ هذا الأخير هو الصواب، ولكن لو كانوا ثلاثة كيف يحلفون؟ قالوا: يجبر الكسر؛ فإن النسبة ترتفع إلى أن تصل إلى أكثر من خمسين حتى

стр. 9605

يجبر، فلا يحصل نقص في الأيمان، لكن لو كان واحدًا حلف خمسين، ولو كانا اثنين حلف كل واحد منهما خمسة وعشرين، ولو كانوا ثلاثة وزعت بينهم، ولكنها بالتوزيع لا يمكن أن تنقسم انضباطًا، قالوا: فيؤخذ بالأحوط، يعني لو كانت ست عشرة ست عشرة نقصت عن الخمسين، فهي ثمانية وأربعون، ولو كانت سبع عشرة سبع عشرة فإنها تزيد قليلًا، بل واحدة. * قوله: (وَقَالَ دَاوُدُ: لَا أَقْضِي بِالْقَسَامَةِ إِلَّا فِي مِثْلِ السَّبَبِ الَّذِي قَضَى بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) (١). لأن داود-﵀ هو إمام أهل الظاهر، وأهل الظاهر يأخذون بظاهر النصوص، فهو لا يريد أيضًا أن يوسع المجال في ذلك، والعلماء -كما هو معلوم- يقيسون ويلحقون المثيل بالمثيل، والناس بحاجة إلى القياس؛ فهناك أمور لم تكن معروفة في زمن رسول الله ﷺ ، بل ولا في زمن الصحابة، فجدت، فإذا وجدت العلة الموجودة فيما جد أو حصل أو وقع، فإنه يلحق بذلك الأصل في الحكم؛ لعلة تجمع بينهما. * قوله: (وَانْفَرَدَ مَالِكٌ (٢)، وَاللَّيْثُ (٣) مِنْ بَيْنِ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ

стр. 9606

الْقَائِلِينَ بِالْقَسَامَةِ، فَجَعَلَا قَوْلَ الْمَقْتُولِ: فُلَانٌ قَتَلَنِي، لَوْثًا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ) (١). يعني لو قال: فلان قتلني فهو من اللوث، فلو قال ذلك مثلًا، أو قال- كما هو معروف-: دمي عند فلان هل يعتبر ذلك أو لا؟ هذا القول- كما ذكره المؤلف وذكر قبله ابن عبد البر- انفرد به الإمام مالك، والليث إمام مصر قبل الشافعي، ومعنى هذا أن ما عدا هؤلاء من الأئمة وغيرهم لم يوافقوه، وهو كذلك، يعني خالفه من الأئمة أبو حنيفة (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد (٤)، لكن ما حجة هذا القول؟ هناك من يحتج به وإن كان بعض المالكية ينازع، يحاجون بقصة قتيل بني إسرائيل الذي سيشير إليه المؤلف في غير موضعه بعد ذلك؛ ذلك بأنه قتل واختلف فيه، فأحياه الله ، فأمر الله أن تذبح البقرة فيضرب ببعضها، فلما أحياه الله قال: قتلني فلان، كذلك قال : ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣].

стр. 9607

لكن هذه القضية ذكر العلماء أنها قضية لا يقاس عليها، أولًا هذه آية من آيات الله ، وهي معجزة من معجزات نبيه موسى ﵇، ومعلوم أن من معجزاته ﵇ العصا، ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨] لكن كيف كان أثر تلك العصا؟ معلوم كيف كان موقف فرعون من موسى وبني إسرائيل الذين اتبعوه قبل أن يغيروا، فإن فرعون علا في الأرض كما أخبر : ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤] بل تجاوز فقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. وقال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ [النازعات: ٢٤، ٢٥]. ومن آثار تلك العصا أن فرعون لما لحق بموسى وقومه قال قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] فضرب موسى بعصاه البحر فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، فلما تجاوز موسى ومن معه، وجاء فرعون ومن معه، أغرق الله فرعون ومن معه. وهكذا لا ينبغي للمسلمين أن ييأسوا، ولذلك يقول الله في آخر سورة يوسف: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ [يوسف: ١١٠، ١١١]. لكن يحتاج ذلك دإئمًا إلى العودة إلى الله، إلى أن يكون من ينتسبون إلى الإسلام ممن يستحقون النصر، فإذا كانوا كذلك فالله معهم، وإذا كان الله مع المؤمنين فلن يهزموا، ولن يتسلط عليهم أحد مهما بلغت قوته؛ فإن الله هو أقوى من كل شيء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]. وهذا موسى الذي قرر فرعون أن يقتل الأطفال ويقتل النساء، يلقى

стр. 9608

في تابوت، وتأخذه زوجته وبعد يتربى في بيت فرعون، ويحتج عليه فرعون بأنه كان عندهم، فانظر كيف كانت النتيجة! من الذي نصر موسى؟ هو الله ، ليس بقوته؛ فقد كان فردًا ومعه قليل، وما هي قوته تجاه قوة فرعون؟ لكن الله معه، فالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١] لم يقصر النصر على الرسل. لكن الله تعالى قيد ذلك بقوله: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]. وقال بالنسبة لموقعة بدر: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، [الأنفال:١٠]. إذن هناك شواهد، هناك دروس، هناك مواعظ، فها هو أمر مر بنا فأردنا أن نشير إليه، وهو أنه لا ينبغي للمؤمنين أن ييأسوا ولا أن يقنطوا، ولكن ينبغي أن يعدوا العدة، وإعداد العدة أولًا بإصلاح النفوس والعودة إلى الله قبل كل شيء، ثم أيضًا إعداد القوة التي أشار إليها رسول الله ﷺ : "ألا إن القوة الرمي" (١)، وها أنتم رأيتموها تحقق، ولكنها مع غير المؤمنين. * قوله: (وَكُلٌّ قَالَ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ شُبْهَةٌ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ). لكن ما جواب الجمهور عن ذلك؟ الجمهور أجابوا وقالوا: ليس هذا من القسامة، ولكن هذا قتيل مات، فالله أحياه وأنطقه، فمن يحيا لا يكذب مثل هذا، هو لا يكذب، ولا يقول إلا الحق، كما نرى الذين تكلموا في المهد وقالوا أيضًا: هذه آية من آيات الله ، ومعجزة لنبيه موسى. والله قد خص أنبياءه بكثير من المعجزات؛ لأنه تعالى هو الذي

стр. 9609

أرسلهم، وهو الذي أمرهم بتبليغ رسالته، فهم يبلغون رسالات الله، وإذا كانوا كذلك فهم أهل لنصر الله، وإذا كانوا أهلًا لذلك النصر، فإن الله سينصرهم، وقد نصرهم على مخالفهم. وقد رأينا كيف كان نشأ محمد بن عبد الله وحده، ثم التف حوله عدد من الفقراء، وُيؤذى المؤمنون، ومع ذلك يبقى بمكة ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى الحق، وإلى طريق مستقيم، وهم يقابلون ذلك بالنكران والأذى، إلى أن نصره الله تعالى بهجرته إلى هذه المدينة الطيبة فكوّن فيها أول دولة للإسلام، وكان في مقدمة ذلك أن وحد بين المؤمنين، وربطهم برباط الإيمان؛ ليكونوا قوة واحدة، وهكذا تحقق فأخذ هذا النور العظيم يمتد في الأرض شيئًا فشيئًا حتى عمَّ المعمورة. هي دروس لو استفاد منها المؤمنون لرجعوا، فهذه الأحاديث، هذه الوقائع، هذه النكبات، هذه المصائب التي تنزل بالمؤمنين إنما يقدرها الله ؛ ليذكرنا، هل نعود إلى الله فنستحق النصر كما استحقه من سبقونا؟ أو أننا نبقى في الخطأ؟ كيف نرجو أن ننصر وكثير من بلاد الإسلام يتحاكمون إلى قوانين وضعية وضعها البشر، يغيرون ويبدلون، قد عشّشت فيها الرذائل وفرخت، ويتركون شريعة الله ، فإذا أردنا أن ننصر فلنعد العدة لذلك، ولنبدأ بإصلاح أنفسنا ومجتمعاتنا، فتقوى علاقاتنا، حينئذٍ نجد أن الله معنا؛ لأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. * قوله: (وَلمَكَانِ الشُّبْهَةِ رَأَى تَبْدِئَةَ الْمُدَّعِينَ بِالأَيْمَانِ مَنْ رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّ الشُّبَهَ عِنْدَ مَالِكٍ تَنْقُلُ الْيَمِينَ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَى الْمُدَّعِي). هذه المسألة انفرد بها الإمام مالك من بين الأئمة؛ لأنه -كما هو معلوم- البينة على المدعي واليمين على من أنكر، والإمام مالك أحيانًا ينقل اليمين إلى المدعي كما رأينا؛ لأنه إذا وجدت شبهة قوية عنده حولها، أما في باب القسامة فذلك له دليل.

стр. 9610

* قوله: (إِذْ سَبَبُ تَعْلِيقِ الشَّرْعِ عِنْدَهُ الْيَمِينُ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إِنَّمَا هُوَ لِقُوَّةِ شُبْهَتِهِ فِيمَا يَنْفِيهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَكَأَنَّهُ شَبَّهَ ذَلِكَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الأَمْوَالِ). بل هو مما اتفق عليه العلماء، مجرد أن يدعي إنسان أو أناس على آخرين دون أن تكون هناك شبهة هذه دعوى باطلة لا اعتبار لها؛ لأن الرسول ﷺ قال: "لو أعطي الناس بدعواهم لادعى أقوام" (١)، وفي رواية "أناس" (٢)، وفي رواية "رجال" (٣) دماء رجال وأموالهم" (٤) ثم قال: "ولكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" (٥). هذا هو الأصل، فما أكثر الذين يدعون الباطل ويحتالون عليه! وهذا لا يخلوا منه عصر من العصور؛ فأهل الحيل والمكر والحنداع والتعدي يوجدون في كل عصر من العصور، لكنهم يختلفون، فهم قلة في العصور المفضلة، "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" (٦). فهؤلاء يكثرون، لا يخلو مجتمع من المجتمعات الإسلامية من وجود منافقين، ومن وجود أناس يتظاهرون بالخير، ومن وجود أناس يبيعون دينهم بعرض من أعراض الدنيا، ومن هؤلاء الذين أشار إليهم الرسول ﷺ : "يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا" (٧)، هؤلاء الذين يتقلبون في عقائدهم، أما المؤمنون حقًّا فهم

стр. 9611

صابرون، وهم بحمد الله كما أخبر رسول الله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله" (١). فأهل الخير موجودون في كل عصر وفي كل زمان؛ من الكبار والصغار، لكن يوجد أيضًا أناس خرجوا عن الطريق السوي، فنسأل الله للمؤمنين جميعًا الهداية. * قوله: (وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ الدَّعْوَى نَفْسَها شُبْهَة، فَضَعِيف وَمُفَارِق لِلأُصُولِ وَالنَّصِّ: لِقَوْلِهِ عَلَيْةِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعَاوِيهِمْ لَادَّعَى قَوْم دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ") (٢). ولذلك ما أكثرهم، لماذا وضعت الحدود ومنها حد السرقة والمحاربة، وما يتعلق بالغصب، وما يتعلق بأكل أموال اليتامى؟ الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، [المائدة:٨٧]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]. أولئك الذين يعتدون على حقوق الناس، وكذلك أيضًا من الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة رجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه حقّه (٣)، ولم يعطه أجره، إذن يوجد بين الناس من يفعل ذلك. * قوله: (وَهُوَ حَدِيث ثَابِثٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَخَرَّجَهُ مُسْلِم

стр. 9612

فِي صَحِيحِه) (١). وهو كذلك في البخاري (٢)، ولكن متنه يختلف. * قوله: (وَمَا احْتَجَّتْ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ (٣) مِنْ قِصَّةِ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَضَعِيفٌ (٤) لِأَنَّ التَّصْدِيقَ هُنَالِكَ أُسْنِدَ إِلَى الْفِعْلِ الْخَارِقِ لِلْعَادَةِ). هذا الذي أشرت إليه قبل قليل، وقلت: إنه ليس من القسامة في شيء، وإنما هي آية من آيات الله ومعجزة لنبي. * قوله: (وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ أَوْجَبُوا الْقَوَدَ بِالْقَسَامَةِ هَلْ يُقْتَلُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ؟). هذه مسألة أيضًا أدخلها المؤلف ضمن المسألة الرابعة، يعني على القوله بالقود في القسامة هل يقتل أكثر من واحد؟ نحن مر بنا في القصاص أن الجماعة على الرأي الصحيح يقتلون بالواحد، ومعلوم قوله عمر ﵁ وهذه حصلت في زمنه: "لو تمالأ عليه

стр. 9613

أهل صنعاء لقتلتهم" (١)، وقد حصلت قضية في اليمن في قصة ذاك الغلام الذي كان ربيبًا لامرأة، وكان لها خلّان، فتآمروا على التخلص منه؛ حتى لا يفضح أمرهم، فقتلوه وألقوه في بئر، فأظهر الله تعالى سرهم، وكشف أمرهم، فكتب يعلى بن أمية -وهو والي اليمن في زمن عمر ﵁ - فكتب إليه عمر بأن يقتلهم، وقال: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم" (٢)، وقد سبق هذا في القصاص. وبالنسبة لما يتعلق بالقسامة هل لو طلبوا القود من أكثر من واحد يقع أو لا؟ هذه المسألة التي سيعرضها المؤلف؛ للإمامين مالك وأحمد رأي فيها، والشافعية لهم رأي آخر في هذه المسألة، وحتى المالكية خالفوا إمامهم. * قوله: (فَقَالَ مَالِك (٣): لَا تَكُونُ الْقَسَامَةُ إِلَّا عَلَى وَاحِدٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) (٤).

стр. 9614

إذن الإمامان مالك وأحمد قالا: لا يؤخذ بها إلا واحد، يعني ليس لهم أن يطلبوا أكثر من واحد، فإذا قتل لهم قتيل فإنهم يختارون واحدًا ويحلفون خمسين يمينًا على أن فلانًا هو الذي قتله، وحجة هؤلاء هو ذلكم الحديث الذي مر في القسامة؛ لأن الرسول ﷺ قال فيه: "تحلفون خمسين يمينًا فتدفعه إليكم يهود برمته" "تحلفون على خمسين يمينًا على رجل واحد فيدفع إليكم برمته " يعني تعطونه، قالوا: فهنا خص ذلك بواحد، فينبغي أن نقف عنده. وغيرهما من أهل العلم قالوا: هذا حكم أوجب القود، فما يقع على الواحد يقع على الجماعة، إذن مالك وأحمد احتجا بظاهر الحديث؛ لأن الرسول ﷺ قال: "تخلفون خمسين يمينًا على رجل منهم فيدفع إليكم برمته"، أي: يسلم لكم، وغيرهما قالوا: هذه بينة وجب بها القود، وما وقع على الواحد يقع على الجماعة، فمن أهل العلم من أخذ بواقع النص، ومنهم من استنبط ذلك استنباطًا، فأيهما أولى؟ لا شك أن من وقف عند الحديث أولى وأقرب أن يؤخذ برأيه. * قوله: (وَقَالَ أَشْهَبُ: يُقْسَمُ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَيُقْتَلُ مِنْهَا وَاحِد عَيَّنَهُ الأَوْليَاءُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ) (١). أشهب من أصحاب مالك، إذن هذا أول من خالف الإمام مالكًا في رأيه.

стр. 9615

* قوله: (وَقَالَ الْمُغِيرَةُ الْمَخْزُومِيُّ) (١). وهو أيضًا من أصحاب مالك. * قوله: (كُلُّ مَنْ أُقْسِمَ عَلَيْهِ قُتِلَ). وهذا رأي للشافعية (٢)، يعني لا يقتصر الأمر على واحد، وقد عرفنا مأخذ هؤلاء ومأخذ هؤلاء، والذين قالوا من أهل العلم: يقتصر على واحد، رأيهم في نظري هو الأولى وهو الأرجح؛ لأنهم وقفوا عند ظاهر النص ولم يتجاوزوه. * قوله: (وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ (٣): إِذَا شَهِدَ اثْنَانِ عَدْلَانِ أَنَّ إِنْسَانًا ضَرَبَ آخَرَ، وَبَقِيَ الْمَضْرُوبُ أَيَّامًا بَعْدَ الضَّرْبِ، ثُمَّ مَاتَ أَقْسَمَ أَوْليَاءُ الْمَضْرُوبِ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الضَّرْبِ وَقِيدَ بِه). بعض العلماء لا يرى الأخذ بذلك؛ لأنه إذا ضرب شخص آخر فعالش فترة من الزمن، ثم بعد ذلك مات، قالوا: لا ينبغي أن يعلق الحكم بذلك؛ لأن الموت -كما هو معلوم- يأتي بأحوال عدة، قد يفاجأ الإنسان، قد يأتي الإنسان وهو في أكمل صحته فتخترمه المنية ويموت،

стр. 9616

وربما يكون ذلك سببًا، لكن هل هذا الضرب بعد أن عاش الإنسان وبقي فترة يعاب، ويقال: هذا بسبب فلان؟. * قوله: (وَهَذَا كلُّهُ ضَعِيفٌ). نعم هو كما ذكر المؤلف، هو ضعيف، ومع ذلك لم يعرض لأقوال العلماء الآخرين، فإنهم قالوا: لا اعتبار بذلك؛ لأنه ما دام لم يحصل في الوقت، لا ينبغي أن يعلق الحكم وأن يناط به، بل ذاك أمر منفصل، لا ينبغي أن يكون ذلك من أنواع القسامة إلا إذا شهد شهود، وقرر أطباء أن تلك الضربة كانت سببًا أدى إلى موته، يختلف الأمر ويرجع بعد ذلك إلى ما يتعلق بالقصاص. * قوله: (واختلفوا في القسامة في العبد). كان كلامه فيما مضى عن الأحرار فهل يكون بين العبيد قسامة أيضًا أو لا؟ معلوم ومما مر أن العبد لو قتل حرًّا اقتصوا منه، لكن لو أن حرًّا قتل عبدًا فهل يقتل به؟ الجمهور قالوا: لا، وأبو حنيفة قال: يقتل به، إلا أن يكون سيده. وهناك من قال: يقتل به حتى وإن كان سيده، وهو إبراهيم النخعي (١)، وقد مر ذاك وناقشناه وعرفنا أدلته، ومن الأحاديث في ذلك "وألا يقتل حر بعبد" (٢)، فلو أن عبدًا قتل آخر أو حصل مثلًا قتل فيما يتعلق بالقسامة وأوجب القود، فما الحكم في ذلك؟ هل يجري بين العبيد ما يجري بين الأحرار أو لا؟.

стр. 9617

* قوله: (فبَعضٌ أَثْبَتَهَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَشْبِيهًا بِالْحُرِّ). وبه قال أبو حنيفة (١)، والشافعي (٢)، وأحمد (٣)، إذن الأئمة الثلاثة أثبتوا ذلك تشبيهًا بالحر. *قوله: (وَبَعْض نَفَاهَا تَشْبِيهًا بِالْبَهِيمَةِ (٤)، وَبِهَا قَالَ مَالِكٌ) (٥). من أثبتوها من العلماء أثبتوها تشبيهًا بالحر، وقالوا بأنها جناية

стр. 9618

توجب القود أو الدية، فوجبت فيها تشبيهًا بالحر، ومن نفوها قالوا: لا يجب ذلك قسامة قالوا: لأنه بمثابة البهيمة. ولكن الجمهور ردوا ذلك التعليل وضعفوه، وقالوا: تلك البهيمة لا قصاص فيها، فكيف يقاس عليها؟ يعني أنتم شبهتم العبد بالبهيمة ولا بد أن يكون المقيس مشابهًا للمقيس عليه في العلة، فأين العلة؟ فالبهيمة ليس فيما بينها قصاص، لا يقام القصاص بين البهائم، وما جاء في ذلك إنما يكون يوم القيامة، حيث إن ذات القرنين تقتص من الجماء، أما في الدنيا فلا، إذن قالوا: هذا تعليل ضعيف، ولذلك فالأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد قالوا هو أشبه بالحر، وأيضًا نحن إذا نظرنا هو إنسان وله كرامته، والله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، وهو مؤمن، والمؤمن أيضًا له مكانة عظيمة عند الله، وكونه مملوكًا لا يسقط جميع حقوقه، نعم خفف عنه في أمور؛ لمصلحته ولكونه مملوكًا، فهو يباع ويشترى، لكن قول الذين قالوا بأنه كالحر في هذا المقام أولى. *قوله: (وَالدِّيَةُ عِنْدَهُمْ فِيهَا فِي مَالِ الْقَاتِلِ). والدية عندهم في مال القاتل، وليست على العاقلة. *قوله: (وَلَا يَحْلِفُ فِيهَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا عِنْدَ مَالِكٍ (١)، وَلا يَحْلِفُ عِنْدَهُ أَقَلُّ مِنِ اثْنَيْنِ فِي الدَّمِ (٢)، وَيَحْلِفُ

стр. 9619

الْوَاحِدُ فِي الْخَطَأِ (١). وَإِنْ نَكَلَ عِنْدَهُ أَحَدٌ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ) (٢). يعني لو تراجع أحد ولاة الدم الذين ادعوا على فلان أنه هو الذي قتل فلانًا، تقف الدعوى ويبطل الحكم، وهذا ليس عند مالك، بل عند الأئمة كلهم (٣).

стр. 9620

* قوله: (بَطَلَ الْقَوَدُ، وَصَحَّتِ الدِّيَةُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَنْكُلْ؛ أَعْنِي: حَظَّهُ مِنْهَا. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ (١): إِنْ نَكَلَ مِنْهُمْ أَحَدٌ بَطَلَتِ الدِّيَةُ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ). وهذا قد عرفناه في القصاص، أنه لو عفا أحد الورثة فحينئذ لا قود، وإنما ينتقل بعد ذلك إلى الدية. * قوله: (وَفُرُوعُ هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ). إذن فروع هذا الباب ليست هي كل التي ذكرها المؤلف، ونحن عرضنا لبعضها، وإلا فهي أكثر مما ذكره المؤلف، ولكنه يقتصر -كما هو معلوم- على أكبر المسائل وأمهاتها. * قوله: (قَالَ الْقَاضِي: وَالْقَوْلُ فِي الْقَسَامَةِ هُوَ دَاخِلٌ فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الدِّمَاءُ). وتثبت الدماء عن طريق الحكم والقضاء. * قوله: (وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ جُزْء مِنْ كِتَابِ الأَقْضِيَةِ، وَلَكِنْ ذَكرْنَاهُ هُنَا عَلَى عَادَتِهِمْ). ولذلك رأينا أنه قال: (وهو جزء من كتاب الأقضية) ولكن كذلك القصاص أيضًا، وكذلك الديات وسائر الجنايات، هي متعلقة بالقضاء، ولكن جرت عادة العلماء رحمهم الله تعالى أن يقسموا الفقه إلى أقسام،

стр. 9621

إلى أبواب متعددة، يذكرون أحكام ذلك القسم، ولا مانع أن ترتبط تلك الأحكام تنفيذًا بالقود فالقضاء إنما هو جهة تنفيذية تطبيقية، وفرق بين القاضي والمفتي أن المفتي تسأله عن الحكم فيخبرك ولا يلزمك به، أما القاضي إذا قضى في أمر فقضاؤه وحكمه ملزم للخصم، وليس له أن يعدل عنه. * قوله: (وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا وَرَدَ قَضَاءٌ خَاص بِجِنْسٍ مِنْ أَجْنَاسِ الأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ رَأَوْا أَنَّ الأَوْلَى أَنْ يُذْكَرَ فِي ذَلِكَ الْجِنْسِ. وَأَمَّا القَضَاءُ الَّذِي يَعُمُّ أَكْثَرَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مِنْ أَجْنَاسِ الأَشْيَاءِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْقَضَاءُ فَيُذْكَرُ فِي كِتَابِ الأَقْضِيَةِ). هذه كثيرة، القضاء يتعلق بالأموال ويتعلق بالديات والجنايات وبالتعدي، وكذلك أيضًا القذف والحدود، هذه كلها إنما تطبق عن تلك عن طريق القضاء، فالقضاء وضعه الله ؛ ليكون مهيمنًا ومرجعًا لتنضبط الأحكام، ولو كان الناس كلهم يصرون على الحق ما احتيج إلى مثل ذلك الأمر ولكن اختلف الناس؛ فهناك ملتزم سائر في طريق الحق، وهناك خارج على حدود الله، فهذا الذي يلتزم يسير في طريقه، وهذا الخارج عن حدود الله يؤخذ على يده، كما قال رسول الله ﷺ : "لتأمرن بمالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي السفيه ولتأطرنه على الحق أطرًا" (١).

стр. 9622

* قوله: (وَقَدْ تَجِدُهُمْ يَفْعَلُونَ الأَمْرَيْنِ جَمِيعًا كَمَا فَعَلَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، فَإِنَّهُ سَاقَ فِيهِ الأَقْضِيَةَ مِنْ كُلِّ كتَابٍ). هذه أمور اصطلاحية كما قال العلماء، ولا مشاحة في الاصطلاح، وأيضًا نحن نعرف أنه أول ما بدأ التدوين كان الفقه والحديث شيئًا واحدًا، يعني كانت كتابة الفقه مع الحديث، فلم يكن الفقه مستقلًّا كما حصل بعد ذلك، ومن الأمثلة كتاب الموطأ للإمام مالك، فهو كتاب حديث وكتاب فقه ففيه أحاديث رسول الله ﷺ ، وفيه جملة من الأحكام الفقهية، ثم بعد ذلك لما بدأ التوسع والتخصص انفصل علم الفقه لما كثرت فروعه وتنوَّعت وكثر التخريج على أقوال العلماء، صار هذا في مدونات وهذا في مدونات، ولكنني ذكرت أن علوم هذه الشريعة مهما افترقت في التدوين فهي دائمًا يسير بعضها مع بعض، وكنت أشبهها كثيرًا بالشجرة التي لها أصل، فأصلها هذه العقيدة الإسلامية الصافية، وما عدا ذلك فهي تلك الفروع التي تتفرع عنها، وأين تتغذى تلك الفروع؟ إنما هو من الأصل، فالأصل بلا شك هو الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتلكم السنة العظيمة المطهرة التي أوتيها رسول الله ﷺ إلى جانب القرآن.

стр. 9623

[كِتَابٌ فِي أَحْكَامِ الزِّنَا] قال المصنف رحمه الله تعالى: (كِتَابٌ فِي أَحْكَامِ الزِّنَا وَالنَّظَرُ فِي أُصُولِ هَذَا الْكِتَابِ فِي حَدِّ الزِّنَا). الزنى جريمة من الجرائم، وهذه الجريمة يترتب عليها عقوبة، هذه العقوبة هي الحد، والحد يختلف بين البكر والثيب. *قوله: (وَفِي أَصْنَافِ الزُّنَاةِ، وَفِي الْعُقُوبَاتِ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ). لأن الزناة ليسوا صنفًا واحدًا؛ فهناك البكر وهناك الثيب، وهناك الحر وهناك العبد، وهناك المسلم وهناك الكافر، فهم أنواع من حيث تنوعهم. * قوله: (وَفِيمَا تَثْبُتُ بِهِ هَذِهِ الْفَاحِشَةُ) (١). وذلك لخطورة هذا الأمر وشدته، ولأن الله حض على صيانة

стр. 9624

أعراض المؤمنين والمحافظة عليها، وكذلك رسول الله ﷺ ، فإن هذه الجريمة لا تثبت إلا بواحد من ثلاثة، والثالث أيضًا قد يكون شبهة، ولكن الاثنين هما الإقرار، وهل يكفي إقرار واحد أو لا بد من أربعة؟ ثم يأتي بعد ذلك الشهود، والشهود مطالبون بأن يكونوا رأوا وشاهدوا. * * * قال المصنف رحمه الله تعالى: (الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي حَدَ الزِّنَا (١) فَأَمَّا الزِّنَا فَهُوَ كُلُّ وَطْءٍ وَقَعَ عَلَى غَيْرِ نِكَاحٍ، وَلَا شُبْهَةِ (٢) نِكَاحٍ وَلَا مِلْكِ يَمِينٍ (٣)).

стр. 9625

لذلك يقول الله في سورة المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾؛ إذن فالله أباح النكاح بشروطه وأركانه المعروفة، وكذلك أيضًا ما يتعلق يملك اليمين والتسري، فإن ذلك مما أباحته هذه الشريعة الإسلامية، أما ما عدا ذلك فلا يجوز، لكن العلماء يختلفون في أمور: هل يدرأ بها الحد أو لا، كما لو أن إنسانًا مثلًا وطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره، نكاحٍ المتعة، الشغار، التحليل، نكاح خامسة في عدة المرأة المطلقة طلاقًا بائنًا، كذلك نكاح أخت المطلقة طلاقًا بائنًا في عدتها. هذه من الأمور التي يعدونها من الشبه والتي يدرأ بها الحد، ولكنَّ هناك أمورًا لا يعدونها شبهًا عند كثير من العلماء كالذي يتزوج خامسة، أو التي في عدتها، أو يتزوج امرأة متزوجة، ونحو ذلك من المسائل الكثيرة، هذه كلها إن شاء الله سنعرض لها؛ لأن المؤلف لم يعرض لكثير من ذلك، ولكن نحن أيضًا عند المناسبة سنمر على ما لم يذكر في الكتاب. *قوله: (وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ بِالْجُمْلَةِ مِنْ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِيمَا هُوَ شُبْهَة تَدْرَأُ الْحُدُودَ مِمَّا لَيْسَ بِشُبْهَةٍ دَارِئَةٍ). لأن المؤلف سيذكر أمثلة مختصرة عن الشبه، بعض العلماء يرى أنها شبهة يدرأ بها الحد أولًا، بعضها متفق عليها أنها شبهة، وبعضها مختلف فيها أهي شبهة أم لا؟ كما لو أن رجلًا وطئ جارلة امرأته، أي: أمة امرأته، فالعلماء مختلفون فيها، وسيذكر المؤلف فيها أقوالًا أربعة.

стр. 9626

* قوله: (وَفي ذَلِكَ مَسَائِلُ نَذْكُرُ مِنْهَا أَشْهَرَهَا. فَمِنْهَا الأَمَةُ يَقَعُ عَلَيْهَا الرَّجُلُ، وَلَهُ فِيهَا شِرْكٌ). إذا كان هناك شرك، يعني شراكة بين اثنين، ومن ذلك إماء أو أمة، فوقع أحد الشريكين على تلك الجارية بدعوى أنها ملك له، وأن له نصيبًا منها، أي: أنه شريك في ملكها، فهل تعتبر هذه في الحقيقة شبهة؟ الجواب: نعم، هذا هو رأي جماهير العلماء؛ لأن له ملكًا فيها، وهذا الملك يعتبر شبهة، لا بمعنى أنه يبيح له الوطء؛ وإنما القصد بقولهم شبهة هو أنه يدرأ عنه الحد عند جماهير العلماء. * قوله: (فَقَالَ مَالِكٌ (١): يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ، وَإِنْ وَلَدَتْ أُلْحِقَ الْوَلَدُ بِهِ، وَقُوِّمَتْ عَلَيْهِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة) (٢). وبه قال أبو حنيفة والشافعي (٣)، وأحمد (٤)، إذن الأئمة الأربعة يرون

стр. 9627

أن من وطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره، فإنه يدرأ عنه الحد، فهو قد ارتكب معصية وذنبًا، لكن يدرأ عنه الحد؛ لوجود الشبهة، لكن لو قدر أنها حبلت منه فجاءت بولد، فما ذنب هذا الولد؟ قالوا: يلحق به نسبًا. * قوله: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُعَزَّرُ (١). وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: عَلَيْهِ الْحَدُّ كَامِلًا إِذَا عَلِمَ الْحُرْمَةَ (٢). وَحُجَّةُ الْجَمَاعَةِ قَوْلُهُ ﵊: "ادْرَؤوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ") (٣). هذا الحديث جاء بألفاظ عدة "ادرؤوا الحدود بالشبهات" "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم" (٤) وألفاظ كثيرة جدًّا، وعندما تفردها تجد أنها متكلم فيها، لكن العلماء جمعوا تلك الطرق وقالوا بأنها صالحة للاحتجاج بها، وإذا طبقت هذه على أصول الشريعة تجد أنها تلتقي معها؛ فإن هذه الشريعة قامت على أمور، منها التيسير ورفع الحرج، فهذه أمور قد يحصل فيها خطأ من بعض الناس، فتكون تلك الشبهة بذلك رافعة لذلك الحد. * قوله: (وَالَّذِينَ دَرَؤوا الْحُدُودَ اخْتَلَفُوا هَلْ يَلْزَمُهُ مِنْ صَدَاقِ المِثْلِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ؟ أَمْ لا يَلْزَمُ؟). هذه مسألة مختلف فيها، وقد مرت في كتاب النكاح، وعرضنا لها

стр. 9628

إذا وطئ إنسان امرأة بشبهة، فهل يثبت لها الصداق؟ (١)، هل هناك فرق بين من تطاوع ومن لا تطاوع؟ المكرهة هل يختلف أمرها عن غيرها؟ فيه مسائل كثيرة مرت في النكاح. * قوله: (وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ ذَلِكَ الَّذِي يُغَلَّبُ مِنْهَا حُكْمُهُ عَلَى الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ؟ أَمْ حُكْمُ الَّذِي لَا يَمْلِكُ يُغَلَّبُ عَلَى حُكْمِ الَّذِي يَمْلِكُ؟). القصد أن له ملكًا ولغيره ملكًا، فهل يغلب ملكه على ملك غيره أو ملك غيره على ملكه؟ هل يغلب ملكه على ملك غيره؛ لأنه له نصيب وقد حصل منه ذلك، أو يغلب ملك غيره عليه؛ لأنه قد تعدى وتجاوز الحد؟. والحقيقة أن سبب الخلاف هو شبهة الملك، يعني هو يملك، لا يملكها ملكًا كاملًا فهذه الشبهة كونه يملك جزءًا منها هي التي درئ عنه بها الحد.

стр. 9629

* قوله: (فَإِنَّ حُكْمَ مَا مَلَكَ الحِلِّيَّةُ، وَحُكْمَ مَا لَمْ يَمْلِكِ الْحُرْمِيَّةُ). بدليل أنها لو كانت كلها له لكانت له حلالًا، له أن يطأها وينظر أيضًا إلى ما شاء منها. * قوله: (وَمِنْهَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الرَّجُلِ الْمُجَاهِدِ يَطَأُ جَارِيَةً مِنَ الْمَغْنَمِ). معلوم أن المغنم هو ما يغنمه المسلمون في الجهاد، وهذا المغنم في الأصل يكون ملكًا عامًّا للمجاهدين، ثم بعد ذلك يمر بمراحل؛ يحرز ثم بعد ذلك يقسم، فإذا قسّم وأخذ كل واحد نصيبه، فإنه يكون ملكًا له، ولكن عندما يحرز قبل أن يقسم، أو إذا قسم ولم يأخذ كل واحد نصيبه، فهنا يحصل الخلاف، لكن إذا حاز كل واحد من أصحاب الأسهم سهمه أو أسهمه، فإنه لا يجوز التعدي عليه؛ لأنه يكون ملكًا خاصًّا به، فيكون التعدي عليه كالتعدي علي سائر أملاكه، ومعلوم أن الغلول محرم ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وأنه لا يجوز أيضًا الأخذ منه. ولكن العلماء يختلفون في أمور بالنسبة للجهاد فيما يتعلق أيضًا بالدواب التي تركب للجهاد، التي نقول الآن عنها سيارات. * قوله: (فَقَالَ قَوْم: عَلَيْهِ الْحَدّ (١)، وَدَرَأَ قَوْم عَنْهُ الْحَدَّ، وَهُوَ أَشْبَهُ) (٢).

стр. 9630

وهو أشبه بالقواعد وبما مضى، وهو رأي الأكثر؛ لأنهم قالوا: له حق في تلك الأسهم. * قوله: (وَالسَّبَبُ فِي هَذِهِ وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا وَاحِد، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهَا أَنْ يُحِلَّ رَجُل لِرَجُلٍ وَطْءَ خَادِمِهِ). يعني خادمته، يعني إنسان له جارلة فيدعو آخر إليها، فيقول: أنا آذن لك بوطئها، فهل هذا الوطء يحل ذلك المحرم؟ لم يقل أحد بأنه يحل، لكنها تكون شبهة، فهو يملك تلك الجارية، وله هو أن يطأها متى شاء، وقد أذن لغيره أو أحلها لغيره، فهل يكون ذلك شبهة للمحلل له أن يطأها فيدرأ عنه الحد؟ أو لا يكون ذلك؟. * قوله: (فَقَالَ مَالِك: يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ (١)، وَقَالَ غَيْر: يُعَزَّرُ،
следующие страницы →